من باب الوقف، وتسميته وقفًا بمعنى أنه وقف على تلك الجهة لا ينتفع به في غيرها، لا تأباه اللغة، وهو جائزٌ في الشرع. اهـ (١)
مسألة [١٣]: هل يصح وقف الكلب ؟
• فيه قولان في مذهب الشافعية، والحنابلة، ورجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ صحة وقفه، وهو الصواب، والله أعلم؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك. (٢)
مسألة [١٤]: وقف أم الولد .
• فيه أيضًا قولان في مذهب الشافعية والحنابلة، والأظهر الجواز؛ لأنَّ الراجح جواز بيعها كما تقدم في كتاب البيوع؛ فيجوز وقفها، والله أعلم. (٣)
مسألة [١٥]: وقف غير المعين كـ (أحد هذين العبدين، أو أرضًا من الأراضي) .
• مذهب الشافعية، والحنابلة عدم صحة ذلك؛ لأنه تمليك منجز؛ فلم يصح في عين غير معينة، كالبيع والهبة.
• وللحنابلة احتمالٌ في الصحة، وهو اختيار بعضهم، ومنهم: شيخ الإسلام ﵀، وهو ترجيح الشوكاني، ثم الإمام ابن عثيمين.
قال الإمام الشوكاني ﵀ في «السيل» (٣/ ٣١٥): وليس مثل هذا ينبغي أن
стр. 3677
يكون مانعًا من الصحة؛ فإنه إذا قال: وقفت أرضًا من الأراضي التي أملكها. كان متقربًا واقفًا بمجرد صدور هذا منه، وبعد ذلك التعيين إليه في أيِّ أرض أراد من أملاكه، ومن زعم أنَّ في هذا الوقف مانعًا يمنع من صحته؛ فالدليل عليه، وإن لم يكن إلا مجرد الرأي المبني على الهباء، فرأيه رد عليه. اهـ
قلتُ: وقد قال بعض الحنابلة: يخرج المبهم بالقرعة، والأظهر قول الشوكاني؛ فإن لم يقدر على معرفة مراد الواقف؛ فيعمل بالقرعة، والله أعلم. (١)
مسألة [١٦]: هل يشترط في صحة الوقف أن يكون على طاعة ؟
قال العمراني ﵀ في «البيان» (٨/ ٦٣): ولا يصح الوقف إلا على ما فيه طاعة كالوقف على أولاده أو على قرابته، أو الفقراء والمساكين، وطلبة العلم، وكالوقف على المساجد، والسقايات، والقناطر، والمقابر؛ لما ذكرنا من أخبار الصحابة. اهـ
وقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٣/ ٥٠٧): وكذلك يجب على الإمام أن يهدم هذه المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا، وله أن يقطعها للمقاتلة، أو يبيعها ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين، وكذلك الحكم في أوقافها؛ فإنْ وقفها؛ فالوقف عليها باطل، وهو مال ضائع، فيصرف في مصالح المسلمين؛ فإنَّ الوقف لا يصح إلا في قربةٍ وطاعة لله ورسوله، فلا يصح الوقف على مشهد، ولا قبر يسرج عليه، ويعظم، وينذر له، ويحج إليه، ويُعبد من دون الله، ويُتَّخذ وثنًا من دونه، وهذا مما لم يخالف فيه أحدٌ من أئمة الإسلام، ومن اتبع
стр. 3678
سبيلهم. اهـ
وقال ﵀ (٣/ ٥٧٢) -في الكلام على مسجد الضرار-: ومنها أنَّ الوقف لا يصح على غير بِرٍّ ولا قربة، كما لم يصح وقف هذ المسجد. اهـ
وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ١١): وقد اتفق الأئمة على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد على القبور، ولا الإعانة على ذلك بوقف ولا غيره. اهـ
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٣٤): ولا يصح الوقف على معصية، كبيت النار، والبِيَع، والكنائس، وكتب التوراة والإنجيل؛ لأنَّ ذلك معصية. انتهى المراد
وقال الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» (٣/ ٣١٥ - ): هذا الوقف الذي جاءت به الشريعة، ورغَّب فيه رسول الله ﷺ أصحابه هو الذي يتقرب به إلى الله حتى يكون من الصدقة الجارية التي لا ينقطع عن فاعلها ثوابها، فلا يصح أن يكون مصرفه غير قربة؛ لأنَّ ذلك خلاف موضوع الوقف الشرعي، لكن القربة توجد في كل ما أثبت فيه الشرع أجرًا لفاعله كائنًا ما كان. انتهى المراد.
مسألة [١٧]: وقف المسلم على بعض أهل الذمة ؟
قال ابن القيم ﵀ في «أحكام أهل الذمة» (١/ ٣٠١): وكذلك وقف المسلم عليهم؛ فإنه يصح منه ما وافق حكم الله ورسوله، فيجوز أن يقف على معين منهم، أو على أقاربه، وبني فلان، ونحوه، ولا يكون الكفر موجبًا وشرطًا في الاستحقاق،
стр. 3679
ولا مانعًا منه، فلو وقف على ولده، أو أبيه، أو قرابته؛ استحقوا ذلك وإن بقوا على كفرهم؛ فإن أسلموا فأولى بالاستحقاق.
قال: وأما الوقف على كنائسهم، وبيعهم، ومواضع كفرهم التي يقيمون فيها شعار الكفر؛ فلا يصح من كافر ولا مسلم؛ فإنَّ في ذلك أعظم الإعانة لهم على الكفر، والمساعدة، والتقوية عليه، وذلك منافٍ لدين الله. انتهى المراد، وانظر بقية كلامه؛ فإنه مفيد.
واستدل شيخ الإسلام ﵀ على جواز الوقف على المعين منهم بقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ... [الممتحنة:٨]، وبقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٢]، وحديث أسماء بنت أبي بكر في «الصحيحين» أنَّ أمَّها قدمت عليها وهي مشركة، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صِلِي أمَّكِ» (١). ا نتهى. (٢)
مسألة [١٨]: وهل تصح أوقاف أهل الذمة ؟
قال ابن القيم ﵀ في «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٩٩): أما ما وقفوه هم،
стр. 3680
فينظر فيه؛ فإن أوقفوه على معين، أو جهة يجوز للمسلم الوقف عليها، كالصدقة على المساكين، والفقراء، وإصلاح الطرق، والمصالح العامة، أو على أولادهم، وأنسالهم، وأعقابهم؛ فهذا الوقف صحيحٌ، حكمه حكم وقف المسلمين على هذه الجهات، لكن إن شَرَطَ في استحقاق الأولاد والأقارب بقاءهم على الكفر؛ فإن أسلموا؛ لم يستحقوا شيئًا، لم يصح هذا الشرط، ولم يجز للحاكم أن يحكم بموجبه باتفاق الأمة؛ فإنه مناقض لدين الإسلام، مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ ، وهو أبلغ في ذلك من أن يقف على أولاده ما داموا ساعين في الأرض بالفساد مرتكبين لمعاصي الله، فمن تاب منهم؛ أخرج من الوقف، ولم يستحق منه شيئًا وهذا لا يجيزه مسلم.
ثم تكلم على من وقف منهم على مساكين أهل الذمة.
فقال: يجوز الدفع إليهم بوصف المسكنة لا بوصف الكفر؛ فوصف الكفر ليس بمانع من الدفع إليهم، ولا هو شرط في الدفع كما يظنه الغالط أقبح الغلط وأفحشه، وحينئذ فيجوز الدفع إليه بمسكنته، وإن أسلم فهو أولى بالاستحقاق.
فالفرق بين أن يكون الكفر جهة وموجبًا، وبين ألا يكون مانعًا، فجعل الكفر جهة موجبًا للاستحقاق؛ مضاد لدين الله تعالى، وحكمه وكونه غير مانع موافق لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ
стр. 3681
مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩].
فإن الله سبحانه لما نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء، وقطع المودة بينهم وبينهم؛ توهم بعضهم أن بِرَّهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة، فبين الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ينه عن ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه، وكتبه على كل شيء.
وإنما المنهي عنه تولي الكفار، والإلقاء إليهم بالمودة، ولا ريب أنَّ جعل الكفر بالله وتكذيب رسوله موجبًا، وشرطًا في الاستحقاق من أعظم موالاة الكفار المنهي عنها؛ فلا يصح من المسلم، ولا يجوز للحاكم تنفيذه من أوقاف الكفار، فأما إذا وقفوا ذلك فيما بينهم ولم يتحاكموا إلينا ولا استفتونا عن حكمه؛ لم يتعرض لهم فيه وحكمه حكم عقودهم وأنكحتهم الفاسدة. اهـ (١)
مسألة [١٩]: الوقف على الحَرْبي .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٣٦): ولا يصح الوقف على المرتد، ولا على الحربي؛ لأنَّ أموالهم مباحة في الأصل، ويجوز أخذها منهم بالقهر والغلبة، فما يتجدد لهم أولى، والوقف لا يجوز أن يكون مباحَ الأخذ؛ لأنه تحبيس الأصل. اهـ
قلتُ: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. (٢)
стр. 3682
مسألة [٢٠]: الوقف على الأغنياء فقط .
• قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣١ - ): وتنازعوا في الوقف على جهة مباحة، كالوقف على الأغنياء، على قولين مشهورين، والصحيح الذى دلَّ عليه الكتاب، والسنة، والأصول: أنه باطل أيضًا؛ لأن الله سبحانه قال في مال الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر:٧]، فأخبر سبحانه أنه شرع ما ذكره لئلا يكون الفيء متداولًا بين الأغنياء دون الفقراء؛ فَعُلم أنه سبحانه يكره هذا وينهى عنه ويذمه؛ فمن جعل الوقف للأغنياء فقط؛ فقد جعل المال دولة بين الأغنياء، فيتداولونه بطنًا بعد بطن دون الفقراء، وهذا مضادٌّ لله في أمره ودينه، فلا يجوز ذلك، وفى «السنن» عن النبي ﷺ أنه قال: «لا سبق إلا في خُفٍّ، أو حافر، أو نصل» (١)، فإذا كان قد نهى عن بذل السبق إلا فيما يعين على الطاعة والجهاد، مع أنه بذل لذلك في الحياة، وهو منقطع غير مؤبد، فكيف يكون الأمر في الوقف، وهذا بَيِّنٌ في أصول الشريعة من وجهين: أحدهما: أن بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة في الدين، أو الدنيا، وهذا أصلٌ متفق عليه بين العلماء، ومن خرج عن ذلك؛ كان سفيهًا، وَحُجِر عليه عند جمهور العلماء الذين يحجرون على السفيه.
قال: فمن المعلوم أن الواقف لا ينتفع بوقفه في الدنيا كما ينتفع بما يبذله في البيع، والإجارة، والنكاح، وهذا أيضًا لا ينتفع به في الدين إن لم ينفقه في سبيل الله،
стр. 3683
وسبيل الله طاعته وطاعة رسوله؛ فإنَّ الله إنما يثيب العباد على ما أنفقوه فيما يحبه، وأما مالا يحبه؛ فلا ثواب في النفقة عليه، ونفقة الإنسان على نفسه وولده، وزوجته واجبة؛ فلهذا كان الثواب عليها أعظم من الثواب على التطوعات على الأجانب.
قال: وإذا كان كذلك؛ فالمباحات التي لا يثيب الشارع عليها، لا يثيب على الانفاق فيها والوقف عليها، ولا يكون في الوقف عليها منفعة وثواب في الدين، ولا منفعة في الوقف عليها في الدنيا، فالوقف عليها خالٍ من انتفاع الواقف في الدين والدنيا؛ فيكون باطلًا، وهذا ظاهر في الأغنياء، وإن كان قد يكون مُستحبًّا، بل واجبًا، فإنما ذاك إذا أعطوا بسبب غير الغِنَى، من القرابة، والجهاد، والدين ونحو ذلك. الوجه الثاني: أن الوقف يكون فيما يؤبد على الكفار ونحوهم، وفيما يمنع منه التوارث، وهذا لو أن فيه منفعة راجحة وإلا كان يمنع منه الواقف؛ لأنه فيه حبس المال عن أهل المواريث ومن ينتقل إليهم، وهذا مأخذُ من قال: (لا حبس عن فرائض الله)، لكن هذا القول تُرِكَ لقول عمر وغيره، وما في ذلك من المصلحة الراجحة، فأما إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، بل قد حبس المال، فمنعه الوارث وسائر الناس أن ينتفع به، وهو لم ينتفع به؛ فهذا لا يجوز تنفيذه بلا ريب. اهـ بتلخيص يسير. (١)
وهذا القول الذي اختاره شيخ الإسلام عزاه ابن القيم للجمهور كما في «أعلام الموقعين» (١/ ٣١٤). (٢)
стр. 3684
مسألة [٢١]: الجهات التي يصرف إليها الوقف .
قسَّم ذلك شيخ الإسلام ﵀ إلى ثلاثة أقسام:
الأول: عمل يتقرب به إلى الله تعالى، وهو الواجبات، والمستحبات التي رغَّب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيها، وحضَّ على تحصيلها، فمثل هذا يجب الوفاء به، ويقف استحقاق الوقف على حصوله في الجملة.
الثاني: عملٌ قد نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهي تحريم، أو نهي تنزيه، فاشتراط مثل هذا العمل باطلٌ باتفاق العلماء. ثم استدل بحديث: «ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله؛ فهو باطل ... » الحديث.
قال: وما كان من الشروط مستلزمًا وجود ما نهى عنه الشارع؛ فهو بمنزلة ما نهى عنه، وما علم ببعض الأدلة الشرعية أنه نهى عنه؛ فهو بمنزلة ما علم أنه صرح بالنهي عنه، لكن قد يختلف اجتهاد العلماء في بعض الأعمال هل هو من باب المنهي؟ فيختلف اجتهادهم في ذلك الشرط بناء على هذا.
الثالث: عملٌ ليس بمكروه في الشرع، ولا مستحب، بل هو مباح مستوي الطرفين، فهذا قال بعض العلماء بوجوب الوفاء به، والجمهور من العلماء من أهل المذاهب المشهورة وغيرهم على أنه شرطٌ باطل، ولا يصح عندهم أن يشترط إلا ما كان قربة إلى الله تعالى، وذلك أنَّ الإنسان ليس له أن يبذل ماله إلا لما فيه منفعة في الدين، أو الدنيا.
قال: فإذا اشترط الموصي، أو الواقف عملًا، أو صفة لا ثواب فيها؛ كان
стр. 3685
السعي فيها بتحصيلها سعيًا فيما لا ينتفع به في دنياه وآخرته، ومثل هذا لا يجوز، وهو إنما مقصوده في الوقف التقرب إلى الله تعالى، والشارع أعلم من الواقفين بما يتقرب به إلى الله تعالى، فالواجب أن يعمل في شروطهم بما شرطه الله، ورضيه في شروطهم، وإن كان النبي ﷺ قد قال: «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر»، وعمل بهذا الحديث فقهاء الحديث ومتابعوهم، فنُهي عن بذل المال في المسابقة إلا في مسابقة يُستعان بها على الجهاد الذي هو طاعة لله تعالى، فكيف يجوز أن يبذل الجعل المؤبد لمن يعمل دائمًا عملًا ليس طاعة لله تعالى. اهـ (١)
مسألة [٢٢]: إذا وقف على نفسه، فهل يصح ؟
• ذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وأكثر المالكية إلى أنَّ الوقف لا يصح؛ لأن الوقف تمليكٌ للرقبة، والمنفعة، ولا يجوز أن يملك نفسه من نفسه كما في البيع والهبة.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى صحة ذلك، وهو قول أحمد في رواية، واختارها جماعة من أصحابه، وهو قول ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي يوسف، وابن سريج، واستدلوا بأنَّ عمر اشترط لمن وليها أن يأكل منها، ثم وليها بنفسه، وعثمان أوقف بئر رومة على نفسه والمسلمين (٢)، وكما أنه يقف وقفًا عامًّا ينتفع به، فكذلك إذا خصَّ نفسه بالانتفاع، وهذا القول رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ثم الشوكاني ﵀.
стр. 3686
قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف»: وعليه العمل في زماننا وقبله عند حكامنا من أزمنة متطاولة، وهو الصواب، وفيه مصلحة عظيمة، وترغيب في فعل الخير، وهو من محاسن المذهب. اهـ
وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم، ثم إن كان الرجل قد ذكر جهة الوقف بعد نفسه انصرف إليها، كأن يقول: (وقفته على نفسي، ثم على المساكين) فهو بعد موته ينصرف إلى المساكين، وإن لم يذكر جهة الوقف بعد نفسه؛ فحكمه حكم الوقف المنقطع على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. (١)
مسألة [٢٣]: إذا اشترط الواقف في الوقف أن ينفق على نفسه منه ؟
• مذهب أحمد، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي يوسف، وابن سريج صحة الوقف والشرط، واستدلوا بحديث عمر المتقدم، فقد اشترط لمن وليها ذلك، ثم وليها بنفسه، ولأنه إذا أوقف وقفًا عامًّا كالمساجد، والسقايات، والمقابر كان له الانتفاع به؛ فكذلك ههنا.
• وذهب مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن إلى أنه لا يصح الوقف؛ لأنه إزالة الملك، فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه، ولأنَّ ما ينفقه على نفسه مجهول؛ فلم يصح اشتراطه، كما لو باع شيئًا واشترط أن ينتفع به.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، ولا نعلم دليلًا يمنع
стр. 3687
ذلك، وحجة المانعين ليست قوية، وليست معاوضة حتى يشترط أن تكون معلومة، والله أعلم. ومثله إن شرط النفقة على أهله منه. (١)
مسألة [٢٤]: المنافع للموقوف عليهم إذا لم يشترط .
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ (٨/ ١٩١): مَنْ وَقَفَ شَيْئًا وَقْفًا صَحِيحًا، فَقَدْ صَارَتْ مَنَافِعُهُ جَمِيعُهَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَزَالَ عَنْ الْوَاقِفِ مِلْكُهُ، وَمِلْكُ مَنَافِعِهِ؛ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَفَ شَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَدْخُلَ فِي جُمْلَتِهِمْ، مِثْلُ أَنْ يَقِفَ مَسْجِدًا؛ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، أَوْ مَقْبَرَةً؛ فَلَهُ الدَّفْنُ فِيهَا، أَوْ بِئْرًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَلَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْهَا، أَوْ سِقَايَةً، أَوْ شَيْئًا يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ؛ فَيَكُونُ كَأَحَدِهِمْ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّهُ سَبَّلَ بِئْرَ رُومَةَ، وَكَانَ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ (٢). اهـ
مسألة [٢٥]: إذا وقف على الفقراء، ثم افتقر، فهل يدخل في الوقف ؟
• الصحيح من قولي العلماء ﵏ أنه يدخل في الوقف؛ لأنه يشمله صفة الجهة التي وقف الوقف فيها، وهو قول المالكية، والشافعية، وبعض الحنابلة، والله أعلم. (٣)
стр. 3688
مسألة [٢٦]: إذا وقف الوقف على مجهول كرجل، وامرأة، أو ما أشبهه ؟
ذكر جماعة من أهل العلم أنَّ هذا الوقف باطلٌ؛ لأنه لم يبين وجهه، ومثله أن يقول: وقفت داري على أولادي، ولا أولاد له، أو على رجال، أو على حمل هذه المرأة؛ فلا يصح الوقف؛ لأن الوقف تمليك للرقبة والمنفعة، فلم يصح على من لا يملك، كما لا يصح البيع والإجارة من غير ملك. (١)
مسألة [٢٧]: الوقف على العبد، وأم الولد .
• منع من ذلك جماعة من الفقهاء بحجة أنَّ العبد وأم الولد لا يملكان، والصحيح صحة الوقف عليهما، وعدم اشتراط أن يكون الوقف لمن يملك، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٨]: الوقف على الحمل ابتداءً لا تبعًا .
• مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة أنه لا يصح؛ لأنَّ الوقف تمليك ناجز، فلا يصح لإنسان يحتمل وجوده وعدمه.
• وذهب بعض الحنابلة إلى صحة ذلك.
قلتُ: إن كان قاصدًا بذلك تعليق الوقف على سلامة الجنين؛ فيصير من الوقف المعلق، وسيأتي حكمه، وإلا فلا يجوز، والله أعلم. (٣)
стр. 3689
مسألة [٢٩]: الوقف على البهيمة .
• الأصح عند الحنابلة عدم صحة الوقف عليها، وهو قول بعض الشافعية؛ لأنها لا تملك.
• والأصح عند الشافعية صحة الوقف عليها، وهو قول بعض الحنابلة؛ لأنَّ ذلك كالوقف على مالكها؛ إلا أنه ينفق منه عليها، وهي وإن لم تملك، لكن تكون مختصة به.
وهذا القول هو الصحيح، وهو ظاهر ترجيح الشوكاني ﵀ كما في «السيل». (١)
مسألة [٣٠]: تعليق الوقف على شرطٍ .
مثل أن يقول: (إن جاء والدي من سفره فأرضي وقف) أو (إذا جاء شهر رمضان فبستاني وقف) وما أشبه ذلك.
• فمذهب الحنابلة، والشافعية عدم صحة ذلك، بل قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا.
• وقد اختار بعض الحنابلة الصحة كما في «الإنصاف» منهم: شيخ الإسلام، وابن القيم.
وهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يمنع من ذلك، والله أعلم. (٢)
стр. 3690
مسألة [٣١]: إذا اشترط في الوقف أن يبيعه، أو يهبه، أو يرجع فيه متى شاء ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٩٢): وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ مَتَى شَاءَ، أَوْ يَهَبَهُ، أَوْ يَرْجِعَ فِيهِ؛ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، وَلَا الْوَقْفُ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْسُدَ الشَّرْطُ، وَيَصِحَّ الْوَقْفُ؛ بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ. اهـ
وقد أجاز المالكية أن يشترط ذلك بما إذا احتاج إلى بيعه، ثم قالوا: عليه أن يثبت بالبينة احتياجه، أو يحلف؛ فله بعد ذلك بيعه، والرجوع فيه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: يمكنه أن يجعل العين صدقة مقيدة بما يريد، ولا ينويها وقفًا، ولا يصح الوقف مع الشرط المذكور، والله المستعان. (١)
مسألة [٣٢]: إذا شرط لنفسه الخيار في الوقف ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٩٢): وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي الْوَقْفِ؛ فَسَدَ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ، فَجَازَ شَرْطُ الْخِيَارِ فِيهِ، كَالْإِجَارَةِ.
قال: وَلَنَا أَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنَّ لَهُ بَيْعَهُ مَتَى شَاءَ، وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ لله تَعَالَى؛ فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ كَالْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ، كَالْهِبَةِ، وَيُفَارِقُ الْإِجَارَةَ؛ فَإِنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ إذَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ مَنَعَ ثُبُوتَ
стр. 3691
حُكْمِهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ أَوْ التَّصَرُّفِ، وَهَاهُنَا لَوْ ثَبَتَ الْخِيَارُ؛ لَثَبَتَ مَعَ ثُبُوتِ حُكْمِ الْوَقْفِ، وَلَمْ يَمْنَعْ التَّصَرُّفَ، فَافْتَرَقَا. اهـ (١)
مسألة [٣٣]: إذا وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز ؟
هذا الوقف يسميه الفقهاء (منقطع الابتداء) ومثاله أن يقول: وقفته على ولدي، ثم على الفقراء. ولا ولد له، أو يقول: وقفته على رجل، ثم على الفقراء. أو يقفه على معصية، أو بدعة، ثم على الفقراء، أو ما أشبه ذلك.
• فالصحيح من مذهب الشافعية، وقال به بعض الحنابلة أنَّ الوقف صحيح، وينقل الوقف في الحال إلى الجهة الجائزة، وهذا هو الصواب، والله أعلم. (٢)
تنبيه: إذا وقفه على جهة باطلة، ولم يذكر مآلًا مما يجوز الوقف فيه؛ فالوقف باطل. (٣)
مسألة [٣٤]: إذا وقف على جهة جائزة، فانقرضت، فإلى من يعود الوقف ؟
هذا الوقف يسميه الفقهاء (منقطع الانتهاء) ومثاله أن يقول: وقفت هذا على أولادي. فيموت أولاده. أو على فلان الفقير، وأولاده. فيموت ذلك الرجل وينقرض نسله، ولا يقول في الصورتين: ثم للمساكين، أو ما أشبه ذلك من الجهات التي لا تنقطع بحكم العادة.
стр. 3692
• فهذا الوقف صحيح في مذهب أحمد، ومالك، وأبي يوسف، والشافعي في قولٍ؛ لأنه تصرف معلوم المصرف، وابتداؤه معلوم؛ فصحَّ، ويمكن نقله إلى غيره بعد انقراضه.
• وذهب محمد بن الحسن، والشافعي في قول إلى أنَّ الوقف باطل؛ لأنَّ الوقف مقتضاه التأبيد، فإذا كان منقطعًا صار وقفًا على مجهول؛ فلم يصح، كما لو كان مجهول الابتداء أيضًا.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، ولا دليل مع من أبطله، والله أعلم.
• واختلف أهل القول الأول في مصرف هذا الوقف عند انقراض الموقوف عليهم، فقال أبو يوسف، ومالك في رواية: إنَّ الوقف يرجع ملكًا إلى الواقف إن كان باقيًا، أو ورثته إن كان ميتًا؛ لأنه جعلها صدقة على مسمى؛ فلا تكون على غيره.
• وذهب أحمد، والشافعي إلى أنه يرجع إلى أقارب الواقف؛ لأنهم أولى الناس بصدقته، وهو قول مالك.
• وعن أحمد رواية: ينصرف إلى المساكين، وهو قول بعض الشافعية. وعنه رواية أخرى: أنه يجعل في بيت المال.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنها تنصرف إلى المساكين، ويقدم أقارب
стр. 3693
الواقف الفقراء منهم دون الأغنياء؛ لأنَّا خصصناهم بالوقف؛ لكونهم أولى الناس بصدقته وأولى الناس بصدقته هم الفقراء دون الأغنياء، وهذا ترجيح ابن قدامة ﵀.
وقال الشوكاني ﵀: ينبغي أن يصرف في مصرف مماثل لذلك المصرف الذي كان الصرف إليه.
وقال: كيف يعود ما قد صار ملكًا لله للواقف أو وارثه. اهـ
قلتُ: ويمكن أيضًا أن تصرف على طلبة العلم، أو على جهة عامة، أو ما أشبه ذلك، والله أعلم بالصواب، وبه التوفيق، ومنه الثواب. (١)
مسألة [٣٥]: إذا لم يكن للواقف أقارب ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢١٣): فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاقِفِ أَقَارِبُ، أَوْ كَانَ لَهُ أَقَارِبُ فَانْقَرَضُوا؛ صُرِفَ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَقْفًا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ الثَّوَابُ الْجَارِي عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا الْأَقَارِبَ عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِكَوْنِهِمْ أُولَى، فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا؛ فَالْمَسَاكِينُ أَهْلٌ لِذَلِكَ، فَصُرِفَ إلَيْهِمْ. اهـ
قلتُ: تقدم أن المساكين والفقراء مقدمون على الأقارب، فإن كان من الفقراء والمساكين من هم من الأقارب؛ صاروا أولى؛ فإن لم يوجد؛ فهو لعموم الفقراء والمساكين. (٢)
стр. 3694
مسألة [٣٦]: إذا قال: وقفت هذا لله، أو: صدقة موقوفة. ولم يبين سبيله ؟
• مذهب مالك، والحنابلة، والشافعي في قولٍ، وأبي يوسف، ومحمد صحة الوقف، وهو مذهب البخاري ﵀، فقد بوب في «صحيحه»: [باب إذا قال: أرضي، أو بستاني صدقة لله عن أمي. فهو جائز، وإن لم يبين لمن ذلك].
ثم استدل بحديث ابن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه ... الحديث، وفيه: أشهدك أنَّ حائطي المخراف صدقة عنها. (١)
• وذهب الشافعي في قولٍ له إلى أنَّ الوقف لا يصح حتى يعين جهة مصرفه، وإلا فهو باقٍ على ملكه.
• وقال بعض الشافعية: إن قال: وقفته. وأطلق؛ فهو محل الخلاف، وإن قال: وقفته لله. خرج عن ملكه جزمًا.
ودليله: حديث أبي طلحة، أنه قال: إنَّ أرضي بيرحاء صدقة لله، فضعها يا رسول الله، حيث أراك الله ... الحديث. (٢)
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، ويصرف الوقف إلى مصرف الوقف المنقطع بعد انقراض الموقوف عليهم، وإلى مصالح المسلمين، والله أعلم. (٣)
стр. 3695
مسألة [٣٧]: إذا قال: وقفت هذا الدار سنة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢١٧): وَإِنْ عَلَّقَ انْتِهَاءَهُ عَلَى شَرْطٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: دَارِي وَقْفٌ إلَى سَنَةٍ، أَوْ إلَى أَنْ يَقْدَمَ الْحَاجُّ. لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ؛ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ التَّأْبِيدُ. وَفِي الْآخَرِ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعُ الِانْتِهَاءِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَهُ عَلَى مُنْقَطِعِ الِانْتِهَاءِ؛ فَإِنْ حَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ هَاهُنَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مُنْقَطِعِ الِانْتِهَاءِ. اهـ
قال الشوكاني ﵀ في «السيل» (٣/ ٣٢٣): التوقيت يخالف ما يقتضيه الوقف من التحبيس المؤبد.
ثم قال: وأما قوله (ويتأبد مؤقته) -يعني قول صاحب «متن الأزهار» - فظاهرٌ، ولا يكون وقفًا إلا بذلك. اهـ
فهذا ترجيح من الشوكاني ﵀ للقول الثاني الذي ذكره ابن قدامة ﵀.
قلتُ: ويظهر لي -والله أعلم أنَّ الوقف المؤقت صحيح؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وإذا انتهت المدة فالصحيح أنه يرجع إلى مالكه، وهو مقتضى مذهب مالك، وأبي يوسف؛ لما تقدم ذكره عنهم في مسألة [الوقف المنقطع المنتهي].
قال ابن قدامة ﵀: وَإِنْ قَالَ: هَذَا وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي سَنَةً، ثُمَّ عَلَى المَسَاكِينِ. صَحَّ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: هَذَا وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي مُدَّةَ حَيَاتِي، ثُمَّ هُوَ بَعْدَ مَوْتِي لِلْمَسَاكِينِ. صَحَّ؛ لِأَنَّهُ وَقْفٌ مُتَّصِلُ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ. وَإِنْ قَالَ: وَقْفٌ عَلَى
стр. 3696
الْمَسَاكِينِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِي. صَحَّ، وَيَكُونُ وَقْفًا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَيُلْغَى قَوْلُهُ: عَلَى أَوْلَادِي؛ لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ لَا انْقِرَاضَ لَهُمْ. اهـ (١)
مسألة [٣٨]: هل يجوز للموقوف عليه أو الواقف أن يجامعا الأمة الموقوفة ؟
تقدم في المسألة رقم [٧] الكلام على مسألة الملك للموقوف، ورجحنا أنَّ الملك يزول من الواقف، ولا يملكه الموقوف عليه، بل هو ملك لله، وعلى هذا فلا يجوز للواقف ولا للموقوف عليه أن يجامعا الأمة الموقوفة؛ لأنها ليست ملكًا لواحد منهما، وقد وافق على ذلك أيضًا من قال: الملك للموقوف عليه بحجة أنه ملك ضعيف ناقص.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٢٧): فَإِنْ وَطِئَ -يعني الموقوف عليه- فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِلشُّبْهَةِ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لَهُ، وَلَا يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ شَيْءٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ، يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ مَكَانَهُ. انتهى المراد.
وإذا وطئها الواقف، أو أجنبي بشبهة، فأتت بولد؛ فالولد حر، وعليه المهر لأهل الوقف وقيمة الولد يشتري بها عبدًا، وإن تلفت الأمة بسبب ذلك؛ فعليه قيمتها يشتري بها مثلها.
وللحنابلة احتمال أنَّ الموقوف عليه يملك قيمة الولد، وهذا أقرب، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. (٢)
стр. 3697
مسألة [٣٩]: عتق العبد الموقوف، أو الأمة الموقوفة .
نص جماعة من الفقهاء على عدم صحة عتق العبد، أو الأمة الموقوفين؛ بحجة أنه تعلق به حق غيره، ولأن الوقف لازم، فلا يمكن إبطاله.
ويظهر لي -والله أعلم أن عتقهما صحيح، ومشروع، ويوقف بدلًا عنه قيمة العبد أو الأمة في نفس المنفعة، أو فيما هو أفضل منها.
تنبيه: ليس للواقف، ولا للموقوف عليه أن يعتقا العبد، أو الأمة تبرعًا بدون عوض؛ لأنه قد صار وقفًا لله، وزالت الأملاك عليه من البشر. (١)
مسألة [٤٠]: تزويج الأمة الموقوفة .
• في هذه المسألة وجهان للحنابلة والشافعية: أحدهما: أنه يجوز تزويجها كما يجوز إجارتها. الثاني: لا يجوز تزويجها؛ لأنه عقد على نفعها في العمر، فيفضي إلى تفويت نفعها في حق البطن الثاني، ولأنَّ النكاح يتعلق به حقوق من وجوب تمكين الزوج من استمتاعها ومبيتها عنده، فتفوت خدمتها في الليل على البطن الثاني؛ إلا أن تطلب التزويج، فيتعين تزويجها؛ لأنه حق لها طلبته، فتتعين الإجابة إليه، وما فات من الحق به؛ فات تبعًا لإيفائها حقها، فوجب ذلك، كما يجب تزويج الأمة غير الموقوفة إذا طلبت ذلك.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول الثاني أقرب، والله أعلم. (٢)
стр. 3698
مسألة [٤١]: من يتولى تزويجها ؟
• أما من قال: الملك للموقوف عليه؛ فيقولون: يتولى تزويجها الموقوف عليه. ومن قال: الملك للواقف. قال: التزويج له. وأما على القول الصحيح أنَّ الملك لله؛ فيزوجها الحاكم بإذن الموقوف عليه، ويجب له مهرها. (١)
مسألة [٤٢]: إذا ولدت الأمة من زوجها ؟
• في ولد الأمة، وكذا ولد البهيمة وجهان للشافعية، والحنابلة، هل يكون وقفًا تبعًا لأمه؟ أم يكون ملكًا للموقوف عليه؟ ومأخذ القول الأول، وهو قول جمهور الحنابلة أنه فرع عن أصل؛ فيتبع أصله. ومأخذ القول الثاني أنه من نماء الوقف؛ فهو كثمرة الشجرة، وكسب العبد، وهذا القول أقرب، والله أعلم.
تنبيه: الشاة أو الأمة إذا وُقِفَت حاملًا؛ فالحمل يتبعها في الوقف، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤٣]: إذا جنى العبد الموقوف؛ فعلى من أرش جنايته ؟
إن كانت الجناية توجب القصاص؛ وجَبَ، سواء كانت الجناية على الموقوف عليه، أو على غيره؛ فإن قتل؛ بطل الوقف فيه، وإن قُطِعَ؛ كان باقيه وقفًا، كما لو تلف بفعل الله تعالى.
• وإن كانت الجناية موجبة للمال؛ لم يمكن تعلقها برقبته؛ لأنه لا يمكن بيعها، فأمَّا من قال: الملك للموقوف عليه. فقالوا: الأرش عليه. ومن قال: الملك
стр. 3699
للواقف. فإنه يقول: الأرش على الواقف. وعلى القول الصحيح أنها ليست ملكًا لواحد منهما؛ فمنهم من قال: الأرش يكون في كسب هذا العبد الجاني. وقيل: في بيت المال. ومنهم من قال: على الواقف أيضًا. ويظهر لي، والله أعلم، أن الجناية إن كانت خطأً؛ فتكون في بيت المال، وإن كانت عمدًا؛ فتكون من كسب العبد، وإذا كرر العبد الجناية عمدًا فللقاضي أن يعزره، والله أعلم. (١)
مسألة [٤٤]: إذا جُني على العبد الموقوف بجناية توجب مالاً ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٢٦): وَإِنْ جُنِيَ عَلَى الْوَقْفِ جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْمَالِ؛ وَجَبَ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ لَمْ تَبْطُلْ، وَلَوْ بَطَلَتْ مَالِيَّتُهُ لَمْ يَبْطُلْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْحُرَّ يَجِبُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ قُتِلَ؛ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ، وَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْعَفْوُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهَا، وَيُشْتَرَى بِهَا مِثْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ يَكُونُ وَقْفًا. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَخْتَصُّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ إنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَمْلِكُ الْمَوْقُوفَ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ.
قال: وَلَنَا أَنَّهُ مِلْكُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ؛ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِبَدَلِهِ، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمَرْهُونِ، وَبَيَانُ عَدَمِ الِاخْتِصَاصِ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْبَطْنِ الثَّانِي؛ فَلَمْ يَجُزْ إبْطَالُهُ. وَلَا نَعْلَمُ قَدْرَ مَا يَسْتَحِقُّ هَذَا مِنْهُ فَنَعْفُوَ عَنْهُ؛ فَلَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ. اهـ (٢)
إعْطَاؤُهُ، وَلَا يَجُوزُ حِرْمَانُهُ. اهـ (١)
ولو كان الموقوف ماشية؛ فبناؤه على الملك إن قلنا: الملك للموقوف عليه. فهي عليه، وإن قلنا: الملك لله. وهو الصحيح؛ فلا زكاة فيها. (٢)
مسألة [٤٦]: النفقة على الوقف .
قال الإمام يحيى بن سالم العمراني ﵀ في «البيان» (٨/ ١٠٠): وإذا احتاج الوقف إلى نفقته بأن كان حيوانًا، أو أرضًا تحتاج إلى عمارة؛ فإن شرط الواقف أنَّ نفقة ذلك من غلة الوقف؛ أنفق عليها من غلتها، وما بقي صرف إلى أهل الوقف. قال ابن الصباغ: وإن شرط الواقف أن تكون نفقتها من ماله ... ؛ حمل على ذلك، وإن أطلق ذلك؛ أنفق عليه من غلته؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا بذلك؛ فإن بطلت منفعته بأن كان عبدًا؛ فَزَمِنَ. فإن قلنا: إن الملك فيه ينتقل إلى الله تعالى ... ؛ أنفق عليه من بيت المال، كالحر المعسر. وإن قلنا: إن الملك فيه ينتقل إلى الموقوف عليه؛ كانت نفقته عليه. وإن قلنا بالقول المخرَّج: إن ملك الواقف باق عليه ... ؛ وجبت نفقته عليه. اهـ (٣)
مسألة [٤٧]: النظر في الوقف .
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٣٦ - ٢٣٧): وَيَنْظُرُ فِي الْوَقْفِ مَنْ شَرَطَهُ الْوَاقِفُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ جَعَلَ وَقْفَهُ إلَى حَفْصَةَ تَلِيه مَا عَاشَتْ،
стр. 3702
ثُمَّ إلَى ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا. وَلِأَنَّ مَصْرِفَ الْوَقْفِ يُتْبَعُ فِيهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ، فَكَذَلِكَ النَّاظِرُ فِيهِ؛ فَإِنْ جَعَلَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ؛ جَازَ، وَإِنْ جَعَلَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ فَهُوَ لَهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ لِأَحَدٍ، أَوْ جَعَلَهُ لِإِنْسَانٍ فَمَاتَ؛ نَظَرَ فِيهِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَنَفْعُهُ لَهُ، فَكَانَ نَظَرَهُ إلَيْهِ كَمِلْكِهِ الْمُطْلَقِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ الْحَاكِمُ. اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ هَلْ يَنْتَقِلُ فِيهِ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ إلَى الله تَعَالَى؟.
قال: وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا، أَوْ عَلَى مَنْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ؛ فَالنَّظَرُ فِيهِ إلَى الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مُتَعَيِّنٌ يَنْظُرُ فِيهِ. وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يُمْكِنُهُ تَوَلِّي النَّظَرَ بِنَفْسِهِ. اهـ (١)
مسألة [٤٨]: مصرف الوقف .
مصرف الوقف عند أهل العلم حيث شرطه الواقف إذا كان وقفًا صحيحًا شرعيًّا، ويدل على ذلك حديث عمر بن الخطاب ﵁ الذي في الباب.
مسألة [٤٩]: إذا أوقف شيئًا وقال: في سبيل الله ؟
قال العمراني ﵀ في «البيان» (٨/ ٨٢): وإن وقف شيئًا في سبيل الله كان ذلك وقفًا على الغزاة عند نشاطهم دون المرتبين في ديوان الإمام، وقال أحمد: الحج في سبيل الله. دليلنا: أن مطلق كلام الآدمي محمول على المعهود في الشرع، وقد ثبت أن سهم (سبيل الله) في الصدقات مصروف إليهم فكذلك الوقف المطلق. اهـ
стр. 3703
قلتُ: الأمر في ذلك راجع إلى مقصود الواقف إن كان باقيًا، وإلا فعرف أهله وبلده، والله أعلم. (١)
مسألة [٥٠]: الوقف على أولاده .
قال العمراني ﵀ في «البيان» (٨/ ٨٣): وإن وقف على أولاده؛ دخل فيه أولاده من صلبه الذكور والإناث، والخُناثى؛ لأنَّ الجميع ولده، ولا يدخل أولاد البنين، ولا أولاد البنات؛ لأنَّ ولده حقيقة هو ولد صلبه، وإن كان له حمل استحق من غلة الحادث بعد انفصاله دون الحادثة قبل انفصاله؛ لأنه لا يسمى ولدًا إلا بعد الانفصال. اهـ
قلتُ: أما قوله (لا يدخل أولاد البنين) فقد خالف فيه أحمد، وقال بدخولهم كما في «المغني» (٨/ ١٩٥)، والذي يظهر أنَّ ذلك راجع إلى قصد الواقف؛ فإن كان باقيًا سئل عن نيته، وإن كان قد مات؛ فيرجع إلى عرفه وأهل بلده، والله أعلم.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ١٩٦): وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ المُطْلَقِ، فَأَمَّا مَعَ وُجُودِ دَلَالَةٍ تَصْرِفُ إلَى أَحَدِ الْمَحْمَلَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ. وَهُمْ قَبِيلَةٌ لَيْسَ فِيهِمْ وَلَدٌ مِنْ صُلْبِهِ؛ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي، أَوْ وَلَدِي. وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ صُلْبِهِ .. .
قَالَ: وَإِنْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَقْضِي تَخْصِيصَ أَوْلَادِهِ لِصُلْبِهِ بِالْوَقْفِ، مِثْلُ أَنْ
стр. 3704
يَقُولَ: عَلَى وَلَدِي لِصُلْبِي. أَوْ الَّذِينَ يَلُونَنِي. وَنَحْوَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْبَطْنِ الْأَوَّلِ دُونَ غَيْرِهِمْ. اهـ
مسألة [٥١]: إذا وقف على أولاد أولاده فهل يدخل فيهم أولاد بناته ؟
أما أولاد البنين فيدخلون في ذلك بغير خلاف.
• واختلف أهل العلم في أولاد البنات: هل يدخلون أم لا؟ فمذهب مالك، ومحمد بن الحسن أنهم لا يدخلون. وقال أحمد فيمن وقف على ولده: ما كان من ولد البنات؛ فليس لهم فيه شيء.
قال ابن قدامة ﵀: هذا النص يحتمل أن يعدَّى إلى هذه المسألة، ويحتمل أن يكون مقصورًا على من وقف على ولده، ولم يذكر ولد ولده. اهـ
وحجة أصحاب هذا القول قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فدخل فيها أولاد البنين ولم يدخل أولاد البنات، ولأنه لو وقف على ولد رجل، وقد صاروا قبيلة؛ دخل فيه ولد البنين دون ولد البنات بالاتفاق؛ فكذلك قبل أن يصيروا قبيلة، ولأن ولد البنات منسوبون إلى آبائهم دون أمهاتهم، قال الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
• ومذهب الشافعي، وأبي يوسف، وبعض الحنابلة أنهم يدخلون؛ لأنَّ البنات من أولاده؛ فأولادهن أولاد الأولاد حقيقة؛ فيجب أن يدخلوا في اللفظ؛ لتناول
стр. 3705
اللفظ لهم، وقد ذكر الله عيسى في ذرية نوح ﵉، وهو من ولد بنته، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للحسن: «إن ابني هذا سيد» (١)، وقال تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء:٢٣]، ودخل في ذلك حلائل أبناء البنات.
قال أبو عبد الله غفر الله له: يرجع ذلك إلى الواقف وقصده؛ فإن كان موجودًا سُئل عن نيته، وإن لم يكن موجودًا وقد مات؛ فيرجع إلى عُرْفه، وأهل بلده؛ فإن كانوا يريدون باللفظ المذكور أن يدخلوا أولاد البنات؛ دخلوا، وإن لم يقصدوهم؛ فلا يدخلوا في ذلك، والله أعلم، وإن لم يعلم لهم عرف؛ فالظاهر هو قول الشافعي ومن معه؛ لأنَّ ظاهر اللفظ يدل علىه، وبالله التوفيق.
وَمِثْلُ الخلافِ المذكور إذا قال: على عقبي أو نسلي أو ذريتي، وما أشبه ذلك. (٢)
تنبيه: محل الخلاف المذكور فيما إذا لم يوجد ما يدل على تعيين أحد الأمرين، فأما إن وجد ما يصرف اللفظ إلى أحدهما انصرف إليه. (٣)
مسألة [٥٢]: إذا وقف على بنيه فقط، فما الحكم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المقنع»: وإن وقف على بنيه أو بني فلان فهو للذكور خاصَّة. اهـ
стр. 3706
قال صاحب «الشرح الكبير» (٦/ ٢٥٠): هذا عند الجمهور، وبه قال الشافعي، وأصحاب الرأي، وقال الحسن، وإسحاق، وأبو ثور: هو للذكر والأنثى جميعًا؛ لأنه لو وقف على بني فلان، أو أوصى لهم وهم قبيلة؛ دخل فيه الذكر والأنثى. وقال الثوري: إن كانوا ذكورًا وإناثًا؛ فهو بينهم، وإن كن بنات لا ذكر معهن؛ فلا شيء لهن؛ لأنه متى اجتمع الذكور والإناث غلب لفظ التذكير، ودخل فيه الإناث كلفظ المسلمين.
قال: ولنا أنَّ لفظ البنين يختص بالذكور قال تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات:١٥٣]، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف:١٦]، قال: وإنما دخلوا في الاسم إذا صاروا قبيلة؛ لأنَّ الاسم نقل فيهم عن الحقيقة إلى العرف، ولهذا تقول المرأة: أنا من بني فلان. إذا انتسبت إلى القبيلة، ولا تقول ذلك إذا انتسبت إلى أبيها.
قال: فأما إن وقف على بناته، أو أوصى لهن؛ دخل فيه البنات دون غيرهن، ولا يدخل فيهن الخنثى المشكل؛ لأنه لا يعلم كونه أنثى، لا نعلم في ذلك خلافًا. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الشارح ﵀ ذكر المسألة بالنظر إلى الدخول في اللفظ، أم لا؟ ولا إشكال في ذلك. وأما عن حكم هذه المسألة: فبالنسبة للوصية للبنات؛ فإنه لا يجوز تخصيصهن بالوصية عن الذكور عند أهل العلم كما سيأتي
стр. 3707
بيانه إن شاء الله في كتاب الوصايا.
وأما الوقف: فظاهر نقل الشارح، وابن قدامة وغيرهما أن أكثر أهل العلم على صحة الوقف وإن خصَّه بالذكور دون الإناث، أو العكس، أو أعطاه بعض الذكور دون بعض.
لكن قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (١٦٥٤): والتسوية بين الولد فرضٌ في الحبس؛ لقول رسول الله ﷺ : «اعدلوا بين أولادكم» (١)؛ فإن خصَّ به بعض بنيه؛ فالحبس صحيح، ويدخل سائر الولد في الغلة، والسكنى مع الذي خصَّه، برهان ذلك أنهما فعلان متغايران بنص كلام رسول الله ﷺ ، أحدهما: تحبيس الأصل، فباللفظ تحبيسه يصح لله تعالى بائنًا عن مال المحبس. والثاني: التسبيل والصدقة؛ فإن وقع فيها حيف؛ رد، ولم يبطل خروج الأصل محبسًا لله ما دام الولد أحياء، فإذا مات المخصوص بالحبس؛ رجع إلى من عقب إليه بعده، وخرج سائر الولد عنه؛ لأنَّ المحاباة قد بطلت، وبالله التوفيق. اهـ
وقال الإمام الشوكاني ﵀ في «السيل» (٣/ ٣١٦): وأما الأوقاف التي يراد بها قطع ما أمر الله به أن يوصل، ومخالفة فرائض الله ؛ فهو باطل من أصله لا ينعقد بحال، وذلك كمن يقف على ذكور أولاده دون إناثهم، وما أشبه ذلك؛ فإنَّ هذا لم يرد التقرب إلى الله، بل أراد المخالفة لأحكام الله ، والمعاندة لما شرعه لعباده، وجعل هذا الوقف الطاغوتي ذريعة إلى ذلك المقصد
стр. 3708
الشيطاني، فليكن هذا منك على ذكر، فما أكثر وقوعه في هذه الأزمنة. انتهى المراد، وانظر بقية كلامه؛ فإنه مفيد.
وقد تابعه على ذلك صديق في «الروضة»، وقد رجَّح بطلان هذا الوقف الإمام ابن عثيمين ﵀ كما في «الشرح الممتع» (٤/ ٥٧٨) ط/الآثار، واستدل بالحديث: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، وهذا هو الراجح، والله أعلم.
تنبيه: مصرف الوقف على شرط الواقف من حيث القسمة على الموقوف عليهم، وفي التقديم والتأخير، والجمع والترتيب، والتسوية، والتفضيل، وفي الناظر فيه، والإنفاق عليه، وسائر أحواله.
ومقصودنا بـ (القسمة على الموقوف عليه)، أي: في تقدير الاستحقاق.
والمقصود بـ (التقديم والتأخير)، أي: البداءة ببعض أهل الوقف، وتأخير البعض.
والمقصود بـ (الجمع) جمع الاستحقاق مشتركًا في حالة واحدة.
والمقصود بـ (الترتيب) جعل استحقاق بطن مرتبًا على آخر، وهو مع (التأخير) متقارب، لكن المراد بالتأخير أنه لا يسقط إلا إذا لم يبق فضل؛ فإن بقي فضل؛ فهو له، وأما في (الترتيب) فهو عدم استحقاق المؤخر مع وجود المقدم.
والمقصود بـ (التسوية) جعل الريع بين أهل الوقف متساويًا.
стр. 3709
والمقصود بـ (التفضيل) جعله متفاوتًا. (١)
تنبيه آخر: يختلف أهل العلم في المراد ببعض ألفاظ الواقف، فمنهم من يعيدها إلى المعنى الشرعي، ومنهم من يعيدها إلى المعنى اللغوي. والأقرب هو قول من يعيدها إلى المعنى العرفي عند صاحب الوقف، والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ١٧٦): التحقيق أنَّ لفظ الواقف، والموصي، والناذر، والحالف، وكل عاقد، يُحمل على مذهبه وعادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها، وافق لغة العرب، أو لغة الشارع، أو لا، والعادة المستمرة والعرف المستقر في الوقف يدل على شرط الواقف أكثر مما يدل لفظه لاستفاضته. اهـ
مسألة [٥٣]: الوقف في مرض الموت .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢١٥ - ): وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَقْفَ فِي مَرَضِ المَوْتِ، بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ، فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ ثُلُثِ المَالِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، فَاعْتُبِرَ فِي مَرَضِ المَوْتِ مِنْ الثُّلُثِ، كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ؛ جَازَ مِنْ غَيْرِ رِضَى الْوَرَثَةِ وَلَزِمَ، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ؛ لَزِمَ الْوَقْفُ مِنْهُ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ، وَوَقَفَ الزَّائِدُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِلُزُومِ الْوَقْفِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّ الوَرَثَةِ تَعَلَّقَ بِالمَالِ بِوُجُودِ المَرَضِ، فَمَنَعَ التَّبَرُّعَ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ، كَالْعَطَايَا وَالْعِتْقِ. اهـ (٢)
стр. 3710
مسألة [٥٤]: ماذا يصنع بالوقف إذا تعطلت منافعه ؟
• مذهب أحمد ﵀ وأصحابه جواز بيع الوقف إذا تعطلت منافعه، ولم يمكن نقله إلى مكان آخر ينتفع به، ثم يشتري بالمال وقفًا مشابهاً له، يشتريه ثم يقفه لصاحب الوقف الأول، وهذا اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والشوكاني وغيرهم؛ لأنَّ المقصود من الوقف هو الانتفاع به، واستمرار ذلك صدقة لصاحبه، فإذا تعطل ذلك؛ فإنَّ المصلحة هي بيع ذلك الوقف حتى يشتري به ما ينتفع به.
• ومذهب مالك، والشافعي أنه لا يجوز بيع شيء من ذلك؛ لحديث عمر الذي في الباب.
قلتُ: والقول الأول هو الصحيح، وحديث عمر ليس فيه أنَّ المنافع إذا تعطلت أن الوقف لا يجوز بيعه، وقد رجَّح القول الأول الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي ﵏. (١)
فائدة: قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (١٧٦): ويجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان، وحتى ولو وقف على الفقهاء، واحتاج الناس إلى الجهاد؛ صُرف إلى الجند. اهـ
وقال الإمام الشوكاني ﵀ في «السيل» (٣/ ٣٣٦): قد تقرر أن الوقف ملك لله، محبس للانتفاع به، وما كان هكذا؛ فلا ينظر فيه إلى جانب الواقف إلا من جهة
стр. 3711
العناية بمصير ثواب وقفه إليه على أكمل الوجوه وأتمها، مهما كان ذلك ممكنًا، ومعلوم أن الاستبدال بالشيء إلى ما هو أصلح منه باعتبار الغرض المقصود من الوقف والفائدة المطلوبة من شرعيته؛ حسنٌ سائغٌ شرعًا وعقلًا؛ لأنه جلب مصلحة خالصة عن المعارض، وقد عرفناك غير مرة أن من عرف هذه الشريعة كما ينبغي وجدها مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، وههنا قد وجد المُقْتَضِي وهو جلب المصلحة بظهور الأرجحية وانتفاء المانع، وهو وجود المفسدة؛ فلم يبق شك ولا ريب في حسن الاستبدال. اهـ
فائدة أخرى: قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- كما في «الاختيارات» (ص ١٧٩): ومن وقف وقفًا مستقلًّا، ثم ظهر عليه دين، ولم يمكن وفاء الدين إلا ببيع شيء من الوقف، وهو في مرض الموت بِيعَ باتفاق العلماء، وإن كان الوقف في الصحة، فهل يباع لوفاء الدين؟ فيه خلاف في مذهب أحمد وغيره، وبيعه قوي.
قال في جامع «الاختيارات»: وظاهر كلام أبي العباس: (ولو كان الدين حادثًا بعد الوقف)، قال: وليس هذا بأبلغ من التدبير، وقد ثبت أن النبي ﷺ باع المدبر في الدين، والله أعلم. اهـ
مسألة [٥٥]: إذا أتلف أحد الوقف ؟
عليه ضمانه بالبدل، وهو موقوف مكان الأول على الصحيح من أقوال أهل العلم. (١)
стр. 3712
بَابُ الهِبَةِ وَالعُمْرَى والرُّقْبَى
مسألة [١]: تعريف الهبة .
قال صاحب «حاشية البيان» (٨/ ١٠٧): الهبة، وصدقة التطوع، والهدية، والعطية، من أنواع البر متقاربة، يجمعها تمليكٌ بلا عوض؛ فإن تمحض فيها طلب التقرب إلى الله تعالى بإعطاء محتاجٍ؛ فهي صدقة، وإن حملت إلى مكان المُهدَى إليه إكرامًا، وإعظامًا، وتوددًا؛ فهي هدية، وإلا فهبة، فكل صدقة وهدية وعطية هبة، ولا ينعكس، هذا ما ذكره أصحابنا في حدودها. اهـ
والهبة: مصدر وهب يهب، واسم الفاعل واهب، واسم المفعول موهوب، والموهوب له يقال له: متهب.
قال شيخ الإسلام ﵀: الصدقة ما يعطى لوجه الله عبادة محضة من غير قصد في شخص معين، ولا طلب غرض من جهته، لكن يوضع في مواضع الصدقة كأهل الحاجات، وأما الهدية فيقصد بها إكرام شخص معين، إما لمحبة، وإما لصداقة، وإما لطلب حاجة، ولهذا كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها، فلا يكون لأحد عليه مِنَّة، ولا يأكل أوساخ الناس التي يتطهرون بها من ذنوبهم، وهي الصدقات. اهـ «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٦٩). (١)
стр. 3713
مسألة [٢]: أيهما أفضل الهدية أم الصدقة ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ عقب التعريف السابق في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٦٩): وإذا تبين ذلك فالصدقة أفضل؛ إلا أن يكون في الهدية معنى تكون به أفضل من الصدقة، مثل الإهداء لرسول الله ﷺ في حياته محبة له، ومثل الإهداء لقريب يصل به رحمه، وأخٍ له في الله، فهذا قد يكون أفضل من الصدقة. اهـ
مسألة [٣]: متى تلزم الهبة ؟
• في هذه المسألة قولان لأهل العلم:
القول الأول: أنها تلزم بتلفظه بذلك، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد في رواية فيما إذا كان مكيلًا، أو موزونًا، وهو قول الظاهرية، واستدلوا على ذلك بحديث: «العائد في هبته كالكلب ... »، وقاسوه على العتق والوقف بجامع أنَّ كلًّا منها إزالة ملك بغير عوض.
القول الثاني: لا تلزم الصدقة والهدية إلا بقبضها من المهدى إليه، أو المتصدق عليه، أو وكيلهما، وهذا قول أحمد، والشافعي، والثوري، وأبي حنيفة، والحسن بن صالح، وعُزي إلى أكثر العلماء.
واستدلوا على ذلك بأنه قد صحَّ عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب القول بذلك كما في «موطإ» مالك، و «سنن البيهقي» وغيرهما، قالوا: ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. قالوا: ولا دليل على أنها تلزم بالتلفظ، والخبر: «العائد
стр. 3714
في هبته» لا يخالفه؛ لأنه لا يطلق عليها هبة حتى يقبضها، ولا يصح القياس المذكور؛ لأنَّ الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى والعتق إسقاط حقٍّ وليس بتمليك.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين، واللجنة الدائمة. (١)
مسألة [٤]: هل للواهب الخيار قبل القبض ؟
على القول الذي اخترناه أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض؛ فالواهب بالخيار قبل القبض، إن شاء أقبضها وأمضاها، وإن شاء رجع فيها ومنعها.
فإن قبضها الموهوب له بغير إذنه لم تتم الهبة، ولم يصح القبض عند الحنابلة، والشافعية، وهو الأقرب، وحُكي عن أبي حنيفة أنه إذا قبضها في المجلس صح، وإن لم يأذن له؛ لأنَّ الهبة قامت مقام الإذن في القبض؛ لكونها دالة على رضاه بالتمليك الذي لا يتم إلا بالقبض.
وأُجيب عن ذلك: بأنَّ التسليم ليس مستحقًّا على الواهب؛ فلا يصح التسليم إلا بإذنه، ولا يصح جعل الهبة إذنًا في القبض بدليل ما بعد المجلس.
ولو أذن الواهب في القبض ثم رجع عن الإذن أو رجع في الهبة؛ صحَّ رجوعه؛ لأنَّ ذلك ليس بقبض وإن رجع بعد القبض لم ينفع رجوعه؛ لأنَّ الهبة تمَّت. (٢)
стр. 3715
مسألة [٥]: إذا مات الواهب، أو الموهوب له ؟
أما إذا كان الموت بعد القبض فلا إشكال؛ لأنها قد صارت في ملك الموهوب له.
• وأما إذا كان الموت قبل القبض: فمذهب الحنابلة بطلان الهبة، وهو قول بعض الشافعية؛ لأنَّه إن كان الذي مات هو الواهب؛ فقد انتقل الملك إلى الورثة، وإن كان الذي مات هو الموهوب له؛ فلا يملكها؛ لأنه هو الذي وُهب له، وهو الذي يعتبر قبضه.
• وقال أبو الخطاب الحنبلي، وأكثر الشافعية: إذا مات الواهب؛ قام وارثه مقامه في الإذن في القبض والفسخ؛ لأنه عقد مآله إلى اللزوم؛ فلم ينفسخ بالموت كالبيع المشروط فيه الخيار.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصحيح؛ لأنَّ ملك الواهب زال بموته، وهذا الخلاف المذكور هو مفرع عن القول الذي اخترناه أنَّ الهبة لا تلزم إلا بالقبض. وأما من يقول: إنَّ الهبة تلزم بالعقد؛ فلا إشكال عندهم في صحة الهبة، ونفوذها، وإن مات أحدهما. (١)
مسألة [٦]: إذا وهبه شيئًا في يد المتهب كالوديعة والمغصوب ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الهبة تلزمه بمجرد العقد، والتلفظ بذلك، ولا يشترط مُضي مدة يتأتى فيها القبض، وهو قول أحمد في رواية، وقولٌ في