← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

أجيرًا له؛ صح ذلك، وكان عمله هذا داخلًا في أنواع الإجارات، ولا مانع من ذلك، وهكذا إذا كان المباشر وكيلًا؛ فإنه لم يحيها لنفسه، بل أحياها لموكله، وليس هذا من الأملاك القهرية التي تدخل في ملك مالكها شاء أم أبى. اهـ (١) مسألة [١٤]: هل يشترط في إحياء الموات إذن الإمام ؟ • مذهب الجمهور أنه لا يشترط ذلك؛ لأنَّ الأحاديث الواردة في الباب مطلقة، ليس فيها تقييد ذلك بإذن ولي الأمر، واشترط ذلك أبو حنيفة، واشترطه مالك فيما قرب من العمران، والصحيح قول الجمهور، وهو ترجيح ابن حزم، ثم الشوكاني، ثم الشيخ ابن عثيمين وغيرهم. (٢)

стр. 3642

٩٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا حِمَى إلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: معنى الحِمَى . قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٣٧٠): أصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلًا مخصبًا استعوى كلبًا على مكان عالٍ، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب، فلا يرعى فيه غيره، ويرعى هو مع غيره فيما سواه، والحمى هو المكان المحمي، وهو خلاف المباح، ومعناه: أن يمنع من الإحياء من ذلك الموات؛ ليتوفر فيه الكلأ، فترعاه مواشٍ مخصوصة، ويمنع غيرها. اهـ مسألة [٢]: قوله: «لا حِمَى إلَاّ للهِ وَلِرَسُولِهِ» . • قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٣٧٠): قَالَ الشَّافِعِيّ: يَحْتَمِل مَعْنَى الْحَدِيث شَيْئَيْنِ: أَحَدهمَا: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِي لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا حَمَاهُ النَّبِيّ ﷺ ، وَالآخَر: مَعْنَاهُ إِلَّا عَلَى مِثْل مَا حَمَاهُ عَلَيْهِ النَّبِيّ ﷺ ، فَعَلَى الْأَوَّل لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْوُلَاة بَعْده أَنْ يَحْمِي، وَعَلَى الثَّانِي يَخْتَصّ الْحِمَى بِمَنْ قَامَ مَقَام رَسُول اللَّه ﷺ ، وَهُوَ الْخَلِيفَة خَاصَّة. وَأَخَذَ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ مِنْ هَذَا أَنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَيْنِ، وَالرَّاجِح عِنْدهمْ الثَّانِي. اهـ

стр. 3643

قلتُ: وهذا الراجح عند الشافعية هو قول أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، واستدلوا على ترجيحه بأنَّ عمر بن الخطاب ﵁ صح عنه أنه حَمَى الربذة كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/ ٧٦٧)، و «الأموال» (ص ٣٠٦) لأبي عبيد، وأصله في «البخاري» (٢٣٧٠) بسند منقطع، وجاء عن عثمان أيضًا كما في «سنن البيهقي» (٦/ ١٤٧)، وفي إسناده: أبو سعيد مولى أسيد، مجهول، تفرد بالرواية عنه أبو نضرة، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان. قال ابن قدامة ﵀: واشتهر ذلك في الصحابة، فلم ينكر عليهما؛ فكان إجماعًا. اهـ قال البيهقي ﵀ عقب أثر عمر، وعثمان ﵄: هذا الأثر يدل على أنَّ غير النبي ﷺ ليس له أن يحمي لنفسه، وفيه وفيما قبله دلالة على أن قول النبي ﷺ : «لا حمى إلا لله ولرسوله» أراد به أن لا حمى إلا على مثل ما حمى عليه رسوله في صلاح المسلمين، والله أعلم. اهـ قال الحافظ ابن حجر ﵀: ومحل الجواز مطلقًا أن لا يضر بكافة المسلمين. اهـ فائدة: اشتهر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حمى النقيع، وهو عند البخاري (٢٣٧٠)، عن الزهري بلاغًا، وأخرجه أحمد (٢/ ٩١، ١٥٥)، والبيهقي (٦/ ١٤٦)، وأبوعبيد رقم (٧٤٠) موصولًا عن ابن عمر بإسناد فيه عبد الله العمري، وهو ضعيفٌ.

стр. 3644

وحماية عمر للربذة كان من أجل خيل المسلمين الذي في سبيل الله. (١) مسألة [٣]: هل للإمام أن ينقض ما حماه من قبله ؟ أما ما حماه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فلا يجوز لأحد نقضه مع بقاء الحاجة. • فإذا زالت الحاجة ففيه وجهان للحنابلة، والشافعية. والصحيح جواز نقضه إذا زالت الحاجة. وأما ما حماه غيره من الأئمة؛ فيجوز نقضه، وتغييره، والله أعلم. (٢)

стр. 3645

٩١٠ - وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. (١) ٩١١ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، وَهُوَ فِي «المُوَطَّأِ» مُرْسَلٌ. (٢)

стр. 3646

المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: معنى قوله ﷺ : «لا ضرر، ولا ضرار» . قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢١١ - ): وقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» اختلفوا: هل بين اللفظتين -أعني الضرر والضرار-

стр. 3647

فرقٌ، أم لا؟ فمنهم من قال: هو بمعنى واحد على وجه التأكيد، والمشهور أنَّ بينهما فرقًا. ثم قيل: إنَّ الضرر هو (الاسم)، والضرار (الفعل)؛ فالمعنى أنَّ الضرر نفسه منتف في الشرع، وإدخال الضرر بغير حق كذلك. وقيل: الضرر أن يدخل على غيره ضررًا بما ينتفع هو به، والضرار أن يدخل على غيره ضررًا بما لا منفعة له به، كمن منع ما لا يضره، ويتضرر به الممنوع، ورجَّح هذا القول طائفة منهم: ابن عبد البر، وابن الصلاح. وقيل: الضرر أن يضر بمن لا يضره، والضرار أن يضر بمن قد أضر به على وجهٍ غير جائز. وبكل حال؛ فالنبي ﷺ إنما نفى الضرر والضرار بغير حقٍّ، وهذا على نوعين: أحدهما: أن لا يكون في ذلك غرض سوى الضرر بذلك، فهذا لا ريب في قبحه، وتحريمه. -ثم ذكر أمثلةً عليه مع الأدلة-. ثم قال ﵀: والنوع الثاني: أن يكون له غرض آخر صحيح، مثل أن يتصرف في ملكه بما فيه مصلحة له، فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه؛ توفيرًا له، فيتضرر الممنوع بذلك. فأما الأول: وهو التصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره؛ فإن كان على غير الوجه المعتاد، مثل أن يؤجج في أرضه نارًا في يوم عاصف، فيحترق ما يليه؛ فإنه متعد بذلك، وعليه الضمان، وإن كان على الوجه المعتاد ففيه للعلماء قولان مشهوران -ثم ذكر الخلاف وبعض الصور التي يختلف فيها أهل العلم في ذلك- وأما الثاني: وهو منع الجار من الانتفاع بملكه والارتفاق به. -ثم ذكر الخلاف في ذلك-.

стр. 3648

قال: ومما ينهى عن منعه للضرر منع الماء والكلأ. انتهى بتصرف وتلخيص. ثم ذكر الخلاف في ذلك، وسنذكره إن شاء الله عند آخر حديث في هذا الباب. فائدة: إدخال حديث ابن عباس ﵄ في هذا الباب فيه تنبيه على أن إحياء الأموات، يتملك به صاحبه ما ليس في تملكه ضرر على أحد. ٩١٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ. (١) الحكم المستفاد من الحديث استدل بعض الفقهاء بهذا الحديث على أنَّ من شرط الإحياء تحويط حائطٍ على الأرض، والحديث لا يدل على اشتراط ذلك، وغاية ما يدل عليه أنَّ إحاطة الحائط على الأرض تعد إحياءً للأرض، ولا يمنع أن الأرض تُحيا بغير ذلك. وقد تقدم أنَّ الراجح في هذه المسألة أنَّ ما عدَّه الناس إحياءً يكون إحياءً للأرض، والله أعلم.

стр. 3649

٩١٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حريم البئر . قال ابن الأثير ﵀ في «النهاية» (١/ ٣٧٥): حريم البئر: هو الموضع المحيط بها الذي يلقى فيه ترابها، أي: إنَّ البئر التي يحفرها الرجل في موات، فحريمها ليس لأحد أن ينزل فيه، ولا ينازعه عليه، وسُمِّي به؛ لأنه يحرم منع صاحبه منه، أو لأنه يحرم على غيره التصرف فيه. اهـ • وقد اختلف الفقهاء في تقدير حريم البئر على أقوال، فمنهم من قدَّر حريمه بأربعين ذراعًا؛ استدلالًا منهم بحديث عبد الله بن مغفل، وأبي هريرة المذكورين قريبًا. وهذا القول قال به أبو حنيفة، وعزاه الصنعاني للشافعي أيضًا،

стр. 3650

والمشهور عنه ما سيأتي. • وذهب أحمد، وأكثر أصحابه إلى أن حريم البئر المبتدئ خمسة وعشرون ذراعًا، وحريم البئر المعتاد خمسون ذراعًا، وجاء في ذلك مرسلٌ صحيحٌ إلى سعيد بن المسيب رفعه: «حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعًا، وحريم البئر العادي خمسون ذراعًا» أخرجه البيهقي (٦/ ١٥٥)، وقد رُوي موصولًا عن أبي هريرة ﵁، أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٢٠)، وفي إسناده محمد بن يوسف المقري، وهو وضَّاعٌ. • وذهب الشافعي وأصحابه، وبعض الحنابلة إلى أن حريم البئر هو بقدر حاجته، وعدم الإضرار به؛ فإنْ كان يريده لماشية؛ جعل له بقدر ما يكفيه لذلك، وإن كان يريده للزراعة؛ فأكثر من ذلك، وإن كان يريده للشرب والاستقاء؛ جعل له أقل من ذلك، وإن كان آخر يريد أن يحفر بئرًا؛ فليس له أن يحفر بجواره، بحيث يضرُّ به، وهذا القول هو أقرب الأقوال؛ لعدم صحة الأحاديث في هذا الباب، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: حريم العين . • مذهب أحمد، وأبي حنيفة تقدير ذلك بخمسمائة ذراع، وجاء عن الزهري أنه قال: سمعت الناس يقولون: حريم العين خمسمائة ذراع.

стр. 3651

قلتُ: وليس على ذلك دليلٌ صحيحٌ، وقد اشتهر عند بعض الفقهاء حديث بلفظ: «وحريم العين خمسمائة ذراع» قال الزيلعي: غريب. ويعني بذلك أنه لا أصل له. وعلى هذا فالراجح هو مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنَّ حريمها قدر ما تدعو الحاجة إليه، كما تقدم في البئر؛ إلا أنَّ الحاجة في العين أوسع منها في البئر، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: حريم الدار، وأرض الزراعة . قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف» (٦/ ٣٥٢): حريم الأرض التي للزرع ما يحتاجه في سقيها، وربط دوابها، وطرح سبخها، ونحو ذلك. قال: وحريم الدار من موات حولها: مطرح التراب، والكناسة، والثلج، وماء الميزاب، والممر إلى الباب. اهـ وقال العمراني ﵀ في «البيان» (٧/ ٤٧٥): وإن كان العامر يجاور مواتًا فلصاحب العامر من الموات الذي يجاور ملكه ما لا يمكنه الانتفاع بالعامر إلا به، مثل الطريق، ومسيل الماء الذي يخرج من الدار، وما تحتاج إليه الأرض من مسيل الماء. انتهى. تنبيه: الحريم إنما يكون فيما إذا جاوره أرضٌ موات، وأما إذا جاوره مملوك كالدور، والأراضي الملاصقة المملوكة؛ فإن ملك كل واحد منهم لا يتجاوز إلى ملك غيره. (٢)

стр. 3652

مسألة [٤]: حريم الشجرة . ذكر جماعةٌ من أهل العلم أنَّ حريم الشجرة قدر طول غصنها من كل جانب، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود (٣٦٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: اختصم إلى رسول الله ﷺ رجلان في حريم نخلة، فأمر بجريدةٍ من جرائدها، فذرعت، فوجدت خمسة أذرعٍ، وفي رواية: سبعة أذرع. فقضى بذلك. وهو حديث صحيح. (١) مسألة [٥]: إذا حفر إنسانٌ بئرًا إلى جوار بئر أخيه فتضرر بئر الأول ونزح ماؤه ؟ أما إذا كان البئر في الموات؛ فلا يجوز للآخر أن يحفر في مكان قريب يضر بصاحبه، فإذا فعل، فتضرر صاحبه؛ يطم عليه بئره عند أهل العلم؛ لأنه يُعتبر قد حفر في حريم البئر الأول. • وأما إذا كان الحافر الآخر حفر في ملكه المجاور للبئر، فمذهب الشافعي، وأبي حنيفة أنه يقر عليه؛ لأنه حفر في ملكه. • ومذهب أحمد، ومالك أنَّ الآخر لا يجوز له ذلك، ويطم عليه بئره؛ لحديث: «لا ضرر ولا ضرار»، وهذا القول أقرب إذا كان سبب عليه ذهاب الماء بالكلية، وأما إن حصل خفة؛ فيصلح بينهما. (٢)

стр. 3653

٩١٤ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١) ٩١٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ (٢) فَرَسِهِ، فَأَجْرَى الفَرَسَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ، فَقَالَ: «أَعْطُوهُ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَفِيهِ ضَعْفٌ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: معنى الإقطاع . هو تعيين الإمام قطعة من الأرض أو غيرها لإنسان ليحييها، أو يستغلها، أو ينتفع بها، وهو مأخوذ من القطع، وكأنه يقطع له جزءًا من تلك العين. مسألة [٢]: أقسام الإقطاع . ذكر أهل العلم أنَّ الإقطاع قد يكون إقطاع تمليك، بأن يقطعه أرضًا يحييها، فيتملكها. وقد يكون إقطاع استغلال، بأن يعطيه أرضًا أو غيرها، فيستغلها، ثم يعيدها

стр. 3654

بعد انتفاعه منها. وقد يكون قطع إرفاق (١)، بأن يعطيه مكانًا في السوق؛ ليبيع فيه ويشتري. (٢) قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٦٢) في إقطاع الإرفاق: وَلَا يَمْلِكُهَا المُقْطَعُ بِذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ، بِمَنْزِلَةِ السَّابِقِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إقْطَاعٍ سَوَاءً، إلَّا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ السَّابِقَ إذَا نَقَلَ مَتَاعَهُ عَنْهَا، فَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهَا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَهَا بِسَبْقِهِ إلَيْهَا وَمُقَامِهِ فِيهَا، فَإِذَا انْتَقَلَ عَنْهَا؛ زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ؛ لِزَوَالِ المَعْنَى الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ، وَهَذَا اسْتَحَقَّ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ؛ فَلَا يَزُولُ حَقُّهُ بِنَقْلِ مَتَاعِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ، وَحُكْمُهُ فِي التَّظْلِيلِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَيْسَ بِنَاءً، وَمَنْعِهِ مِنْ الْبِنَاءِ، وَمَنْعِهِ إذَا طَالَ مُقَامُهُ حُكْمُ السَّابِقِ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ. اهـ مسألة [٣]: هل يملك الأرض بالإقطاع، أم بالإحياء بعد إقطاعها ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعية أنه لا يملكها بالإقطاع، ولكن يكون أحق بها، فإذا أحياها؛ ملكها، فالإقطاع عندهم كالتحجير، واستدلوا بما جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال لبلال بن الحارث: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يقطعك لتحجبه دون الناس، وإنما أقطعك لتعمر، فخذ منها ما قدرت على عمارته، ورُدَّ الباقي. وكان أقطعه العقيق. أخرجه البيهقي (٦/ ١٤٨ - )، والأثر في إسناده الحارث بن بلال ابن الحارث، وهو مجهول، ونعيم بن حماد فيه ضعف، وله طريق أخرى عند

стр. 3655

البيهقي (٦/ ١٤٩)، من مراسيل عبدالله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وطريق ثالثة عنده (٦/ ١٤٩)، وفيه رجل مبهم؛ فالأثر حسن بمجموع هذه الطرق، والله أعلم. • وذهب مالك إلى أنه يملكها بمجرد الإقطاع كما في «الإنصاف»، واستدل لهذا القول بأنه ليس في حديث وائل أنه أحياها، ولم ينقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يشترط على من يقطعهم الإحياء. قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب الأول؛ لأنَّ المقصود من الإقطاع هو الإحياء، والشارع علق التملك بالإحياء: «من أحيا أرضًا ميتة؛ فهي له»، واستقرب هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀، والله أعلم. (١) تنبيه: إذا أقطعه الإمام ولم يحيها؛ فحكمه حكم من تحجر مواتًا ولم يحيه؛ فإنَّ الإمام يمهله، وإن سبق أحد إلى إحيائها قبل أن تنتهي مدة الإمهال؛ فليس له في ذلك حقٌّ، ولا يملك كما تقدم بيانه قريبًا. مسألة [٤]: إقطاع الإمام بقدر إمكان الإحياء . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٦٥): وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْطَع الْإِمَامُ أَحَدًا مِنْ الْمَوَاتِ؛ إلَّا مَا يُمْكِنُهُ إحْيَاؤُهُ؛ لِأَنَّ فِي إقْطَاعِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ، بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ فَإِنْ فَعَلَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ عَجْزُهُ عَنْ إحْيَائِهِ؛

стр. 3656

اسْتَرْجَعَهُ مِنْهُ، كَمَا اسْتَرْجَعَ عُمَرُ مِنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ مَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ عِمَارَتِهِ مِنْ الْعَقِيقِ الَّذِي أَقْطَعَهُ إيَّاهُ رَسُولُ الله ﷺ .اهـ (١) مسألة [٥]: إجارة الإقطاع . قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ١٥٢): وما علمت أحدًا من علماء الإسلام، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم قال: إجارة الإقطاعات لا تجوز، حتى حدث بعض أهل زماننا، فابتدع القول بعدم الجواز. اهـ

стр. 3657

٩١٦ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵁، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاث: فِي الكَلَأِ، وَالمَاءِ، وَالنَّارِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: أقسام المياه الغير محروزة . قال ابن قدامة ﵀: لَا يَخْلُو الْمَاءُ مِنْ حَالَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا، أَوْ وَاقِفًا؛ فَإِنْ كَانَ جَارِيًا فَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، وَهُوَ قِسْمَانِ: ١) أَنْ يَكُونَ نَهْرًا عَظِيمًا، كَالنِّيلِ، وَالْفُرَاتِ، وَدِجْلَةَ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْأَنْهَارِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يَسْتَضِرُّ أَحَدٌ بِسَقْيِهِ مِنْهَا، فَهَذَا لَا تَزَاحُمَ فِيهِ، وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهَا مَا شَاءَ، مَتَى شَاءَ، وَكَيْف شَاءَ.

стр. 3658

٢) أَنْ يَكُونَ نَهْرًا صَغِيرًا يَزْدَحِمُ النَّاسُ فِيهِ، وَيَتَشَاحُّونَ فِي مَائِهِ، أَوْ سَيْلًا يَتَشَاحُّ فِيهِ أَهْلُ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ مَنْ فِي أَوَّلِ النَّهْرِ، فَيَسْقِي وَيَحْبِسُ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الْكَعْبِ، ثُمَّ يُرْسِلُ إلَى الَّذِي يَلِيهِ فَيَصْنَعُ كَذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الْأَرَاضِي كُلُّهَا، وَهَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. قال ابن قدامة: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. قال: وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى عَبْدُ الله بْن الزُّبَيْرِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ، الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ المَاءَ إلَى جَارِك»، فَغَضِبَ الرَّجُلُ، وَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «يَا زُبَيْرُ، اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْجَدْرِ»، قَالَ الزُّبَيْرُ: فَوَاَلله، إنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] (١) قَالَ الزُّهْرِيُّ: نَظَرْنَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «ثُمَّ احْبِسْ المَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الجَدْرِ»؛ فَكَانَ ذَلِكَ إلَى الْكَعْبَيْنِ. قال: فَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ صَاحِبِ الْأَعْلَى مُخْتَلِفَةً، مِنْهَا مُسْتَعْلِيَةٌ، وَمِنْهَا مُسْتَفِلَةٌ؛ سَقَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهَا، وَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْقُرْبِ مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ؛ اقْتَسَمَا المَاءَ بَيْنَهُمَا، إنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَقُدِّمَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ؛ فَإِنْ كَانَ المَاءُ لَا يَفْضُلُ عَنْ أَحَدِهِمَا؛ سَقَى مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْ المَاءِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لِلْآخَرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِجَمِيعِ المَاءِ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ يُسَاوِيه فِي اسْتِحْقَاقِ

стр. 3659

المَاءِ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِلتَّقْدِيمِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، لَا فِي أَصْلِ الْحَقِّ. الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمَاءُ الْجَارِي فِي نَهْرٍ مَمْلُوكٍ، وَهُوَ أَيْضًا قِسْمَانِ: ١) أَنْ يَكُونَ المَاءُ مُبَاحَ الْأَصْلِ، مِثْلَ أَنْ يَحْفِرَ إنْسَانٌ نَهْرًا صَغِيرًا يَتَّصِلُ بِنَهْرٍ كَبِيرٍ مُبَاحٍ، فَمَا لَمْ يَتَّصِلْ الْحَفْرُ لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحَجُّرٌ وَشُرُوعٌ فِي الْإِحْيَاءِ، فَإِذَا اتَّصَلَ الْحَفْرُ، كَمُلَ الْإِحْيَاءُ وَمَلَكَهُ، سَوَاءٌ أَجْرَى فِيهِ المَاءَ أَوْ لَمْ يُجْرِ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ يَحْصُلُ بِأَنْ يُهَيِّئَهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ دُونَ حُصُولِ المَنْفَعَةِ، فَيَصِيرُ مَالِكًا لِقَرَارِ النَّهْرِ وَحَافَّتَيْهِ، وَهَوَاؤُهُ حَقٌّ لَهُ، وَكَذَلِكَ حَرِيمُهُ، وَهُوَ مُلْقَى الطِّينِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَعِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ النَّهْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ، وَكَذَلِكَ حَرِيمُ الْبِئْرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ : «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَمْ تُمْلَكْ؛ فَهِيَ لَهُ». قال: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَكَانَ النَّهْرُ لِجَمَاعَةِ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الْعَمَلِ وَالنَّفَقَةِ؛ فَإِنْ كَفَى جَمِيعَهُمْ؛ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ، وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ بِالْمُهَايَأَةِ -المناوبة- أَوْ غَيْرِهَا؛ جَازَ، وَإِنْ تَشَاحُّوا فِي قِسْمَتِهِ؛ قَسَمَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمْلِكُ مِنْ النَّهْرِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، فَتُؤْخَذُ خَشَبَةٌ صَلْبَةٌ، أَوْ حَجَرٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ، فَيُوضَعُ عَلَى مَوْضِعٍ مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ، فِي مُقَدَّمِ الْمَاءِ، فِيهِ حُزُوزٌ، أَوْ ثُقُوبٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي السَّعَةِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ أَوْ ثُقْبٍ إلَى سَاقِيَةٍ مُفْرَدَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِذَا

стр. 3660

حَصَلَ الْمَاءُ فِي سَاقِيَتِهِ انْفَرَدَ بِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ أَمْلَاكُهُمْ مُخْتَلِفَةً؛ قُسِّمَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهُ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهُ، جُعِلَ فِيهِ سِتَّةُ ثُقُوبٍ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ تَصُبُّ فِي سَاقِيَتِهِ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدٌ. قال: وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي سَاقِيَتِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ بِمَا أَحَبَّ، مِنْ إجْرَاءِ غَيْرِ هَذَا الْمَاءِ فِيهَا، أَوْ عَمَلِ رَحًى عَلَيْهَا، أَوْ دُولَابٍ، أَوْ عَبَّارَةٍ، وَهِيَ خَشَبَةٌ تُمَدُّ عَلَى طَرَفَيْ النَّهْرِ، أَوْ قَنْطَرَةٍ يَعْبُرُ الْمَاءُ فِيهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهَا، فَأَمَّا النَّهْرُ الْمُشْتَرَكُ؛ فَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَفِي حَرِيمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شُرَكَائِهِ. ٢) أَنْ يَكُونَ مَنْبَعُ الْمَاءِ مَمْلُوكًا، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ فِي اسْتِنْبَاطِ عَيْنٍ وَإِجْرَائِهَا؛ فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إحْيَاءٌ لَهَا، وَيَشْتَرِكُونَ فِيهَا، وَفِي سَاقِيَتِهَا، عَلَى حَسَبِ مَا أَنْفَقُوا عَلَيْهَا، وَعَمِلُوا فِيهَا، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، إلَّا أَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ ثَمَّ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ دَخَلَ مِلْكَهُ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ صَيْدٌ بُسْتَانَه، وَهَاهُنَا يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ أَيْضًا. قال: وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي لِشُرْبِهِ، وَوُضُوئِهِ، وَغُسْلِهِ، وَغَسْلِ ثِيَابِهِ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، إذَا لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ فِي مَكَان مُحَوَّطٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ الله إلَيْهِمْ، وَلَا

стр. 3661

يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، فذكر منهم: «رَجُلٌ كَانَ بِفَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ» متفق عليه. (١) قال: إذَا كَانَ النَّهْرُ، أَوْ السَّاقِيَةُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ؛ فَإِنْ أَرَادُوا إكْرَاءَهُ أَوْ سَدَّ بَثْقٍ فِيهِ، أَوْ إصْلَاحَ حَائِطِهِ، أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ؛ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مِلْكِهِمْ فِيهِ؛ فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَدْنَى إلَى أَوَّلِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ اشْتَرَكَ الْكُلُّ فِي إكْرَائِهِ وَإِصْلَاحِهِ، إلَى أَنْ يَصِلُوا إلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَيَشْتَرِكُ الْبَاقُونَ حَتَّى يَصِلُوا إلَى الثَّانِي، ثُمَّ يَشْتَرِكُ مَنْ بَعْدَهُ كَذَلِكَ، كُلَّمَا انْتَهَى الْعَمَلُ إلَى مَوْضِعِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدَهُ شَيْءٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَشْتَرِكُ جَمِيعُهُمْ فِي إكْرَائِهِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْتَفِعُونَ بِجَمِيعِهِ؛ فَإِنَّ مَا جَاوَزَ الْأَوَّلَ مَصَبٌّ لِمَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْقِ أَرْضَهُ. وَلَنَا أَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا يَنْتَفِعُ بِالْمَاءِ الَّذِي فِي مَوْضِعِ شُرْبِهِ، وَمَا بَعْدَهُ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ مَنْ دُونَهُ، فَلَا يُشَارِكُهُمْ فِي مُؤْنَتِهِ، كَمَا لَا يُشَارِكُهُمْ فِي نَفْعِهِ؛ فَإِنْ كَانَ يَفْضُلُ عَنْ جَمِيعِهِمْ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَصْرِفٍ؛ فَمُؤْنَةُ ذَلِكَ الْمَصْرِفِ عَلَى جَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَالِانْتِفَاعِ بِهِ؛ فَكَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، كَأَوَّلِهِ. انتهى ملخصًا من «المغني» (٨/ ١٦٧ - ١٧٦). (٢) تنبيه: الماء الذي في أرضٍ مباحة ليس لأحد أن يتملكه، وكذلك الكلأ، بل هو مشترك بين المسلمين، والأحق فيه الأسبق، فالأسبق.

стр. 3662

قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٢١٥): وأما الماء الذي يكون في الأرض المباحة، والكلأ الذي يكون بها، فهذا لايجوز بيعه باتفاق العلماء. اهـ مسألة [٢]: الماء الذي بئره مملوكة، أو عينه مملوكة، هل يلزم صاحبها بذل الماء الفاضل عن حاجته وحاجة ماشيته لسقي غيره، ولسقي ماشية غيره ؟ • قال ابن رجب ﵀ في «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٢٢): وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري، والنابع مطلقًا، سواء قيل: إنَّ الماء ملك لمالك أرضه، أم لا. وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد وغيرهم. والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجانًا بغير عوض للشرب، وسقي البهائم، وسقي الزروع، ومذهب أبي حنيفة، والشافعي أنه لا يجب بذله للزروع. واختلفوا هل يجب بذله مطلقًا، أو إذا كان بقرب الكلأ وكان منعه مُفضيًا إلى منع الكلأ؟ على قولين لأصحابنا، وأصحاب الشافعي، وفي كلام أحمد ما يدل على اختصاص المنع بالقرب من الكلأ. قال أبو عبد الله غفر الله له: واستدلوا بحديث: «لا تمنعوا فضل الماء؛ لتمنعوا به الكلأ» (١)، والأمر كذلك، ولكن قد جاءت أحاديث بالنهي عن منع فضل الماء عمومًا، ويشمل الصورة المذكورة، كحديث الباب، وحديث جابر بن عبد الله في «مسلم» (١٥٦٥)، وإياس بن عبد في «سنن أبي داود» (٣٤٧٨): نهى النبي ﷺ

стр. 3663

عن بيع فضل الماء. قال ابن رجب: وأما مالك فلا يجب عنده بذل فضل الماء الذي لا يملك. انتهى المراد. قال شيخ الإسلام ﵀: وكذلك الماء إن كان نابعًا في أرضٍ مباحة؛ فهو مشترك بين الناس، وإن كان تابعًا في ملك رجل؛ فعليه بذل فضله لمن يحتاج إليه للشرب للآدميين، والدواب بلا عوض. اهـ من «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٢٢٠). ثم استدل بحديث: «ثلاث لا يمنعن ... »، وبحديث: « ... رجل على فضل ماء يمنعه من ابن السبيل» الحديث. قلتُ: وقول مالك قال به بعض الحنابلة، والشافعية، والصحيح ما ذكره شيخ الإسلام، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: الكلأ الذي في أرض مملوكة النابت بغير عملِ صاحب الأرض ؟ • مذهب أحمد في المشهور، وأبي حنيفة، وأبي عبيد، وهو قولُ بعض أصحاب مالك، والشافعي أنه لا يجوز منع فضله، واستدلوا على ذلك بحديث: «المسلمون شركاء في ثلاثة ... ». قال شيخ الإسلام ﵀: ومعلوم أنَّ النبي ﷺ لم يُرِد ما ينبت في الأرض المباحة فقط؛ لأنَّ الناس يشتركون في كل ما ينبت في الأرض المباحة من جميع

стр. 3664

الأنواع من المعادن الجارية، كالقير، والنفط، والجامدة، كالذهب، والفضة، والملح، وغير ذلك، فعُلِم أنَّ المراد ما ينبت في أرض الإنسان. وقال أيضًا: وقد اتفق المسلمون على أنَّ الكلأ النابت في الأرض المباحة مشترك بين الناس، فمن سبق إليه؛ فهو أحق به، وأما النابت في الأرض المملوكة؛ فإنه إن كان صاحب الأرض محتاجًا إليه؛ فهو أحق به، وإن كان مستغنيًا عنه؛ ففيه قولان مشهوران لأهل العلم، وأكثرهم يجوزون أخذه بغير عوض؛ لهذا الحديث -يعني حديث: «المسلمون شركاء في ثلاثة ... » - ويجوزون رعيه بغير عوض. اهـ • ومذهب مالك، والشافعي في المشهور عنهما جواز بيع ذلك الكلأ، وله أن يمنعه؛ لأنه ملكه نبت في ملكه. قال أبو عبد الله غفر الله له: والصحيح هو القول الأول. وقال شيخ الإسلام ﵀: وأما إذا كان صاحبها قصد ترك زرعها؛ لينبت فيها الكلأ، فبيع هذا أسهل من بيع غيره؛ لأنَّ هذا بمنزلة استنباته. اهـ (١) مسألة [٤]: هل يلزم صاحب البئر أن يبذل للمستقي الدلو والحبل والبكرة مَجَّانًا ؟ قال الحافظ ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ٨٠٣ - ٨٠٤): وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْذُلَ لَهُ الدّلْوَ، وَالْبَكَرَةَ، وَالْحَبْلَ مَجّانًا، أَوْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَتَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ فِي وُجُوبِ إعَارَةِ الْمَتَاعِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ أَظْهَرُهُمَا

стр. 3665

دَلِيلًا وُجُوبُهُ، وَهُوَ مِنْ الْمَاعُونِ. اهـ مسألة [٥]: هل للمستقي أن يدخل إلى البئر ويأخذ من الماء بغير إذن ؟ قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ٨٠٣ - ٨٠٤): قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِهِ لِأَخْذِ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَهَذَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ الشّارِعِ، وَلَا فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ثم نقل عن الإمام أحمد مايدل على الجواز. ثم قال: فَالصّوَابُ أَنّهُ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُها لِأَخْذِ مَا لَهُ أَخْذُه، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ غَالِبًا اسْتِئْذَانُ مَالِكِهَا، وَيَكُونُ قَدِ احْتَاجَ إِلَى الشُّرْبِ وَسَقْيِ بَهَائِمِهِ، وَرَعْي الْكَلأ، وَمَالِكُ الْأَرْضِ غَائِبٌ، فَلَوْ مَنَعْنَاهُ مِنْ دُخُولِها إِلَّا بِإِذْنِهِ كَانَ فِي ذَلِكَ إضْرَارٌ بِبَهَائِمِهِ، وَأَيْضًا فَإِنّهُ لَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْإِذْن؛ لِأَنّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ مَنْعُهُ مِنْ الدّخُولِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَمْكِينُهُ، فَغَايَةُ مَا يُقَدّرُ أَنّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَهَذَا حَرَامٌ عَلَيْهِ شَرْعًا، لَا يَحِلّ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الدّخُولِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَوَقّفِ دُخُولِهِ عَلَى الْإِذْنِ. وَأَيْضًا فَإِنّهُ إذَا لَمْ يَتَمَكّنْ مِنْ أَخْذِ حَقّهِ الّذِي جَعَلَهُ لَهُ الشّارِعُ إلّا بِالدّخُولِ؛ فَهُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، وَلَوْ كَانَ دُخُولُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِغَيْرَةِ عَلَى حَرِيمِهِ وَعَلَى أَهْلِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الدّخُولُ بِغَيْرِ إذْنٍ. اهـ مسألة [٦]: معنى الاشتراك في النار . قال ابن رجب ﵀ في «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٢٢): وأما النهي عن منع النار؛ فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس منها دون أعيان الجمر، ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار، وهو بعيد، ولو حمل على

стр. 3666

منع الاستضاءة بالنار، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها لمن يستدفئ بها، أو ينضج عليها طعامًا ونحوه؛ لم يبعد. اهـ وبعضهم حمله على ما كان في الموات.

стр. 3667

بَابُ الوَقْفِ ٩١٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) ٩١٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ ﵁ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أَصَبْت أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، قَالَ: «إنْ شِئْت حَبَسْت أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْت بِهَا». قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ: أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ، وَفِي القُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ: تَصَدَّقَ بِأَصْلِهِ: لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ. (٢) ٩١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ الحَدِيثَ وَفِيهِ: «فَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣)

стр. 3668

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: تعريف الوقف . الوقف في اللغة: هو الحبس، يقال: وقفت الأرض، أقفها وقفًا، هذه اللغة الفصيحة المشهورة. ويقال: أوقفتها في لغة رديئة، أو شاذة. وفي الشرع: هو حبس مالكٍ لماله المنتفع به مع بقاء عينه عن التصرفات برقبته، وتسبيل منفعته على شيء من أنواع القُرَب؛ ابتغاء وجه الله تعالى. (١) مسألة [٢]: مشروعية الوقف . دلَّت أحاديث الباب على مشروعيته؛ لاسيما الحديث الأول الذي فيه دلالة على أنَّ الوقف لله تعالى من أفضل القربات إلى الله . وقد ذهب إلى مشروعيته عامة أهل العلم، بل لا يُعلم من الصحابة في ذلك مخالف. قال الترمذي ﵀ عقب حديث ابن عمر الذي في الباب: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافًا في إجارة وقف الأرضين وغير ذلك. اهـ قلتُ: ونُقِل الخلاف في ذلك عن شريح، وقال: لا حبس عن فرائض الله.

стр. 3669

وكأنه لم تبلغه الأدلة في ذلك. (١) مسألة [٣]: متى يحصل الوقف ويلزم ؟ • أكثر أهل العلم على أنَّ الوقف يلزم باللفظ مع النية، ولا يشترط إخراجه عن يده، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف وغيرهم، واستدلوا بحديث عمر ﵁ أنه وقف أرضه، وصحَّ عنه أنه هو الذي وليها حتى مات. • وذهب محمد بن الحسن، وأحمد في رواية إلى أنَّ الوقف لا يلزم إلا بقبضه كالصدقة والهبة. والأول أقرب؛ لأنه تبرع يمنع البيع، والهبة والميراث؛ فلزم بمجرده لشبهه بالعتق، ويفارق الهبة؛ فإنها تمليك مطلق، والوقف تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة فهو بالعتق أشبه، فإلحاقه به أولى وحديث عمر ظاهر في ذلك، والله أعلم. • وأما أبو حنيفة فشذَّ، وقال: الوقف ليس بلازم، بل له الرجوع فيه متى شاء؛ إلا أن يوقفه عن وصية. وليس له دليل على ما قال، وقد قال النبي ﷺ : «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» متفق عليه عن ابن عباس، وفي رواية للبخاري: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ»، وبالله التوفيق. (٢)

стр. 3670

مسألة [٤]: هل يصح الوقف بالفعل ؟ • مذهب أحمد، وأبي حنيفة أنَّ الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه، مثل أن يبني مسجدًا ويأذن للناس في الصلاة فيه، أو يجعل مقبرة، ويأذن للمسلمين في الدفن فيها. • وأما الشافعي فمذهبه عدم حصول الوقف إلا بالقول، وحُكي عن أحمد، ونفى ذلك ابن قدامة. واحتجوا بأن هذا تحبيس أصل على وجه القربة؛ فوجب أن لا يصح بدون لفظٍ كالوقف على المساكين. وأُجيب عن ذلك: بأنَّ العرف جارٍ في مسألتنا بذلك، وفيه دلالة على الوقف؛ فجاز أن يثبت به كالقول. وأما الوقف على المساكين؛ فلم تجر به عادة بغير لفظ، ولو جرت عليه العادة؛ لجاز، ورجَّح الشوكاني ﵀ أنه لا يلزم الوقف بالفعل إلا إن نوى الوقف، وهذا هو الصحيح. (١) مسألة [٥]: ألفاظ الوقف . ذكر أهل العلم أنَّ الوقف له ألفاظ صريحة، وألفاظ ليست صريحة. فالصريحة مثل: وقفت، وحبَّست، وسبلت. ولم يعتبر لها أكثر الفقهاء النية، والصحيح أنه يشترط لها لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات».

стр. 3671

والكناية مثل: تصدقت، وحرَّمت، وأبدت. وهذه الثلاث لا يقع بها الوقف إلا مع النية، أو يقرن بها حكم الوقف كأن يقول: تصدقت بها صدقة لا تباع، ولا تورث. وما أشبه ذلك. (١) مسألة [٦]: هل يفتقر الوقف إلى قبول الموقوف عليه ؟ أما إن كان الوقف لجهة عامة غير معينة؛ فلا يفتقر إلى قبول الموقوف عليه عند أهل العلم. • واختلفوا فيما إذا وقفه لمعين على قولين، وهما وجهان للحنابلة والشافعية، والصحيح أنه يشترط قبول الموقوف عليه، كالهبة، والوصية، ولا يشترط في القبول أن يكون على الفور. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ١٧٣): وإذا اشترط القبول في الوقف على المعين؛ فلا ينبغي أن يشترط المجلس، بل يلحق بالوصية، والوكالة، فيصح معجلًا، أو مؤجلًا في القول والفعل، فأخذُ رِيعِه قبولُه، وينبغي أنه لو رده بعد قبوله كان له ذلك. والصواب الذي عليه محققوا الفقهاء في مسألة الوقف على المعين إذا لم يقبل، أو ردَّه أنَّ ذلك ليس كالوقف المنقطع الابتداء، بل الوقف هنا صحيح قولًا واحدًا، ثم إن قبل الموقوف عليه، وإلا انتقل إلى من بعده كما لو مات، أو تعذر استحقاقه لفوات فيه؛ إذ الطبقة الثانية تتلقى الوقف من الواقف لا من الموقوف عليه. انتهى. (٢)

стр. 3672

مسألة [٧]: هل يزول ملك الواقف من العين الموقوفة ؟ • مذهب أحمد، والمشهور من مذهب الشافعي، ومذهب أبي حنيفة أنَّ الملك يزول؛ لأنه سبب يزيل التصرف في الرقبة والمنفعة؛ فأزال الملك كالعتق، ولو كان ملكه؛ لجاز له بيعه، وهبته كالملك المطلق. • ومذهب مالك، وأحمد في رواية، وقول للشافعي، أنه لا يزول ملك الواقف عن العين الموقوفة. قال ابن قدامة ﵀:فائدة الخلاف أنَّا إذا حكمنا ببقاء ملكه؛ لزمته مراعاته، والخصومة فيه، ويحتمل أن يلزمه أرش جنايته بخلاف غير المالك. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أظهر، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: هل ينتقل الملك للعين إلى الموقوف عليهم . • ظاهر مذهب أحمد أنه ينتقل إلى الموقوف عليهم، وهو قولٌ للشافعي؛ لأنهم يملكون المنفعة، فملكوا العين تبعًا. • وعن أحمد رواية أنه لا ينتقل إليهم، وهو الأصح من قولي الشافعي، وقال به أبو حنيفة في الوقف اللازم؛ لأنهم ملكوا المنافع فقط، والأصل لا يتبع الفرع. وهذا القول أظهر وأصح، والله أعلم.

стр. 3673

وعلى هذا فالملك ينتقل لله (١) -وكل شيء ملك لله- وهذا قول الشافعي نصَّ عليه، وهو قول أحمد في رواية، والله أعلم، ورجحه الشوكاني. (٢) مسألة [٩]: هل يصح وقف المنقول ؟ أما الأشياء التي لا تنقل كالأراضي والدور، فيصح وقفها عند أهل العلم، ولا إشكال في ذلك. • واختلفوا في وقف المنقول كالحيوان، والسلاح ... ، وما أشبهها. فالجمهور على صحة الوقف فيها، واستدلوا بحديث: «وأما خالد؛ فإنكم تظلمون خالدًا، فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله»، والأعتاد جمع عتد، وهو ما يعده الرجل من الخيل والسلاح للجهاد. • وقال أبو حنيفة: لا يصح وقف الحيوان. وقال محمد بن الحسن: لا يصح وقف الخيل. • وعن أحمد رواية: لا يصح وقف غير المنقول. وهو قول أبي يوسف، ومالك في رواية في الكراع والسلاح. والصحيح قول الجمهور. (٣) مسألة [١٠]: وقف المشاع . • جمهور العلماء على صحة وقف المشاع، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد،

стр. 3674

وأبي يوسف؛ لأنَّ عمر بن الخطاب أصاب مائة سهم بخيبر، فاستأذن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيها، فأمره بوقفها، وهذا صفة المشاع، ولأنه يصح بيعه؛ فيصح وقفه، ولأنَّ الأصل الإباحة، ولا دليل على المنع. • ومنع من ذلك محمد بن الحسن؛ بناء على ما اختاره من اشتراط القبض. وأُجيب: بعدم تسليم الاشتراط، وإن سُلِّم؛ فلا يمنع، كما لا يمنع ذلك في البيع، والله أعلم. (١) مسألة [١١]: هل يصح وقف الحلي للبس والعارية ؟ • المشهور في مذهب أحمد صحة الوقف، وهو مذهب الشافعي؛ لأنها عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها دائمًا؛ فصحَّ وقفها كالعقار، ولأنه يصح تحبيس أصلها، وتسبيل المنفعة. • وعن أحمد رواية، واختارها بعض الحنابلة: أنه لا يصح. قال ابن قدامة ﵀: وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ التَّحَلِّيَ لَيْسَ هُوَ المَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ الْأَثْمَانِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ وَقْفُهَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وَقَفَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ. وَالْأُوَلُ هُوَ المَذْهَبُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالتَّحَلِّي مِنْ المَقَاصِدِ المُهِمَّةِ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: أباح الشرع للمسلمة التحلي بالذهب وغيره من

стр. 3675

المجوهرات، وعليه فيشرع هذا الوقف؛ لأن فيه منفعة مباحة، وفيه إدخال السرور على بعض المسلمات، ولكن لا يوصى بمثل هذا الوقف الذي تقل منفعته. (١) مسألة [١٢]: وقف ما لا تبقى عينه إذا انتفع به ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٢٩): وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَالْمَطْعُومِ وَالْمَشْرُوبِ، وَالشَّمْعِ وَأَشْبَاهِهِ، لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عَنْ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، فِي وَقْفِ الطَّعَامِ، أَنَّهُ يَجُوزُ. وَلَمْ يَحْكِهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ، وَلَيْسَ بِصَحِيحِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الثَّمَرَةِ، وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِالْإِتْلَافِ لَا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ. وَقِيلَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ: يَصِحُّ وَقْفُهَا، عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ إجَارَتَهُمَا. وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لَيْسَتْ الْمَقْصُودَ الَّذِي خُلِقَتْ لَهُ الْأَثْمَانُ، وَلِهَذَا لَا تُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ؛ فَلَمْ يَجُزْ الْوَقْفُ لَهُ، كَوَقْفِ الشَّجَرِ عَلَى نَشْرِ الثِّيَابِ وَالْغَنَمِ عَلَى دَوْسِ الطِّينِ، وَالشَّمْعِ لِيَتَجَمَّلَ بِهِ. اهـ واختار بعض الحنابلة صحة وقف الدراهم؛ لينتفع بها في القرض ونحوه، واختاره شيخ الإسلام كما في «الإنصاف»، وقال كما في «الاختيارات»: ولو وقف الدراهم على المحتاجين؛ لم يكن جواز هذا بعيدًا. وقال شيخ الإسلام ﵀: ولو تصدق بدهن على مسجد ليوقد فيه؛ جاز، وهو

стр. 3676

من باب الوقف، وتسميته وقفًا بمعنى أنه وقف على تلك الجهة لا ينتفع به في غيرها، لا تأباه اللغة، وهو جائزٌ في الشرع. اهـ (١) مسألة [١٣]: هل يصح وقف الكلب ؟ • فيه قولان في مذهب الشافعية، والحنابلة، ورجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ صحة وقفه، وهو الصواب، والله أعلم؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك. (٢) مسألة [١٤]: وقف أم الولد . • فيه أيضًا قولان في مذهب الشافعية والحنابلة، والأظهر الجواز؛ لأنَّ الراجح جواز بيعها كما تقدم في كتاب البيوع؛ فيجوز وقفها، والله أعلم. (٣) مسألة [١٥]: وقف غير المعين كـ (أحد هذين العبدين، أو أرضًا من الأراضي) . • مذهب الشافعية، والحنابلة عدم صحة ذلك؛ لأنه تمليك منجز؛ فلم يصح في عين غير معينة، كالبيع والهبة. • وللحنابلة احتمالٌ في الصحة، وهو اختيار بعضهم، ومنهم: شيخ الإسلام ﵀، وهو ترجيح الشوكاني، ثم الإمام ابن عثيمين. قال الإمام الشوكاني ﵀ في «السيل» (٣/ ٣١٥): وليس مثل هذا ينبغي أن

стр. 3677

يكون مانعًا من الصحة؛ فإنه إذا قال: وقفت أرضًا من الأراضي التي أملكها. كان متقربًا واقفًا بمجرد صدور هذا منه، وبعد ذلك التعيين إليه في أيِّ أرض أراد من أملاكه، ومن زعم أنَّ في هذا الوقف مانعًا يمنع من صحته؛ فالدليل عليه، وإن لم يكن إلا مجرد الرأي المبني على الهباء، فرأيه رد عليه. اهـ قلتُ: وقد قال بعض الحنابلة: يخرج المبهم بالقرعة، والأظهر قول الشوكاني؛ فإن لم يقدر على معرفة مراد الواقف؛ فيعمل بالقرعة، والله أعلم. (١) مسألة [١٦]: هل يشترط في صحة الوقف أن يكون على طاعة ؟ قال العمراني ﵀ في «البيان» (٨/ ٦٣): ولا يصح الوقف إلا على ما فيه طاعة كالوقف على أولاده أو على قرابته، أو الفقراء والمساكين، وطلبة العلم، وكالوقف على المساجد، والسقايات، والقناطر، والمقابر؛ لما ذكرنا من أخبار الصحابة. اهـ وقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٣/ ٥٠٧): وكذلك يجب على الإمام أن يهدم هذه المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا، وله أن يقطعها للمقاتلة، أو يبيعها ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين، وكذلك الحكم في أوقافها؛ فإنْ وقفها؛ فالوقف عليها باطل، وهو مال ضائع، فيصرف في مصالح المسلمين؛ فإنَّ الوقف لا يصح إلا في قربةٍ وطاعة لله ورسوله، فلا يصح الوقف على مشهد، ولا قبر يسرج عليه، ويعظم، وينذر له، ويحج إليه، ويُعبد من دون الله، ويُتَّخذ وثنًا من دونه، وهذا مما لم يخالف فيه أحدٌ من أئمة الإسلام، ومن اتبع

стр. 3678

سبيلهم. اهـ وقال ﵀ (٣/ ٥٧٢) -في الكلام على مسجد الضرار-: ومنها أنَّ الوقف لا يصح على غير بِرٍّ ولا قربة، كما لم يصح وقف هذ المسجد. اهـ وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ١١): وقد اتفق الأئمة على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد على القبور، ولا الإعانة على ذلك بوقف ولا غيره. اهـ وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٣٤): ولا يصح الوقف على معصية، كبيت النار، والبِيَع، والكنائس، وكتب التوراة والإنجيل؛ لأنَّ ذلك معصية. انتهى المراد وقال الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» (٣/ ٣١٥ - ): هذا الوقف الذي جاءت به الشريعة، ورغَّب فيه رسول الله ﷺ أصحابه هو الذي يتقرب به إلى الله حتى يكون من الصدقة الجارية التي لا ينقطع عن فاعلها ثوابها، فلا يصح أن يكون مصرفه غير قربة؛ لأنَّ ذلك خلاف موضوع الوقف الشرعي، لكن القربة توجد في كل ما أثبت فيه الشرع أجرًا لفاعله كائنًا ما كان. انتهى المراد. مسألة [١٧]: وقف المسلم على بعض أهل الذمة ؟ قال ابن القيم ﵀ في «أحكام أهل الذمة» (١/ ٣٠١): وكذلك وقف المسلم عليهم؛ فإنه يصح منه ما وافق حكم الله ورسوله، فيجوز أن يقف على معين منهم، أو على أقاربه، وبني فلان، ونحوه، ولا يكون الكفر موجبًا وشرطًا في الاستحقاق،

стр. 3679

ولا مانعًا منه، فلو وقف على ولده، أو أبيه، أو قرابته؛ استحقوا ذلك وإن بقوا على كفرهم؛ فإن أسلموا فأولى بالاستحقاق. قال: وأما الوقف على كنائسهم، وبيعهم، ومواضع كفرهم التي يقيمون فيها شعار الكفر؛ فلا يصح من كافر ولا مسلم؛ فإنَّ في ذلك أعظم الإعانة لهم على الكفر، والمساعدة، والتقوية عليه، وذلك منافٍ لدين الله. انتهى المراد، وانظر بقية كلامه؛ فإنه مفيد. واستدل شيخ الإسلام ﵀ على جواز الوقف على المعين منهم بقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ... [الممتحنة:٨]، وبقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٢]، وحديث أسماء بنت أبي بكر في «الصحيحين» أنَّ أمَّها قدمت عليها وهي مشركة، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صِلِي أمَّكِ» (١). ا نتهى. (٢) مسألة [١٨]: وهل تصح أوقاف أهل الذمة ؟ قال ابن القيم ﵀ في «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٩٩): أما ما وقفوه هم،

стр. 3680

فينظر فيه؛ فإن أوقفوه على معين، أو جهة يجوز للمسلم الوقف عليها، كالصدقة على المساكين، والفقراء، وإصلاح الطرق، والمصالح العامة، أو على أولادهم، وأنسالهم، وأعقابهم؛ فهذا الوقف صحيحٌ، حكمه حكم وقف المسلمين على هذه الجهات، لكن إن شَرَطَ في استحقاق الأولاد والأقارب بقاءهم على الكفر؛ فإن أسلموا؛ لم يستحقوا شيئًا، لم يصح هذا الشرط، ولم يجز للحاكم أن يحكم بموجبه باتفاق الأمة؛ فإنه مناقض لدين الإسلام، مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ ، وهو أبلغ في ذلك من أن يقف على أولاده ما داموا ساعين في الأرض بالفساد مرتكبين لمعاصي الله، فمن تاب منهم؛ أخرج من الوقف، ولم يستحق منه شيئًا وهذا لا يجيزه مسلم. ثم تكلم على من وقف منهم على مساكين أهل الذمة. فقال: يجوز الدفع إليهم بوصف المسكنة لا بوصف الكفر؛ فوصف الكفر ليس بمانع من الدفع إليهم، ولا هو شرط في الدفع كما يظنه الغالط أقبح الغلط وأفحشه، وحينئذ فيجوز الدفع إليه بمسكنته، وإن أسلم فهو أولى بالاستحقاق. فالفرق بين أن يكون الكفر جهة وموجبًا، وبين ألا يكون مانعًا، فجعل الكفر جهة موجبًا للاستحقاق؛ مضاد لدين الله تعالى، وحكمه وكونه غير مانع موافق لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ
следующие страницы →