← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

مسألة [٩]: ما هي الأعمال التي تلزم العامل ورب المال ؟ يذكر أهل العلم أنَّ على العامل الأعمال التي فيها صلاح الثمرة وزيادتها من الأعمال التي لا تتأبد، مثل السقي، والحرث، وتقليم الشجر، وقطع الحشائش المضرة، وما أشبه ذلك. وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل، كسد الحيطان، وإنشاء الأنهار، وحفر البئر، وتجهيز آلاته القديمة، أو الحديثة، وشراء ما يلقح به، وما أشبه ذلك. قلتُ: والعمدة في ذلك هو العُرف، وما ذكره هو الذي تعارف الناس عليه، والله أعلم. (١) مسألة [١٠]: إذا قال رب الأرض: إذا سقيته بكلفة فلك النصف، وإن لم يكن بكلفة فلك الثلث. ونحو ذلك ؟ ومثل ذلك إذا قال: إذا زرعته برًّا فلك النصف، وإن زرعته شعيرًا فلك الثلث. • ففي هذه المسألة قولان للحنابلة أشهرهما المنع؛ لأنه يؤدي إلى جهالة العمل، وجهالة القدر. والصحيح هو الجواز؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، وليس في ذلك ظلمٌ، ولا غرر، ولا ربا، والله أعلم. (٢)

стр. 3537

مسألة [١١]: المساقاة على شجرٍ صغير، أو على شجر يغرسه . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٥٢): وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيِّ النَّخْلِ صغاره أَوْ صِغَارِ الشَّجَرِ، إلَى مُدَّةٍ يَحْمِلُ فِيهَا غَالِبًا، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا جُزْءٌ مِنْ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ عَمَلَ الْعَامِلِ يَكْثُرُ، وَنَصِيبَهُ يَقِلُّ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا. اهـ وقال ﵀ (٧/ ٥٥٢): وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ، وَيَعْمَلُ فِيهِ حَتَّى يَحْمِلَ، وَيَكُونُ لَهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ؛ صَحَّ أَيْضًا. وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ سَاقَاهُ عَلَى صِغَارِ الشَّجَرِ، عَلَى مَا بَيَّنَاهُ. اهـ (١) مسألة [١٢]: هل عقد المساقاة والمزارعة لازم، أم جائزٌ ؟ • مذهب أحمد، وبعض أصحاب الحديث أنَّ المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة، واستدلوا على ذلك بحديث معاملة أهل خيبر؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «نقركم بها على ذلك ما شئنا»، ولأنه عقد على جزء من نماء المال؛ فكان جائزًا كالمضاربة، وفارق الإجارة؛ لأنها بيع، فكانت لازمة، قالوا: ولو كان عقدًا لازمًا؛ للزم بيان المدة وتحديدها. • ومذهب أكثر الفقهاء أنها عقد لازم؛ لأنه عقد معاوضة، فكان لازمًا كالإجارة، ولأنه لو كان جائزًا لرب المال فسخه إذا أدركت الثمرة، فيسقط حق العامل، فيستضر، واختار هذا القول شيخ الإسلام ﵀ كما في «الإنصاف».

стр. 3538

• وقال بعض الحنابلة: هي جائزة من جهة العامل، لازمة من جهة المالك، كالإجارة. واختار الشيخ ابن عثيمين ﵀ قول الجمهور كما في «الشرح الممتع» (٩/ ٤٥٣)، فقال: وهذا هو الصحيح، وعليه عمل الناس اليوم؛ لأننا لو قلنا: إنه عقد جائز؛ كثر الضرر والنزاع بين الناس، ولأنَّ العامل ربما يتحيل فيأتي إلى صاحب الملك، ويأخذ منه الملك مساقاة في موسم المساقاة، فإذا زال الموسم جاء إلى المالك وفسخ، وكذلك بالعكس ربما يكون المالك أعطى العامل هذا الملك ليعمل فيه، فإذا زادت الأسهم للملاك فسخها، وأعطاه أجرة المثل، فالصواب أن المساقاة عقد لازم، ويتعين فيها تحديد المدة. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي -والله أعلم- أنهما إن كان اشترطا عند العقد الاستمرار، أو كان عرف الناس ذلك؛ فيكون عقدًا لازمًا، وإلا فهو عقد جائز كالمضاربة؛ فإنَّ صاحب الشجر قد يرى عاملًا أفضل من الأول، فيرغب فيه، والعامل قد يكسل عن العمل، أو يمرض، أو يشغل، فيريد الترك، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]. وقد ذكر القائلون بأنه عقد جائز أنه إن كان الفسخ قبل ظهور الثمرة؛ فإن كان من رب الشجر؛ فعليه للعامل أجرة المثل، والأقرب أن يقال: له نصيب المثل. وإن كان الفسخ من العامل فلا شيء له.

стр. 3539

وإن كان الفسخ بعد ظهور الثمرة من العامل، وتنازل عن حقه؛ فلا إشكال، وأما إن لم يتنازل عن حقه، أو أراد رب الأرض الفسخ؛ فالثمرة بينهما، ويلزم العامل إتمام العمل في هذه ا لصورة، وذكر ذلك ابن حزم أيضًا. وننبه أيضًا أنَّ العقد يصبح لازمًا إذا كان في الفسخ ضرر على العامل، أو رب المال، والله أعلم. (١) مسألة [١٣]: هل يشترط للمساقاة تحديد المدة ؟ • أما مذهب الجمهور فهو اشتراط التحديد؛ لأنهم يرون عقد المساقاة من العقود اللازمة؛ فوجب عندهم تحديدها، ولا تنفسخ عندهم بالموت، بل يقوم الوارث مقام مورثه؛ لأنه عقد لازم. • ومذهب الحنابلة في الأشهر، وهو قول الظاهرية عدم اشتراط ذلك؛ لأنَّ عقد المساقاة عندهم جائز كالمضاربة؛ فإن كل واحد منهما يملك فسخها متى شاء، وهذا هو الصواب، والله أعلم. (٢) مسألة [١٤]: إن شرط العامل على رب المال أن يعمل معه بعض الأعمال التي تجب عليه، والعكس ؟ • مذهب أحمد، والشافعي، ومالك أنه لا يصح اشتراط ذلك، ولا تصح

стр. 3540

المساقاة بذلك؛ لأنَّ المساقاة التي أباحها الشرع جاءت بأن يكون على أحدهما الشجر والآخر عليه العمل، فأصبح الشرط مخالفًا لمقتضى العقد، واستثنى مالك الأعمال اليسيرة. • وللحنابلة وجهٌ -وهو رواية عن أحمد- أنه يصح؛ لأنه شرط لا يخل بمصلحة العقد، ولا مفسدة فيه، ولا يؤدي إلى الجهالة، أو الغرر، أو الربا، وما أشبه ذلك، وهذا القول أرجح، والله أعلم. وهو مقتضى اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما. (١) مسألة [١٥]: إذا شرط العامل على رب المال أن يعمل معه غلمانه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٤١): وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ غِلْمَانُ رَبِّ الْمَالِ، فَهُوَ كَشَرْطِ عَمَلِ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ كَعَمَلِهِ؛ فَإِنَّ يَدَ الْغُلَامِ كَيَدِ مَوْلَاهُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: كَمَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ غِلْمَانَهُ مَالُهُ، فَجَازَ أَنْ تَعْمَلَ تَبَعًا لِمَالِهِ، كَثَوْرِ الدُّولَابِ، وَكَمَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْعَامِلِ بَهِيمَةً يَحْمِلُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا رَبُّ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ تَبَعًا. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. فَإِذَا شَرَطَ غِلْمَانًا يَعْمَلُونَ مَعَهُ؛ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَى مَا يَشْتَرِطَانِ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَطْلَقَا، وَلَمْ يَذْكُرَا نَفَقَتَهُمْ؛ فَهِيَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: نَفَقَتُهُمْ عَلَى الْمُسَاقِي، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْرُطَهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الْمُسَاقِي، فَمُؤْنَةُ مَنْ يَعْمَلُهُ عَلَيْهِ،

стр. 3541

كَمُؤْنَةِ غِلْمَانِهِ. قال: وَلَنَا أَنَّهُ مَمْلُوكُ رَبِّ الْمَالِ؛ فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهُ؛ فَإِنْ شَرَطَهَا عَلَى الْعَامِلِ؛ جَازَ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُهَا؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ مَا لَا يَلْزَمُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَسَائِرِ الشُّرُوطِ. قال: وَلَنَا أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ تَقْدِيرُهَا؛ لَوَجَبَ ذِكْرُ صِفَاتِهَا، وَلَا يَجِبُ ذِكْرُ صِفَاتِهَا؛ فَلَمْ يَجِبْ تَقْدِيرُهَا. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح في المسائل المذكورة قول أحمد، والشافعي، والله أعلم. مسألة [١٦]: هل للعامل أن يعامل غيره على الأرض، أو الشجر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٥١): وَإِذَا سَاقَى رَجُلًا، أَوْ زَارَعَهُ، فَعَامَلَ الْعَامِلُ غَيْرَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ؛ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ إذَا جَاءَ بِرَجُلٍ أَمِينٍ. وَلَنَا أَنَّهُ عَامِلٌ فِي الْمَالِ بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ؛ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَامِلَ غَيْرَهُ فِيهِ، كَالْمُضَارِبِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ فِيهِ؛ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ، كَالْوَكِيلِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح مذهب الحنابلة، ولكن إذا عامل العامل غيره على سبيل الاستئجار؛ فالظاهر جوازه، والأجرة على العامل، والله أعلم.

стр. 3542

مسألة [١٧]: هل يجوز أن يشترط أحدهما لنفسه دراهم معلومة زيادة على العقد ؟ قال ابن رشد ﵀ في «بداية المجتهد» (٤/ ٣٧): واتفقوا على أنه لا يجوز فيها اشتراط منفعة زائدة، مثل أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة دراهم، أو دنانير. انتهى المراد. وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٥١): إذا شرط جزءًا معلومًا من الثمرة، ودراهم معلومة، كعشرة ونحوها؛ لم يجز بغير خلاف. اهـ مسألة [١٨]: إذا ساقاه على أرض خراجية، فعلى من الخراج ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٥٠): وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٌ؛ فَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّقَبَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ، سَوَاءٌ أَثْمَرَتْ الشَّجَرَةُ أَوْ لَمْ تُثْمِرْ، وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ أُجْرَةً لِلْأَرْضِ؛ فَكَانَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَزَارَعَ غَيْرَهُ فِيهَا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. اهـ وقال ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٥١): فَأَمَّا إنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا؛ فَلَهُ أَنْ يُزَارِعَ غَيْرَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَنَافِعُهَا مُسْتَحَقَّةً لَهُ، فَمَلَكَ الْمُزَارَعَةَ فِيهَا، كَالْمَالِكِ، وَالْأُجْرَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمُزَارِعِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْخَرَاجِ. اهـ

стр. 3543

مسألة [١٩]: المساقاة والمزارعة في الأرض الموقوفة . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٥١): وَلِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يُزَارِعَ فِي الْوَقْفِ، وَيُسَاقِيَ عَلَى شَجَرِهِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَالِكٌ لِرَقَبَةِ ذَلِكَ، أَوْ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ مسألة [٢٠]: متى يملك العامل حصته من الثمرة ؟ • مذهب الحنابلة أنَّ العامل يملك حصته من الثمرة بظهورها، وهو أحد قولي الشافعي، وهو المذهب عند أصحابه؛ لأنَّ الاشتراط صحيح، فيثبت مقتضاه كسائر الشروط الصحيحة، ومقتضاه كون الثمرة بينهما على كل حال؛ لأنه لو لم يملكها قبل القسمة؛ لما وجبت القسمة، ولا ملكها كالأصل. • وذهب الشافعي -في قولٍ له- أنه يملكها بالمقاسمة، كالقراض. وأُجيب: بأنَّ القراض أيضًا يملكه بالظهور، ويستقر الملك بالمقاسمة كما تقدم. والقول الأول هو الصحيح، وينبني عليه أنه يلزم كل واحد منهما زكاة نصيبه إذا بلغت حصته نصابًا، وإن لم تبلغ النصاب إلا بجمعها؛ لم تجب؛ لأنَّ الخلطة لا تؤثر في غير المواشي على الصحيح. وهذا قول ابن حزم أيضًا. (١)

стр. 3544

مسألة [٢١]: إذا اختلف العامل مع صاحب الأرض ؟ • الخلاف بين العلماء في مسألة اختلاف العامل مع رب الأرض، أو الشجر كالخلاف المتقدم في باب القراض بين العامل ورب المال، وما تقدم ترجيحه هنالك فهو الراجح ههنا، والله أعلم. (١) مسألة [٢٢]: إذا فسدت المساقاة، أو المزارعة ؟ • الخلاف في ذلك كالخلاف في المضاربة الفاسدة، فأكثر العلماء يجعلون الربح والثمرة لرب الشجر، أو الأرض، وللعامل أجرة مثله. • والذي اختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن حزم أنَّ له سهم مثله، وهو قول مالك في رواية عنه، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين. وهو الصحيح، والله أعلم. (٢)

стр. 3545

٨٩٧ - وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلَّا هَذَا؛ فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) وَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ إطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ. ٨٩٨ - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَارَعَةِ [وَأَمَرَ] (٢) بِالمُؤَاجَرَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: تعريف المزارعة . هي دفع الأرض إلى من يزرعها ويعمل فيها والزرع بينهما بنصيب مشاع معلوم. مسألة [٢]: مشروعية المزارعة . • أكثر العلماء على مشروعية المزارعة، والعمدة في الجواز حديث ابن عمر الذي في أول الباب.

стр. 3546

قال البخاري ﵀ فِي كِتَابِ الْحَرْثِ وَالْمُزَارَعَةِ مِنْ «صَحِيْحِهِ» [بَاب:٨]: بَاب الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِه، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَزَارَعَ عَلِيٌّ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ (١)، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمُ، وَعُرْوَةُ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ، وَآلُ عُمَرَ، وَآلُ عَلِيٍّ، وَابْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ. وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى: إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ؛ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ؛ فَلَهُمْ كَذَا. اهـ قلتُ: وممن قال بذلك سعيد بن المسيب، والزهري، وطاوس، وأبو يوسف، ومحمد، وهو قول أحمد، وإسحاق، والليث، والبخاري، والظاهرية وغيرهم. • وذهب بعض الفقهاء إلى عدم مشروعية ذلك، وهو قول أبي حنيفة كقوله في المساقاة، وقال به مالك، والشافعي؛ إلا أنَّ مالكًا والشافعي أجازا المزارعة مع المساقاة تبعًا بأن تكون أقل من الثلث عند مالك، وبأن تكون المساقاة الأغلب عند الشافعي. وحجتهم في المنع من المزارعة: حديث ثابت بن الضحاك الذي في الباب،

стр. 3547

وحديث رافع ابن خديج عن بعض عمومته كما في «صحيح مسلم» (١٥٤٨)، قال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع، والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يَزرعها، أو يُزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك. واستدلوا على المنع بحديث جابر في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن المخابرة. (١) والمخابرة: المزارعة، مشتقة من الخَبَار وهي الأرض اللينة، والخبير الأكَّار، وقيل: المخابرة معاملة أهل خيبر. قلتُ: الصواب هو القول الأول، وهو ترجيح كثير من المحققين، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والصنعاني وغيرهم. وقد أجاب ابن القيم على حديث رافع بن خديج الذي استدلوا به من وجوه، فقال في «تهذيب السنن» (٥/ ٥٨ - ) بعد أن أورد المذهب الأول. قال ﵀: وهذا أمر صحيح مشهور، وقد عمل به النبي ﷺ حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدون من بعده حتى ماتوا، ثم أهلوهم بعدهم، ولم يبق بالمدينة أهل بيت إلا عملوا به، وعمل به أزواج النبي ﷺ من بعده، ومثل هذا يستحيل أن يكون منسوخًا؛ لاستمرار العمل به من النبي ﷺ إلى أن قبضه الله، وكذلك استمرار عمل خلفائه الراشدين به، فنسخ هذا من أمحل المحال، وأما حديث رافع بن خديج فجوابه من وجوه: أحدها: أنه حديث في غاية الاضطراب والتلون،

стр. 3548

قال الإمام أحمد: حديث رافع بن خديج ألوان. وقال أيضًا: حديث رافع ضروب. الثاني: أنَّ الصحابة أنكروه على رافع، قال زيد بن ثابت وقد حُكي له حديث رافع: أنا أعلم بذلك منه، وإنما سمع النبي ﷺ رجلين قد اقتتلا، فقال: «إن كان هذا شأنكم؛ فلا تكروا المزارع» (١)، وفي «البخاري» عن عمرو بن دينار قال: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة؛ فإنهم يزعمون أنَّ النبي ﷺ نهى عنها؟ قال: إنَّ أعلمهم -يعني ابن عباس- أخبرني أنَّ النبي ﷺ لم ينه عنها، ولكن قال: «أن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا». (٢) الثالث: أنَّ في بعض ألفاظ حديث رافع ما لا يقول به أحدٌ، وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق. الرابع: من تأمل حديث رافع، وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مجملها على مفسرها، ومطلقها على مقيدها؛ علم أنَّ الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك أَمْرٌ بَيِّن الفساد، وهو المزارعة الظالمة الجائرة؛ فإنه قال: كنا نكري الأرض على أنَّ لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه. (٣) وفي لفظ له: كان الناس يؤاجرون -فذكر حديث الباب- قال: وهذا من أبين ما في حديث رافع وأصحه، وما فيه من مجمل، أو مطلق، أو مختصر فيُحمل على هذا المفسر

стр. 3549

المبين المتفق عليه لفظًا وحكمًا. قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه رسول الله ﷺ أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز. وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أنَّ النهي كان لتلك العلل، فلا تعارض إذن بين حديث رافع، وأحاديث الجواز بوجه. الخامس: أنه لو قدر معارضة حديث رافع لأحاديث الجواز، وامتنع الجمع بينهما؛ لكان منسوخًا قطعًا بلا ريب؛ لأنه لابد من نسخ أحد الخبرين، ويستحيل نسخ أحاديث الجواز؛ لاستمرار العمل بها من النبي ﷺ إلى أن تُوفِّي، واستمر عمل الخلفاء الراشدين بها، وهذا أمر معلوم عند من له خبرة بالنقل. السادس: أنَّ الذي في حديث رافع إنما هو النهي عن كرائها بالثلث والربع، لا عن المزارعة، وليس هذا بمخالف لجواز المزراعة؛ فإنَّ الإجارة شيءٌ والمزارعة شيء. السابع: أنَّ ما في المزارعة من الحاجة إليها والمصلحة، وقيام أمر الناس عليها يمنع من تحريمها والنهي عنها؛ لأنَّ ما كان كذلك؛ فإنَّ الشارع لا يحرمه، ولا ينهى عنه؛ لعموم مصلحته، وشدة الحاجة إليه، كما في المضاربة، والمساقاة، بل الحاجة في المزارعة آكد منها في المضاربة؛ لشدة الحاجة إلى الزرع، والأرض لا ينتفع بها إلا بالعمل بها بخلاف المال. قال: وكذلك الجواب عن حديث جابر سواء، وقد تقدم في بعض طرقه أنهم

стр. 3550

كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القِصْرِّي (١)، ومن كذا ومن كذا. قال النبي ﷺ : «من كان له أرض؛ فليزرعها، أو ليحرثها أخاه» (٢)، فهذا مفسر مبين ذكر فيه سبب النهي، وأطلق في غيره من الألفاظ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيد المبين، ويدل على أنَّ هذا هو المراد بالنهي. انتهى كلامه ﵀ باختصار. قلتُ: وحديث ثابت بن الضحاك يُحمل على ما حمل عليه حديث رافع، وجابر من المزارعة المحرمة، أو يُحمل على أنَّ النهي عن ذلك على سبيل الكراهة لا التحريم كما بينه ابن عباس، والله أعلم. (٣) مسألة [٣]: الجمع بين المزارعة والمساقاة . • الذين تقدم ذكرهم أنهم يجيزون المزارعة يجيزون الجمع بينها وبين المساقاة، سواء كان الزرع أقل من الثمرة، أو أكثر؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عامل أهل خيبر على الأمرين. • وذهب الشافعي، ومالك إلى جواز ذلك بشرط أن يكون الزرع تبعًا، فحدده مالك بالثلث فما دون، وحدده الشافعي بدون الأغلب وحملهم على ذلك الجمع بين أحاديث النهي، وبين حديث ابن عمر في معاملة أهل خيبر، وهذا الجمع ليس بصحيح ولا دليل عليه، وقد تقدم الجواب عن أحاديث النهي، والله أعلم.

стр. 3551

مسألة [٤]: هل يشترط في المزارعة أن يكون البذر من رب الأرض ؟ • اشترط ذلك جماعةٌ من أهل العلم، وهو المشهور في مذهب أحمد، وقال به إسحاق، والشافعي، وابن سيرين، وقاسوا ذلك على المضاربة، وعلل بعضهم المنع بأنَّ البذر إذا كان من العامل؛ أصبح كأنه باع البذر من صاحب الأرض بمجهول من الطعام نسيئة، وهو لا يجوز. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك، وأجازوا أن يكون البذر من كل واحد منهما على ما تراضيا، وهذا قول أحمد في رواية، وأبي يوسف، وبعض أهل الحديث ورجَّح ذلك ابن قدامة، وشيخ الإسلام، وابن القيم، والمرداوي واختاره ابن حزم. واستدلوا على ذلك بمعاملة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأهل خيبر، فلم ينقل أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يدفع إليهم البذر، وهو ظاهر قول عمر الذي تقدم نقله في ترجمة البخاري في أول المزارعة، وهو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٥]: هل يجوز أن يدفع الأرض إلى رجل يغرسها أشجارًا، والغرس بينهما ؟ قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (٤/ ١٩): تَجُوزُ الْمُغَارَسَةُ عِنْدَنَا عَلَى شَجَرِ الْجَوْزِ وَغَيْرِهِ، بِأَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أَرْضَهُ، وَيَقُولَ: اغْرِسْهَا مِنْ الْأَشْجَارِ كَذَا

стр. 3552

وَكَذَا، وَالْغَرْسُ بَيْنَنَا نِصْفَانِ، وَهَذَا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالَهُ يَتَّجِرُ فِيهِ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَكَمَا يَدْفَعُ إلَيْهِ أَرْضَهُ يَزْرَعُهَا، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا، وَكَمَا يَدْفَعُ إلَيْهِ شَجَرَةً يَقُومُ عَلَيْها، وَالثَّمَرُ بَيْنَهُمَا. قال: فَكُلُّ ذَلِكَ شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ، قَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِهَا النَّصُّ، وَالْقِيَاسُ، وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ، وَمَصَالِحُ النَّاسِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا مَصْلَحَةٍ، وَلَا مَعْنًى صَحِيحٍ يُوجِبُ فَسَادَهَا. اهـ بتصرف، وانظر بقية كلامه؛ فإنه مفيد. وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ١٤٨): ولو دفع أرضه إلى رجل يغرسها بجزء من الغراس؛ صح كالمزارعة، واختاره أبو حفص العكبري، والقاضي في تعليقه، وهو ظاهر مذهب أحمد. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: ويحتاج في هذه المسألة إلى تحديد المدة التي ينتفع بها من الشجر؛ حتى لا يبقى ماله في أرض غيره بدون تحديد أجل؛ فذلك غرر. مسألة [٦]: إذا دفع الأرض إلى من يزرعها، أو يغرسها، والأرض، والشجر بينهما ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٥٣): وَإِنْ دَفَعَهَا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ بَيْنَهُمَا؛ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ وَجْهًا وَاحِدًا. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ اشْتِرَاكَهُمَا فِي

стр. 3553

الْأَصْلِ؛ فَفَسَدَ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الشَّجَرَ وَالنَّخِيلَ؛ لِيَكُونَ الْأَصْلُ وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، أَوْ شَرَطَ فِي الْمُزَارَعَةِ كَوْنَ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ بَيْنَهُمَا. اهـ مسألة [٧]: إذا دفع رجل لآخر أرضًا وقال: ساقيتك على النصف، فهل له أن يزرعها أيضًا ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٦١): فَأَمَّا إنْ قَالَ: سَاقَيْتُك عَلَى الشَّجَرِ بِالنِّصْفِ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَرْضَ؛ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ، وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَزْرَعَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ: لِلدَّاخِلِ زَرْعُ الْبَيَاضِ؛ فَإِنْ تَشَارَطَا أَنَّ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا؛ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنَّهُ يَزْرَعُ الْبَيَاضَ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ يَسْقِي لِرَبِّ الْأَرْضِ، فَتِلْكَ زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ هَذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَقْدُ؛ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ أَرْضًا مُنْفَرِدَةً. اهـ قلتُ: والصواب قول أحمد، والشافعي رحمهما الله. مسألة [٨]: المزارعة على أنَّ لفلان القطعة المعينة من الأرض . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٦٦): وَإِنْ زَارَعَهُ عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ زَرْعًا بِعَيْنِهِ، وَلِلْعَامِلِ زَرْعًا بِعَيْنِهِ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ لِأَحَدِهِمَا زَرْعَ نَاحِيَةٍ، وَلِلْآخَرِ زَرْعَ أُخْرَى، أَوْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا مَا عَلَى السَّوَاقِي وَالْجَدَاوِلِ، إمَّا مُنْفَرِدًا، أَوْ مَعَ نَصِيبِهِ؛ فَهُوَ فَاسِدٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ صَحِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنْهُ غَيْرُ مُعَارَضٍ وَلَا مَنْسُوخٍ، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَلَفِ مَا عُيِّنَ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَيَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْغَلَّةِ دُونَ صَاحِبِهِ. اهـ

стр. 3554

مسألة [٩]: إجارة الأرض . • أما إجارتها بالذهب والورق؛ فجائز عند عامة أهل العلم؛ لحديث رافع بن خديج الذي في الباب، وكذلك حديث ثابت بن الضحاك. • وكره ذلك الحسن، وطاوس. • ومنع من ذلك ابن حزم؛ لما جاء في بعض الأحاديث في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر من لم يزرع أرضه أن يمنحها أخاه، قال: فإن أبى؛ فليمسك أرضه. (١) وأجاب الجمهور: أنَّ هذا على سبيل الاستحباب والأفضلية كما بين ذلك ابن عباس ﵄، والصحيح قول الجمهور. • وأما إجارتها بطعام مسمَّى حاضرًا من غير جنس المزروع فأجازه الجمهور. • ومنعه مالك. • وأما إن كان من جنسه؛ فمنعه مالك، وأحمد في رواية. • وأجازه الجمهور، وهو الصحيح؛ لأنَّ هذه إجارة، وليست من باب بيع الطعام بالطعام. (٢)

стр. 3555

مسألة [١٠]: تأجير الأرض بجزء مشاع مما يخرج منها . • أكثر أهل العلم على المنع من ذلك؛ لأنها إجارة بشيء مجهول، ومن شرط عوض الإجارة أن يكون معلومًا. • وجاء عن أحمد رواية بالجواز، وحملها ابن قدامة على ما إذا قصد المزارعة، وهذا هو الصواب، أنهما إن قصدا بذلك المزارعة؛ صحَّت، وإن أطلقا عليه لفظ الإجارة، وقصدا أنها إجارة؛ فلا تصح؛ لأنَّ الإجارة لازمة، والعوض مجهول؛ فلا يصح، والله أعلم. (١)

стр. 3556

٨٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) ٩٠٠ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢) ٩٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ : ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا، فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣) ٩٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (٤) ٩٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (٥) ٩٠٤ - [وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَالبَيْهَقِيِّ. (٦)

стр. 3557

٩٠٥ - وَجَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ، وَكُلُّهَا ضِعَافٌ. (١)] (٢) ٩٠٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُسَمِّ لَهُ أُجْرَتَهُ». رَوَاهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ. وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، وَوَصَلَهُ البَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ. (٣)

стр. 3558

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: تعريف الإجارة . الإجارة في اللغة: مشتقة من الأجر، وهو العوض، ومنه سُمِّي الثواب أجرًا؛ لأنه إكرامٌ من الله للعبد على طاعته، أو صبره على المصائب والمعاصي. وفي الشرع: هي عقدٌ على منفعة معلومة، أو عمل معلوم بعوض معلوم. (١) مسألة [٢]: مشروعية الإجارة . دلَّ على مشروعيتها الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين. أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:٢٧]، وقوله: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف:٧٧]. ومن السنة: أحاديث الباب، ومعها حديث عائشة ﵂ أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استأجر رجلًا مِن بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا (٢) -حِينَ هَاجر إلى المدينة-. رواه البخاري (٢٢٦٤)، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة. أخرجه البخاري

стр. 3559

أيضًا (٢٢٦٢)، عن أبي هريرة ﵁. وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعية الإجارة في الجملة؛ إلا ما حُكي عن الأصم من المنع، وهو عن الحق أصم. (١) مسألة [٣]: هل الإجارة تعتبر بيعًا ؟ • أطلق كثير من الفقهاء أنها تعتبر بيعًا، وأنكر ذلك ابن حزم ﵀؛ لأنها لو كانت بيعًا؛ لكان بيعًا لما لا يوجد وللمعدوم، وهذا لا يجوز، وحجة الجمهور في كونها بيعًا أنها عبارة عن معاوضة، فأحدهم يبذل مالًا، والآخر يبذل المنافع. قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (٢/ ٤ - ٦): إنْ أَرَدْتُمْ بِهِ الْبَيْعَ الْخَاصَّ الَّذِي يَكُونُ الْعَقْدُ فِيهِ عَلَى الْأَعْيَانِ لَا عَلَى الْمَنَافِعِ؛ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِهِ الْبَيْعَ الْعَامَّ الَّذِي هُوَ مُعَاوَضَةٌ إمَّا عَلَى عَيْنٍ، وَإِمَّا عَلَى مَنْفَعَةٍ؛ فَصَحِيْحٌ؛ فَإِنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَ الْمُعَاوَضَةَ عَلَى المَعْدُومِ؛ فَإِنْ قِسْتُمْ بَيْعَ الْمَنَافِعِ عَلَى بَيْعِ الْأَعْيَانِ؛ فَهَذَا قِيَاسٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ فَإِنَّ الْمَنَافِعَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْقَدَ عَلَيْهَا فِي حَالِ وُجُودِهَا أَلْبَتَّةَ، بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهَا الْحِسُّ وَالشَّرْعُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُؤَخَّرَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَعْيَانِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ إلَى أَنْ تُخْلَقَ، كَمَا نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ، وَحَبَلَ الْحَبَلَةِ، وَالثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَالْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَنَهَى عَنْ الْمَلَاقِيحِ، وَالْمَضَامِينِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا يَمْتَنِعُ مِثْلُهُ فِي الْمَنَافِعِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُبَاعَ إلَّا فِي حَالِ عَدَمِهَا. انتهى المراد بتصرف. (٢)

стр. 3560

مسألة [٤]: الإجارة تنعقد من جائز التصرف . لأنه تصرفٌ مالي؛ فلم ينعقد إلا من جائز التصرف، كسائر التصرفات. (١) مسألة [٥]: الألفاظ التي تنعقد بها الإجارة . تنعقد بلفظ الإجارة، والكراء، وما في معناهما، كأن يقول ملكتك نفع هذه العين لمدة كذا بقدر كذا. وهل تنعقد بلفظ البيع، كأن يقول: بعتك منافعها لمدة كذا؟ • فيه وجهان للحنابلة، والشافعية، والصحيح انعقادها؛ لأنَّ العبرة بالمعنى. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الإنصاف»: وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إنْ عَرَفَا الْمَقْصُودَ؛ انْعَقَدَتْ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي عَرَفَ بِهِ الْمُتَعَاقِدَانِ مَقْصُودَهُمَا، وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ؛ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَحُدَّ حَدًّا لِأَلْفَاظِ الْعُقُودِ، بَلْ ذَكَرَهَا مُطْلَقَةً. اهـ وذكر ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (٢/ ٤) نفس كلام شيخ الإسلام بنصه، ثم قال: فَكَمَا تَنْعَقِدُ الْعُقُودُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْفَارِسِيَّةِ، وَالرُّومِيَّةِ، وَالتُّرْكِيَّةِ؛ فَانْعِقَادُهَا بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ. قَالَ شَيْخُنَا: بَلْ نُصُوصُ أَحْمَدَ لَا تَدُلُّ إلَّا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. انتهى المراد. (٢)

стр. 3561

مسألة [٦]: هل المعقود عليه بالإجارة العين، أم المنافع ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٧): المَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنَافِعُ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَيْنُ؛ لِأَنَّهَا المَوْجُودَةُ، وَالْعَقْدُ يُضَافُ إلَيْهَا، فَيَقُولُ: أَجَّرْتُك دَارِي. كَمَا يَقُولُ: بِعْتُكَهَا. وَلَنَا أَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ المُسْتَوْفَى بِالْعَقْدِ، وَذَلِكَ هُوَ المَنَافِعُ دُونَ الْأَعْيَانِ، وَلِأَنَّ الْأَجْرَ فِي مُقَابَلَةِ المَنْفَعَةِ، وَلِهَذَا تُضْمَنُ دُونَ الْعَيْنِ، وَمَا كَانَ الْعِوَضُ فِي مُقَابَلَتِهِ، فَهُوَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ الْعَقْدُ إلَى الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ المَنْفَعَةِ وَمَنْشَؤُهَا. اهـ (١) مسألة [٧]: إذا وقعت الإجارة على مدة؛ عُيِّنَت المدة . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٨): إذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى مُدَّةٍ؛ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً، كَشَهْرٍ وَسَنَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ المُدَّةَ هِيَ الضَّابِطَةُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، المُعَرِّفَةُ لَهُ؛ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً. اهـ مسألة [٨]: بم تحسب المدة ؟ الأصل في حساب المدة في الإجارة وغيرها هي الأشهر الهلالية، قال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، وعلى هذا: فإذا أطلقت المدة فَتُحمل على سنة الأهلة.

стр. 3562

وإن قيدها بسنة عددية، أو سنة بالأيام؛ كان له ثلاثمائة وستون يومًا، وإذا جعلا المدة سنة رومية، أو شمسية، أو فارسية، أو قبطية، وكانا يعلمان ذلك؛ جاز، وإن كان أحدهما يجهل ذلك؛ لم يصح؛ لأنَّ المدة مجهولة في حقِّه. انتهى المراد بتصرف من «المغني» (٨/ ٨ - ٩). (١) مسألة [٩]: إذا استأجر سنة هلالية من أثناء الشهر ؟ أما إن استأجر سنة هلالية أول الهلال؛ فيعد اثني عشر شهرًا بالأهلة، سواء كان الشهر ناقصًا، أم تامًّا، ولا إشكال في ذلك. • وأما إن استأجر سنة هلالية من أثناء الشهر ففيه قولان: الأول: يعدُّ ما بقي من الشهر، ثم يعدُّ بعده إحدى عشر شهرًا بالأهلة، ثم يكمل الشهر الأول بالعدد ثلاثين يومًا، وهذا قول أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي في رواية عنهم، واختاره شيخ الإسلام؛ إلا أنه قال: يكمل الشهر الأول بعدده الذي استقر عليه. الثاني: أنه يَستوفي الجميع بالعدد؛ لأنهما مدة يُسْتَوفى بعضها بالعدد؛ فوجب استيفاء جميعها به، كما لو كانت المدة شهرً واحدًا، ولأنَّ الشهر الأول ينبغي أن يكمل من الشهر الذي يليه فيحصل ابتداء الشهر الثاني في أثنائه، فكذلك كل شهر يأتي بعده، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي في رواية عنهم. قلتُ: والقول الأول أقرب، والله أعلم؛ لأنَّ الشهر الأول تعذر إتمامه بالهلال،

стр. 3563

فأتممناه بالعدد، وأمكن استيفاء ما عداه بالهلال؛ فوجب ذلك؛ لأنه الأصل. (١) مسألة [١٠]: هل مدة الإجارة يشترط أن تلي العقد ؟ • مذهب أحمد، وأبي حنيفة أنه لا يشترط ذلك، بل لهم أن يعقدا إجارة السنة القادمة؛ لأنها مدة يجوز العقد عليها مع غيرها؛ فجاز العقد عليها مفردة مع عموم الناس كالتي تلي العقد. • ومذهب الشافعي أنه يشترط ذلك؛ لأنه عقد على ما لا يمكن تسليمه في الحال؛ فأشبه إجارة العين المغصوبة، وأجاز الشافعي ذلك إذا أجَّرها لمن هو مستأجرٌ لها. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، ولا دليل على اشتراط ذلك. (٢) تنبيه: إذا كانت الإجارة لا تلي العقد؛ فلا بد من ذكر ابتدائها؛ لأنه أحد طرفي العقد؛ فاحتيج إلى معرفته كالانتهاء. «المغني» (٨/ ١٠). مسألة [١١]: إذا أطلق الإجارة، فقال: أجرتك سنة، أو ستة أشهر ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٠): وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَالَ: أَجَرْتُك سَنَةً، أَوْ شَهْرًا؛ صَحَّ، وَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.

стр. 3564

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَصِحُّ حَتَّى يُسَمِّيَ الشَّهْرَ، وَيَذْكُرَ أَيَّ سَنَةٍ هِيَ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ: إذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا شَهْرًا؛ فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يُسَمِّيَ الشَّهْرَ. وَلَنَا قَوْلُ الله تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ ﵇: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧]، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْتِدَاءَهَا، وَلِأَنَّهُ تَقْدِيرٌ بِمُدَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قُرْبَةٌ، فَإِذَا أَطْلَقَهَا؛ وَجَبَ أَنْ تَلِيَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ، كَمُدَّةِ السَّلَمِ وَالْإِيلَاءِ، وَتُفَارِقُ النَّذْرَ؛ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ. اهـ مسألة [١٢]: هل هناك حدٌّ أعلى لمدة الإجارة ؟ • قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٠): وَلَا تَتَقَدَّرُ أَكْثَرُ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ بَلْ تَجُوزُ إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُدَّةَ الَّتِي تَبْقَى فِيهَا وَإِنْ كَثُرَتْ. وَهَذَا قَوْلُ كَافَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ اخْتَلَفُوا فِي مَذْهَبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: كَقَوْلِ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى أَكْثَرَ مِنْهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَبْقَى أَكْثَرَ مِنْهَا، وَتَتَغَيَّرُ الْأَسْعَارُ وَالْأَجْرُ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور، ولا دليل على التقييد، ولكن يقيد قول الجمهور بما قاله ابن حزم ﵀: (إذا كانت المدة مما يمكن بقاء المؤاجرة والمستأجر والشيء المستأجر إليها) وقد أشار إليه ابن قدامة في كلامه المتقدم. (١)

стр. 3565

مسألة [١٣]: من اكترى دابة إلى العشاء، فما هي آخر المدة ؟ • من أهل العلم من قال: آخر المدة إلى غروب الشمس. وهو قول أحمد، والشافعي؛ لأنَّ صلاة العشاء تعرف في الشرع بالعشاء الآخرة؛ فدلَّ على أنَّ المغرب العشاء الأولى. • وقال أبو حنيفة، وأبو ثور: آخرها زوال الشمس؛ لأن العشاء آخر النهار، وآخر النهار النصف الآخر من الزوال، وفي حديث ذي اليدين: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إحدى صلاتي العشي. يعني الظهر، والعصر. وأُجيب: بأنَّ لفظ (العشي) غير لفظة (العشاء)؛ فلا يجوز الاحتجاج بأحدهما على الآخر، حتى يقوم دليل على أنَّ معنى اللفظين واحد، ثم لو ثبت أنَّ معناهما واحد فإنَّ أهل العرف لا يعرفونه؛ فلا يتعلق به حكم. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقوى من القول الثاني؛ إلا أنَّ عرف الناس في هذه الأيام بلفظ (العشاء) هو (العشاء الآخرة)، ولا يطلقونها على المغرب؛ فالعمل على عرفهم، والله أعلم. (١) مسألة [١٤]: إذا اكتراها إلى الليل، أو إلى النهار ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٣): وَإِنْ اكْتَرَاهَا إلَى اللَّيْلِ؛ فَهُوَ إلَى أَوَّلِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَاهَا إلَى النَّهَارِ؛ فَهُوَ إلَى أَوَّلِهِ، وإن اكتراها نهارًا؛ فَهُوَ إِلَى

стр. 3566

غُرُوبِ الشَّمْسِ وَإِنِ اكْتَرَاهَا لَيْلًا فَهُوَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ. اهـ المراد. مسألة [١٥]: عوض الإجارة يشترط أن يكون معلومًا . قال أبو محمد بن قدامة ﵀ (٨/ ١٤): يُشْتَرَطُ فِي عِوَضِ الْإِجَارَةِ كَوْنُهُ مَعْلُومًا، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ. قال: وَيُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ، أَوْ بِالصِّفَةِ، كَالْبَيْعِ سَوَاءً؛ فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ دُونَ الْقَدْرِ، كَالصُّبْرَةِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ، أَشْبَهَهُمَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَعْلُومٌ يَجُوزُ بِهِ الْبَيْعُ، فَجَازَتْ بِهِ الْإِجَارَةُ، كَمَا لَوْ عَلِمَ قَدْرَهُ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بَعْدَ تَلَفِ الصُّبْرَةِ، فَلَا يَدْرِي بِكَمْ يَرْجِعُ، فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ كَعِوَضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ... ، والْفَرْقُ بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَالسَّلَمِ: أَنَّ الْمَنْفَعَةَ هَا هُنَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ، وَالسَّلَمُ يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومٍ فَافْتَرَقَا، وَلِلشَّافِعِيِّ نَحْوٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ. انتهى بتصرف يسير. (١) مسألة [١٦]: ضابط ما يجوز أن يكون عوضًا في الإجارة . • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٤): وَكُلُّ مَا جَازَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ، جَازَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ عَيْنًا وَمَنْفَعَةً أُخْرَى، سَوَاءٌ كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا، كَمَنْفَعَةِ دَارٍ بِمَنْفَعَةِ أُخْرَى، أَوْ مُخْتَلِفًا، كَمَنْفَعَةِ دَارٍ بِمَنْفَعَةِ عَبْدٍ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَرِيَ بِطَعَامٍ

стр. 3567

مَوْصُوفٍ مَعْلُومٍ. وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧]، فَجَعَلَ النِّكَاحَ عِوَضَ الْإِجَارَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ -فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ-: لَا تَجُوزُ إجَارَةُ دَارٍ بِسُكْنَى أُخْرَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ، كَسُكْنَى دَارٍ بِمَنْفَعَةِ بَهِيمَةٍ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ عِنْدِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ. وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ الْإِجَارَةَ بِطَعَامٍ مَوْصُوفٍ. وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ، فَجَازَ فِي الْإِجَارَةِ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْإِجَارَةِ لَيْسَتْ فِي تَقْدِيرِ النَّسِيئَةِ، وَلَوْ كَانَتْ نَسِيئَةً؛ مَا جَازَ فِي جِنْسَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدِينٍ. اهـ (١) مسألة [١٧]: لو استأجر راعيًا لغنمٍ بثلث درها، ونسلها، وصوفها، وشعرها ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٥ - ١٦): وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَاعِيًا لِغَنَمٍ بِثُلُثِ دَرِّهَا، وَنَسْلِهَا، وَصُوفِهَا، وَشَعْرِهَا، أَوْ نِصْفِهِ، أَوْ جَمِيعِهِ؛ لَمْ يَجُزْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدٍ النَّسَائِيّ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَا يَصْلُحُ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ. وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنِ سَعِيدٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ الْبَقَرَةَ إلَى الرَّجُلِ، عَلَى أَنْ يَعْلِفَهَا وَيَتَحَفَّظَهَا، وَمَا وَلَدَتْ مِنْ وَلَدٍ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ: أَكْرَهُ ذَلِكَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو أَيُّوبَ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِوَضَ مَجْهُولٌ مَعْدُومٌ، وَلَا يُدْرَى أَيُوجَدُ أَمْ لَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ

стр. 3568

يَكُونَ ثَمَنًا. اهـ قلتُ: ولكن إن جعلا ذلك كالمساقاة، والمضاربة بأن يكون النماء إذا حصل بينهما، وإن لم يحصل فالوضيعة على رب المال؛ فقد جوز ذلك ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (٤/ ١٩) بعد أن ذكر الصورة المتقدمة، وصورًا أخرى تشبهها. قال ﵀: وَالصَّوَابُ جَوَازُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا؛ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُشَارَكَةِ الَّتِي يَكُونُ الْعَامِلُ فِيهَا شَرِيكَ الْمَالِكِ، هَذَا بِمَالِهِ، وَهَذَا بِعَمَلِهِ، وَمَا رَزَقَ اللهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ الْإِجَارَةِ، حَتَّى قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذِهِ الْمُشَارَكَاتُ أَحَلُّ مِنْ الْإِجَارَةِ، قَالَ: لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَدْفَعُ مَالَهُ، وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ، فَيَفُوزُ الْمُؤَجِّرُ بِالْمَالِ، وَالْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْخَطَرِ؛ إذْ قَدْ يَكْمُلُ الزَّرْعُ، وَقَدْ لَا يَكْمُلُ، بِخِلَافِ الْمُشَارَكَةِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْفَوْزِ وَعَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ، إنْ رَزَقَ اللهُ الْفَائِدَةَ؛ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ مَنَعَهَا؛ اسْتَوَيَا فِي الْحِرْمَانِ، وَهَذَا غَايَةُ الْعَدْلِ، فَلَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِحِلِّ الْإِجَارَةِ وَتَحْرِيمِ هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ. اهـ مسألة [١٨]: متى يملك المؤجر الأجرة إذا أطلقا العقد ؟ • مذهب أحمد، الشافعي أنَّ الْمُؤجر يملك الأجرة بمجرد العقد، كما يملك البائع الثمن بالبيع، ولأنه عقد معاوضة أطلق ذكره؛ فَيُستَحق بمطلق العقد كالثمن والصداق.

стр. 3569

• ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنه يملكها بالاستيفاء، فكلما استوفى منفعةَ يومٍ؛ ملك أجرتَه، ولأنه عوض لم يملك معوضه؛ فلم يجب تسليمه، وعلى هذا فلا يملك المؤجر المطالبة بالأجرة حتى يستوفي المستأجر المنافع؛ إلا أن يطالب ببعض ما استوفاه. وعلى القول الأول يملك المطالبة بمجرد العقد؛ إلا أن يشترطا التأجيل، وقد استدل لأهل القول الثاني بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث الباب: «وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ»، فأمر بالآية الأولى بإيتائهن بعد الإرضاع، وتوعَّد في الحديث على الامتناع من دفع الأجر بعد العمل؛ فدلَّ على أنها حالة الوجوب. وأجاب أصحاب القول الأول: أنَّ الآية ليست صريحة في ذلك، بل يحتمل أنها مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، وكذلك الحديث يحقق أنَّ الأمر بالإيتاء في وقتٍ لا يمنع وجوبه قبله، كقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٤]، والصداق يجب قبل الاستمتاع، وهذا هو الجواب عن الحديث، ويدل عليه أنه إنما توعد على ترك الإيفاء بعد الفراغ من العمل، وقد قالوا: يجب الأجر شيئًا فشيئًا. وجواب آخر: أنَّ الآية والخبر إنما وردا فيمن استؤجر على عمل، فأما ما وقعت الإجارة فيه على مدة؛ فلا تعرض لها به.

стр. 3570

قلتُ: قول أحمد، والشافعي أصح، وأقرب، والله أعلم، ولكن لا خلاف عندهم أنَّ الملك لا يستقر إلا بإستيفاء المنافع. قال شيخ الإسلام ﵀ -بعد أن ذكر القولين-: ولا نزاع أنها لا تجب إلا باستيفاء المنفعة، ولا نزاع في سقوطها بتلف المنافع قبل الاستيفاء. اهـ وكأنه يريد: لا نزاع بين المذكورين في المسألة، والله أعلم. (١) تنبيه: إذا شرط التأجيل؛ فليس له المطالبة حتى يأتي الأجل بلا نزاع بين من تقدم ذكرهم. قاله شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٥٥). (٢) مسألة [١٩]: إذا مضت المدة، ولم ينتفع المستأجر من العين التي أخذها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٩): وَإِنْ سُلِّمَتْ إلَيْهِ الْعَيْنُ الَّتِي وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا، وَمَضَتْ الْمُدَّةُ، وَلَا حَاجِزَ لَهُ عَنْ الِانْتِفَاعِ؛ اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ، وَهِيَ حَقُّهُ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بَدَلُهَا، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي. وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ، فَتَسَلَّمَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا، مِثْلُ أَنْ يَكْتَرِيَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إلَى حِمْصَ، فَقَبَضَهَا، وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ رُكُوبُهَا فِيهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ؛ فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى

стр. 3571

مُدَّةٍ فَمَضَتْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَسْتَقِرُّ الْأَجْرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مُؤَقَّتَةٍ بِزَمَنٍ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَدَلُهَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا، كَالْأَجْرِ لِلْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ. اهـ قلتُ: والقول الأول أقرب، والله أعلم؛ إلا أن يكون تأخره حصل برضى المؤجر. مسألة [٢٠]: إذا بذلت له العين المؤجرة، فلم يأخذها، فهل يضمن وعليه الأجرة ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٩): فَإِنْ بَذَلَ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ، فَلَمْ يَأْخُذْهَا المُسْتَأْجِرُ حَتَّى انْقَضَتْ المُدَّةُ؛ اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ المَنَافِعَ تَلِفَتْ بِاخْتِيَارِهِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَإِنْ بَذَلَ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ، وَكَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ فِيهَا؛ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ المَنَافِعَ تَلِفَتْ بِاخْتِيَارِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَجْرَ عَلَيْهِ. وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِيّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ؛ فَلَمْ يَسْتَقِرَّ عِوَضُهُ بِبَذْلِ التَّسْلِيمِ، كَالمُسْلَمِ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مُؤَقَّتَةٍ بِزَمَنٍ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ عِوَضُهَا بِالْبَذْلِ، كَالصَّدَاقِ إذَا بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا وَامْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ أَخْذِهَا. اهـ

стр. 3572

مسألة [٢١]: إذا حصل البذل، أو التسليم بعقد فاسد، ثم تركها ولم يستوف المنافع ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٠): وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ، فَفِيمَا إذَا عَرَضَهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَلَمْ يَأْخُذْهَا؛ لَا أَجْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ تَحْتَ يَدِهِ، وَلَا فِي مِلْكِهِ. وَإِنْ قَبَضَهَا، وَمَضَتْ الْمُدَّةُ، أَوْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا، أَوْ لَا يُمْكِنُ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِمُدَّةِ بَقَائِهَا فِي يَدِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ؛ فَرَجَعَ إلَى قِيمَتِهَا، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهَا. وَالثَّانِيَةُ: لَا شَيْءَ لَهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ عَلَى مَنَافِعَ لَمْ يَسْتَوْفِهَا؛ فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا، كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَإِنْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ؛ فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ، مِنْ الْمُسَمَّى، أَوْ أَجْرِ الْمِثْلِ؛ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تُضْمَنُ إلَّا بِالْعَقْدِ. وَلَنَا أَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ؛ وَجَبَ ضَمَانُهُ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ فِي الْفَاسِدِ، كَالْأَعْيَانِ. وَمَا ذَكَرَهُ لَا نُسَلِّمُهُ. وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ مسألة [٢٢]: إذا وقعت الإجارة على كل شهر بشيء معلوم ؟ • مذهب أحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي وغيرهم أنَّ الإجارة صحيحة، والشهر الأول تلزم الإجارة فيه بإطلاق العقد؛ لأنه معلوم يلي العقد، وله أجر معلوم، وما بعده من الشهور يلزم العقد فيه بالتلبس به، وهو السكنى في الدار

стр. 3573

مثلًا إن كانت الإجارة على دار؛ لأنه مجهول حال العقد، فإذا تلبس به تعين بالدخول فيه؛ فصح بالعقد الأول، وإن لم يتلبس به، أو فسخ العقد عند انقضاء الشهر الأول؛ انفسخ، وكذلك حكم كل شهر يأتي. • وذهب الشافعي في الأصح من قوليه، والثوري، وبعض الحنابلة إلى أنَّ العقد باطل؛ لأنَّ (كل) اسمٌ للعدد، فإذا لم يقدره؛ كان مبهمًا مجهولًا؛ فيكون فاسدًا، كما لو قال: أجرتك مدةً، أو أشهرًا. وأُجيب عن هذا: بأنَّ الجهالة بعدد الأشهر لا تضر؛ لأنها ليست لازمة إلا بالشهر الأول، وقياسهم غير صحيح؛ لوجود الفارق، وهو الجهالة المضرة بفترة عقد الإجارة في الصورة المقيس عليها. والقول الأول هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمة الله عليهما. (١) تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٢): إذَا قَالَ: أَجَّرْتُك دَارِي عِشْرِينَ شَهْرًا، كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ؛ جَازَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ، وَأَجْرَهَا مَعْلُومٌ، وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخٌ بِحَالِ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: آجَرْتُك عِشْرِينَ شَهْرًا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا. اهـ مسألة [٢٣]: هل الإجارة عقد لازم، أم جائز ؟ الإجارة من العقود اللازمة عند أهل العلم؛ إلا أنَّ أبا حنيفة وأصحابه

стр. 3574

يجيزون للمستأجر الفسخ إذا حصل له عذر في نفسه، مثل أن يكتري جملًا ليحج عليه فيمرض، أو تضيع نفقته، أو يكتري دكانًا للبزِّ فيحترق متاعه؛ لأنَّ هذا العذر يتعذر معه استيفاء المنفعة، أشبه ما لو تلفت العين المستأجرة، أو منع منها، وهو ظاهر اختيار ابن حزم ﵀، ورجَّح هذا الإمام ابن عثيمين ﵀، وعزاه لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وعمدة الجمهور هو قول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وهذا عقدٌ على معاوضةٍ؛ فلم ينفسخ كالبيع. قالوا: ويمكنه أن يؤجره، أو ينتفع به في شيء آخر، والله أعلم. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور، وينبغي للمؤجر أن يفسخ العقد إذا علم أنَّ المستأجر لا يستطيع الانتفاع بالعين المؤجرة، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، ولا يبعد عن الصواب إلزام المؤجر بفسخ الإجارة إذا لم يكن عليه ضرر، وعليه يحمل قول شيخ الإسلام ﵀، ومن قال بقوله، والله أعلى وأعلم. (١) مسألة [٢٤]: إذا ترك المستأجر العين المستأجرة قبل انقضاء المدة ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٣): الْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الْمُؤَجِّرِ الْأَجْرَ، وَالْمُسْتَأْجِرِ الْمُنَافِعَ، فَإِذَا فَسَخَ الْمُسْتَأْجِرُ

стр. 3575

الْإِجَارَةَ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا، وَتَرَكَ الِانْتِفَاعَ اخْتِيَارًا مِنْهُ؛ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ، وَالْأَجْرُ لَازِمٌ لَهُ، وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ الْمُنَافِعِ. اهـ مسألة [٢٥]: استئجار العقارات والدواب، وهل يشترط مشاهدتها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٣ - ٢٤): وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ إجَارَةِ الْعَقَارِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ اسْتِئْجَارَ الْمُنَازِلِ وَالدَّوَابِّ جَائِزٌ. وَلَا تَجُوزُ إجَارَتُهَا إلَّا فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ وَتَحْدِيدِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ، وَلَا وَصْفُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إذَا ضُبِطَ بِالصِّفَةِ؛ أَجْزَأَ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي: لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: إن استطيع ضبطه بالصفة؛ أجزأ، كما قال أبو ثور، وإلا فلا يجزئ، كقول الحنابلة، والشافعية، والله أعلم. مسألة [٢٦]: كراء الحَمَّام . قال ابن المنذر ﵀ كما في «المغني» (٨/ ٢٤): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ كراء الحمام جائزٌ إذا حدده، وذكر جميع آلته، شهورًا مسماة. اهـ قلتُ: ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه سئل عن ذلك؟ فقال: أخشى. وكأنه لم يعجبه، وهذا منه على طريق الكراهة؛ تنزيهًا، لا تحريمًا، كما بين ذلك أصحابه؛ لأنه تبدو فيه العورات.
следующие страницы →