تنبيه: وعلى المستأجر البينة على تلفه بدون تفريط، أو تعدي، وإن لم يكن له بينة، ولا للمؤجر بينة؛ فالقول قول المستأجر مع يمينه.
مسألة [٧٤]: هل للمستأجر ضرب الدابة ؟
• أكثر أهل العلم على أن يضربها الضرب المعتاد، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق وغيرهم، ولا يضمن عندهم إن أصابها شيء بسبب الضرب المعتاد.
• وقال أبو حنيفة، والثوري: يضمن؛ لأنه تلف بجنايته كغير المستأجر، وقال به الشافعي في ضرب المعلم للغلام؛ لأنه يمكن تأديبه بغير الضرب.
وأجاب الجمهور: بأنَّ هذا تلف من فعل مستحق؛ فلم يضمن، وفارق غير المستأجر؛ لأنه متعد، وقول الشافعي (يمكن تأديب الغلام بغير الضرب) لا يصح؛ فإنَّ العادة خلافه، ولو أمكن التأديب بدون الضرب؛ لما جاز الضرب؛ إذ فيه ضرر وإيلام يُستغنى عنه، وإن أسرف في هذا كله، أو زاد على ما يحصل الغِنَى به، أو ضرب من لا عقل له من الصبيان؛ فعليه الضمان؛ لأنه متعد حصل التلف بعدوانه. اهـ ملخصا من «المغني» (٨/ ١١٦).
مسألة [٧٥]: هل يضمن الحجام والختان والطبيب إذا حصل منهم إتلاف ؟
ذكر أهل العلم أنَّ هؤلاء إذا فعلوا ما أُمروا به؛ لم يضمنوا بشرطين:
أحدهما: أن يكونوا ذوي حذقٍ في صناعتهم، ولهم بها بصارة ومعرفة.
الثاني: أن لا تجني أيديهم، فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع، فإذا وجد هذان
стр. 3608
الشرطان؛ لم يضمنوا، وإن تخلف أحدهما؛ ضمن. وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي، وقال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا. (١)
مسألة [٧٦]: حكم أجرة الحجام .
• جمهور العلماء على أنها حلال، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي وآخرين. وهو قول ابن عباس ﵄، واستدل على ذلك بالحديث المذكور في الباب: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- احتجم، وأعطى الذي حجمه أجرًا. قال: ولو كان حرامًا ما أعطاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
• وعن أحمد رواية بتحريمها، وعدم صحة الاستئجار على ذلك، وقال بذلك بعض أصحابه.
• وكره ذلك الحسن، والنخعي، وحجة هذا القول حديث رافع المذكور في الباب: «كسب الحجام خبيث»، وحديث: «أطعمه ناضحك ورقيقك». (٢)
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور، وقد رجَّحه ابن قدامة، واستدل بحديث ابن عباس المذكور.
مسألة [٨٠]: ضابط ما يجوز إجارته .
يجوز إجارة كل عين يمكن أن ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها بحكم الأصل. «المغني» (٨/ ١٢٥).
مسألة [٨١]: ضابط لما لا يجوز إجارته .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٣٣): مَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ، إلَّا الْحُرَّ، وَالْوَقْفَ، وَأُمَّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرَ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إجَارَتُهَا، وَإِنْ حَرُمَ بَيْعُهَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، كَالْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْجَمَلِ النَّادِّ، وَالْبَهِيمَةِ الشَّارِدَةِ، وَالْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ غَاصِبِهِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا تُجْهَلُ صِفَتُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا نَفْعَ فِيهِ، كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، أَوْ الطَّيْرِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلاصْطِيَادِ. اهـ
مسألة [٨٢]: إجارة الحلي .
• أكثر أهل العلم على جواز إجارة الحلي، سواء آجره من جنسه، أو من غير جنسه، وقال بعض الحنابلة: لا يجوز إجارته من جنسه؛ لأنها تحتك بالاستعمال، فيذهب منها أجزاء، وإن كانت يسيرة، فيحصل الأجر في مقابلتها، ومقابلة الانتفاع؛ فيفضي إلى بيع ذهبٍ بذهب، وشيء آخر.
وأُجيب عن ذلك: بأنَّ الأجر إنما هو مقابل الانتفاع؛ حصل نقص، أو لم
مسألة [٨٥]: إجارة الفحل للضراب .
• أكثر أهل العلم على عدم الجواز؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن عسب الفحل، وعن بيع ضراب الجمل، وقد تقدم الكلام على ذلك في أوائل كتاب البيوع. (١)
مسألة [٨٦]: هل يجوز إجارة المشاع ؟
• منع من ذلك أبو حنيفة، وزُفر، وهو الأشهر عند الحنابلة، إلا أن يؤجره من شريكه؛ لأنه لا يقدر على تسليمه.
• ومذهب الجمهور جواز ذلك، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، والظاهرية، وأصحاب الرأي؛ لأنه معلوم يجوز بيعه؛ فجازت إجارته، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٨٧]: استئجار الكلب .
• فيه وجهان للحنابلة، والشافعية، والراجح منع ذلك؛ لأنَّه يحرم بيعه، فلا تجوز إجارته، والله أعلم. (٣)
مسألة [٨٨]: إجارة المصحف .
• فيه قولان لأهل العلم، وهما وجهان للحنابلة، والراجح جواز ذلك؛ لأنه يجوز بيعه عند الجمهور، وفيه نفعٌ مباحٌ بل مستحب؛ فتجوز إجارته، والله أعلم. (٤)
стр. 3614
مسألة [٨٩]: تأجير المسلم نفسه للذمي .
إن لم يكن فيه إذلال له؛ فجائزٌ عند أهل العلم، كأن يستأجره ليخيط له ثوبًا، أو يبني له جدارًا، أو ما أشبه ذلك، وإن كان فيه إذلال لنفسه عند الذمي؛ فلا يجوز، كأن يستأجره لخدمته، وقد نصَّ على ذلك أحمد، والشافعي في قولٍ له، والله أعلم. (١)
مسألة [٩٠]: إجارة المسلم على إجارة أخيه .
قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (١/ ٢٠٨): ومن ذلك أنَّ النبي ﷺ نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، أو يخطب على خطبته، ومعلومٌ أنَّ المفسدة التي نهى عنها في البيع، والخطبة موجودة في الإجارة؛ فلا يحل له أن يؤجر على إجارته، وإن قدر دخول الإجارة في لفظ البيع العام، وهو بيع المنافع، فحقيقتها غير حقيقة البيع، وأحكامها غير أحكامه. اهـ
مسألة [٩١]: هل تحل الأجرة المؤجلة بموت المستأجر ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «الإنصاف» (٦/ ٧٧): لو أجَّلها فمات المستأجر؛ لم تحل الأجرة وإن قلنا بحلول الدين بالموت لأنَّ حلها مع تأخير استيفاء المنفعة ظلم. اهـ
مسألة [٩٢]: إذا اكترى دارًا وفيها شجرة، فهل يملك ثمرها وتدخل في الكراء ؟
قال ابن حزم ﵀ كما في «المحلى» (١٣٢٣): ومن استأجر دارًا وفيها
стр. 3615
شجرة؛ لم يجز دخولها في الكراء أصلًا، قَلَّ خطرها أم كثر، ظهر حملها أو لم يظهر، طاب أو لم يطب؛ لأنها قبل أن تخلق الثمرة، وقبل أن تطيب لا يحل فيها عقد أصلًا إلا المساقاة فقط، وبعد ظهور الطيب لا يجوز فيها إلا البيع لا الإجارة؛ لأن الإجارة لا تملك بها العين، ولا تستهلك أصلًا، والبيع تملك به العين والرقبة؛ فهو بيع بثمن مجهول، وإجارة بثمن مجهول؛ فهو حرام من كل جهة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان. اهـ
قلتُ: تقدمت مسألة استكراء البهيمة للبن، وهذه المسألة تشبهها، وقد نصَّ الشوكاني على جوازها في «السيل الجرار»، والأحوط تركها، والله أعلم.
مسألة [٩٣]: تنقية البالوعة والكنف على المكري، أم المستكري ؟
• أما عند بداية الاستئجار فهي على صاحب الدار؛ لأنه يلزمه تمكين المستأجر من الانتفاع، وهذا من ذلك، وأما إن امتلأت بفعل المستكري، فأكثر أهل العلم على أنَّ ذلك على المستأجر؛ لأنه هو الذي أحدثها، وخالف أبو ثور فجعل ذلك على رب الدار، والصحيح قول الجمهور. (١)
• وإذا انقضت الإجارة والحمام يحتاج إلى تنظيف، أو في الدار زبل من فعل الساكن؛ فعليه نقله وتنظيفه، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. (٢)
стр. 3616
مسألة [٩٤]: الإجارة الفاسدة .
الإجارة الفاسدة إن أدركت قبل العمل؛ فسخت، وإن لم تدرك؛ فيستحق أجرة مثله عند أهل العلم. (١)
مسألة [٩٥]: الأجرة مقابل تعليم القرآن .
• منع من ذلك وكرهه طائفة من أهل العلم إذا كان مشروطًا، منهم: الحسن، وابن سيرين، وطاوس، والشعبي، والنخعي، وأحمد في رواية، وأبو حنيفة وغيرهم، واستدلوا على منع ذلك بحديث عبادة بن الصامت أنه علم رجلًا من أهل الصفة قرآنًا؛ فجاءه بعد ذلك بقوس أهداه له، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «إن سرَّك أن يقلدك الله قوسًا من النار؛ فاقبلها»، أخرجه أبو داود (٣٤١٦)(٣٤١٧)، وابن ماجه (٢١٥٧)، والحاكم (٢/ ٤١)، والبيهقي (٦/ ١٢٥)، وفي إسناده اختلافٌ على طريقين، إحداهما فيها الأسود بن ثعلبة مجهولٌ، والمغيرة ابن زياد فيه ضعفٌ، وأنكره عليه الحاكم، وابن عبد البر. والطريق الثانية، وهي أحسن حالًا، فيها: بشر بن عبد الله بن يسار، مجهول الحال.
وجاء بنحوه عن أبي بن كعب، أخرجه ابن ماجه (٢١٥٨)، والبيهقي (٦/ ١٢٦)، وهو من طريق عبد الرحمن بن سلم، عن عطية الكلابي، عن أُبي، وعبد الرحمن مجهول، وعطية لم يسمع من أُبي.
وجاء عن أبي الدرداء بنحوه، أخرجه البيهقي (٦/ ١٢٦)، وقال دُحيم: لا أصل له. واستدلوا على المنع بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ
стр. 3617
إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥] الآية.
• وذهب طائفة من أهل العلم إلى جواز أخذ الأجرة على ذلك، وهو قول أبي قلابة، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وأبي ثور، وابن المنذر، واختار هذا القول الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام السعدي، ونقل صاحب «توضيح الأحكام» عن شيخ الإسلام أنه أجاز ذلك للحاجة. واستدل هؤلاء على الجواز بحديث ابن عباس ﵄ الذي في الباب: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» وبحديث: «زوجتكها بما معك من القرآن» (١)، قالوا: فجعل تعليمها القرآن عوضًا ومهرًا للنكاح، وقالوا: الأجرة ليست على قراءته القرآن وتعليمه، وإنما على تعبه وانشغاله.
والأحاديث التي استدل بها أهل القول الأول فيها ضعفٌ، وتخالف حديث «الصحيحين» وتنافي قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من صنع إليكم معروفًا؛ فكافئوه» (٢)، وفي الأحاديث أنه أهدى له القوس بدون شرط، والقائلون بالتحريم قالوا بالتحريم إذا شرط.
قال أبو عبد الله غفر الله له: من شغل عن الكسب بالتعليم؛ جاز له أن يأخذ الأجرة مقابل تعبه، وانشغاله، والأفضل ترك ذلك، ومن لم يشغل ولا يحتاج إلى المال؛ فيكره ذلك في حقه، ويُخشى عليه من الوقوع في المحرَّم، والله أعلم. (٣)
стр. 3618
مسألة [٩٦]: إذا اختلف المؤجر والمستأجر في قدر الأجرة ؟
• مذهب أحمد، والشافعي أن حكمهما كحكم البائع والمشتري أنهما يتحالفان، وتفسخ الإجارة إن كان قبل الشروع، وإلا فعليه أجرة المثل.
• وقال أبو حنيفة: إن كان قبل العمل؛ فيتحالفان، وإن كان بعد العمل؛ فالقول قول المستأجر فيما بينه وبين أجر مثله.
• وقال أبو ثور: القول قول المستأجر؛ لأنه منكر للزيادة في الأجر.
• وقال بعض الحنابلة: القول قول المالك؛ لأنَّ في حديث اختلاف المتبايعين: «فالقول ما يقول رب السلعة».
والقول الأول هو الأقرب؛ لأنَّ الإجارة معاوضة كالبيع. (١)
مسألة [٩٧]: إذا اختلفا في المدة ؟
كأن يقول المالك: أجرتكها سنة. وقال المستأجر: سنتين. فالقول قول المالك؛ لأنه منكر للزيادة. (٢)
مسألة [٩٨]: إذا اختلفا في التعدي في العين المستأجرة ؟
القول قول المستأجر؛ لأنه مؤتمن عليها، فأشبه المودع عنده. (٣)
وهناك صور أخرى في الاختلاف يعرف الراجح فيها بقياسها على مسائل الخلاف المتقدمة في أبواب سابقة، والله أعلم.
стр. 3619
فَصْلٌ فِي الجعَالَة
مسألة [١]: تعريفها .
هي فَعَالة من الجَعل، والجَعل معناه وضع الشيء، والجعالة مثلثة الجيم، وهي عند الفقهاء التزام من مطلق التصرف عوضًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا، أو مجهولًا، مدة معلومة، أو مجهولة. (١)
مسألة [٢]: مشروعية الجعالة .
استدل أهل العلم على مشروعيتها بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢]، وبحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في «الصحيحين» أنه رقى سيدَ حَيٍّ، وجعلوا له جعلًا قطيع شياه فأقره رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (٢)
والحاجة تدعو إلى ذلك؛ فإنَّ العمل قد يكون مجهولًا، كرد الآبق، والضالة، ونحوها، ولا تنعقد الإجارة فيه؛ لكونه مجهولًا، وقد لايجد من يتبرع به؛ فدعت الحاجة إلى إباحة ذلك.
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٢٣): وجملة ذلك أنَّ الجعالة في رد الضالة، والآبق وغيرهما جائزة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا. اهـ (٣)
стр. 3620
مسألة [٣]: الفرق بين الجعالة والإجارة .
الجعالة عقد جائز، فلا يلزم فيها أن يكون العمل، أو العامل معلومًا، والإجارة عقد لازم؛ فوجب فيها أن يكون العمل والعامل معلومًا، وكذلك الجعالة لا يلزم فيها تحديد المدة؛ لأنه عقد جائزٌ، بخلاف الإجارة فيجب فيها تحديد المدة. (١)
مسألة [٤]: هل للجاعل والعامل الفسخ متى شاءا ؟
• ذكر أهل العلم أنَّ العامل له أن يترك العمل متى شاء؛ لأنه غير ملزم به، ولا يستحق شيئًا، وللجاعل أيضًا أن يفسخ ما التزمه من العوض إن كان ذلك قبل إتمام العمل، وليس له فسخه بعد إتمام العمل، ويجب عليه العوض الذي التزمه؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وخالف ابن حزم فلم يلزمه بذلك، والصحيح قول الجمهور.
وذكر أهل العلم أن الجاعل إذا تراجع عما التزم إن كان قبل شروع العامل في العمل؛ فلا شيء عليه، وإن كان بعد شروعه في العمل فعليه له أجرة المثل إن عمل له بعض مقصوده الذي يقصده، وأما إذا لم يستفد منه شيئًا؛ فلا يلزمه، والله أعلم. (٢)
стр. 3621
مسألة [٥]: هل يشترط في العوض أن يكون معلومًا ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٢٤): وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَمَلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى كَوْنِ الْعَمَلِ مَجْهُولًا، بِأَنْ لَا يَعْلَمَ مَوْضِعَ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ، وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى جَهَالَةِ الْعِوَضِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصِيرُ لَازِمًا، فَلَمْ يَجِبْ كَوْنُهُ مَعْلُومًا، وَالْعِوَضُ يَصِيرُ لَازِمًا بِإِتْمَامِ الْعَمَلِ؛ فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَعْلُومًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجُوزَ الْجَعَالَةُ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ نِصْفُهُ، وَمَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثُلُثُهَا. فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا قَالَ الْأَمِيرُ فِي الْغَزْوِ: مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ رُءُوسٍ؛ فَلَهُ رَأْسٌ؛ جَازَ. وَقَالُوا: إذَا جَعَلَ جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى قَلْعَةٍ، أَوْ طَرِيقٍ سَهْلٍ، وَكَانَ الْجُعْلُ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ؛ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا، كَجَارِيَةٍ يُعَيِّنُهَا الْعَامِلُ فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ. فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجَهَالَةُ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ؛ لَمْ تَصِحَّ الْجَعَالَةُ وَجْهًا وَاحِدًا. اهـ
قلتُ: وقد ذهب ابن القيم ﵀ إلى جواز الجعالة بنصيب شائع لا يمنع التسليم، كقوله: من رد عبدي؛ فله نصفه. «أعلام الموقعين» (١/ ٣٨٥). (١)
مسألة [٦]: إذا علق الجعالة بكون العمل في مدة معلومة، أو مكان معلوم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٢٤): وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ مَعْلُومًا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ الْبَصْرَةِ، أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ، أَوْ خَاطَ قَمِيصِي هَذَا، فَلَهُ
стр. 3622
كَذَا. صَحَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ مَعَ الْجَهَالَةِ فَمَعَ الْعِلْمِ أَوْلَى. وَإِنْ عَلَّقَهُ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَقَالَ: مَنْ رَدَّ لِي عَبْدِي مِنْ الْعِرَاقِ فِي شَهْرٍ، فَلَهُ دِينَارٌ. أَوْ مَنْ خَاطَ قَمِيصِي هَذَا فِي الْيَوْمِ، فَلَهُ دِرْهَمٌ. صَحَّ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ إذَا جَازَتْ مَجْهُولَةً، فَمَعَ التَّقْدِيرِ أَوْلَى. اهـ
وقد منع من التقدير بالمدة مالك، وبعض الشافعية؛ لحصول الغرر، وهو يكثر في هذه التقديرات.
قلتُ: والصحيح هو الجواز. (١)
مسألة [٧]: هل يجوز أن يجعل الجعالة لواحد بعينه، أو يفاوت الجعالة بين واحد وآخر ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٢٥): وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْجُعْلَ فِي الْجَعَالَةِ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَيَقُولَ لَهُ: إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ دِينَارٌ. فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ مَنْ يَرُدُّهُ سِوَاهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَيَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ دِينَارٌ. فَمَنْ رَدَّهُ؛ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِوَاحِدٍ فِي رَدِّهِ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَلِآخَرَ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُعَيَّنِ عِوَضًا، وَلِسَائِرِ النَّاسِ عِوَضًا آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَجْرُ فِي الْإِجَارَةِ مُخْتَلِفًا مَعَ التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى. اهـ
مسألة [٨]: إذا قال: من رد ضالتي فله دينار، فجاء بها ثلاثة ؟
قال ابن قدامة ﵀: فَإِنْ قَالَ: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِي فَلَهُ دِينَارٌ، فَرَدَّهَا ثَلَاثَةٌ، فَلَهُمْ
الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزَّائِدِ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْعِوَضِ، فَكَذَلِكَ فِي قَدْرِهِ. اهـ
قلتُ: ومذهب الشافعي أنهما إذا اختلفا في القدر تحالفا، وهو قول بعض الحنابلة، فإذا تحالفا؛ وجب له أجر المثل، وهذا أقرب، والله أعلم. (١)
واختلف أهل العلم في العبد الآبق، هل يستحق من رده عوضًا بغير التزام صاحبه بذلك؟
• فمذهب مالك، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية أنه يستحق على ذلك عوضًا، وقال به شريح، وعمر بن عبد العزيز، واستدلوا على ذلك بأنه قد قال بذلك بعض الصحابة كعمر، وعلي، وابن مسعود ﵃، واستدلوا بمرسل ابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار قالا: جعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الآبق إذا جاء به خارجًا من الحرم عشرة دراهم. ولأنَّ في شرط الجعل في درهم حثًّا على رد الآبقين، وصيانة لهم عن الرجوع إلى دار الحرب.
• ومذهب الشافعي، وأحمد في رواية أنه لا يستحق إلا بالتزام صاحبه بذلك كالجمل الشارد وغيره، وقال بذلك النخعي، وابن المنذر.
قال ابن قدامة ﵀: وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَالْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ فِي هَذَا مُرْسَلٌ، وَفِيهِ مَقَالٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ الْإِجْمَاعُ فِيهِ وَلَا الْقِيَاسُ؛
стр. 3625
فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ، وَلَا تَحَقَّقَتْ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ الظَّاهِرُ هَرَبَهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إلَّا فِي الْمَجْلُوبِ مِنْهَا، إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً، وَهَذَا بَعِيدٌ فِيهِمْ. اهـ
قلتُ: وهذا القول هو الصواب؛ لعدم وجود دليل صحيح يعتمد عليه في ذلك، والأصل حرمة أموال الناس، فلا نلزمهم بشيء من أموالهم إلا بدليل، وأما آثار الصحابة، فأثر عمر له سندان أحدهما منقطع، والآخر فيه: الحجاج بن أرطاة، وأثر ابن مسعود له إسنادان أحدهما فيه مجهول حال، والآخر مبهم، وأثر علي فيه: الحارث الأعور، والحجاج بن أرطاة.
واختلف القول في هذه الآثار في تحديد المقدار الذي يستحق من رد العبد الآبق، وقد اختلف أهل القول الأول في ذلك على أقوال تُراجع من المصادر التي سنذكرها، واختيارنا للقول الثاني يغنينا عن ذكر الأقوال، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: إذا قال: من رد عبدي من بلد كذا فله دينار. فرده من نصف الطريق ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٢٦): وَإِنْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ بَلَدِ كَذَا فَلَهُ دِينَارٌ. فَرَدَّهُ إنْسَانٌ مِنْ نِصْفِ طَرِيقِ ذَلِكَ الْبَلَدِ؛ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ نِصْفَ الْعَمَلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدَيَّ فَلَهُ دِينَارٌ. فَرَدَّ أَحَدَهُمَا؛ فَلَهُ نِصْفُ الدِّينَارِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ نِصْفَ الْعَبْدَيْنِ. اهـ (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
أما الإحياء: فهو مصدر (أحيا)، وأما الموات: فهو ما لا حياة فيه، شبهت عمارة الأرض وزراعتها بالحياة، وتعطيلها بالموت.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: عبَّروا بالموات دون الميتة؛ لأنَّ الأرض الميتة قد يُراد بها ما لا نبات فيها كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٣٣]، فعبروا عن الأرض هنا بالموات؛ للفرق بينها وبين الأرض التي ليس فيها نبات. اهـ
وتعريف الموات عند الفقهاء: هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات، وملك معصوم.
فقولنا: (الاختصاصات) هي كمجاري السيول، ومواضع الحطب، ومواضع المراعي، والمصالح العامة، وأفنية الدور.
وقولنا: (ملك معصوم)، أي: مملوكة بإحياء، أو إرث، أو شراء للمعصوم ماله وهو المسلم، ويشمل أيضًا الذِّمِّي، والمعاهد، والمستأمن.
مسألة [١]: أقسام الموات الذي يُحيى .
الموات قسمان:
القسم الأول: مالم يجر عليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه أثر عمارة.
стр. 3628
فهذا يُملك بالإحياء بغير خلاف بين القائلين بالإحياء، والأخبار التي تقدمت تتناوله.
القسم الثاني: ما جرى عليه ملك مالك، وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ماله ملك معين، وهو ضربان:
الأول: ما مُلِكَ بشراءٍ، أو عطية، فهذا لا يُملك بالإحياء بغير خلاف، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنَّ ما عُرِف بملك مالك غير منقطع أنه لا يجوز لأحد غير أربابه.
الثاني: ما مُلِك بالإحياء، ثم ترك حتى دثر، وعاد مواتًا؛ فهو كالذي قبله في الحكم عند أهل العلم، وخالف مالك فقال: إذا أحيا هذا؛ مَلَكَهُ؛ لعموم الحديث: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»، ولأنَّ أصل هذه الأرض مباح، فإذا تركت حتى تصير مواتًا؛ عادت إلى الإباحة، كمن أخذ ماءً من نهر ثم رده فيه.
وأُجيب عليه: بأنَّ هذه أرضٌ يعرف مالكها؛ فلم تملك بالإحياء، كالتي ملكت بشراءٍ، أو عطية، والخبر مقيد بغير المملوك، ففي حديث عائشة زيادة: «ليست لأحد»، وهذا يقيد مطلق حديثه، ثم حديثه مخصوص بما ملك بشراءٍ، أو عطية، فيقاس عليه محل النزاع، وما ذكروه يبطل بالموات إذا أحياه إنسان، ثم باعه، فتركه المشتري حتى عاد مواتًا، وباللقطة إذا ملكها، ثم ضاعت منه، ويخالف ماء النهر؛ فإنه استهلك.
стр. 3629
النوع الثاني: ما يوجد فيه آثار ملك قديم جاهلي، كآثار الروم، ومساكن ثمود، ونحوها.
فهذا يملك بالإحياء؛ لأنَّ ذلك الملك لا حرمة له، وقد رُوي عن طاوس، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «عادي الأرض لله ولرسوله ثم هو بعد لكم» أخرجه البيهقي (٦/ ١٤٣)، وهو حديث مرسل، وقوله: «عادي الأرض» قال أبو عبيد: التي كان بها ساكن في آباد الدهر، فانقرضوا، فلم يبق منهم أنيس، وإنما نسبها إلى عاد؛ لأنهم كانوا مع تقدمهم ذوي قوة، وبطش، وآثار كثيرة، فنسب كل أثر قديم إليها.
قال ابن قدامة ﵀: ويحتمل أنَّ كل ما فيه أثر الملك، ولم يعلم زواله أنه لا يملك؛ لأنَّه يحتمل أنَّ المسلمين أخذوه عامرًا، فاستحقوه، فصار موقوفًا بوقف عمر له؛ فلم يملك كما لو علم مالكه. اهـ
النوع الثالث: ما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم، أو ذِمِّيٍّ غير معين.
• قال ابن قدامة ﵀: فظاهر كلام الخرقي أنها لا تملك بالإحياء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، نقلها عنه أبو داود وغيره؛ لما روى كثير بن عبدالله ابن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أحيا أرضًا مواتًا في غير حق مسلم؛ فهي له»، ولأنَّ هذه الأرض لها ملك؛ فلم يَجُزْ إحياؤها كما لو كان معينًا؛ فإنَّ مالكها إن كان له ورثة؛ فهي لهم، وإن لم يكن له ورثة؛ ورثها المسلمون. اهـ
стр. 3630
قلتُ: حديث عمرو بن عوف أخرجه إسحاق كما في «الفتح» (٢٣٣٥)، وفي إسناده: كثير ابن عبد الله قد كُذِّب.
• والقول الثاني في هذه المسألة أنها تملك بالإحياء، وهي رواية عن أحمد، وقال به مالك، وأبو حنيفة؛ لعموم الأخبار، ولأنها أرضٌ موات لا حقَّ فيها لقوم بأعيانهم؛ أشبهت مالم يجر عليه ملك مالك، ولأنها إن كانت في دار الإسلام؛ فهي كلقطة دار الإسلام، وإن كانت في دار الكفر؛ فهي كالرِّكاز.
قلتُ: القول الأول قال به الشافعية أيضًا، ورجَّحه ابن حزم، وقال: النظر فيها إلى الإمام، وهو أقرب إلى الصواب عندي -والله أعلم-؛ لحديث عائشة: «من أعمر أرضًا ليست لأحدٍ .. »، فإذا عُلِمَ أنها كانت لأحد ثم لم نجد له ورثة؛ فإنها ترجع إلى بيت المال، تُصرف لمن يستحقها. (١)
مسألة [٢]: هل يصح الإحياء أيضًا في دار الحرب ؟
أما ما كان عامرًا من دار الحرب؛ فلا يُملك بالإحياء؛ لأنه ليس بموات، ولأنَّ الشارع أباح تملك ديارهم بالقهر والغلبة كسائر أموالهم.
وأما إن كان مواتًا لا يعرف له مالك؛ فهذا يجوز إحياؤه؛ لعموم الأدلة.
وأما إن كان مواتًا عُرف أنه كان مملوكًا؛ ففيه روايتان عن أحمد، ووجهان للشافعية، والأقرب ههنا أنه يملكها بالإحياء؛ لأنه لو وُجِدَ في بلاد الشرك ركاز من
стр. 3631
ضرب المشركين؛ لملكه بالوجود، وإن كان قد جرى عليه ملك مشرك، فكذلك إذا أحيا مواتًا جرى عليه ملك لمالك غير معروفٍ من المشركين، والله تعالى أعلم. (١)
مسألة [٣]: هل يملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام ؟
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: أنه لا يملك بالإحياء في دار الإسلام، وهذا قول الشافعي، وبعض الحنابلة، وطائفة من المالكية، وأهل الظاهر، وحُكي عن مالك. واستدلوا بما رُوي: «مَوَتان الأرض لله، ولرسوله، ثم هي لكم مني»، وقالوا: ذلك من حقوق الدار، والدار للمسلمين.
الثاني: أنه يملك فيها بالإحياء كالْمُسلِم، وهو قول أحمد، وهو قول الحنفية، وأكثر المالكية، وحُكي عن مالك، وعليه أكثر الحنابلة، واستثنى المالكية ما أحياه بجزيرة العرب؛ فإنه لا يملكه.
واستدل أهل هذا القول بعموم الحديث: «من أحيا أرضًا ميتة؛ فهي له»، ولأنَّ الإحياء من أسباب الملك؛ فملك به الذمي كسائر أسبابه، وحديثهم: «موتان الأرض لله ولرسوله .. » لا يُعرف في شيء من كتب الحديث، وإنما لفظه: «عادي الأرض لله ورسوله، ثم هو لكم»، وهو مرسل كما تقدم.
قالوا: ولو ثبت هذا اللفظ؛ لم يمنع تملك الذمي بالإحياء كما يتملك بالاحتشاش، والاحتطاب، والاصطياد ما هو للمسلمين؛ فإنَّ المسلمين إذا ملكوا
стр. 3632
الأرض ملكوها بما فيها من المعادن، والمنافع، ولا يمتنع أن يتملك الذمي بعض ذلك، وإقرار الإمام لهم على ذلك جارٍ مجرى إذنه لهم فيه، ولأنَّ فيه مصلحة للمسلمين بعمارة الأرض وتهيئتها للانتفاع بها، ولا نقص على المسلمين في ذلك.
الثالث: إذا أذن له الإمام؛ ملك به، وإلا لم يملك، وهذا قول ابن المبارك.
الرابع: إن أحيا فيما بَعُدَ من العمران؛ ملكه، وإن أحيا فيما قَرُبَ من العمران؛ لم يملكه، وإن أذن له الإمام، وهذا قول مطرف، وابن الماجشون.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: إذا ملك الذمي الأرض بالإحياء، فهل عليه فيها خراج ؟
• جاء عن أحمد أنه قال: عليه العشر. وعنه رواية أخرى: ليس عليه شيء، وبهذا قالت الحنفية، وأكثر المالكية، وهو الصواب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٥]: ما قرب من العامر هل يجوز إحياؤه، وتملكه بالإحياء ؟
ما قرب من العامر له حالتان:
الحالة الأولى: أن يتعلق بمصالح العامر.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٤٩): وَمَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ، وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ، مِنْ طُرُقِهِ، وَمَسِيلِ مَائِهِ، وَمَطْرَحِ قُمَامَتِهِ، وَمُلْقَى تُرَابِهِ وَآلَاتِهِ، فَلَا يَجُوزُ
стр. 3633
إحْيَاؤُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي المَذْهَبِ. وَكَذَلِكَ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِ الْقَرْيَةِ، كَفِنَائِهَا، وَمَرْعَى مَاشِيَتِهَا، وَمُحْتَطَبِهَا، وَطُرُقِهَا، وَمَسِيلِ مَائِهَا، لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَكَذَلِكَ حَرِيمُ الْبِئْرِ، وَالنَّهْرِ، وَالْعَيْنِ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَا يَجُوزُ إحْيَاءُ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ. اهـ (١)
الحالة الثانية: أن لا يتعلق به مصالح العامر.
• ففيه قولان:
الأول: يجوز إحياؤه، ويتملك بذلك، وهو قول أحمد في رواية، والشافعي؛ لعموم أحاديث الباب.
الثاني: لا يجوز إحياؤه، وهو رواية عن أحمد، وبه قال أبو حنيفة، والليث؛ لأنه في مظنة تعلق المصلحة به؛ فإنه يحتمل أن يحتاجه إلى فتح باب في حائطه إلى فنائه، ويجعله طريقًا، أو يخرب حائطه، فيضع آلات البناء في فنائه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، والله أعلم، ومظنة تعلق المصلحة به لا تمنع جواز الإحياء، والله أعلم. (٢)
مسألة [٦]: إذا وجد في الأرض بعد إحيائها معادن، فهل يملكها ؟
• أما إذا كانت المعادن جامدة كالذهب، والفضة، والنحاس، وما أشبهها؛ فإنها تكون ملكًا له عند الجمهور، وهو قول الحنابلة، والشافعية، والحنفية،
стр. 3634
والظاهرية، وخالف مالك، فقال: هي للسلطان.
وأُجيب عن مالكٍ ﵀: بعدم وجود دليل يدل على قوله، والأصل حرمة مال المسلم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ دماءكم، وأموالكم عليكم حرام»، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحيا أرضًا ميتة؛ فهي له». (١)
• وأما المعادن الجارية، كالنفط، والقار، وما أشبهها، فظاهر كلام ابن حزم في «المحلى» أنَّ مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وداود أنه يملكها؛ لأنه عمم المسألة في جميع المعادن، وهو ظاهر كلام صاحب «البيان» عن مذهب الشافعي، وهذا القول رواية عن أحمد؛ لأنه ظهر في ملكه فأصبح مالكًا له كما تقدم في المعادن الجامدة.
• ومذهب مالك أنَّ المعدن للسلطان، وقاله أحمد في رواية، قال ابن قدامة: أظهرهما لا يملكها؛ لأنها ليست من أجزاء الأرض؛ فلا يملكها.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي ينبغي للسلطان أن يُرضي صاحب الأرض بالمكافاءات المالية، ولا يأخذها منه قهرًا، والله أعلم. (٢)
стр. 3635
مسألة [٧]: إذا كانت المعادن في موات، فأراد إنسان أخذ المعادن دون إحياء الأرض ؟
• قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٥٤ - ): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ المَعَادِنَ الظَّاهِرَةَ، وَهِيَ الَّتِي يُوصَلُ إلَى مَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ مُؤْنَةٍ، يَنْتَابُهَا النَّاسُ، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا، كَالْمِلْحِ، وَالمَاءِ، وَالْكِبْرِيتِ، وَالْقِيرِ، وَالمُومْيَاءِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ ... ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، لَا تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَا يَجُوزُ إقْطَاعُهَا لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، وَلَا احْتِجَازُهَا دُونَ المُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالمُسْلِمِينَ، وَتَضْيِيقًا عَلَيْهِمْ.
ثم استدلَّ على ذلك بقصة أبيض بن حمَّال أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقطعه الملح بمأرب، فقيل: يا رسول الله، أقطعته الماء الْعِدَّ الجاري فاسترجعه منه. أخرجه أبو داود (٣٠٦٤)، والترمذي (١٣٨٠)، وابن ماجه (٢٤٧٥)، وهو حديث ضعيفٌ؛ في إسناده مجاهيل.
ثم قال ﵀: وَلِأَنَّ هَذَا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ المُسْلِمِينَ الْعَامَّةُ؛ فَلَمْ يَجُزْ إحْيَاؤُهُ، وَلَا إقْطَاعُهُ، كَمَشَارِعِ الْمَاءِ، وَطُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
ثم قال ﵀: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. اهـ
قال أبو حسين العمراني في «البيان» (٧/ ٤٨٧): فإن سبق واحد إلى شيء من هذه المعادن الظاهرة؛ أخذه وملكه؛ لقوله ﷺ : «من سبق إلى مالم يسبق إليه؛ فهو أحق به»؛ فإن أخذ منها وانصرف، وجاء غيره وأخذ منها وانصرف، وعلى هذا يأخذون، واحد بعد واحد ... ؛ جاز.
стр. 3636
قال: وإن جاء واحد وأطال يده عليها ففيه وجهان أي: عند الشافعية أحدهما: لا يزيل الإمام يده؛ لأنه أحق به. والثاني: يزيل يده عنها؛ لأنه يصير متحجرًا، وتحجرها لا يجوز. اهـ
قلتُ: أما الحديث: «من سبق إلى مالم يسبق إليه ... » فأخرجه أبو داود (٣٠٧١) من حديث أسمر بن مضرس، وفيه أربعة مجاهيل، يروي أحدهم عن الآخر، فهو مسلسل بالمجاهيل؛ فهو شديد الضعف.
وأما الوجهان اللذان ذكرهما فهما وجهان للحنابلة أيضًا كما في «المغني» (٨/ ١٥٩ - ١٦٠)، والأصح في ذلك أنه يرفع يده عنها؛ لأنها حق عام؛ فليس له أن يحتجزه على من دونه، وإنما له أن يأخذ حاجته؛ فهو أحق بالسبق.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٥٦): فَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ، وَهِيَ الَّتِي لَا يُوصَلُ إلَيْهَا إلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ ... ، فَإِذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً؛ لَمْ تُمْلَكْ أَيْضًا بِالْإِحْيَاءِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً، فَحَفَرَهَا إنْسَانٌ وَأَظْهَرَهَا؛ لَمْ يَمْلِكْهَا بِذَلِكَ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْلِكَهَا بِذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ؛ فَمُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ، كَالْأَرْضِ، وَلِأَنَّهُ بِإِظْهَارِهِ تَهَيَّأَ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَكْرَارِ ذَلِكَ الْعَمَلِ؛ فَأَشْبَهَ الْأَرْضَ إذَا جَاءَهَا بِمَاءٍ أَوْ حَاطَهَا.
стр. 3637
قال: وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْإِحْيَاءَ الَّذِي يُمْلَكُ بِهِ هُوَ الْعِمَارَةُ الَّتِي تَهَيَّأَ بِهَا الْمُحْيِي للِانْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارِ عَمَلٍ، وَهَذَا حَفْرٌ وَتَخْرِيبٌ، يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارٍ عِنْدَ كُلّ انْتِفَاعٍ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي -والله أعلم- أنه يملك المعادن التي حفر عنها، وأظهرها وصارت في يده، دون غيرها ممالم تصلها يده، ومالم يظهرها ويصر في يده؛ فهي حقوق عامة، للإمام أن يوكل من يعمل، ويأخذها لأملاك المسلمين العامة، وينبغي لولي أمر المسلمين أن يخص صاحب الأرض بمكافآت على ما ظهر في أرضه، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: إحياء بعض الأماكن التي في جوانب الشوارع، والطرقات، وما أشبه ذلك .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٦١): وَمَا كَانَ مِنْ الشَّوَارِعِ، وَالطُّرُقَاتِ، وَالرِّحَابِ بَيْنَ الْعُمْرَانِ؛ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إحْيَاؤُهُ، سَوَاءٌ كَانَ وَاسِعًا، أَوْ ضَيِّقًا، وَسَوَاءٌ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُضَيِّقْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَتُهُمْ؛ فَأَشْبَهَ مَسَاجِدَهُمْ. وَيَجُوزُ الِارْتِفَاقُ بِالْقُعُودِ فِي الْوَاسِعِ مِنْ ذَلِكَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يُضَيِّقُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ؛ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى إقْرَارِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ، وَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ؛ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، كَالِاجْتِيَازِ.
стр. 3638
قال: وَلَهُ أَنْ يُظَلِّلَ عَلَى نَفْسِهِ، بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، مِنْ بَارِيَّةٍ حصير، وَتَابُوتٍ، وَكِسَاءٍ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ فِيهِ.
قال: وَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ، لَا دَكَّةً وَلَا غَيْرَهَا؛ لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ، وَيَعْثُرُ بِهِ الْمَارَّةُ بِاللَّيْلِ، وَالضَّرِيرُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَيَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، فَرُبَّمَا ادَّعَى مِلْكَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
قال: وَالسَّابِقُ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَ فِيهِ؛ فَإِنْ قَامَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ فِيهِ؛ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إزَالَتُهُ؛ لِأَنَّ يَدَ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَقَلَ مَتَاعَهُ، كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ قَدْ زَالَتْ.
قال: وَإِنْ قَعَدَ وَأَطَالَ؛ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُتَمَلِّكِ، وَيَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيه غَيْرُهُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُزَالَ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ. اهـ
قلتُ: وذكر العمراني ﵀ في «البيان» (٧/ ٤٩٠) مثل ما ذكره ابن قدامة، والصحيح في المسألة الأخيرة أنه لا يزال عنه، ولو أطال يده عليه، والله أعلم.
تنبيه: ما ذكرناه في هذه المسألة مقيد ومستثنى بما إذا جعل وليُّ الأمر لهذه الأمور ضوابط يتعامل بها الناس؛ فيكون الحكم على ذلك.
مسألة [٩]: ما هو ضابط الإحياء ؟
الصحيح في هذه المسألة أنَّ الإحياء ضابطه ما تعارف الناس بينهم أنه إحياء؛
стр. 3639
لأنه لم يرد في الشرع تبيين ضابط الإحياء، ولا ذكر كيفيته؛ فيجب الرجوع فيه إلى ما كان إحياءً في العُرف، وهذا القول نصَّ عليه الشافعي ﵀، وهو قول أحمد في رواية، وقال به ابن حزم، والشوكاني، وقوَّاه الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [١٠]: إذا سبق إلى الأرض وضرب عليها أعلامًا، ولم يحيها ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية وغيرهم أنه لا يملكها بذلك حتى يحييها، ويكون في ذلك الوقت متحجرًا عليها؛ فهو أحق بها، وقد استدلوا على ذلك بالحديث: «من سبق إلى مالم يسبق إليه؛ فهو أحق به»، وهو حديث مسلسلٌ بالمجاهيل كما تقدم.
ولم يفرق الشوكاني ﵀ في «السيل» بين الإحياء والتحجير، بل جعل التحجير من الإحياء؛ للحديث المذكور. والأظهر هو قول الجمهور بالتفريق بينهما. (٢)
تنبيه: إذا أطال يده عليها متحجرًا بدون إحياء أمهله السلطان مدة ليحييها، أو يرفع يده عنها؛ فإن مضت المدة ولم يحيها؛ أذن في إحيائها لغيره. (٣)
مسألة [١١]: إذا جاء إنسان وأحيا الأرض التي قد تحجرها إنسان قبله، فهل يملكها ؟
• في هذه المسألة وجهان للحنابلة، والشافعية، والأظهر أنه لا يملكها؛ لأنَّ يد الأول قد ثبتت عليها؛ فهو أحق بها، وفعل الإنسان الآخر لا يسقط حق
стр. 3640
الأول، والله أعلم.
قال أبو الحسين العمراني ﵀ في «البيان» (٧/ ٤٨٥): وإن تطاول الزمان في ثبوت يد الأول عليها؛ فإنَّ السلطان يستدعيه ويقول له: إمَّا أن تحييه، وإمَّا أحياه غيرك. فإن استمهله، فأحياه؛ ملكه، وإن تركه؛ زال حكمه عنه، وإن لم يتركه وجاء غيره، وأحياه؛ ملكه وجهًا واحدًا؛ لأنه لا عذر له مع تطاول المدة. اهـ (١)
مسألة [١٢]: هل له أن يبيع ما تحجره ؟
• فيه قولان للحنابلة، والشافعية، والأصح عندهم عدم جواز بيعه؛ لأنه ليس ملكًا له، وقال بعض الحنابلة، والشافعية: له بيعه؛ لأنه أحق به، فصار كالمالك، وهذا القول صححه الإمام ابن عثيمين ﵀.
قلتُ: وهذا هو الصواب؛ لأنه يبيع حقًّا له، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٣]: إذا استأجر إنسانًا ليحيي له الأرض، فأحياها، فمن يملكها ؟
• مذهب الجمهور أنه يملكها المؤجر؛ لأنه هو الذي قصد الإحياء، والآخر عامل له.
قال الشوكاني ﵀ في «السيل» (٣/ ٢٢٧ - ): المباشرة للفعل تختلف باختلاف الأغراض والمقاصد، فإذا كان المباشر للإحياء مأمورًا من جهة غيره،
стр. 3641
أجيرًا له؛ صح ذلك، وكان عمله هذا داخلًا في أنواع الإجارات، ولا مانع من ذلك، وهكذا إذا كان المباشر وكيلًا؛ فإنه لم يحيها لنفسه، بل أحياها لموكله، وليس هذا من الأملاك القهرية التي تدخل في ملك مالكها شاء أم أبى. اهـ (١)
مسألة [١٤]: هل يشترط في إحياء الموات إذن الإمام ؟
• مذهب الجمهور أنه لا يشترط ذلك؛ لأنَّ الأحاديث الواردة في الباب مطلقة، ليس فيها تقييد ذلك بإذن ولي الأمر، واشترط ذلك أبو حنيفة، واشترطه مالك فيما قرب من العمران، والصحيح قول الجمهور، وهو ترجيح ابن حزم، ثم الشوكاني، ثم الشيخ ابن عثيمين وغيرهم. (٢)
стр. 3642
٩٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا حِمَى إلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى الحِمَى .
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٣٧٠): أصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلًا مخصبًا استعوى كلبًا على مكان عالٍ، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب، فلا يرعى فيه غيره، ويرعى هو مع غيره فيما سواه، والحمى هو المكان المحمي، وهو خلاف المباح، ومعناه: أن يمنع من الإحياء من ذلك الموات؛ ليتوفر فيه الكلأ، فترعاه مواشٍ مخصوصة، ويمنع غيرها. اهـ
مسألة [٢]: قوله: «لا حِمَى إلَاّ للهِ وَلِرَسُولِهِ» .
• قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٣٧٠): قَالَ الشَّافِعِيّ: يَحْتَمِل مَعْنَى الْحَدِيث شَيْئَيْنِ: أَحَدهمَا: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِي لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا حَمَاهُ النَّبِيّ ﷺ ، وَالآخَر: مَعْنَاهُ إِلَّا عَلَى مِثْل مَا حَمَاهُ عَلَيْهِ النَّبِيّ ﷺ ، فَعَلَى الْأَوَّل لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْوُلَاة بَعْده أَنْ يَحْمِي، وَعَلَى الثَّانِي يَخْتَصّ الْحِمَى بِمَنْ قَامَ مَقَام رَسُول اللَّه ﷺ ، وَهُوَ الْخَلِيفَة خَاصَّة. وَأَخَذَ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ مِنْ هَذَا أَنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَيْنِ، وَالرَّاجِح عِنْدهمْ الثَّانِي. اهـ
стр. 3643
قلتُ: وهذا الراجح عند الشافعية هو قول أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، واستدلوا على ترجيحه بأنَّ عمر بن الخطاب ﵁ صح عنه أنه حَمَى الربذة كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/ ٧٦٧)، و «الأموال» (ص ٣٠٦) لأبي عبيد، وأصله في «البخاري» (٢٣٧٠) بسند منقطع، وجاء عن عثمان أيضًا كما في «سنن البيهقي» (٦/ ١٤٧)، وفي إسناده: أبو سعيد مولى أسيد، مجهول، تفرد بالرواية عنه أبو نضرة، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان.
قال ابن قدامة ﵀: واشتهر ذلك في الصحابة، فلم ينكر عليهما؛ فكان إجماعًا. اهـ
قال البيهقي ﵀ عقب أثر عمر، وعثمان ﵄: هذا الأثر يدل على أنَّ غير النبي ﷺ ليس له أن يحمي لنفسه، وفيه وفيما قبله دلالة على أن قول النبي ﷺ : «لا حمى إلا لله ولرسوله» أراد به أن لا حمى إلا على مثل ما حمى عليه رسوله في صلاح المسلمين، والله أعلم. اهـ
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ومحل الجواز مطلقًا أن لا يضر بكافة المسلمين. اهـ
فائدة: اشتهر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حمى النقيع، وهو عند البخاري (٢٣٧٠)، عن الزهري بلاغًا، وأخرجه أحمد (٢/ ٩١، ١٥٥)، والبيهقي (٦/ ١٤٦)، وأبوعبيد رقم (٧٤٠) موصولًا عن ابن عمر بإسناد فيه عبد الله العمري، وهو ضعيفٌ.
стр. 3644
وحماية عمر للربذة كان من أجل خيل المسلمين الذي في سبيل الله. (١)
مسألة [٣]: هل للإمام أن ينقض ما حماه من قبله ؟
أما ما حماه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فلا يجوز لأحد نقضه مع بقاء الحاجة.
• فإذا زالت الحاجة ففيه وجهان للحنابلة، والشافعية.
والصحيح جواز نقضه إذا زالت الحاجة.
وأما ما حماه غيره من الأئمة؛ فيجوز نقضه، وتغييره، والله أعلم. (٢)