← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وحكى ابن المنذر هذا القول عن (علي بن أبي طالب، وابن عباس) (١)، وعطاء، والزهري، وغيرهم. • وذهب أبو حنيفة في رواية -وروي عن أحمد- إلى أنه إن كان لم يبل بعد الغسل، ثم خرج المني، فلا غسل عليه؛ لأنه بقية المني الذي اغتسل منه، وإلا فيجب الغسل، وروي عن أبي حنيفة عكس هذا. قال الخلال ﵀: تواترت الروايات عن أبي عبد الله يعني أحمد أنه ليس عليه إلا الوضوء، بال، أو لم يبل، فعلى هذا استقر قوله. قلتُ: وهو الصحيح؛ لأنَّ خروج المني بعد الاغتسال بدون عمل شيء من مسببات خروج المني يدل على أنه بقية المني الأول الذي اغتسل منه، وإنما تأخر خروجه لانتشار ذكره، فلما اغتسل، وتقلص ذكره، خرج، والله أعلم، وهذا اختيار الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما. (٢) مسألة [٥]: إذا اغتسلت المرأة، ثم خرج ماء الرجل منها ؟ • جاء عن الحسن البصري أنه قال: تغتسل؛ لأنه مني خارج منها، فأشبه ماءها.

стр. 387

• وذهب قتادة، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق إلى أنه لا غسل عليها، وعليها الوضوء. • وذهب ابن حزم إلى أنه لا وضوء عليها ولا غسل. والراجح أنه لا غسل عليها، وعليها الوضوء. (١) مسألة [٦]: إذا أتى الرجل امرأته في طرف فرجها، ولم يولج شيئًا من ذكره، فدبَّ ماؤه إلى فرجها، فهل عليها الغسل ؟ • ذهب الزهري، وعطاء، وقتادة إلى أنَّ عليها الغسل. • وذهب أحمد، وابن حزم إلى أنه لا غسل عليها إلا إذا أَمْنَتْ، وهو الصحيح؛ لأنه لم يحصل الجماع، والله أعلم. (٢)

стр. 388

١٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ (١)، ثُمَّ جَهَدهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢)، زَادَ مُسْلِمٌ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ». المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل يجب الغسل بالجماع بدون إنزال ؟ دلَّ حديث أبي هريرة ﵁ المذكور على وجوب الغسل من ذلك، وجاءت رواية عند أبي داود (٢١٦): «وألزق الختان بالختان، فقد وجب الغسل»، وإسناده صحيح. وأخرج مسلم (٣٤٩) من حديث عائشة ﵂، قالت: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل». وأخرج مسلم (٣٥٠) من حديث عائشة ﵂: أنَّ رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: الرجل يجامع أهله، ثم يكسل، هل عليهما الغسل؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إني لأفعل ذلك، أنا وهذه، ثم نغتسل». فدَلَّت هذه الأحاديث على أن تغييب الحشفة في الفرج موجب للغسل،

стр. 389

وسواء كانا مختتنين، أو لا، وسواء أصاب موضع الختان منه موضع ختانها، أو لم يصبه، ولو مسَّ الختان الختان من غير إيلاج؛ فلا غسل عليه بالإجماع، نقله النووي، وابن قدامة، والحافظ ابن حجر، وغيرهم. وقد ذهب إلى وجوب الغسل بمجرد إيلاج الذكر في الفرج كافة العلماء، ولم يخالف إلا داود الظاهري، وأما عن الصحابة، فقد جاء عن بعضهم القول بأنه عليه الوضوء فقط، جاء ذلك في «البخاري» (٢٩٢)، عن عثمان بن عفان، وعلي ابن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب ﵃. وقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في «الصحيحين» (١) عن عثمان، وأبي بن كعب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «يغسل ما مسَّ المرأة منه، ثم يتوضأ، ويصلي»، واللفظ لأُبي بن كعب. قلتُ: ويؤيد هذه الأحاديث حديث أبي سعيد المتقدم: «الماء من الماء»، لكن قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٣٧): والجواب عن الأحاديث التي احتجوا بها أنها منسوخة، هكذا قاله الجمهور، وثبت عن ابن عباس ﵄ جواب آخر، وهو: أن معنى «الماء من الماء»، أي: لا يجب الغسل بالرؤية في النوم إلا أن ينزل، وأما الآثار التي عن الصحابة ﵃، فقالوها قبل أن يبلغهم النسخ، ودليل النسخ أنهم اختلفوا في ذلك، فأرسلوا إلى عائشة ﵂، فأخبرتهم أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع، وجهدها وجب الغسل»، فرجع إلى قولها من خالف، وعن سهل بن سعد الساعدي قال: حدثني أُبي بن كعب أن الفُتْيَا التي

стр. 390

كانوا يفتون: «إنما الماء من الماء»، كانت رخصة رخصها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد، وفى رواية: ثم أُمرنا، حديث صحيح رواه الدارمي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي، وغيرهم بأسانيد صحيحة (١)، قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح. وعن محمود بن لبيد قال: سألت زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله، ثم يكسل ولا ينزل؟ قال: يغتسل. فقلت: إن أُبَيًّا كان لا يرى الغسل. فقال زيد: إن أُبَيًّا نزع عن ذلك قبل أن يموت. رواه مالك في «الموطإ» (١/ ٤٧) بإسناد حسن، قوله: (نزع)، أي: رجع، ومقصودي بذكر هذه الأدلة بيان أحاديث المسألة، والجمع بينها، وإلا فالمسألة اليوم مُجْمَعٌ عليها، ومخالفة داود لا تقدح في الإجماع عند الجمهور. انتهى كلام النووي ﵀. وقوله: (إن مخالفة داود لا تقدح في الإجماع)، غير صحيح، وقد تقدم تَعَقُّبُ الشوكاني له في مسألة وجوب السواك، فراجعه. (٢) مسألة [٢]: هل يجب الغسل إذا جامع في الدبر، أو الميتة، أو البهيمة، ولم ينزل ؟ • ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الإيلاج في فرج المرأة، ودبرها، ودبر الرجل، ودبر البهيمة، وفرجها، وكذلك فرج المرأة الميتة يوجب الغسل.

стр. 391

• ومنع أبو حنيفة الغسل بإيلاجه في البهيمة، والميتة، بأنه لا يقصد به اللذة، فلم يجب كإيلاج أصبعه. والجواب عن قوله من وجهين: الأول: أنه منتقض بوطء العجوز الشهواء، المتناهية في القبح، العمياء، الجذماء، البرصاء، المقطعة الأطراف؛ فإنه يوجب الغسل بالاتفاق، مع أنه لا يقصد به لذة في العادة. الثاني: أن الأصبع ليست آلة للجماع، بخلاف الذكر. ومنع ابن حزم الغسل من الدبر، والبهيمة، واختار شيخ الإسلام الغسل من الوطء في الدبر. (١) مسألة [٣]: هل يجب على الصبي، أو الصبية إذا أولجَ، أو أُولِجَ فيه الغسل ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٣٢): وأما الصبي إذا أولج في امرأة، أو دبر رجل، أو أولج رجل في دبره؛ فيجب الغسل على المرأة والرجل، وكذا إذا استدخلت امرأة ذكر صبي؛ فعليها الغسل، ويصير الصبي في كل هذه الصور جُنبًا، وكذا الصبية إذا أولج فيها رجل أو صبي، وكذا لو أولج صبي في صبي، وسواء في هذا الصبي المميز وغيره، وإذا صار جنبًا لا تصح صلاته ما لم يغتسل، كما إذا بال لا تصح صلاته حتى يتوضأ، ولا يقال: يجب عليه الغسل،

стр. 392

كما لا يقال: يجب عليه الوضوء، بل يقال: صار مُحْدِثًا، ويجب على الولي أن يأمره بالغسل إن كان مميزًا، كما يأمره بالوضوء؛ فان لم يغتسل حتى بلغ لزمه الغسل، كما إذا بال، ثم بلغ يلزمه الوضوء، وإن اغتسل وهو مميز صح غسله، فإذا بلغ لا تلزمه إعادته كما لو توضأ، ثم بلغ يصلي بذلك الوضوء. انتهى. وقد جاء عن أحمد بن حنبل أنه قال: يجب الغسل. لكن قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٧٤): وليس معنى وجوب الغسل في الصغير التأثيم بتركه، بل معناه أنه شرطٌ لصحة الصلاة، والطواف، وإنما يأثم البالغ بتأخيره في موضع يتأخر الواجب بتركه، ولذلك لو أخره في غير وقت الصلاة لم يأثم، والصبي لا صلاة عليه، فلم يأثم بالتأخير، وبقي في حقِّه شرطًا كما في حق الكبير، وإذا بلغ كان حكم الحدث في حقه باقيًا كالحدث الأصغر، ينقض الطهارة في حق الصغير والكبير، والله أعلم. انتهى بتصرفٍ يسير. تنبيه: يجب الغسل على من أَوْلَجَ، أو أُوْلِجَ فيه، ولو كان ناسيًا، أو مُكْرَهًا، أو نائمًا، أو مجنونًا. (١) مسألة [٤]: إذا لفَّ على ذَكَرِهِ خِرْقَةً، أو كيسًا، ثم جامع ؟ • فيه ثلاثة أقوال، وهي ثلاثة أوجه عند الشافعية: الأول: وجوب الغسل عليهما؛ لأنَّ الأحكام متعلقة بالإيلاج، وقد حصل، ويشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ثم جهدها، فقد وجب الغسل»، وصححه النووي.

стр. 393

الثاني: لا يجب الغسل، ولا الوضوء؛ لأنه أولج في خرقة، ولم يلمس بشرة. الثالث: إن كانت الخرقة غليظة، تمنع اللذة، لم يجب، وإن كانت رقيقة لا تمنعها، وجب. قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وهذا أقرب، والأحوط أن يغتسل. اهـ. (١) قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: القول الأول أقرب، والله أعلم. فائدة: قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٣٣): وجميع الأحكام المتعلقة بالجماع يشترط فيها تغييب الحشفة بكمالها في الفرج، ولا يشترط زيادة على الحشفة، ولا يتعلق ببعض الحشفة وحده شئ من الأحكام، وهذا كله متفق عليه في جميع الطرق إلا وجهًا شاذًّا -يعني عند الشافعية- ويكفى في بطلانه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا التقى الختانان وجب الغسل». أما إذا قطع الذكر؛ فإن كان الباقي دون قدر الحشفة لم يتعلق به شئ من الأحكام باتفاق الأصحاب، وإن كان قدرها فقط تعلقت الأحكام بتغيبه كله دون بعضه، وإن كان أكثر من قدر الحشفة، فوجهان مشهوران -يعني عند الشافعية- ورجَّح الأكثرون تعلق الحكم بقدر الحشفة. انتهى بتصرف يسير. (٢)

стр. 394

١٠٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي المَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ- قَالَ: «تَغْتَسِلُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، زَادَ مُسْلِمٌ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟». المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حالات رؤية الماء بعد النوم . له ثلاث حالات: الأولى: أن يحتلم، ثم يصبح ويرى الماء على ثوبه، فيجب عليه الغسل. الثانية: أن يحتلم، ثم يصبح ولا يرى شيئًا، فليس عليه غسل. الثالثة: أن لا يذكر أنه رأى شيئًا، ثم يصبح ويرى الماء على ثوبه، فعليه الغسل. وهذه الثلاث الحالات مُجْمَعٌ عليها، ودليلها حديث الباب، وقد جاء بنحوه من حديث أم سلمة في «الصحيحين»، وفيه: «نعم إذا رأت الماء». (٢) مسألة [٢]: إذا انتبه من النوم، فرأى بللاً، ولا يعلم هل هو مني، أو غيره ؟ • من كان هذا حاله، فعليه أن ينظر، ويتحرى بالشم، وغيره؛ فإن غلب على ظنِّه أنه مني، وجبَ عليه الغسل، وإن غلب على ظنِّه أنه مذيٌ، فلا غسل عليه، وإن لم

стр. 395

يظهر له، ولم يترجَّح له شيء، بل بقي على شكِّهِ، فقال مجاهد، وقتادة: لا غسل عليه. وهو قول الحكم، وحماد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي يوسف، وأحمد في رواية، كما في «الفتح» لابن رجب (٢٨٢)، وقد أشار ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٨٦) إلى ترجيح هذا القول. وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٧٠): ولأنَّ اليقين بقاء الطهارة، فلا يزول بالشك، والأولى الاغتسال لإزالة الشك. • وذهب بعضهم إلى وجوب الغسل عليه، وهو قول عطاء، والشعبي، والنخعي، وسفيان، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، واختار ابن رجب كما في «الفتح» (٢٨٢)؛ لأن ذمته قد اشتغلت بالطهارة فلم تبرأ بدون الوضوء، والغسل. ويجاب عنه: بأنه اشتغلت بالطهارة عن الحدث الأصغر بيقين، وأما الحدث الأكبر فهو مشكوك فيه، والأصل عدمه، والله أعلم. وقد رَجَّح عدم وجوب الغسل الشيخ محمد بن إبراهيم في «فتاواه» (٢/ ٧٩)، والشيخ ابن باز كما في «فتاوى اللجنة الدائمة» (٥/ ٢٩١)، والشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع» (١/ ٢٨٠)، رحمة الله عليهم أجمعين. مسألة [٣]: إذا رأى المني في ثوبه، أو فراشه ؟ قال ابن قدامة ﵀ (١/ ٢٧٠): فإن رأى في ثوبه منيًّا، وكان مما لا ينام فيه غيره، فعليه الغسل؛ لأنه لا يحتمل أن يكون إلا منه، ويعيد الصلاة من أحدث نومة نامها فيه، إلا أن يرى أمارة تدل على أنه قبلها، فيعيد من أدنى

стр. 396

نومة يحتمل أنه منها. ثم قال: فأما إن وجد الرجل منيًّا في ثوب ينام فيه هو وغيره ممن يحتلم؛ فلا غسل على واحد منهما؛ لأنَّ كل واحد منهما بالنظر إليه مفردًا يحتمل أن لا يكون منه، فوجوب الغسل عليه مشكوك فيه، وليس لأحدهما أن يأتم بصاحبه؛ لأنَّ أحدهما جنبٌ يقينًا، فلا تصح صلاتهما. انتهى بتصرف. (١) فائدة: المذي، والودي لا يوجبان الغسل بالإجماع. (٢)

стр. 397

١٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ مِنَ الجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الجُمُعَةِ، وَمِنَ الحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ المَيِّتِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١) ١٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ -فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ، عِنْدَمَا أَسْلَمَ- وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ. رَوَاهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ (٢)، وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم غسل الكافر إذا أسلم . • في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: وجوب الغسل مطلقًا، سواء كان أصليًّا، أو مرتدًا، سواء كان جنبًا، أو لا، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور، وابن المنذر، والخطابي،

стр. 398

واستدلوا بحديث الباب، وبحديث قيس بن عاصم عند أبي داود (٣٥٥)، والنسائي (١/ ١٠٩): أنه أسلم، فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يغتسل بماء وسدر، وقد صححه شيخنا ﵀ في «الجامع الصحيح»، ورجَّح هذا القول، فبوب على الحديث: [باب الكافر إذا أسلم يغتسل]، وقد رجَّح هذا القول الشوكاني في «نيل الأوطار»، و «السيل الجرار»، ورجحه الإمام ابن عثيمين. القول الثاني: استحباب الغسل؛ إلا إذا كان جُنُبًا، فيجب، وهو قول الشافعي ﵀، ورواية عن أحمد، رجَّحها بعض الحنابلة، منهم صاحب «الإنصاف»، واستدلوا على الاستحباب بالحديثين المتقدمين، وقالوا: الأمر فيهما للاستحباب؛ لأنَّ كثيرًا من الصحابة أسلموا ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالغسل. وأما غسل الجنابة، وما شابهه، فيجب؛ لأنَّ الإسلام لا يرفع الحدث، وكما أنه يلزمه لرفع الحدث الأصغر الوضوء بلا خلاف، فكذلك يلزمه لرفع الحدث الأكبر الغسل. القول الثالث: استحباب الغسل مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الإسلام يهدم ما كان قبله»، أخرجه مسلم (١٢١) عن عمرو بن العاص ﵁. والراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ للأدلة المتقدمة، ولأنَّ الكافر لا يسلم غالبًا من جنابة تلحقه، وهو لا يغتسل، ولا يرتفع حدثه إذا اغتسل؛ لأنه ليس من أهل العبادات، والعبادة تحتاج إلى نية، ولا تصح من الكافر؛ فَأُقِيمت

стр. 399

مظنَّة ذلك مقام حقيقته، كما أُقِيم النوم مقام الحدث، والتقاء الختانين مقام الإنزال. وأما قول الشافعية: (أسلم جمعٌ كبير، ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالغسل)، فالجواب أنه لم يأمرهم جميعًا بالغسل؛ لأنه أصبح أمرًا مشهورًا عندهم، أنَّ من أسلم وجب عليه الغسل، وأمر بعض الأمة أمرٌ لجميعها. قال الشوكاني ﵀ في «السيل» (١/ ١٢٣) بعد أن ذكر الحديثين المتقدمين: والظاهر الوجوب، ولا وجه لما تمسك به من قال بعدم الوجوب من أنه لو كان واجبًا لأمر به النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من أسلم؛ لأَنَّا نقول: قد كان هذا في حكم المعلوم عندهم، ولهذا فإن ثمامة لما أراد الإسلام ذهب، فاغتسل، كما في «الصحيحين»، والحكم يثبت على الكل بأمر البعض، ومن لم يعلم الأمر بذلك لكل من أسلم لا يكون عدم علمه حجة له. انتهى. قلتُ: واستدلال الشافعية على عدم الوجوب؛ لكون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر كثيرًا ممن أسلموا بالاغتسال ينقض قولهم في وجوبه على الجنب؛ لأنَّ كثيرًا ممن أسلموا كانوا بالغين، متزوجين، ولم يأمرهم بالغسل. فإنْ قالوا: كان الاغتسال من الجنابة معلومًا لديهم. قيل لهم: وكان أيضًا الاغتسال للإسلام معلومًا لديهم، والله أعلم. وأما استدلال أبي حنيفة بالآية، والحديث، فقد قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٥٢ - ١٥٣): وأما الآية الكريمة، والحديث، فالمراد بهما غفران

стр. 400

الذنوب، فقد أجمعوا على أنَّ الذمي لو كان عليه دَيْنٌ، أو قِصاصٌ، لا يسقط بإسلامه. اهـ. (١) تنبيه: في حديث عائشة ﵂ المتقدم في الباب ذكر الاغتسال من الحجامة، والحديث ضعيف؛ فلا يعول عليه، وعليه فلا يشرع الغسل من الحجامة، وما يروى عن علي ﵁ أنه قال: الغسل من الحجامة سنة، وإن تطهرت أجزأك. فلم نقف له على إسناد. وأما الغسل من غسل الميت فقد تقدم الكلام عليه في [باب نواقض الوضوء] عند حديث رقم (٧٢).

стр. 401

١٠٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ. (١) ١٠٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفْضَلُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم غسل الجمعة . • في المسألة قولان مشهوران: الأول: الوجوب، وهو قول أبي هريرة، وأبي سعيد، وعمر بن الخطاب،

стр. 402

وعمار، حكاه عنهم ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٤٠ - ٤١)، وهو ثابتٌ عنهم غير عمار، وهو قول الظاهرية، ورواية عن أحمد، ونقله ابن المنذر عن الحسن البصري، ومالك بن أنس، ورجحه ابن حزم في «المحلَّى»، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي، وغيرهما. واستدل هؤلاء بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي في الباب، وبحديث عبدالله بن عمر ﵄ في «الصحيحين» (١): «من أتى منكم الجمعة، فليغتسل». وبحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حقٌّ على كل مسلم أن يغتسل كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده»، متفق عليه. (٢) وبحديث حفصة ﵂: «على كل محتلم رواح الجمعة، وعلى كل من راح الجمعة الغسل»، رواه أبو داود (٣٤٢)، وهو في «الصحيح المسند». الثاني: الاستحباب، وهو قول جمهور أهل العلم، وقال به من الصحابة: ابن مسعود، وابن عباس ﵃، كما في «الأوسط» لابن المنذر (٤/ ٤١) وهو ثابت عنهما. واستدل الجمهور بحديث سمرة الذي الباب، وبحديث أبي هريرة في «صحيح مسلم» (٨٥٧) (٢٦): أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، واستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، ومن مس الحصا فقد لغا».

стр. 403

واستدلوا بحديث ابن عمر، وأبي هريرة في قصة عمر مع عثمان حين دخل عثمان يوم الجمعة، وعمر يخطب، فأنكر عليه عمر تأخره، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن توضأت، بعد أن سمعت النداء، ثم أقبلت. فقال عمر: والوضوء أيضًا، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يأمر بالغسل. وفي رواية أبي هريرة: وقد علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من جاء منكم الجمعة، فليغتسل». وحديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين» (١)، وحديث أبي هريرة ﵁ في «مسلم» (٢)، واستدلوا على الاستحباب بحديث عائشة في «صحيح مسلم» (٨٤٧)، قالت: كان الناس ينتابون الجمعة من العوالي، ويصيبهم الغبار، فتخرج منهم الريح، فأتى رسولَ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنسان منهم، وهو عندي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا»، وفي رواية: «لو اغتسلتم يوم الجمعة»، قالوا: فإذا زالت العلة، زال الوجوب. ورجح القول بالاستحباب الإمام ابن باز ﵀ كما في «فتاواه» (١٠/ ١٧١ - ١٧٣). والراجح -والله أعلم- هو القول بالوجوب. وأما الردُّ على أدلة الجمهور، فكما يلي: أما حديث سمرة؛ فالرَّاجح ضعفه، وأما حديث أبي هريرة في «مسلم»: «من توضأ يوم الجمعة ... »، فقد قال الحافظ ﵀ في «الفتح»: يحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء. اهـ

стр. 404

وعندي جواب آخر، وهو: أنَّ المراد بإحسان الوضوء، أي: الوضوء الذي مع الغسل؛ لأنَّ مسلمًا قد أخرج حديث أبي هريرة ﵁ (٨٥٧) (٢٦) من طريق أخرى بلفظ: «من اغتسل يوم الجمعة، ثم أتى ... »، الحديث، وكلا الإسنادين من طريق أبي صالح، وأخرجه ابن خزيمة (١٨٠٣) بإسناد صحيح من طريق المقبري عن أبي هريرة ﵁ بذكر الغسل لا الوضوء؛ فإن صحَّ هذا التوجيه، وإلا فرواية: «من اغتسل» أولى؛ لموافقتها لبقية الأحاديث في المعنى، ولموافقتها حديث سلمان في «البخاري» (٨٨٣) باللفظ، والمعنى، والله أعلم. وأما استدلالهم بقصة عمر، وعثمان ﵄، فقد قال الشوكاني ﵀ في «النيل»: فما أراه إلا حجة على القائل بالاستحباب، لا له؛ لأن إنكار عمر على رأس المنبر في ذلك الجمع على مثل ذلك الصحابي الجليل من أعظم الأدلة القاضية بأنَّ الوجوب كان معلومًا عند الصحابة، ولو كان الأمر عندهم على عدم الوجوب؛ لما عوَّل ذلك الصحابي في الاعتذار على غيره، فأي تقرير من عمر، ومن حضر بعد هذا، ولعل النووي، ومن معه ظنُّوا أنه لو كان الاغتسال واجبًا؛ لنزل عمر من منبره، وأخذ بيد ذلك الصحابي، وذهب به إلى المغتسل، أو لقال: لا تقف في هذا الجمع، واذهب فاغتسل، فإنَّا سننتظرك. أو ما أشبه ذلك، ومثل هذا لا يجب على من رأى الإخلال بواجب من واجبات الشريعة، وغاية ما كُلِّفْنا به في الإنكار على من ترك واجبًا هو ما فعله عمر في هذه الواقعة، على أنه يحتمل أن يكون قد اغتسل

стр. 405

أول النهار؛ لما ثبت في «صحيح مسلم» (١) عن حمران مولى عثمان، أنَّ عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يفيض عليه الماء، وإنما لم يعتذر لعمر بذلك كما اعتذر عن التأخر؛ لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة، وقد حكى ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قصة عمر، وعثمان تدل على وجوب الغسل، لا على عدم وجوبه، من جهة ترك عمر الخطبة، واشتغاله بمعاتبة عثمان، وتوبيخ مثله على رؤوس الناس، ولو كان الترك مباحًا؛ لما فعل ذلك عمر. وأما استدلالهم بحديث عائشة، فلا يُسَلَّمُ لهم بأنها إذا زالت العلة زال الوجوب، كما حصل في السعي، والرمي، قال الشوكاني: وكم لهذا من نظائر، لو تتبعت؛ لجاءت في رسالة مستقلة. وقال الحافظ ﵀ في «الفتح»: وأُجيب عن حديث عائشة بأنه ليس فيه نفي الوجوب، وبأنه سابق على الأمر به، والإعلام بوجوبه. قال الشوكاني ﵀ في «النيل»: وبهذا تبين عدم انتهاض ما جاء به الجمهور من الأدلة على عدم الوجوب، وعدم إمكان الجمع بينها، وبين أحاديث الوجوب؛ لأنه، وإن أمكن بالنسبة إلى الأوامر لم يمكن بالنسبة إلى لفظ واجبٍ، وحقٍّ إلا بتعسف لا يلجئ طلب الجمع إلى مثله، ولا يشك من له أدنى إلمام بهذا الشأن أنَّ أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمها؛ لأنَّ أوضحها دلالة على ذلك حديث سمرة، وهو غير سالم من مقال، وأما بقية الأحاديث، فليس فيه إلا

стр. 406

مجرد استنباطات واهية. اهـ (١) تنبيه: حكى الخطابي، وغيره الإجماع على أنَّ الغسل ليس شرطًا في صحة الصلاة، وأنها تصح بدونه. اهـ «النيل» (١/ ٣٥٦). مسألة [٢]: هل الغسل لصلاة الجمعة، أم لليوم ؟ • دلَّ حديث ابن عمر، وحفصة، وعمر بن الخطاب، وعائشة ﵃ المتقدمة في المسألة السابقة على أن الغسل للجمعة، لا لليوم، فلا يجزئ فعله بعد صلاة الجمعة، وهذا قول جمهور أهل العلم. • وذهبت الظاهرية إلى أنَّ الغسل لليوم، لا للصلاة، واستدلوا بحديث أبي سعيد: «غسل يوم الجمعة ... ». وأُجِيب: بأنَّ هذا مطلق قيدته الروايات، وبينته بأنَّ المراد قبل الصلاة. • وذهب مالك إلى اشتراط الاتصال بين الاغتسال، والرواح؛ لحديث ابن عمر: «من جاء منكم الجمعة، فليغتسل». وأُجِيب عليه بحديث أبي سعيد ﵁: «غسل يوم الجمعة ... »، واليوم يبدأ من طلوع الفجر، وبحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (٢): «من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى؛ فكأنما قرب بدنة ... »، و «ثم» تفيد التراخي.

стр. 407

ويُستفاد من حديث أبي سعيد: «غسل يوم الجمعة ... »، على أنَّ الغسل لا يجزئ قبل طلوع الفجر، وهو قول مجاهد، والحسن، والنخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وغيرهم، وحُكِيَ عن الأوزاعي أنه يجزئه قبل طلوع الفجر، وهو قول له وجه؛ لأن المقصود من الغسل هو حضور الجمعة على نظافة وطهارة، وهو حاصل لمن اغتسل قبل الفجر، ولكن الأحوط العمل بقول الجمهور، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: هل يجب على من لا تلزمه الجمعة غسل ؟ • ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يلزمهم الغسل؛ لأنَّ الجمعة نفسها لا تلزمه، وقد صحَّ عن ابن عمر أنه قال: «إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة»، علقه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجمعة [باب: ١٢]. • وذهب سعيد بن جبير، ومجاهد، وطاوس، وأبو ثور، وهو وجهٌ للشافعية، أنه يلزمه الغسل، واسْتُدِلَّ لهم بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «غسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم»، فهذا عموم يدخل فيه العبيد، والمسافرون، والنساء، والمرضى. وأُجِيب: بأن هذا مبين، ومقيد بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «على كل محتلم رواح الجمعة، وعلى كل من راح الجمعة الغسل»، وبحديث ابن عمر، وعمر، وقد تقدم لفظهما. وقول الجمهور هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا يحيى الحجوري حفظه الله.

стр. 408

وإذا أتى الجمعة من لا تلزمه، فجمهور أهل العلم على استحباب الغسل له، وهناك وجهٌ للحنابلة في وجوبه؛ لأنه يشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أتى منكم الجمعة، فليغتسل». (١) قال شيخنا يحيى الحجوري حفظه الله في «أحكام الجمعة» (ص ٦٦ - ٦٧): فالحاصل أنَّ من أتى الجمعة من البالغين، رجالًا، ونساءً، أحرارًا، وعبيدًا، مقيمين، أو مسافرين، وأمكنهم الاغتسال بغير مشقة، فالغسل للجمعة عليهم واجبٌ، ومن لم يأتها من البالغين، فيستحب له الغسل؛ لحديث: «حقٌّ على كل مسلم أن يغتسل في كل أسبوع»، أما الصبيان، فغسلهم في الجمعة وغيرها، إنما هو للتنظف، وقد حثَّ الله على التطهر في كتابه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. انتهى بتصرف يسير.

стр. 409

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ مسألة [١]: هل يجزئ غسل الجنابة عن غسل الجمعة إذا نواه ؟ • قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٤/ ٤٣): قال أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم: إنَّ المغتسل للجنابة، والجمعة غسلًا واحدًا يجزيه، وروينا هذا القول عن ابن عمر، ومجاهد، ومكحول، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور، وقال أحمد بن حنبل: أرجو أن يجزيه. اهـ قلتُ: أما أثر ابن عمر؛ ففي إسناده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيفٌ، مختلطٌ. وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٢٢٨): فإنْ اغتسل للجمعة، والجنابة غسلًا واحدًا، ونواهما أجزأه، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ • وذهب الظاهرية إلى أنه يجب عليه غسلان، غسل الجنابة، وغسل الجمعة، وحجَّتهم أنهما واجبان، مستقلان، فكما أنه لا يجمع بين فرضين في الصلاة، وفي الصوم، وغيرهما، وإن نوى، فكذلك ههنا. والصحيح قول الجمهور؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، ولأنَّ المراد من غسل الجمعة هو إيقاع غسل في ذلك اليوم مع النية، وبهذا فارق الصوم، والصلاة، والله أعلم. (١)

стр. 410

مسألة [٢]: إذا اغتسل للجمعة، ثم أجنب، أو أحدث ؟ • قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٥٣٦): لو اغتسل للجمعة، ثم أجنب لم يبطل غسله عندنا، وعند الجمهور، وقال الأوزاعي: يبطل، ولو أحدث لم يبطل بالإجماع، واختلفوا في استحباب إعادة الغسل، فمذهبنا أنه لا يستحب، وحكاه ابن المنذر عن الحسن، ومجاهد، ومالك، والأوزاعي. قال: وبه أقول. وَحُكِي عن طاوس، والزهري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير استحبابه. قلتُ: الراجح أن الجنابة لا تبطل غسل الجمعة، وإن كانت توجب عليه غسلًا آخر، وأما استحباب الغسل مرةً أخرى لمن أحدث، فلا دليل عليه، والراجح أنه ليس عليه إلا الوضوء، والله أعلم. (١)

стр. 411

١١٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقْرِئُنَا القُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا. رَوَاهُ الخَمْسَةُ (١)، وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم قراءة القرآن للجنب، والحائض . • ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز قراءة القرآن للجنب، والحائض، والنفساء، واستدلوا بحديث علي المذكور، وبحديث ابن عمر عند الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٥): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تقرأ الحائض، ولا الجنب شيئًا من القرآن»، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: إسماعيل بن عياش، روايته عن غير الشاميين ضعيفةٌ، وهذا الحديث منها؛ فإن شيخه موسى بن عقبة قرشيٌ، وقد صحَّ عن عمر ﵁ كراهيته، وعن علي ﵁ أنه قال في الجنب: لا، ولا آية. • وذهب مالك إلى ترخيصه للحائض؛ لأنَّها يطول حدثها، فربما نسيت القرآن. • وذهب سعيد بن المسيب إلى الجواز، وصحَّ عن ابن عباس أنه كان يقرأ ورده، وهو جنب، وهو اختيار البخاري ﵀، واستدل بحديث عائشة، كان النبي

стр. 412

-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يذكر الله على كل أحيانه، ومال إلى ترجيحه الشوكاني في «النيل» (١/ ٣٤٨)، وهو الصحيح، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: قراءة القرآن للمحدث حدثًا أصغر . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٦٣): أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث الحدث الأصغر، والأفضل أن يتوضأ لها. انتهى.

стр. 413

١١١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١)، زَادَ الحَاكِمُ «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ». (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الوضوء لمن أراد أن يعاود الجماع . • ذهب الظاهرية، وابن حبيب إلى وجوب الوضوء على المعاود، واستدلوا بظاهر حديث أبي سعيد، والأمر يقتضي الوجوب. • وذهب الجمهور إلى أنَّ ذلك للاستحباب، والصارف للأمر من الوجوب عندهم الزيادة: «فإنه أنشط للعود». قال الشوكاني ﵀: ويؤيده أيضًا الحديث المتقدم بلفظ: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة». انتهى. قلتُ: أما الزيادة؛ فضعيفةٌ كما تقدم، وأما الحديث المذكور، فأخرجه

стр. 414

أبوداود (٣٧٦٠)، من حديث ابن عباس بإسناد على شرط الشيخين، والراجح هو القول بالاستحباب، والله أعلم. (١) مسألة ملحقة: الغسل بين الجماعين . قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٦٧): وقد أجمعوا على أنَّ الغسل بينهما لا يجب. قلتُ: وأما استحبابه؛ فقد قال العظيم آبادي في «عون المعبود» (١/ ٣٧٠): لا خلاف فيه. اهـ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦]، وأما حديث أبي رافع، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- طاف على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: فقلت يا رسول الله: ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قال: «هذا أزكى، وأطيب، وأطهر»؛ فإنه ضعيفٌ؛ لأنَّ في إسناده: عبد الرحمن بن أبي رافع، وهو لَيِّنُ الحديث، وعمته سلمى، وهي مجهولة الحال، وهو يخالف حديث أنس في «الصحيحين» (٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يطوف على نسائه بغسل واحد، والله أعلم. قال ابن العربي ﵀ في «عارضة الأحوذي» (١/ ٢٣٢) عقب حديث أبي رافع: ولا أعلم أحدًا قال به؛ لأنه لا يصح. اهـ قلتُ: ولعله أراد القول بالوجوب، وأما الاستحباب فقد قيل به كما تقدم.

стр. 415

١١٢ - وَلِلْأَرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً، وَهُوَ مَعْلُولٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الوضوء للجنب إذا أراد النوم . جاء في «الصحيحين» (٢) عن ابن عمر ﵄، أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ فقال: «نعم، إذا توضأ». وفي رواية لهما: «ليتوضأ، ثم لينم». وفي رواية: «توضأ، واغسل ذكرك، ثم نم». وجاء في «الصحيحين» (٣) عن عائشة ﵂، قالت: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا أراد أن ينام، وهو جنبٌ، توضأ وضوءه للصلاة. • فذهب الظاهرية إلى وجوب الوضوء على الجنب إذا أراد أن ينام، واستدلوا

стр. 416

بحديث ابن عمر المتقدم؛ لأنَّ الأمر للوجوب. • وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه مستحبٌ، واستدلوا بحديث الباب وهو ضعيف. واستدل أبو عوانة، وابن خزيمة، وغيرهما على عدم الوجوب بحديث ابن عباس ﵄: «إنما أُمِرْتُ بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة». (١) وقول الجمهور هو الصحيح، والله أعلم. (٢) تنبيه: جاءت رواية في حديث عمر عند ابن حبان (١٢١٦)، وابن خزيمة (٢١١): «ينام، ويتوضأ إن شاء»، وظاهر إسنادها الصحة، وهي تدل على أنَّ الوضوء ليس للوجوب، وتركنا الاستدلال بها؛ لمخالفتها لما في «الصحيحين». فائدة: ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الغسل قبل النوم، والوضوء، فقد أخرج مسلم في «صحيحه» عن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة ﵂ عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام، أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل، فنام، وربما توضأ، فنام. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. فهذا يدل على مشروعية الأمرين، والتعجيل بالغسل أفضل؛ ليرفع الحدث عن نفسه، والله أعلم.

стр. 417

١١٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْخُذُ المَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١) ١١٤ - وَلَهُمَا (٢)، فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الأَرْضَ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ أَتَيْته بِالمِنْدِيلِ، فَرَدَّهُ، وَفِيهِ: وَجَعَلَ يَنْفُضُ المَاءَ بِيَدِهِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: صفة غسل الجنابة . لغسل الجنابة صفتان: صفة إجزاء، وصفة كمال، فالمذكور في حديث

стр. 418

عائشة، وميمونة هو صفة الكمال، وأما صفة الإجزاء، فهو تعميم الماء لجميع البدن مع النية. (١) تنبيه: تقدم الكلام على حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل في [باب الوضوء]. مسألة [٢]: حكم الوضوء قبل غسل الجنابة . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٨٦): الوضوء سنة في الغسل، وليس بشرط ولا واجب، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافة؛ إلا ما حكي عن أبي ثور، وداود أنهما شرطاه، كذا حكاه أصحابنا عنهما، ونقل ابن جرير الإجماع على أنه لا يجب، ودليله أن الله تعالى أمر بالغسل، ولم يذكر وضوءًا، وقوله ﷺ لأم سلمة: «يكفيك أن تفيضي عليك الماء» (٢)، وحديث جبير بن مطعم، قال: تذاكرنا الغسل من الجنابة عند النبي ﷺ ، فقال: «أما أنا فيكفيني أن أصب على رأسي ثلاثًا، ثم أفيض بعد ذلك على سائر جسدي» (٣)، وقوله ﷺ للذي تأخر عن الصلاة معه في السفر في قصة المزادتين، واعتذر بأنه جنب، فأعطاه إناء، وقال: «اذهب فأفرغه عليك» (٤)، وحديث أبي ذر: «فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» (٥)، وكل هذه الأحاديث صحيحة، معروفة، وغير ذلك من الأحاديث، وأما وضوء

стр. 419

النبي ﷺ في غسله؛ فمحمول على الاستحباب، جمعًا بين الأدلة، والله أعلم. اهـ قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢٤٩): ومن حكى عن أبي ثور، وداود: أنَّ الحدث الأكبر لا يرتفع بدون الوضوء مع الغسل؛ فالظاهر أنه غالط عليهما، وقد حكى ابن جرير، وابن عبدالبر، وغيرهما الإجماع على خلاف ذلك. انتهى. (١) مسألة [٣]: هل يجزئ الغسل عن الوضوء لصاحب الحدثين إذا نوى رفع الحدثين جميعًا ؟ • ذهب أحمد، والشافعي إلى أنه يجزئه الغسل عن الحدث الأصغر والأكبر إذا نواهما؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»؛ ولأنَّ أكثر من يحدث الحدث الأكبر يحدث معه الحدث الأصغر، ولا يكاد يخلو منه أحد، ومع ذلك لم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالوضوء مع الغسل، وقال الله عزوجل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣]، فجعل الغسل غاية للمنع من الصلاة، فإذا اغتسل يجب أن لا يمنع منها. • وذهب أحمد، والشافعي في رواية عنهما وهو قول أبي ثور، وداود إلى عدم الإجزاء؛ لأنَّ الجنابة، والحدث وجدا منه؛ فوجبت لهما الطهارتان كما لو كانا مفردين، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعل ذلك. • وذهب إسحاق، وبعض الحنابلة إلى أنَّ الحدث الأصغر لا يرتفع حتى يأتي

стр. 420

فيه بخصائص الوضوء من الترتيب، والموالاة. والراجح هو القول الأول، وهو ترجيح شيخ الإسلام، والشوكاني، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم. (١) مسألة [٤]: هل يجزئه الغسل عن الوضوء إذا نوى رفع الحدث الأكبر فقط ؟ • المشهور عند الحنابلة، وهو وجهٌ عند الشافعية، أنه لا يجزئه؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، وهو ترجيح الشيخ ابن باز كما في «فتاوى اللجنة الدائمة» (٥/ ٣٢٦). • وذهب بعض الحنابلة، وهو الأصح عند الشافعية، إلى أنه يجزئه، وهو قول سعيد بن المسيب، وعزاه شيخ الإسلام لجمهور العلماء، وصحَّ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: وأي وضوءٍ أتم من الغسل، إذا أجنب الفرج؟، أخرجه البيهقي (١/ ١٧٨)، بإسناد صحيح، وبوب البيهقي في «سننه»: [باب الدليل على دخول الوضوء في الغسل، وسقوط فرض المضمضمة، والاستنشاق]، ثم استدل بحديث جبير بن مطعم وقد تقدم وبحديث جابر، وهو في «صحيح مسلم» (٣٢٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لقومٍ شكوا إليه أن أرضهم باردة: «إنما يكفي أحدَكم أن يحفن على رأسه ثلاث حفنات»، وبحديث أم سلمة في «صحيح مسلم»: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حفنات، ثم تفيضين عليك الماء،

стр. 421

فتطهرين»، وفي رواية: «فإذا أنت قد طَهُرْتِ». قلتُ: وهذه الأدلة ليست بصريحة، ولكن الظاهر أنها تفيد ذلك؛ لأنَّ صاحب الحدث الأكبر الجنب لا يخلو من حدث أصغر، ومع ذلك، فلم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في هذه الأحاديث بالوضوء، بل اكتفى بالغسل، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وهذا القول هو رواية عن أحمد، قال ابن القيم ﵀ في «بدائع الفوائد» (٤/ ٨٧): وهي الصحيحة دليلًا؛ لأنَّ حكم الحدث الأصغر قد اندرج في الأكبر، وصار جزءًا منه، فلم ينفرد بحكمٍ؛ لاسيما وكل ما يجب غسله من الحدث الأصغر يجب غسله في الأكبر، وزيادة. انتهى. وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الإمام السعدي، ثم الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الذي نختاره، والله أعلم. (١) مسألة [٥]: هل يجزئ غسل التنظف أو التبرد عن الوضوء ؟ من نوى بغسله التنظف، أو التبرد لم يجزئه عن الوضوء؛ لأن النبي ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات» وهو مقتضى قول أصحاب المذاهب الأربعة. قال الإمام ابن عثيمين ﵀: الاستحمام إن كان عن جنابة؛ فإنه يكفي عن الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وإذا نوى بذلك رفع الجنابة، وتمضمض، واستنشق؛ فإنه يرتفع الحدث عنه الأصغر والأكبر.

стр. 422

وقال ﵀: أمَّا إذا كان الاستحمام لتنظفٍ، أو لتبردٍ؛ فإنه لا يكفي عن الوضوء؛ لأنَّ ذلك ليس من العبادة، وإنما هو من الأمور العادية، وإن كان الشرع يأمر بالنظافة، لكن النظافة لا على هذا الوجه، بل النظافة مطلقًا في أي شيء يحصل فيه التنظيف. اهـ (١) وقال الإمام ابن باز ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٠/ ١٧٥): أما إذا كان الغسل مستحبًّا، كغسل الجمعة، أو للتبرد؛ فإنه لا يكفيه عن الوضوء، بل لابد من الوضوء قبله، أو بعده؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» متفق على صحته، ولا يعتبر الغسل المستحب، أو المباح تطهرًا من الحدث الأصغر إلا أن يؤديه كما شرعه الله في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]. قال ﵀: وأما إن كان الغسل عن جنابة، أو حيض، أو نفاس، ونوى المغتسل الطهارتين؛ دخلت الصغرى في الكبرى؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق على صحته. اهـ. (٢) مسألة [٦]: هل يجب الدلك على الأعضاء في الغسل ؟ • ذهب الجمهور إلى أنَّ الدلك سنةٌ، وليس بواجب، يدل على ذلك حديث الباب؛ فليس فيه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دلك جسده، ويدل عليه أيضًا حديث حديث أم

стр. 423

سلمة، وأبي ذر، وجبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، وقد تقدمت أحاديثهم، ولأنَّ الغسل في اللغة لا يشترط فيه الدلك. • وخالف مالك، والمزني، وأبو العالية، وعطاء، فأوجبوا الدلك، والصحيح هو القول الأول. (١) مسألة [٧]: الترتيب، والموالاة في أعضاء الوضوء في الغسل . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٩١): وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ وَلَا الْمُوَالَاةُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إذَا قُلْنَا: الْغُسْلُ يُجْزِئُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ دَخَلَتْ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى، فَسَقَطَ حُكْمُ الصُّغْرَى، نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ. قَالَ: وَأَكْثُرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ تَفْرِيقَ الْغُسْلِ مُبْطِلًا لَهُ؛ إلَّا أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ: مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، فَأَرَى عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْغُسْلَ. وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ لَا يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ، فَلَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ. انتهى المراد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٩٦): وكذلك ليس عليه فعل الوضوء، ولا ترتيب، ولا موالاة عند الجمهور، وهو ظاهر مذهب أحمد. اهـ وما رجَّحه ابن قدامة هو الراجح؛ لعدم وجود دليل على وجوب الترتيب، والموالاة في هذا الموضع، والله أعلم. (٢)

стр. 424

مسألة [٨]: هل يستحب غسل الجسد ثلاثًا في غسل الجنابة ؟ • استحب ذلك طائفة من أهل العلم، وهو قول إسحاق، وجماعة من الحنابلة، وأصحاب الشافعي، وأبي حنيفة، واستدلوا على ذلك بالقياس على الوضوء، وبالحديث: «ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات». • وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم استحباب ذلك، وهو ظاهر كلام أحمد، والخرقي، وصرح به الماوردي من الشافعية، وأصحاب مالك؛ وذلك لعدم ثبوت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديثهم المتقدم فالمقصود به في غسل الرأس فقط، ولا يفيد ذلك التكرار في جميع الجسد. وهذا القول هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الإمام العثيمين رحمة الله عليهما. (١) مسألة [٩]: هل يجب إيصال الماء إلى أصول اللحية ؟ • قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢٧٢): ومذهب الشافعي وجوب إيصال الماء إلى باطن اللحية وإن كانت كثيفة في الجنابة دون الوضوء، وعن مالك في وجوب ذلك في الغسل روايتان، وأما أصحابنا يعني الحنابلة فيجب ذلك عندهم في المشهور، ولهم وجهٌ ضعيف أنه لا يجب، وحكي مثله عن المزني. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الظاهر أنه يجب أن يوصل الماء إلى بشرته كما أنه يجب عليه أن يغسل شعر رأسه حتى يصيب جميع بشرته، والله أعلم.

стр. 425

وهو ترجيح الإمام العثيمين ﵀ كما في «الشرح الممتع» (١/ ٣٠٤ - ٣٠٥). مسألة [١٠]: متى يغسل قدميه ؟ • في حديث عائشة ﵂، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غسل قدميه مع الوضوء، وفي حديث ميمونة ﵂، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخَّرَ غسل رجليه إلى آخر الغسل؛ فعلى هذا يجوزالأمران. • قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٤٩): وبحسب اختلاف هاتين الحالتين، اختلف نظر العلماء، فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين في الغسل، وعن مالك: إن كان المكان غير نظيف، فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية في الأفضل قولان. انتهى المراد. هكذا قال الحافظ، وعزا إلى الجمهور تفضيل التأخير، وظاهر كلام ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢٤٨) أنَّ الجمهور على استحباب تقديم غسل الرجلين مع الوضوء؛ لحديث عائشة ﵂، فقد عزا القول بذلك للمشهور عند الحنابلة، وللمشهور عند الشافعية، وعزاه أيضًا لمالك، وعزا قولًا لأحمد بأنه مخير. فائدة: قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٩٦): السُنَّةُ إذا غسل ما على فرجه من أذى أن يدلك يده بالأرض، ثم يغسلها. ثم استدل بحديث ميمونة. مسألة [١١]: حكم التنشيف للأعضاء بعد الوضوء، والغسل . لم يصح عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حديث، لا في إثباته، ولا في نفيه، وليس في الباب إلا حديث ميمونة المذكور في هذا الباب. • فذهب بعض أهل العلم إلى كراهته؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ردَّ المنديل، ولم
следующие страницы →