مسألة [٢١]: إذا حصل البذل، أو التسليم بعقد فاسد، ثم تركها ولم يستوف المنافع ؟
• قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٠): وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ، فَفِيمَا إذَا عَرَضَهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَلَمْ يَأْخُذْهَا؛ لَا أَجْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ تَحْتَ يَدِهِ، وَلَا فِي مِلْكِهِ. وَإِنْ قَبَضَهَا، وَمَضَتْ الْمُدَّةُ، أَوْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا، أَوْ لَا يُمْكِنُ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِمُدَّةِ بَقَائِهَا فِي يَدِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ؛ فَرَجَعَ إلَى قِيمَتِهَا، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهَا. وَالثَّانِيَةُ: لَا شَيْءَ لَهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ عَلَى مَنَافِعَ لَمْ يَسْتَوْفِهَا؛ فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا، كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَإِنْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ؛ فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ، مِنْ الْمُسَمَّى، أَوْ أَجْرِ الْمِثْلِ؛ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تُضْمَنُ إلَّا بِالْعَقْدِ. وَلَنَا أَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ؛ وَجَبَ ضَمَانُهُ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ فِي الْفَاسِدِ، كَالْأَعْيَانِ. وَمَا ذَكَرَهُ لَا نُسَلِّمُهُ. وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ
مسألة [٢٢]: إذا وقعت الإجارة على كل شهر بشيء معلوم ؟
• مذهب أحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي وغيرهم أنَّ الإجارة صحيحة، والشهر الأول تلزم الإجارة فيه بإطلاق العقد؛ لأنه معلوم يلي العقد، وله أجر معلوم، وما بعده من الشهور يلزم العقد فيه بالتلبس به، وهو السكنى في الدار
стр. 3573
مثلًا إن كانت الإجارة على دار؛ لأنه مجهول حال العقد، فإذا تلبس به تعين بالدخول فيه؛ فصح بالعقد الأول، وإن لم يتلبس به، أو فسخ العقد عند انقضاء الشهر الأول؛ انفسخ، وكذلك حكم كل شهر يأتي.
• وذهب الشافعي في الأصح من قوليه، والثوري، وبعض الحنابلة إلى أنَّ العقد باطل؛ لأنَّ (كل) اسمٌ للعدد، فإذا لم يقدره؛ كان مبهمًا مجهولًا؛ فيكون فاسدًا، كما لو قال: أجرتك مدةً، أو أشهرًا.
وأُجيب عن هذا: بأنَّ الجهالة بعدد الأشهر لا تضر؛ لأنها ليست لازمة إلا بالشهر الأول، وقياسهم غير صحيح؛ لوجود الفارق، وهو الجهالة المضرة بفترة عقد الإجارة في الصورة المقيس عليها. والقول الأول هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمة الله عليهما. (١)
تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٢): إذَا قَالَ: أَجَّرْتُك دَارِي عِشْرِينَ شَهْرًا، كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ؛ جَازَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ، وَأَجْرَهَا مَعْلُومٌ، وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخٌ بِحَالِ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: آجَرْتُك عِشْرِينَ شَهْرًا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا. اهـ
مسألة [٢٣]: هل الإجارة عقد لازم، أم جائز ؟
الإجارة من العقود اللازمة عند أهل العلم؛ إلا أنَّ أبا حنيفة وأصحابه
стр. 3574
يجيزون للمستأجر الفسخ إذا حصل له عذر في نفسه، مثل أن يكتري جملًا ليحج عليه فيمرض، أو تضيع نفقته، أو يكتري دكانًا للبزِّ فيحترق متاعه؛ لأنَّ هذا العذر يتعذر معه استيفاء المنفعة، أشبه ما لو تلفت العين المستأجرة، أو منع منها، وهو ظاهر اختيار ابن حزم ﵀، ورجَّح هذا الإمام ابن عثيمين ﵀، وعزاه لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وعمدة الجمهور هو قول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وهذا عقدٌ على معاوضةٍ؛ فلم ينفسخ كالبيع. قالوا: ويمكنه أن يؤجره، أو ينتفع به في شيء آخر، والله أعلم.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور، وينبغي للمؤجر أن يفسخ العقد إذا علم أنَّ المستأجر لا يستطيع الانتفاع بالعين المؤجرة، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، ولا يبعد عن الصواب إلزام المؤجر بفسخ الإجارة إذا لم يكن عليه ضرر، وعليه يحمل قول شيخ الإسلام ﵀، ومن قال بقوله، والله أعلى وأعلم. (١)
مسألة [٢٤]: إذا ترك المستأجر العين المستأجرة قبل انقضاء المدة ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٣): الْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الْمُؤَجِّرِ الْأَجْرَ، وَالْمُسْتَأْجِرِ الْمُنَافِعَ، فَإِذَا فَسَخَ الْمُسْتَأْجِرُ
стр. 3575
الْإِجَارَةَ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا، وَتَرَكَ الِانْتِفَاعَ اخْتِيَارًا مِنْهُ؛ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ، وَالْأَجْرُ لَازِمٌ لَهُ، وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ الْمُنَافِعِ. اهـ
مسألة [٢٥]: استئجار العقارات والدواب، وهل يشترط مشاهدتها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٣ - ٢٤): وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ إجَارَةِ الْعَقَارِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ اسْتِئْجَارَ الْمُنَازِلِ وَالدَّوَابِّ جَائِزٌ. وَلَا تَجُوزُ إجَارَتُهَا إلَّا فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ وَتَحْدِيدِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ، وَلَا وَصْفُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إذَا ضُبِطَ بِالصِّفَةِ؛ أَجْزَأَ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي: لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: إن استطيع ضبطه بالصفة؛ أجزأ، كما قال أبو ثور، وإلا فلا يجزئ، كقول الحنابلة، والشافعية، والله أعلم.
مسألة [٢٦]: كراء الحَمَّام .
قال ابن المنذر ﵀ كما في «المغني» (٨/ ٢٤): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ كراء الحمام جائزٌ إذا حدده، وذكر جميع آلته، شهورًا مسماة. اهـ
قلتُ: ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه سئل عن ذلك؟ فقال: أخشى. وكأنه لم يعجبه، وهذا منه على طريق الكراهة؛ تنزيهًا، لا تحريمًا، كما بين ذلك أصحابه؛ لأنه تبدو فيه العورات.
стр. 3576
• ومذهب مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي الجواز؛ لأنَّ المكتري إنما يأخذ الأجر عوضًا عن دخول الحمَّام، والاغتسال بمائه، وأحوال المسلمين محمولة على السلامة، وإن وقع من بعضهم فعل ما لا يجوز؛ لم يحرم الأجر المأخوذ منه، كما لو اكترى دارًا ليسكنها، فشرب فيها خمرًا. (١)
مسألة [٢٧]: هل للمؤجر أن ينتفع بالعين المستأجرة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٥):. وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ الْمَنَافِعَ بِالْعَقْدِ، كَمَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِالْبَيْعِ، وَيَزُولُ مِلْكُ الْمُؤَجِّرِ عَنْهَا، كَمَا يَزُولُ مِلْكُ الْبَائِعِ عَنْ الْمَبِيعِ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهِ، كَمَا لَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيعِ. اهـ
• فإذا تصرف المؤجر بالعين المستأجرة، فقال جماعة من أهل العلم: لا تنفسخ الإجارة بذلك، بل للمؤجر من المستأجر الأجرة المسماة، وللمستأجر من المؤجر أجرة المثل للمدة التي انتفع بها، وهذا قول جماعة من الحنابلة، وقال بعض الحنابلة، والشافعية: تنفسخ تلك المدة من الإجارة.
والقول الأول أقرب، والله أعلم.
مسألة [٢٨]: إذا أخذ المؤجر العين المستأجرة قبل تمام المدة ؟
• مذهب الحنابلةأنه ليس له شيء من الأجرة؛ لأنه لم يسلم إليه ما عقد الإجارة عليه؛ فلم يستحق شيئًا كما لو استأجره ليحمل له كتابًا إلى موضعٍ،
стр. 3577
فحمله بعض الطريق، أو استأجره ليحفر له عشرين ذراعًا، فحفر له عشرةً، وامتنع من حفر الباقي.
• ومذهب أكثر الفقهاء أنَّ له أجر ما سكن إن كان المستأجَر دارًا، وكذلك أجر غير السكن إن كان المستأجَر غير سكن؛ لأنه أخذ ملك غيره على سبيل المعاوضة؛ فلزمه عوضه كالمبيع، وكما لو تعذر استيفاء الباقي لأمرٍ غالب.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنَّ له أجرة ما يستحقه مثله، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٩]: إذا تلفت العين المستأجرة هل تنفسخ الإجارة ؟
إذا تلفت قبل قبضها؛ انفسخت الإجارة بغير خلاف، كما ذكر ابن قدامة ﵀.
• وإذا تلفت بعد القبض قبل الاستعمال؛ فتنفسخ أيضًا في قول عامة أهل العلم، وخالف أبو ثور، فقال: يستقر الأجر بالقبض، وهو غلطٌ منه؛ لأنَّ المعقود عليه المنافع لا العين.
• وإذا تلفت بعد استعمالها لمدة معينة؛ فإنَّ الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة دون ما مضى، ويكون للمؤجر من الأجر بقدر ما استُوفي من المنفعة، وهو مذهب أحمد، والشافعي وغيرهما. (٢)
تنبيه: إذاحدث على العين المستأجرة ما يمنع نفعها أصلًا، أو يمنع نفعها
стр. 3578
المعقود عليه؛ تنفسخ الإجارة على الصحيح من قولي أهل العلم، وإذا أمضاها المستأجر؛ فعليه الأجرة كاملة إلا أن يتَّفِقا على أقل من ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٠]: إذا هرب الأجير، أو شردت الدابة، أو هرب المؤجر بالعين، أو منعها، فهل تنفسخ الإجارة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٧): إذَا هَرَبَ الْأَجِيرُ، أَوْ شَرَدَتْ الدَّابَّةُ، أَوْ أَخَذَ الْمُؤَجِّرُ الْعَيْنَ وَهَرَبَ بِهَا، أَوْ مَنَعَهُ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ هَرَبٍ؛ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ، لَكِنْ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الْفَسْخِ؛ فَإِنْ فَسَخَ؛ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ؛ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ يَوْمًا فَيَوْمًا؛ فَإِنْ عَادَتْ الْعَيْنُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ؛ اسْتَوْفَى مَا بَقِيَ مِنْهَا؛ فَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ؛ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ؛ لِفَوَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، أَوْ بِنَاءِ حَائِطٍ، أَوْ حَمْلٍ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ؛ اُسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُهُ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ فَهَرَبَ؛ اُبْتِيعَ مِنْ مَالِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ؛ ثَبَتَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ؛ فَإِنْ فَسَخَ؛ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخَ؛ وَصَبَرَ إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ؛ فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْعَمَلِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَفُوتُ بِهَرَبِهِ. اهـ
مسألة [٣١]: إذا غصبت العين، هل تنفسخ الإجارة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٠): لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ حَقِّهِ؛ فَإِنْ فَسَخَ؛ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ سَوَاءً، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ
стр. 3579
حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ؛ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالْمُسَمَّى، وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْعَقْدِ وَمُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَمْ يَفُتْ مُطْلَقًا، بَلْ إلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الْقِيمَةُ.
قال: وَيَتَخَرَّجُ انْفِسَاخُ الْعَقْدِ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: إنَّ مَنَافِعَ الْغَصْبِ لَا تُضْمَنُ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ.
مسألة [٣٢]: إذا اكترى عينًا ثم وجد بها عيبًا لم يكن علم به ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٢): وَإِذَا اكْتَرَى عَيْنًا، فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ؛ فَلَهُ فَسْخُ الْعَقْدِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إذَا اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا، فَوَجَدَهَا جَمُوحًا، أَوْ عَضُوضًا، أَوْ نَفُورًا، أَوْ بِهَا عَيْبٌ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُفْسِدُ رُكُوبَهَا؛ فَلِلْمُكْتَرِي الْخِيَارُ، إنْ شَاءَ رَدَّهَا وَفَسَخَ الْإِجَارَةَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ كَالْعَيْبِ فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ. وَالْعَيْبُ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ مَا تَنْقُصُ بِهِ قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ. اهـ
مسألة [٣٣]: استئجار الآدمي الحر .
دلَّ حديث أبي هريرة الذي في الباب على جواز ذلك.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٥): يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْآدَمِيِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ آجَرَ مُوسَى ﵇ نَفْسَهُ لِرِعَايَةِ الْغَنَمِ. وَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ
فِي حَقِّ الْمُعْتَكِفِ بِتَرْكِ مُعْتَكَفِهِ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ الْأَجِيرُ رَكَعَاتِ السُّنَّةِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَمَةَ وَالْحُرَّةَ لِلْخِدْمَةِ، وَلَكِنْ يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ النَّظَرِ، لَيْسَتْ الْأَمَةُ مِثْلَ الْحُرَّةِ، وَلَا يَخْلُو مَعَهَا فِي بَيْتٍ، وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهَا مُتَجَرِّدَةً، وَلَا إلَى شَعْرِهَا. إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّظَرِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ كَحُكْمِهِ قَبْلَهَا، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ قَبْلَ الْإِجَارَةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَهَا. اهـ
مسألة [٣٦]: إذا مات المكري، أو المستكري، هل تنفسخ الإجارة ؟
• مذهب الثوري، والليث، وأصحاب الرأي، وابن حزم أنَّ الإجارة تنفسخ بموت أحدهما؛ لأنه بموت المكري ينتقل الملك إلى الورثة، وبموت المستكري يتعذر استيفاء المنفعة، والعقد تمَّ معه، لا مع غيره.
• ومذهب الجمهور أنَّ العقد لا ينفسخ، بل يستمر عليه حتى تنتهي المدة المحددة بالأجرة المحددة؛ لأنه عقد لازم فلا ينفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه كالبيع.
وأُجيب عن كون العين تنتقل إلى ملك الورثة بتسليم ذلك، ولكن مع تعلق حق الاستئجار بها، فلا ينافي انتقالها استيفاء الاستئجار المعقود عليه، وبموت المستكري لا يتعذر استيفاء المنفعة، بل لورثته استيفاؤها؛ لأنها من الحقوق التي يرثونها.
وعلى قول الجمهور؛ فإنَّ المكتري إذا لم يكن له من يقوم مقامه في استيفاء
стр. 3582
المنفعة، أو كان غائبًا، كمن يموت في سفر، ويخلف جمله الذي اكتراه، وليس له عليه شيء يحمله، ولا وارث له حاضر يقوم مقامه؛ فإنَّ الإجارة تنفسخ، وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀؛ لأنَّ هذا أمر غالب يمنع المستأجر من الانتفاع بالعين أشبه ما لو غصبت، ولأن بقاء العقد ضرر في حق المكري، والمكتري؛ لأنَّ المكتري يجب عليه الكراء من غير نفع، والمكري يمتنع عليه التصرف في ماله مع ظهور امتناع الكراء عليه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الظاهر أنَّ الراجح قول الجمهور، وهو ظاهر ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [٣٧]: إذا أجَّر الموقوف عليه مدةً، فمات في أثنائها ؟
• في هذه المسألة قولان لأهل العلم، وهما وجهان للحنابلة:
القول الأول: أنَّ الإجارة لا تنفسخ؛ لأنه أجر ملكه في زمن ولايته؛ فلم يبطل بموته كما لو أجر ملكه المطلق.
القول الثاني: تنفسخ الإجارة فيما بقي من المدة؛ لأنَّا تبينا أنه أجر ملكه، وملك غيره؛ فصح ملكه دون ملك غيره، ولأنَّ المنافع بعد موته حق لغيره، فلا ينفذ عقده عليها من غير ملك، ولا ولاية، بخلاف المطلق؛ فإنَّ الوارث يملكه من جهة الموروث؛ فلا يملك إلا ما خلفه، وأما البطن الثاني في الوقف، فيملكونه
стр. 3583
من جهة الواقف، فما حدث فيها بعد البطن الأول كان ملكًا لهم، وهذا القول رجحه شيخ الإسلام ﵀، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٨]: إذا آجر الوليُّ الصبيَّ، أو ماله مدة، فبلغ في أثنائها ؟
• مذهب الحنابلة أنَّ الصبي ليس له فسخ الإجارة؛ لأنَّ تصرف الولي في أمواله نافذ، وهو قول بعض الشافعية.
• ومذهب الشافعية أنْ يفرق بين ما إذا أجره مدةً يتحقق بلوغه في أثنائها، مثل إن أجره عامين، وهو ابن أربع عشرة سنة؛ فتبطل في العام السادس عشر؛ لأننا نتيقن أنه أجره فيها بعد بلوغه، وتصح في الرابع عشر، وفي الخامس عشر على وجهٍ، وهذا قول جماعة من الحنابلة.
• وقال أبو حنيفة: إذا بلغ الصبي فله الخيار بين الفسخ والإمضاء؛ لأنه عقد على منافعه في حال لا يملك التصرف في نفسه، فإذا ملك؛ ثبت له الخيار، كالأمة إذا أُعتقت تحت عبد.
وأُجيب عن ذلك: بأنَّ ما قاس عليه إنما ثبت لها الخيار؛ لأنها عتقت تحت عبد؛ لأجل العيب، لا لما ذُكر، ولهذا لو عتقت تحت حرٍّ؛ لم يثبت لها الخيار.
قال أبو عبد الله غفر الله له: ينبغي أولًا تقييد المسألة بالبلوغ مع الرشد، وأشار
стр. 3584
إلى ذلك ابن رجب في «قواعده»، ثم الذي يظهر أنَّ تصرف الولي نافذ؛ مالم يحصل ضرر على الصبي في ملكه، كأن يعقد عليه مدة طويلة؛ فإنَّ هذا يُفضي إلى أن يعقد على جميع منافعه طول عمره، وإلى أن يتصرف فيه في غير زمن ولايته عليه. (١)
فائدة: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٧): وَإِنْ مَاتَ الْوَلِيُّ الْمُؤَجِّرُ لِلصَّبِيِّ أَوْ مَالِهِ، أَوْ عُزِلَ، وَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى غَيْرِهِ؛ لَمْ يَبْطُلْ عَقْدُهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، فَلَمْ يَبْطُلْ تَصَرُّفُهُ بِمَوْتِهِ أَوْ عَزْلِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ نَاظِرُ الْوَقْفِ أَوْ عُزِلَ، أَوْ مَاتَ الْحَاكِمُ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ فِيمَا لَهُ النَّظَرُ فِيهِ. اهـ
مسألة [٣٩]: إذا أجر عبده مدة، ثم أعتق في أثنائها ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعي في الجديد أنَّ العتق يصح، ولا يبطل عقد الإجارة؛ لأنه عقد لازم عقده على ما يملك، ولا ينافي العتق استيفاء المنفعة التي قد عقدت، وتعلقت بعين العبد.
• ومذهب الشافعي في القديم أنَّ العبد يرجع على سيده بأجر المثل؛ لأنَّ المنافع تُسْتَوفَى منه بسببٍ كان من جهة السيد، فرجع به عليه كما لو أكرهه بعد عتقه على ذلك العمل.
وأُجيب: بأنها منفعة استحقت بالعقد قبل العتق؛ فلم يرجع ببدلها كما لو زوج أمته، ثم أعتقها بعد دخول الزوج بها؛ فإنَّ ما يستوفيه السيد لا يرجع به عليه.
• وقال أبو حنيفة: للعبد الخيار بين الفسخ، أو الإمضاء، كالصبي إذا بلغ.
стр. 3585
والصحيح هو القول الأول إذا كان السيد المعتِق قد اشترط على العبد إتمام العمل، كما حصل لسفينة ﵁، وإن أطلق العتق بدون شرط أو قيد؛ فللعبد الخيار بين أن يتم العمل، أو يتركه؛ إلا إن حصل الضرر بتركه؛ فيلزمه الإتمام، ويرجع على سيده بأجرة المثل كما قال الشافعي في القديم، والله أعلم. (١)
مسألة [٤٠]: إذا أجر عينًا ثم باعها بعد تأجيرها، فهل يصح البيع ؟
• مذهب أحمد، ومالك، والشافعي في أحد قوليه صحة البيع؛ لأنَّ الإجارة عقد على المنافع؛ فلم تمنع الصحة كما لو زوج أمته، ثم باعها.
• وقال الشافعي في قولٍ له: إن باعها لغير المستأجر؛ لم يصح البيع؛ لأنَّ يد المستأجر حائلة تمنع التسليم، فأشبه بيع المغصوب.
وأُجيب عن ذلك: بأنَّ يد المستأجر إنما هي على المنافع، والبيع على الرقبة؛ فلا يمنع ثبوت اليد على أحدهما تسليم الآخر، كما لو باع الأمة المزوجة، ولئن منعت التسليم في الحال، فلا تمنع في الوقت الذي يجب التسليم فيه، وهو عند انقضاء الإجارة، ويكفي القدرة على التسليم حينئذٍ كالْمُسْلَم فيه.
• وقال أبو حنيفة: البيع موقوف على إجازة المستأجر؛ فإن أجازه جاز، وبطلت الإجارة، وإن ردَّه بطل.
وأُجيب: بأنَّ البيع واقع على غير المعقود عليه في الإجارة؛ فلم تعتبر إجازته.
стр. 3586
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح القول الأول، والله أعلم، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم. (١)
مسألة [٤١]: إذا باع العين من المستأجر، فهل تنفسخ الإجارة ؟
• في المسألة وجهان للحنابلة والشافعية:
الوجه الأول: تنفسخ الإجارة وتبطل؛ لأنَّ المستأجر ملك العين، وكما أنَّ ملك العين يمنع ابتداء الإجارة؛ فيمنع استدامتها.
الوجه الثاني: وهو قول أكثرهم، أنَّ الإجارة لا تنفسخ ولا تبطل؛ لأنه ملك المنفعة بعقد ثم ملك الرقبة بعقد آخر؛ فلم يتنافيا، كما يملك الثمرة بعقد ثم يملك الأصل بعقد آخر، ولو أَجر الموصى له بالمنفعة مالك الرقبة؛ صحت الإجارة؛ فدل على أنَّ ملك المنفعة لا ينافي العقد على الرقبة، وكذلك لو استأجر المالك العين المستأجرة من مستأجرها؛ جاز، وعلى هذا فيكون الأجر باقيًا على المشتري، وعليه الثمن، ويجتمعان للبائع، كما لو كان المشتري غيره.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب، والله أعلم.
تنبيه: المسألة مفروضة فيما إذا لم يفسخا الإجارة، وإلا فالغالب أنه إذا حصل عقد على البيع اتفقا على فسخ الإجارة، فإذا حصل الفسخ للإجارة استحق البائع إجارة العين إلى وقت الفسخ، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤٤]: إذا اكترى ظهرًا يركبه، فهل له أن يُركِب من شاء ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٥٣): وَإِذَا اكْتَرَى ظَهْرًا لِيَرْكَبَهُ؛ فَلَهُ أَنْ يُرْكِبَهُ مِثْلَهُ، وَمَنْ هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ، وَلَا يُرْكِبُهُ مَنْ هُوَ أَثْقَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةٍ مُقَدَّرَةٍ بِذَلِكَ الرَّاكِبِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ أَقَلَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاءُ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِمَّا عَقَدَ عَلَيْهِ. اهـ
قلتُ: والتفاوت اليسير متسامح فيه عند أهل العلم.
مسألة [٤٥]: إذا اشترط عليه أن لا يستوفي المنفعة إلا بنفسه ؟
• من أهل العلم من قال: يصح الشرط. وهو وجهٌ للشافعية، وقال به بعض الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لأنه قد يكون له غرض في تخصيصه باستيفاء المنفعة.
• ومنهم من قال: لا يصح الشرط، وهو قول الحنابلة في الأشهر، ووجهٌ للشافعية؛ لأنَّه شرطٌ ينافي مقتضى العقد؛ فإنَّ المستأجر قد ملك المنفعة، فيعمل بها ما شاء، والعقد عند أكثرهم صحيح.
قال أبو عبد الله غفر الله له: إن كان المؤجر له غرض صحيح في الشرط؛ صحَّ، وإلا فلا يصح الشرط، والعقد صحيح على كل حال، والله أعلم. (١)
стр. 3589
تنبيه: قال شيخ الإسلام: فإن تعذر استيفاء المنفعة بنفسه؛ فله الفسخ. اهـ «الاختيارات» (ص ١٥٢).
مسألة [٤٦]: هل يجوز للمستأجر أن يُؤَجِّر العين التي استأجرها ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى الجواز إذا كان قد قبضها، وهو قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، وأبي سلمة، والنخعي، والشعبي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم؛ لأنَّ المنافع ملكه؛ فجاز له إهداؤها، وبيعها، والتصرف فيها.
• وعن أحمد رواية ذكرها بعض أصحابه أنه لا يجوز له ذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ربح مالم يضمن. (١)
وأُجيب: بأنَّ المنافع قد دخلت في ضمان المستأجر ما دامت العين باقية لم تتلف؛ لأنه لا يستوفي المنافع إلا ببقاء العين، ولأنه لو شغل عن الانتفاع بالمنافع؛ لكانت من ضمانه؛ فدلَّ على أن ضمان المنافع على المستأجر، ولكن ذلك مشروط ببقاء العين؛ لأنَّ المنافع والعين لا تكون مقبوضة إلا ببقائها، وعلى هذا فالمستأجر قد ربح فيما ضمن، فالقول الأول هو الصحيح، والله أعلم. (٢)
تنبيه: على قول الجمهور بالجواز؛ فإنه لا يجوز له إجارته إلا لمن يقوم مقامه، أو دونه في الضرر؛ لما تقدم.
стр. 3590
مسألة [٤٧]: هل للمستأجر تأجيرها قبل قبضها ؟
• مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة، والأشهر من قولي الشافعي أنه لا يجوز؛ لأنَّ المنافع مملوكة بعقد معاوضة، فاعتبر في جواز العقد عليها القبض، كالأعيان.
• وذهب بعض الحنابلة، والشافعية إلى الجواز؛ لأنَّ قبض العين في الإجارة لا تأثير له في قبض المنفعة؛ فإنه لو استأجر فانهدمت قبل استيفاء المنفعة؛ انفسخت الإجارة كما لو انهدمت قبل القبض.
قلتُ: والقول الأول أقرب، والله أعلم، وما ذكروه لا ينافي أنَّ قبض العين سبب لقبض المنفعة، ومؤثر في ذلك. (١)
مسألة [٤٨]: هل له أن يؤجِّر العين من مالكها ؟
• مذهب الجمهور جواز ذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد؛ لأنَّ المنافع قد صارت ملكه؛ فجاز له بيعها ممن شاء، ولأنَّ كل عقد جاز مع غير العاقد؛ جاز مع العاقد.
• وذهب أبو حنيفة إلى عدم الجواز؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى تناقض الأحكام؛ فإنَّ التسليم مستحق على الكراء، فإذا اكتراها؛ صار مستحقًّا له، فيصير مستحقًّا لما يستحق عليه.
وأُجيب: بأنَّ كل واحد من الاستحقاقين حصل بعقد منفصل، ولا تناقض في ذلك. (٢)
стр. 3591
مسألة [٤٩]: هل للمستأجر أن يؤجر العين بمبلغ زائد على ما استأجره ؟
• ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو قول عطاء، والحسن، والزهري، وأبي ثور، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر، وابن حزم.
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه عقد يجوز برأس المال؛ فجاز بزيادة، كبيع المبيع بعد قبضه، ولأنَّ المنافع قد صارت ملكًا له يعمل بها ما شاء؛ فله بيعها بما يرضيه.
• وذهب جماعةٌ إلى منع ذلك، وهو رواية عن أحمد، وقال به جماعة من التابعين، منهم: ابن المسيب، وابن سيرين، ومجاهد، وأبو سلمة، وعكرمة، والشعبي، والنخعي؛ لدخولها في ربح مالم يضمن.
• وعن أحمد رواية ثالثة بأنه يجوز له الزيادة إذا كان قد زاد شيئًا في العين المؤجرة من عمارةٍ، أو غيرها؛ فإن فعل بدون زيادة تصدق بالزيادة، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، ورُوي عن الشعبي.
واستدلوا بالحديث: «نهى عن ربح ما لم يضمن».
وأُجيب عن ذلك: بأنَّ المنافع قد دخلت في ضمانه؛ فإنها لو فاتت من غير استيفائه كانت من ضمانه؛ فهو يربح فيما ضمن.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصحيح، والله أعلى وأعلم. (١)
стр. 3592
مسألة [٥٠]: إذا استأجر عينًا لمنفعة معينة فهل له أن ينتفع بها في شيء آخر ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٥٧): وَكُلُّ عَيْنٍ اسْتَأْجَرَهَا لِمَنْفَعَةٍ؛ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِثْلَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَمَا دُونَهَا فِي الضَّرَرِ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي يَسْتَوْفِيهَا أَكْثَرَ ضَرَرًا، أَوْ مُخَالِفَةً لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهَا فِي الضَّرَرِ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، أَوْ غَيْرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ.
ثم قال: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. انتهى بتلخيص.
مسألة [٥١]: إذا أكرى أرضًا للزرع، ولم يبين نوعية الزرع ؟
• مذهب أحمد، والشافعي وغيرهما صحة ذلك، وله زرع ما شاء، وحُكي عن ابن سريج أنه لا يصح حتى يبين نوعية الزرع؛ لأنَّ ضرره يختلف، فلم يصح بدون البيان.
وأُجيب عنه: بأنه بالإطلاق قد أباح له جميع أنواع الزرع، شديدها ضررًا وخفيفها، وكما أنه إذا أجره على أشد الزرع ضررًا؛ جاز، فكذلك إذا عمم، والقول الأول هو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [٥٢]: إذا أكراه الأرض ليزرع حنطة، فهل له أن يزرع غير الحنطة ؟
• عامة أهل العلم على أن له زرع ما عينه، وما ضرره كضرره أو دونه، ولا يتعين عليه ما عينه؛ إلا داود، وأهل الظاهر؛ فإنهم قالوا: لا يجوز له زرع
стр. 3593
غير ما عينه.
وأُجيب: بأنَّ المعقود، عليه منفعة الأرض دون القمح؛ ولهذا يستقر عليه العوض بمضي المدة، وإن لم يزرعها، وإنما ذكر القمح لتقدر به المنفعة؛ فلم يتعين.
والصحيح قول الجمهور. (١)
تنبيه: إذا أكراها للزرع لم يجز له أن يغرسها أو يبنيها؛ لأنَّ ذلك ضرره أشد. (٢)
مسألة [٥٣]: إذا أكراها للغراس، فهل له أن يزرعها ويبنيها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٦١): وَإِنْ أَكْرَاهَا لِلْغِرَاسِ؛ فَفِيهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ، إلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الزَّرْعِ أَقَلُّ مِنْ ضَرَرِ الْغِرَاسِ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَضُرُّ بِبَاطِنِ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ مُخَالِفٌ لِضَرَرِهِ؛ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِظَاهِرِ الْأَرْضِ. انتهى المراد.
مسألة [٥٤]: إذا غرق الزرع أو هلك، فمن يضمنه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٦٣ - ٦٤): وَمَتَى غَرِقَ الزَّرْعُ، أَوْ هَلَكَ بِحَرِيقٍ، أَوْ جَرَادٍ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ غَيْرِهِ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُكْتَرِي. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ التَّالِفَ غَيْرُ المَعْقُودِ عَلَيْهِ. انتهى المراد.
стр. 3594
مسألة [٥٥]: إذا استأجر أرضًا للزراعة مدة، فانتهت المدة ولم يبلغ الزرع حصاده ؟
• إذا كان ذلك بسبب تفريطه، مثل أن يزرع زرعًا جرت العادة بتأخره، أو تأخر في زرعه، أو ما أشبه ذلك، فمذهب الحنابلة أنَّ المالك يُخَيَّر بين أخذ الزرع بالقيمة، وبين تركه، وله أجر المدة الزائدة؛ تشبيهًا له بمن زرع في أرض غيره، وقد تقدمت المسألة في باب الغصب.
• ومذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنَّ للمالك إلزام المستأجر بإخراج زرعه، أو يتفقا على أحد الأمرين السابقين.
قلتُ: يظهر لي أنه إن كان للمالك غرض صحيح بإخراج الزرع؛ فله ذلك، وإلا فليس له إلا أحد الأمرين السابقين؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن إضاعة المال، وفي الحديث: «لا ضرر ولا ضرار».
• وأما إذا كان التأخر بغير تفريط، مثل إبطائه لبردٍ أو غيره، فمذهب الحنابلة، وهو وجهٌ للشافعية أنَّ المؤجر يلزمه تركه إلى أن ينتهي، وله المسمى في العقد، وأجر المثل لما زاد.
• وللشافعية وجهٌ أنه يلزمه نقله؛ لأنَّ المدة المعقود عليها انتهت، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
стр. 3595
مسألة [٥٦]: هل يصح استئجار الأجير بطعامه وكسوته ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو قول مالك، وإسحاق، وأحمد في رواية؛ لأنه عوض منفعة، فقام العرف فيه مقام التسمية، كنفقة الزوجة، ولأنَّ للكسوة عرفًا، وللإطعام عرفًا.
• وعن أحمد رواية أنَّ ذلك جائز في الظئر دون غيرها، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣].
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى عدم جواز ذلك، وهو قول أبي يوسف، والشافعي، ومحمد، وأبي ثور، وابن المنذر، وأحمد في رواية؛ لأنَّ من شرط الأجر أن يكون معلومًا، وهذا مجهول.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وهوترجيح شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما، ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀؛ لأنَّ هذا العوض معلومٌ بالعرف، والاختلاف فيه يسير، والله أعلم. (١)
مسألة [٥٧]: إذا استأجره بطعام، وكسوة معلومة ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٧٠): وَإِنْ شَرَطَ الْأَجِيرُ كِسْوَةً وَنَفَقَةً مَعْلُومَةً مَوْصُوفَةً، كَمَا يُوصَفُ فِي السَّلَمِ؛ جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ الْجَمِيعِ. وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ طَعَامًا وَلَا كِسْوَةً؛ فَنَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ الظِّئْرُ. قَالَ ابْنُ
стр. 3596
الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافًا فِيمَا ذَكَرْت. اهـ
مسألة [٥٨]: إذا استغنى الأجير عن الطعام، أو عجز عن أكله ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٧٠): وَإِنْ اسْتَغْنَى الْأَجِيرُ عَنْ طَعَامِ الْمُؤَجِّرِ بِطَعَامِ نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ عَجَزَ عَنْ الْأَكْلِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهُ، وَكَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا عِوَضٌ، فَلَا تَسْقُطُ بِالْغِنَى عَنْهُ، كَالدَّرَاهِمِ. اهـ
مسألة [٥٩]: استئجار الدابة بعلفها .
• منعه كثيرٌ من الفقهاء؛ لأنه تأجير بعوض مجهول، وأجاز ذلك أحمد في رواية، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم؛ لأنَّ علفها معروف القدر بالعادة، والتفاوت يسير، وهذا أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٦٠]: إذا دفع إلى رجل متاعا، فقال: بعه بكذا، فما ازددت فهو لك ؟
• أجاز ذلك جماعةٌ من أهل العلم، وهو قول ابن سيرين، والشعبي، وشريح، والزهري، وإسحاق، وأحمد، وثبت ذلك عن ابن عباس ﵄ بإسناد رجاله ثقات، وفيه عنعنة هُشيم. قال ابن قدامة: لا يعرف له في عصره مخالف، ولأنها عين تنمَّى بالعمل عليها؛ أشبه دفع مال المضاربة.
• وكره ذلك النخعي، وحماد، وأبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وابن المنذر؛ لأنه أجر مجهول يحتمل الوجود والعدم.
стр. 3597
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٦١]: استئجار الظئر وشروط ذلك .
أجمع أهل العلم على جواز استئجار الظئر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وله أربعة شروط:
الأول: أن تكون مدة الرضاع معلومة؛ لأنه لا يمكن تقديره إلا بها.
الثاني: معرفة الصبي بالمشاهدة؛ لأنَّ الرضاع يختلف باختلاف الصبي في كبره وصغره.
الثالث: موضع الرضاع؛ لأنه يختلف، فيشق عليها في بيته ويسهل عليها في بيتها.
الرابع: معرفة العوض، وكونه معلومًا كما سبق. (٢)
مسألة [٦٢]: إذا ماتت المرضعة، أو الطفل ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعي أنَّ الإجارة تنفسخ لفوات المنفعة بهلاك محلها، وتعذر استيفاء المعقود عليه.
• وقال بعض الحنابلة: إن ماتت المرضعة لا تنفسخ، ويجب في مالها أجر من ترضعه تمام الوقت.
والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (٣)
стр. 3598
مسألة [٦٣]: من اكترى دابة إلى موضعٍ، فجاوزه .
• أما الأجر فعليه الأجر المسمى، وأجر المثل لما زاد عند أكثر أهل العلم، وهو قول أحمد، والشافعي وغيرهم.
• وقال به مالك إذا جاوز بها إلى مسافة بعيدة.
• وقال أبو حنيفة، والثوري: لا أجر عليه لما زاد؛ لأنَّ المنافع عندهما لا تضمن بالغصب.
قلتُ: والصحيح قول الجمهور، وهو القول الأول، ونقل عن الفقهاء السبعة. (١)
تنبيه: إذا تلفت الناقة في حال تعديه؛ فيجب عليه قيمتها، وكذلك عليه الضمان إن تلفت بعد إرجاعها إلى صاحبها، إذا كان سبب تلفها هو التعدي الذي عمله، هذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، وفي المسألة أقوال مختلفة. (٢)
مسألة [٦٤]: من اكترى لحمولة شيء، فزاد عليه ؟
• عليه الأجر المسمى وأجر الزيادة بمثلها، وهو قول أحمد والشافعي وغيرهما. (٣)
مسألة [٦٥]: هل له أن يكتري الدابة مدة غزاته ؟
• أكثر أهل العلم أنه لا يجوز أن يكتري الدابة مدة غزاته، وهو قول أحمد، والشافعي، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وذلك لأنَّ المدة مجهولة، كما لو
стр. 3599
اكتراها لمدة سفره في تجارة.
• وأجاز ذلك مالك؛ لأنه قد عرف وجه الغزو.
والصحيح قول الجمهور؛ لما تقدم، والله أعلم. (١)
مسألة [٦٦]: إذا أكراه في غزاته كل يوم بدرهم ؟
• أجاز ذلك أحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ كل يوم معلوم مدته وأجرته؛ فصحَّ كما لو قال: أجرتك شهرًا كل يوم بدرهم.
• ومنع من ذلك الشافعي؛ لأنَّ مدة الإجارة مجهولة.
وأُجيب: بأنَّ جهالة المدة ههنا لا تؤدي إلى غرر، أو ظلم، أو ربا؛ فالصحيح الجواز، والله أعلم. (٢)
مسألة [٦٧]: إذا قال: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم، وإن خطته غدًا فلك نصف درهم ؟
• منع من ذلك جماعةٌ من أهل العلم، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبي ثور؛ لأنه عقد واحد اختلف فيه العوض بالتقديم والتأخير؛ فلم يصح كالبيعتين في بيعة.
• وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو قول أحمد في رواية، وأبي
стр. 3600
يوسف، ومحمد، والحارث العكلي. ورجَّح ذلك ابن القيم.
قال ﵀ في «أعلام الموقعين» (٣/ ٤١٣): لَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ.
وقال ﵀: بَلْ هَذِهِ الْأَدِلَّةُ تَقْتَضِي صِحَّتَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نِزَاعٌ مُتَأَخِّرٌ، فَالثَّابِتُ عَنْ الصَّحَابَةِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ عَنْهُمْ فِيهِ نِزَاعٌ جَوَازُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ دَفَعَ أَرْضَهُ إلَى مَنْ يَزْرَعُهَا، وَقَالَ: إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ كَذَا، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. (١) وَلَمْ يُخَالِفْهُ صَحَابِيٌّ وَاحِدٌ، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَلَا خَطَرَ، وَلَا غَرَرَ، وَلَا أَكْلَ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَلَا جَهَالَةَ تَعُودُ إلَى الْعَمَلِ وَلَا إلَى الْعِوَضِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا مُعَيَّنًا، وَالْخِيَرَةُ إلَى الْأَجِيرِ أَيَّ ذَلِكَ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ؛ فَعَلَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَيُّ ثَوْبٍ أَخَذْته مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ فَقِيمَتُهُ كَذَا، أَوْ أَيُّ دَابَّةٍ رَكِبْتهَا فَأُجْرَتُهَا كَذَا. انتهى المراد.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو القول الثاني كما رجحه ابن القيم، وأما البيعتان في بيعة فأصح الأقوال فيها أنها (بيع العينة)، وقد تقدم الكلام على ذلك في أوائل كتاب البيوع. (٢)
تنبيه: مثل الخلاف السابق ما لو قال: إذا ركبت هذه الدابة إلى أرض كذا؛
стр. 3601
فعليك كذا، وإلى أرض كذا؛ عليك كذا. ومثلها إن قال: إن زرعت هذه الأرض حنطة؛ فأجرتها مائة، وإن زرعتها شعيرًا؛ فأجرتها خمسون. ونحو ذلك. (١)
مسألة [٦٨]: اكتراء العقبة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٩٦): يَصِحُّ كِرَاءُ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَعْنَاهَا: الرُّكُوبُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، يَرْكَبُ شَيْئًا وَيَمْشِي شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ اكْتِرَاؤُهَا فِي الْجَمِيعِ، جَازَ اكْتِرَاؤُهَا فِي الْبَعْضِ. وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهَا مَعْلُومَةً، إمَّا أَنْ يُقَدِّرَهَا بِفَرَاسِخَ مَعْلُومَةٍ، وَإِمَّا بِالزَّمَانِ، مِثْلَ أَنْ يَرْكَبَ لَيْلًا وَيَمْشِيَ نَهَارًا، وَيُعْتَبَرُ فِي هَذَا زَمَانُ السَّيْرِ دُونَ زَمَانِ النُّزُولِ. وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَ يَوْمًا وَيَمْشِيَ يَوْمًا؛ جَازَ؛ فَإِنْ اكْتَرَى عُقْبَةً، وَأَطْلَقَ؛ احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، وَلَيْسَ لَهُ ضَابِطٌ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا. وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيَمْشِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ مَا زَادَ وَنَقَصَ؛ جَازَ. اهـ
قلتُ: الصحيح أنه إذا أطلق لا تصح الإجارة؛ للجهالة، ولعدم وجود عرف ينضبط في ذلك، والله أعلم.
مسألة [٦٩]: هل يشترط في التأجير للركوب رؤية الراكب ؟
• مذهب الحنابلة أنه لا يشترط، ويمكن ذلك بالوصف، فيقوم مقام الرؤية، إذا وصفه بما يختلف به في الطول والقصر، والهزال والسمن، والصحة والمرض.
• وقال الشافعي وبعض الحنابلة: لابد من الرؤية؛ لأنَّ ذلك لا ينضبط بالوصف.
стр. 3602
قال أبو عبد الله غفر الله له: إن ضبط بالوصف، ولو مع تفاوت يسير؛ جاز، وإلا فلا. والله أعلم. (١)
مسألة [٧٠]: استكراء البهيمة للبن .
• مذهب أكثر الفقهاء المنع من ذلك، وهو مذهب الحنابلة، والشافعي، والحنفية، والظاهرية، وقالوا: هذا بيع ما لم ير، ولم يوصف، بل بيع معدوم لم يوجد، والإجارة تكون على المنافع دون الأعيان، وهذه أعيان. قالوا: وإجارة الظئر للرضاع على خلاف القياس؛ جازت للحاجة.
• والرخصة في ذلك هو مذهب مالك في الجملة وغيره، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والشوكاني رحمة الله عليهم؛ قياسًا على إجارة الظئر، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين ﵀.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٩٨ - ): والصواب ان الإجارة المسؤول عنها جائزة؛ فإن الأدلة الشرعية الدالة على الجواز بعوضها ومقايستها تتناول هذه الإجارة، وليس من الأدلة ما ينفى ذلك؛ فإن قول القائل: (إن إجارة الظئر على خلاف القياس) كلام فاسد؛ فإنه ليس في كتاب الله إجارة منصوص عليها في شريعتنا إلا هذه الإجارة كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]،وقال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، والسنة وإجماع الأمة دَلَّا على جوازها، وإنما تكون مخالفة للقياس لو عارضها قياس نص
стр. 3603
آخر، وليس في سائر النصوص وأقيستها ما يناقض هذه، وقول القائل: (الإجارة إنما تكون على المنافع دون الأعيان) ليس هو قول لله، ولا لرسوله، ولا الصحابة، ولا الأئمة، وإنما هوقول قالته طائفة من الناس، فيقال لهؤلاء: لا نُسَلِّم أن الإجارة لا تكون إلا على المنافع فقط، بل الإجارة تكون على ما يتجدد، ويحدث، ويستخلف بدله مع بقاء العين، كمياه البئر وغير ذلك، سواء كان عينًا أو منفعة، كما أن الموقوف يكون ما يتجدد وما تحدث فائدته شيئًا بعد شيء، سواء كانت الفائدة منفعة أو عينا، كالتمر، واللبن، والماء النابع. وإذا قيل: هو بيع معدوم. قيل: نعم، وليس في أصول الشرع ما ينهى عن بيع كل معدوم، بل المعدوم الذي يحتاج إلى بيعه، وهو معروف في العادة؛ يجوز بيعه كما يجوز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها؛ فإن ذلك يصح عند جمهور العلماء كما دلت عليه السنة؛ مع أن الأجزاء التي لم تخلق بعد معدومة، وقد دخلت في العقد، وكذلك يجوز بيع المقاثي وغيرها على هذا القول، والله أعلم، والحمد لله. اهـ
قلتُ: وما رجحه شيخ الإسلام هو الراجح، والله أعلم. (١)
مسألة [٧١]: هل يضمن الأجير إذا تلف شيء تحت يده بعمله ؟
الأجير نوعان: مشتَرَك، وخاصٌّ.
فأما المشترَك: فهو الذي يقع العقد معه على عمل معين، كخياطة ثوب، وبناء
стр. 3604
حائط، وحمل شيء إلى مكان معين، وما أشبه ذلك، أو على مدة لا يستحق فيها جميع نفعه، كالطبيب، وسُمِّي مُشتَرَكًا؛ لأنه يتقبل أعمالًا لاثنين، وثلاثة، وأكثر في وقت واحد.
وأما الخاص: فهو الذي يُستأجر للخدمة، أو للعمل في بناءٍ، أو خياطة، أو رعاية يومًا، أو شهرًا، وسُمِّي خاصًّا؛ لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك المدة دون سائر الناس.
• فأما الأجير المشترك، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يضمن ما جنت يداه، فالحائك ضامن إذا أفسد حياكته، والطباخ ضامن لما أفسد من طبيخه، والخباز ضامن لما أتلف من خبزه ... ، وهكذا. وهذا قول شريح، والحسن، والحكم، وأحمد، ومالك، والشافعي في قول، وأبي حنيفة، واستدلوا على ذلك بأثر علي ﵁ أنه كان يضمن الأُجَراء، ويقول: لا يصلح الناس إلا ذلك. وسنده منقطع.
قال ابن قدامة ﵀: وَلِأَنَّ عَمَلَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا، كَالْعُدْوَانِ بِقَطْعِ عُضْوٍ، بِخِلَافِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَمَلَهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ إلَّا بِالْعَمَلِ، وَأَنَّ الثَّوْبَ لَوْ تَلِفَ فِي حِرْزِهِ بَعْدَ عَمَلِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ، وَكَانَ ذَهَابُ عَمَلِهِ مِنْ ضَمَانِهِ، بِخِلَافِ الْخَاصِّ؛ فَإِنَّهُ إذَا أَمْكَنَ الْمُسْتَأْجِرَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ؛ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ، وَمَا عَمِلَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَتَلِفَ مِنْ
стр. 3605
حِرْزِهِ؛ لَمْ يَسْقُطْ أَجْرُهُ بِتَلَفِهِ. اهـ
• وذهب عطاء، وطاوس، والنخعي، وابن سيرين، وزفر، والشافعي في القول الآخر إلى أنَّ الأجير المشترك لا يضمن إلا بالتعدي، أو التفريط؛ لأنها عين مقبوضة بعقد الإجارة؛ فلم تصر مضمونة كالعين المستأجرة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أرجح؛ لأنَّ حقوق المسلم لا تسقط بنسيان آخر، أو خَطَئه، والله أعلم. (١)
وأما إن تلف على الأجير المشترك بأخذه من حرزه؛ فلا ضمان عليه عند أكثر أهل العلم وله الأجر عند بعض أهل العلم وهو اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀. (٢)
• وأما الأجير الخاص وهو الذي يُستأجر مدةً؛ فلا ضمان عليه مالم يتعد، وهو مذهب أحمد، ومالك، وأصحاب الرأي، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وله قول أخر: أن جميع الأُجراء يضمنون؛ لأثر علي السابق، وهو منقطع، ومع ذلك فقد جاء عنه رواية أخرى بالتقييد بالأجير المشترك، والصحيح قول الجمهور؛ لأنَّ الأجير الخاص نائبٌ عن المالك في صرف منافعه إلى ما أمره به؛ فلم يضمن من غير تعد، كالوكيل والمضارب، فأما ما يتلف بتعديه؛ فيجب ضمانه، مثل الخباز الذي يسرف في الوقود، أو يلزقه قبل وقته، أو يتركه بعد وقته حتى يحترق؛ لأنه تلف بتعديه؛ فضمنه كغير الأجير. انتهى ملخصًا من «المغني» (٨/ ١٠٦).
تنبيه: وعلى المستأجر البينة على تلفه بدون تفريط، أو تعدي، وإن لم يكن له بينة، ولا للمؤجر بينة؛ فالقول قول المستأجر مع يمينه.
مسألة [٧٤]: هل للمستأجر ضرب الدابة ؟
• أكثر أهل العلم على أن يضربها الضرب المعتاد، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق وغيرهم، ولا يضمن عندهم إن أصابها شيء بسبب الضرب المعتاد.
• وقال أبو حنيفة، والثوري: يضمن؛ لأنه تلف بجنايته كغير المستأجر، وقال به الشافعي في ضرب المعلم للغلام؛ لأنه يمكن تأديبه بغير الضرب.
وأجاب الجمهور: بأنَّ هذا تلف من فعل مستحق؛ فلم يضمن، وفارق غير المستأجر؛ لأنه متعد، وقول الشافعي (يمكن تأديب الغلام بغير الضرب) لا يصح؛ فإنَّ العادة خلافه، ولو أمكن التأديب بدون الضرب؛ لما جاز الضرب؛ إذ فيه ضرر وإيلام يُستغنى عنه، وإن أسرف في هذا كله، أو زاد على ما يحصل الغِنَى به، أو ضرب من لا عقل له من الصبيان؛ فعليه الضمان؛ لأنه متعد حصل التلف بعدوانه. اهـ ملخصا من «المغني» (٨/ ١١٦).
مسألة [٧٥]: هل يضمن الحجام والختان والطبيب إذا حصل منهم إتلاف ؟
ذكر أهل العلم أنَّ هؤلاء إذا فعلوا ما أُمروا به؛ لم يضمنوا بشرطين:
أحدهما: أن يكونوا ذوي حذقٍ في صناعتهم، ولهم بها بصارة ومعرفة.
الثاني: أن لا تجني أيديهم، فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع، فإذا وجد هذان
стр. 3608
الشرطان؛ لم يضمنوا، وإن تخلف أحدهما؛ ضمن. وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي، وقال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا. (١)
مسألة [٧٦]: حكم أجرة الحجام .
• جمهور العلماء على أنها حلال، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي وآخرين. وهو قول ابن عباس ﵄، واستدل على ذلك بالحديث المذكور في الباب: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- احتجم، وأعطى الذي حجمه أجرًا. قال: ولو كان حرامًا ما أعطاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
• وعن أحمد رواية بتحريمها، وعدم صحة الاستئجار على ذلك، وقال بذلك بعض أصحابه.
• وكره ذلك الحسن، والنخعي، وحجة هذا القول حديث رافع المذكور في الباب: «كسب الحجام خبيث»، وحديث: «أطعمه ناضحك ورقيقك». (٢)
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور، وقد رجَّحه ابن قدامة، واستدل بحديث ابن عباس المذكور.