العناية بمصير ثواب وقفه إليه على أكمل الوجوه وأتمها، مهما كان ذلك ممكنًا، ومعلوم أن الاستبدال بالشيء إلى ما هو أصلح منه باعتبار الغرض المقصود من الوقف والفائدة المطلوبة من شرعيته؛ حسنٌ سائغٌ شرعًا وعقلًا؛ لأنه جلب مصلحة خالصة عن المعارض، وقد عرفناك غير مرة أن من عرف هذه الشريعة كما ينبغي وجدها مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، وههنا قد وجد المُقْتَضِي وهو جلب المصلحة بظهور الأرجحية وانتفاء المانع، وهو وجود المفسدة؛ فلم يبق شك ولا ريب في حسن الاستبدال. اهـ
فائدة أخرى: قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- كما في «الاختيارات» (ص ١٧٩): ومن وقف وقفًا مستقلًّا، ثم ظهر عليه دين، ولم يمكن وفاء الدين إلا ببيع شيء من الوقف، وهو في مرض الموت بِيعَ باتفاق العلماء، وإن كان الوقف في الصحة، فهل يباع لوفاء الدين؟ فيه خلاف في مذهب أحمد وغيره، وبيعه قوي.
قال في جامع «الاختيارات»: وظاهر كلام أبي العباس: (ولو كان الدين حادثًا بعد الوقف)، قال: وليس هذا بأبلغ من التدبير، وقد ثبت أن النبي ﷺ باع المدبر في الدين، والله أعلم. اهـ
مسألة [٥٥]: إذا أتلف أحد الوقف ؟
عليه ضمانه بالبدل، وهو موقوف مكان الأول على الصحيح من أقوال أهل العلم. (١)
стр. 3712
بَابُ الهِبَةِ وَالعُمْرَى والرُّقْبَى
مسألة [١]: تعريف الهبة .
قال صاحب «حاشية البيان» (٨/ ١٠٧): الهبة، وصدقة التطوع، والهدية، والعطية، من أنواع البر متقاربة، يجمعها تمليكٌ بلا عوض؛ فإن تمحض فيها طلب التقرب إلى الله تعالى بإعطاء محتاجٍ؛ فهي صدقة، وإن حملت إلى مكان المُهدَى إليه إكرامًا، وإعظامًا، وتوددًا؛ فهي هدية، وإلا فهبة، فكل صدقة وهدية وعطية هبة، ولا ينعكس، هذا ما ذكره أصحابنا في حدودها. اهـ
والهبة: مصدر وهب يهب، واسم الفاعل واهب، واسم المفعول موهوب، والموهوب له يقال له: متهب.
قال شيخ الإسلام ﵀: الصدقة ما يعطى لوجه الله عبادة محضة من غير قصد في شخص معين، ولا طلب غرض من جهته، لكن يوضع في مواضع الصدقة كأهل الحاجات، وأما الهدية فيقصد بها إكرام شخص معين، إما لمحبة، وإما لصداقة، وإما لطلب حاجة، ولهذا كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها، فلا يكون لأحد عليه مِنَّة، ولا يأكل أوساخ الناس التي يتطهرون بها من ذنوبهم، وهي الصدقات. اهـ «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٦٩). (١)
стр. 3713
مسألة [٢]: أيهما أفضل الهدية أم الصدقة ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ عقب التعريف السابق في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٦٩): وإذا تبين ذلك فالصدقة أفضل؛ إلا أن يكون في الهدية معنى تكون به أفضل من الصدقة، مثل الإهداء لرسول الله ﷺ في حياته محبة له، ومثل الإهداء لقريب يصل به رحمه، وأخٍ له في الله، فهذا قد يكون أفضل من الصدقة. اهـ
مسألة [٣]: متى تلزم الهبة ؟
• في هذه المسألة قولان لأهل العلم:
القول الأول: أنها تلزم بتلفظه بذلك، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد في رواية فيما إذا كان مكيلًا، أو موزونًا، وهو قول الظاهرية، واستدلوا على ذلك بحديث: «العائد في هبته كالكلب ... »، وقاسوه على العتق والوقف بجامع أنَّ كلًّا منها إزالة ملك بغير عوض.
القول الثاني: لا تلزم الصدقة والهدية إلا بقبضها من المهدى إليه، أو المتصدق عليه، أو وكيلهما، وهذا قول أحمد، والشافعي، والثوري، وأبي حنيفة، والحسن بن صالح، وعُزي إلى أكثر العلماء.
واستدلوا على ذلك بأنه قد صحَّ عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب القول بذلك كما في «موطإ» مالك، و «سنن البيهقي» وغيرهما، قالوا: ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. قالوا: ولا دليل على أنها تلزم بالتلفظ، والخبر: «العائد
стр. 3714
في هبته» لا يخالفه؛ لأنه لا يطلق عليها هبة حتى يقبضها، ولا يصح القياس المذكور؛ لأنَّ الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى والعتق إسقاط حقٍّ وليس بتمليك.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين، واللجنة الدائمة. (١)
مسألة [٤]: هل للواهب الخيار قبل القبض ؟
على القول الذي اخترناه أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض؛ فالواهب بالخيار قبل القبض، إن شاء أقبضها وأمضاها، وإن شاء رجع فيها ومنعها.
فإن قبضها الموهوب له بغير إذنه لم تتم الهبة، ولم يصح القبض عند الحنابلة، والشافعية، وهو الأقرب، وحُكي عن أبي حنيفة أنه إذا قبضها في المجلس صح، وإن لم يأذن له؛ لأنَّ الهبة قامت مقام الإذن في القبض؛ لكونها دالة على رضاه بالتمليك الذي لا يتم إلا بالقبض.
وأُجيب عن ذلك: بأنَّ التسليم ليس مستحقًّا على الواهب؛ فلا يصح التسليم إلا بإذنه، ولا يصح جعل الهبة إذنًا في القبض بدليل ما بعد المجلس.
ولو أذن الواهب في القبض ثم رجع عن الإذن أو رجع في الهبة؛ صحَّ رجوعه؛ لأنَّ ذلك ليس بقبض وإن رجع بعد القبض لم ينفع رجوعه؛ لأنَّ الهبة تمَّت. (٢)
стр. 3715
مسألة [٥]: إذا مات الواهب، أو الموهوب له ؟
أما إذا كان الموت بعد القبض فلا إشكال؛ لأنها قد صارت في ملك الموهوب له.
• وأما إذا كان الموت قبل القبض: فمذهب الحنابلة بطلان الهبة، وهو قول بعض الشافعية؛ لأنَّه إن كان الذي مات هو الواهب؛ فقد انتقل الملك إلى الورثة، وإن كان الذي مات هو الموهوب له؛ فلا يملكها؛ لأنه هو الذي وُهب له، وهو الذي يعتبر قبضه.
• وقال أبو الخطاب الحنبلي، وأكثر الشافعية: إذا مات الواهب؛ قام وارثه مقامه في الإذن في القبض والفسخ؛ لأنه عقد مآله إلى اللزوم؛ فلم ينفسخ بالموت كالبيع المشروط فيه الخيار.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصحيح؛ لأنَّ ملك الواهب زال بموته، وهذا الخلاف المذكور هو مفرع عن القول الذي اخترناه أنَّ الهبة لا تلزم إلا بالقبض. وأما من يقول: إنَّ الهبة تلزم بالعقد؛ فلا إشكال عندهم في صحة الهبة، ونفوذها، وإن مات أحدهما. (١)
مسألة [٦]: إذا وهبه شيئًا في يد المتهب كالوديعة والمغصوب ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الهبة تلزمه بمجرد العقد، والتلفظ بذلك، ولا يشترط مُضي مدة يتأتى فيها القبض، وهو قول أحمد في رواية، وقولٌ في
стр. 3716
مذهب الشافعي.
• وقال بعضهم: يشترط مُضي مدة يتأتى فيها القبض، وهو قول بعض الحنابلة، والشافعية، والقول الأول أظهر، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: هل يشترط في الهبة الإيجاب والقبول ؟
• اشترط ذلك بعض الفقهاء من الشافعية، والحنابلة، ومذهب مالك، والمشهور عن أحمد، وعليه أكثر أهل العلم عدم اشتراط ذلك، بل تصح الهبة بالمعاطاة، وبما يدل عليها من الألفاظ، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم وغيرهم. (٢)
مسألة [٨]: ضابط القبض .
القبض في الهبة كالقبض في البيع، ففيما لا ينقل، فبالتخلية بينه وبينه، وفيما ينقل بنقله، وفيما يتناول بتناوله. (٣)
مسألة [٩]: هل تصح هبة المشاع ؟
• أجاز ذلك أكثر أهل العلم، ومنع من ذلك أصحاب الرأي بحجة أنه لا يقبض، وأبى ذلك الجمهور، فقالوا: بل يمكن قبضه بالتخلية، وإن كان منقولًا؛
стр. 3717
فبتسليم الكل إليه، أو توكيل الشريك بقبضه. (١)
مسألة [١٠]: الهبة فيما لا يمكن تسليمه .
• مذهب الحنابلة، والحنفية، والشافعية أنه لا تصح الهبة فيما لا يمكن تسليمه، كالعبد الآبق، والجمل الشارد، والمغصوب لغير غاصبه ممن لا يقدر على أخذه؛ لأنَّ الهبة يشترط فيها القبض، وهذا لا يُستطاع قبضه.
لكن قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات»: واشتراط القدرة على التسليم هنا فيه نظر بخلاف ا لبيع. اهـ
قلتُ: وهو قول أبي ثور، ومقتضى قول مالك، فقد أجاز هبة المعدوم كما سيأتي، وهذا القول أقرب، والله أعلم؛ لأنَّ الهبة ليست عقد معاوضة حتى يشترط فيه ذلك، ونهي عن ذلك في البيع؛ لوجود الغرر، ولا غرر ههنا، وبالله التوفيق. (٢)
مسألة [١١]: هل تصح هبة الشيء المجهول ؟
• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة عدم صحة ذلك؛ لأنَّه عقد تمليك ناجز لا يصح عندهم بالشروط؛ فلا يصح في المجهول كالبيع.
• ومذهب مالك أنه تصح هبة المجهول، حتى جوَّز أن يهب غيره ما ورثه من فلان، وإن لم يعلم قدره، وإن لم يعلم أثُلثٌ هو أم ربع. وذلك لأنه تبرع؛ فيصح في المجهول كالنذر والوصية.
стр. 3718
قال شيخ الإسلام ﵀: ومذهب مالك في هذا أرجح. اهـ
قلتُ: وهو الصواب؛ ما لم يحصل غرر كبير على الواهب، كمخالفة الواقع لما غلب على ظنه مخالفة كبيرة، والله أعلم. (١)
مسألة [١٢]: هبة المعدوم الذي لم يوجد بعدُ ؟
• كأن يهبه ثمرة شجره في هذا العام، أو ما ستلد شاته بعد عام، وما أشبه ذلك، فمنع من ذلك أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة.
• وأجاز ذلك مالك، ورجَّحه شيخ الإسلام، وهو الصحيح، وأدلة الفريقين هي نفس الأدلة السابقة في المسألة الماضية، وهو اختيار ابن القيم أيضًا. (٢)
مسألة [١٣]: هبة الحمل وهو في بطن أمه، واللبن وهو في الضرع .
• منع من ذلك أيضًا أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة وغيرهم؛ لأنه مجهول معجوز عن تسليمه.
• ومذهب مالك صحة ذلك؛ لما تقدم، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم وغيرهما، وهو الصواب. (٣)
стр. 3719
مسألة [١٤]: تعليق الهبة على شرط .
• قال جماعة من الفقهاء بعدم صحة الهبة؛ لأنه تمليك ناجز، فينافي ذلك تعليقها بالشرط كالبيع.
• وذكر بعض الحنابلة جواز ذلك، واختاره شيخ الإسلام ﵀، وهو الصواب، ولا نعلم دليلًا يمنع ذلك، ولا نسلم لهم قياسهم؛ فإنه قياسٌ على محل نزاع أيضًا. (١)
مسألة [١٥]: تعليق الهبة بشرط ينافي التملك المطلق .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٥٠): وَإِنْ شَرَطَ فِي الْهِبَةِ شُرُوطًا تُنَافِي مُقْتَضَاهَا، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: وَهَبْتُك هَذَا، بِشَرْطِ أَنْ لَا تَهَبَهُ، أَوْ لَا تَبِيعَهُ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ تَهَبَهُ أَوْ تَبِيعَهُ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ تَهَبَ فُلَانًا شَيْئًا؛ لَمْ يَصِحُّ الشَّرْطُ، وَفِي صِحَّةِ الْهِبَةِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ. اهـ
قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف» (٧/ ١٢٤): الشرط باطلٌ بلا نزاع، والصحيح من المذهب صحة الهبة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم في البيوع تحت حديث (٧٧٥) حكم ما إذا اشترط ذلك في المبيع، وقد اخترنا هنالك قول شيخ الإسلام، وابن القيم بأنَّ ذلك جائز وصحيح إذا كان للبائع غرض صحيح.
стр. 3720
وأقولُ: ههنا أولى بصحة الشرط إذا كان للواهب غرض صحيح؛ لأنَّ البيع عقد معاوضة، والهبة عقد تبرع، ومثال الغرض الصحيح أن يقول: أهب لك هذا المسجل بشرط أن لا تهبه لفلان المبتدع. والله أعلى وأعلم. (١)
مسألة [١٦]: إذا وهب أمةً، أو شاةً، واستثنى ما في بطنها ؟
قال أبو محمد بن قدامة المقدسي ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٥٠): وَإِنْ وَهَبَ أَمَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا؛ صَحَّ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ، فِي مَنْ أَعْتَقَ أَمَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالْأُمِّ دُونَ مَا فِي بَطْنِهَا، فَأَشْبَهَ الْعِتْقَ. وَبِهِ يَقُولُ فِي الْعِتْقِ النَّخَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تَصِحُّ الْهِبَةُ، وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَهَبْ الْوَلَدَ؛ فَلَمْ يَمْلِكْ الْمَوْهُوبُ لَهُ، كَالْمُنْفَصِلِ، وَكَالْمُوصَى بِهِ. اهـ
مسألة [١٧]: تقييد الهبة بالوقت .
• منع من ذلك كثير من الفقهاء؛ لأنه عقد تمليك لعين فلا يصح مؤقتًا كالبيع.
• وذكر بعض الحنابلة الجواز، واختاره شيخ الإسلام ﵀، وهو الصواب؛ لأنه شرط لا ينافي دليلًا شرعيًّا، والمسلمون على شروطهم، ويدل على صحته صحة العُمْرَى المشترط رجوعها على الصحيح من قولي العلماء أيضًا كما سيأتي بيانه إن شاء الله. (٢)
стр. 3721
مسألة [١٨]: إذا كان له دين في ذمة إنسان، فوهبه له ؟
قال أبو محمد بن قدامة المقدسي ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٥٠): وَإِذَا كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ إنْسَانٍ دَيْنٌ، فَوَهَبَهُ لَهُ، أَوْ أَبْرَأْهُ مِنْهُ، أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ؛ صَحَّ، وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الْغَرِيمِ مِنْهُ، وَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْقَبُولِ، كَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ، وَالشُّفْعَةِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَكَالْعِتْقِ، وَالطَّلَاقِ.
وَإِنْ قَالَ: تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْك. صَحَّ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ وَرَدَ فِي الْإِبْرَاءِ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ، بِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء:٩٢]، وَإِنْ قَالَ: عَفَوْت لَك عَنْهُ. صَحَّ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]، يَعْنِي بِهِ الْإِبْرَاءَ مِنْ الصَّدَاقِ، وَإِنْ قَالَ: أَسْقَطْتُهُ عَنْك. صَحَّ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ. وَإِنْ قَالَ: مَلَّكْتُك إيَّاهُ. صَحَّ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ هِبَتِهِ إيَّاهُ. اهـ
قلتُ: وهذا واضحٌ إن شاء الله، وقد قال ابن حزم: لا يصح ذلك بلفظ (الهبة)؛ لأنَّ الهبة لا تكون إلا في موجود عنده، وهذا معدوم، ولا يجوز عنده بلفظ الإعطاء، وإنما يجوز بلفظ الإبراء، والإسقاط، والوضع، والتصدق.
وقوله غير صحيح؛ لأنَّ العبرة بالمعاني في هذا الباب لا بالألفاظ، والله أعلم.
وأما قول ابن قدامة ﵀ بسقوط الدين وإن لم يقبل المَدين هذه الهبة، ففيه نظر. (١)
стр. 3722
مسألة [١٩]: إذا وهب الدين لغير من هو في ذمته، أو باعه إياه ؟
• قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٢٥١): وَإِنْ وَهَبَ الدَّيْنَ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ؛ لَمْ يَصِحَّ. وَبِهِ قَالَ فِي الْبَيْعِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا كَانَ لَك عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ قَرْضًا، فَبِعْهُ مِنْ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ بِنَقْدٍ، وَلَا تَبِعْهُ مِنْ غَيْرِهِ بِنَقْدٍ وَلَا نَسِيئَةٍ، وَإِذَا أَقْرَضْت رَجُلًا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، فَلَا تَأْخُذْ مِنْ غَيْرِهِ عَرَضًا بِمَا لَك عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى مُعْسِرٍ، أَوْ مُمَاطِلٍ، أَوْ جَاحِدٍ لَهُ؛ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ مَعْجُوزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَلِيْئٍ بَاذِلٍ لَهُ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ ابْتَاعَ بِمَالٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِعَيْنٍ، أَوْ يَتَقَابَضَانِ فِي المَجْلِسِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَبَيْعِ الْآبِقِ.
قال: فَأَمَّا هِبَتُهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَصِحَّ، كَالْبَيْعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهَا عَلَى المُتَّهَبِ، وَلَا الْوَاهِبِ، فَتَصِحُّ، كَهِبَةِ الْأَعْيَانِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: أمَّا الهبة فلا شك عندي في جوازها؛ لأنه لا غرر فيها على أحد الطرفين. وأمَّا البيع: فالصحيح ما قاله أحمد ﵀؛ لأنه لو باعه لغير من هو في ذمته؛ فإن كان نقدًا بنقدٍ دخل في الصرف بدون مقابضة، وذلك ربا، وإن كان عرضًا بنقد، أو نقدٍ بعرض؛ فقد يدخل في (ربح مالم يضمن)، وهو منهي عنه. وقد يدخل في ما لم يمكن تسليمه، أو في الغرر.
стр. 3723
مسألة [٢٠]: البراءة من المجهول هل تصح ؟
• مذهب الحنابلة أنها تصح إذا لم يكن لهما سبيل إلى معرفته، قالوا: فإن كان يُستطاع معرفة قدر المال؛ فلا تصح البراءة حتى يعلم قدر المال، وكذلك إن عَلِم الذي عليه الحق بقدر المال، وكتم ذلك من صاحب الحق؛ خوفًا من أنه إذا علم بقدره لم يسمح بإبرائه منه؛ فلا يصح عندهم أيضًا.
• ومذهب أبي حنيفة، ومالك صحة ذلك مطلقًا؛ لأنه تبرع بحقه، وليس بمعاوضة حتى يشترط معرفة القدر.
• ومذهب الشافعي عدم الصحة مطلقًا، إلا أن يقيد الإبراء فيقول مثلًا: أبرأتك من درهم إلى ألف. وحجته وجود الغرر في ذلك، و قاسه على البيع.
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الحنابلة هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢١]: إذا وُهِب للطفل هبة فمن يقبضها له ؟
قال أبو محمد المقدسي ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٥٢ - ٢٥٣): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الطِّفْلَ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، وَوَلِيُّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ أَمِينٌ، فَهُوَ وَلِيُّهُ؛ لِأَنَّهُ أَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَأَقْرَبُ إلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ أَبُوهُ الْأَمِينُ، وَلَهُ وَصِيٌّ، فَوَلِيُّهُ وَصِيُّهُ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَقَامَهُ مُقَامَ نَفْسِهِ، فَجَرَى مَجْرَى وَكِيلِهِ. وَإِنْ كَانَ الْأَبُ غَيْرَ مَأْمُونٍ؛ لِفِسْقِ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ
٩٢٠ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إنِّي نَحَلْت ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْته مِثْلَ هَذَا؟» فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَارْجِعْهُ». وَفِي لَفْظٍ: فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ: «أَفَعَلْت هَذَا بِوَلَدِك كُلِّهِمْ؟» قَالَ لَا، قَالَ: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ». فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي». ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّك أَنْ يَكُونُوا لَك فِي البِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إذَنْ». (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم التفضيل بين الأولاد في العطية .
• ذهب جماعةٌ من العلماء إلى وجوب العدل بين الأولاد في العطية، والهبة، وتحريم التفضيل بينهم، وهو قول طاوس، وعروة، ومجاهد، والثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، والبخاري، واستدلوا على ذلك بحديث النعمان بن بشير الذي في الباب، وفي رواية له في «الصحيحين»: «لا تشهدني على جور»، ولمسلم (١٦٢٤) من حديث جابر: «لا أشهد إلا على حق»، وهو قول بعض المالكية.
• وذهب الجمهور إلى أنَّ العدل بين الأولاد مستحب وليس واجبًا، وهو قول
стр. 3727
شريح، وجابر بن زيد، والحسن بن صالح، ومالك، والليث، والشافعي، وأصحاب الرأي، وقالوا: إذا فَضَّل؛ صح وكُره. واحتجوا على ذلك بقوله في حديث النعمان: «أشهد على هذا غيري» ذكر هذا بعضهم، واستدل لهم أيضًا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ألا سويت بينهم» رواه النسائي (٣٦٨٥) بإسناد ظاهره الصحة؛ فإن ظاهره أنه من باب الأفضلية.
واستدلوا أيضًا على ذلك بأنَّ أبا بكر نحل عائشة ابنته جذاذ عشرين وسقًا دون سائر ولده. أخرجه مالك في «الموطإ» (٢/ ٧٥٢) بإسناد صحيح.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لصراحة ألفاظ الحديث في ذلك، فقد سمَّاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جورًا، وقال: «اعدلوا بين أولادكم»، وقال: «لا أشهد إلا على حق»، وهذا يدل على أنَّ التفضيل باطل.
وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ثم ابن القيم، ثم الصنعاني، ثم الشوكاني، ثم اللجنة الدائمة، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم أجمعين.
وقد أجاب الجمهور عن حديث النعمان بتأويلات ضعيفة، أوردها الحافظ في «الفتح» مع الرد عليها.
وأما أثر أبي بكر الصديق ﵁، فقال الحافظ في «الفتح»: أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك.
стр. 3728
قال ابن قدامة ﵀: ويحتمل أن يكون قد نحلها، ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها.
قال: ويتعين حمله على أحد هذه الوجوه؛ لأنَّ حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من حال أبي بكر اجتناب المكروهات، وأما قوله: «فأشهد على هذا غيري» يدل على أنَّ هذا الأمر للتوبيخ، وليس للإباحة، ويدل على ذلك بقية ألفاظ الحديث، وكيف يجوز أن يأمره بتأكيده بالإشهاد مع أمره برده، وتسميته إياه جورًا. وَحَمْلُ الحديث على هذا حملٌ لحديث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على التناقض والتضاد.
وأما قوله: «ألا سويت بينهم»، فقال الحافظ: هذا جيد، لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على هذه اللفظة، ولاسيما أنَّ تلك الرواية بعينها وردت بصيغة الأمر أيضًا حيث قال: «سَوِّ بَيْنَهم».اهـ
قلتُ: والرواية الثانية صحيحة أيضًا، وهي عند النسائي (٣٦٨٦)، وأحمد (٤/ ٢٦٨) وغيرهما. (١)
مسألة [٢]: إذا فضل بعض ولده، فهل الهبة باطلة ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٢٥٨٧) -بعد أن ذكر القائلين بالوجوب-: ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة، وعن أحمد أنها تصح، ويجب أن يرجع. اهـ
стр. 3729
قلتُ: وممن قال بالبطلان عروة بن الزبير، وإسحاق، وهو قول أحمد في رواية، واختار هذا بعض أصحابه منهم: ابن بطة، وأبو حفص، وشيخ الإسلام ﵀، ورجَّح ذلك الصنعاني، والشوكاني؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سمَّاها جورًا، وقال: «لا أشهد إلا على حق»، و «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀، وعلى هذا القول فإنه يجب عليه الرجوع فيها؛ فإن لم يفعل حتى مات؛ فللورثة أن يرتجعوا ما وهبه.
والرواية الأخرى التي عند أحمد أنها تصح، وعليه الرجوع، فإذا مات فليس للورثة الرجوع، وهو قول الجمهور؛ لأنهم لا يرون تحريم التفضيل، واستدل لهذا القول بقوله: «فارجعه»، فقالوا: هذا يدل على صحة الهبة، فيحتاج إلى رجوع فيها.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح»: وفي الاحتجاج بذلك نظر، والذي يظهر أن معنى قوله «ارجعه»، أي: لا تمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول بالبطلان أظهر، والله أعلى وأعلم. (١)
تنبيه: القائلون بجواز التفضيل يكرهون ذلك، ويستحبون التسوية، قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٥٩): ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية حتى قال إبراهيم: كانوا يستحبون أن يسووا بينهم حتى في القُبَل. اهـ
стр. 3730
مسألة [٣]: ضابط العدل بين الأولاد .
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ العدل في العطية أن يعطيهم كالميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا قول عطاء، وشريح، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وبعض الشافعية، والمالكية، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وهو ظاهر اختيار الشوكاني في «وبل الغمام»، وعمدتهم أنَّ هذه قسمة الله للميراث، ولا أعدل من قسمة الله ، والهبة والعطية للأولاد هي عبارة عن تعجيل لما سيستحقونه بعد موت مورثهم؛ فلا يصح مخالفة القسمة المذكورة بسبب التعجيل.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ العدل في العطية أن يسوي بينهم في مقدار العطاء، وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وابن المبارك. واستدل أهل هذا القول برواية النسائي المتقدمة: «سوِّ بينهم»، واستدلوا بحديث: «سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلًا أحدًا؛ لفضلت النساء» أخرجه الطبراني (١١٩٩٧)، والبيهقي (٦/ ١٧٧)، من طريق: سعيد بن يوسف الرحبي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا به، وهو حديث ضعيفٌ منكر، وسبب ضعفه سعيد بن يوسف؛ فإنه ضعيف، قال ابن أبي عدي في ترجمته: ليس له أنكر من هذا الحديث. اهـ
وقد خالفه الأوزاعي فرواه عن يحيى بن أبي كثير عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معضلًا، أخرجه كذلك سعيد بن منصور وغيره، فرواية سعيد بن يوسف منكرة، والله أعلم. (١)
стр. 3731
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب -والله أعلم-، وأما رواية: «سو بينهم» فهي رواية ظاهر إسنادها الاحتجاج، ولكن أكثر طرق الحديث فيه الأمر بالعدل، ولو سلم صحتها؛ لكان المراد بها الأمر بالتسوية في العطية دون تعرض للمقدار، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: هل يشمل الأمر بالعدل في العطية غير الأولاد من الأقارب ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٦٠): وليس عليه التسوية بين سائر أقاربه، ولا إعطاؤهم على قدر مواريثهم، سواء كانوا من جهة واحدة، كإخوة وأخوات، وأعمام وبني عم، أو من جهات كبنات وأخوات وغيرهم. اهـ
وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ١٨٥): ولا يجب التسوية بين سائر الأقارب الذين لا يرثون كالأعمام والإخوة مع وجود الأب. اهـ
مسألة [٥]: هل يجب على الأم أيضًا العدل في العطية لأولادها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٦١): والأم في المنع من المفاضلة بين الأولاد، كالأب؛ لقول النبي ﷺ : «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، ولأنها أحد الوالدين، فمنعت التفضيل كالأب، ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من الحسد والعداوة يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها، فثبت لها مثل حكمه في ذلك. اهـ
стр. 3732
٩٢١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ». (١)
٩٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ،
٩٢٣ - وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَا: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ العَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا، إلَّا الوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم رجوع غير الأب في هبته .
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى تحريم ذلك، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور وغيرهم، واستدلوا على ذلك بالحديثين المذكورين، وعزا الحافظ هذا القول للجمهور.
стр. 3733
• وذهب بعضهم إلى أنَّ الواهب له الرجوع؛ إلا إن كانت الهبة لذي رحم، أو أثيب عليها، فليس له الرجوع في إحدى هاتين الحالتين، وهذا قول النخعي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
واحتجوا على ذلك بحديث: «من وهب هبة فهو أحق بها؛ مالم يثب عليها»، وهو حديث ضعيف مرفوعًا، وسنبين إن شاء الله سبب ضعفه في آخر هذا الباب، ولكن صحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁ كما في «موطإ» مالك أنه قال: من وهب هبة أراد بها صلة رحم، أو على وجه الصدقة؛ فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة أراد بها الثواب؛ فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها. رواه مالك (٢/ ٧٥٤).
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وقول عمر يحمل على من اشترط ذلك قولًا، أو عرفًا، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: رجوع الأب في الهبة .
• له الرجوع في الهبة عند جمهور العلماء، سواء كان لقصد التسوية أو لغير ذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي، وأبي ثور، واستدلوا بحديث النعمان ابن بشير الذي في أول الباب، وبحديث ابن عباس، وابن عمر المتقدم: « .. إلا الوالد فيما يُعطي ولده».
• وذهب بعضهم إلى أنه ليس له الرجوع، وهو قول أصحاب الرأي، والثوري، والعنبري، وأحمد في رواية؛ لحديث: «العائد في هبته كالعائد في قيئه».
стр. 3734
وأُجيب عن استدلالهم هذا: بأنه عامٌّ مخصوص بأدلة الجمهور المتقدمة، وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: هل للأم الرجوع في الهبة التي و هبتها لولدها ؟
• مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنَّ لها الرجوع كالأب، وهو قول ابن حزم، وعزاه الحافظ للجمهور.
واستدلوا على ذلك بالحديث: «إلا الوالد فيما يعطي ولده»، فأدخلوها في جنس (الوالد)؛ تغليبًا. وبعضهم شركها في هذا الحكم بالقياس، وقالوا: لها الحق من أولادها كالأب وأكثر.
• ومذهب أحمد وأكثر أصحابه أن الأم ليس لها الرجوع؛ لأنَّ الأب هو الذي يكتسب، وولده من كسبه، وفي الحديث: «أنت ومالك لأبيك» (٢)، ولأنَّ الأم لم يأت نص في جواز الرجوع لها في ذلك.
• وقال مالك: إن كان أبوه حيًّا فلها الرجوع، وإن كان ميتًا فلا رجوع لها؛ لأنها هبة ليتيم، وهبة اليتيم لازمة كصدقة التطوع.
قلتُ: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول. (٣)
стр. 3735
مسألة [٤]: هبة الرجل لزوجته والمرأة لزوجها، هل لهما الرجوع فيها ؟
أما الزوج فليس له الرجوع عند أهل العلم، وقال ابن قدامة: على قولهم جميعًا.
وأما الزوجة فاختلف أهل العلم هل لها الرجوع أم لا؟ على أقوال:
• فمذهب الجمهور أنها ليس لها الرجوع، وهو قول عمر بن عبد العزيز، والنخعي، وربيعة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، والبخاري وغيرهم؛ لعموم حديث: «العائد في هبته كالعائد في قيئه»، وحديث: «لا يحل لأحد أن يعطي العطية، ثم يرجع فيها».
• وذهب شريح، والشعبي، وأحمد في رواية إلى أنَّ لها الرجوع.
وأخرج عبد الرزاق (٩/ ١١٥) من طريق: سليمان الشيباني عن محمد بن عبد الله الثقفي عن عمر قال: إنَّ النساء يُعْطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت. قال الحافظ: إسناده منقطع.
وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: رأيت القضاة يقيلون المرأة فيما وهبت لزوجها، ولا يقيلون الزوج فيما وهب لأمرأته.
• وعن شريح، والزهري أنَّ لها الرجوع إن كان غرَّها وخدعها، وهو صحيح عنهما.
• وعن أحمد رواية: إن كان الموهوب مهرها، وسألها؛ فلها الرجوع، وإلا فلا.
стр. 3736
قال أبو عبد الله غفر الله له: إن كان غَرَّها، وخدعها، وزخرف لها القول؛ فلها الرجوع؛ وإلا فلا، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: شروط رجوع الأب في الهبة .
ذكر القائلون بأنَّ للأب الرجوع في الهبة شروطًا في ذلك، وفي بعضها اختلاف:
الشرط الأول: أن تكون الهبة باقية في ملك الابن.
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٦٤) -بعد أن ذكر هذا الشرط-: فَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ، بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، أَوْ وَقْفٍ، أَوْ إرْثٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إبْطَالٌ لِمِلْكِ غَيْرِ الْوَلَدِ.
قال: وَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، كَبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ إرْثٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا عَادَتْ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ لَمْ يَسْتَفِدْهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، فَلَا يَمْلِكُ فَسْخَهُ وَإِزَالَتَهُ، كَاَلَّذِي لَمْ يَكُنْ مَوْهُوبًا لَهُ.
قال: وَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ بِفَسْخِ الْبَيْعِ، لِعَيْبٍ، أَوْ إقَالَةٍ، أَوْ فَلَسِ الْمُشْتَرِي، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُزِيلَ ارْتَفَعَ، وَعَادَ الْمِلْكُ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ. وَالثَّانِي: لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ مِلْكِ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ عَلَيْهِ،
стр. 3737
فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَ إلَيْهِ بِهِبَةٍ. فَأَمَّا إنْ عَادَ إلَيْهِ لِلْفَسْخِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ، أَوْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ. اهـ
قلتُ: الذي يظهر أنَّ له الرجوع فيها؛ لعموم الحديث، والله أعلم.
الشرط الثاني: أن تكون الهبة باقية في تصرف الولد.
وذلك كما إذا رهن العين الموهوبة، أو أفلس وحجر عليه؛ فلا يملك الأب الرجوع فيها؛ لأنَّ في ذلك إبطالًا لحق غير الولد؛ فإنْ زال المانع من التصرف فله الرجوع. (١)
الشرط الثالث: أن لا يتعلق بها رغبة لغير الولد.
وذلك مثل أن يهب ولده شيئًا، فيرغب الناس في معاملته، فيعطونه السلع دينًا، أو رغبوا في مناكحته، فزوجوه إن كان ذكرًا، أو تزوجت الأنثى لذلك، ففي هذه المسألة قولان:
الأول: اشتراط ذلك؛ فإنْ حصل ذلك فليس له الرجوع، وهذا قول مالك، وأحمد في رواية، وإسحاق؛ لأنه تعلق به حق غير الابن، وفي الحديث: «لا ضرر ولا ضرار»، وهذا ظاهر اختيار شيخ الإسلام.
الثاني: لا يشترط ذلك، وله الرجوع، وإن حصل ذلك؛ لعموم حديث: «إلا الوالد فيما يعطي ولده»، وهو قول أحمد في رواية، وابن حزم.
стр. 3738
قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي -والله أعلم- أنه إن كان الأب يعلم ذلك فوهب له ذلك من أجل ذلك؛ فلا رجوع له وإلا فله أن يرجع، والله أعلم. (١)
الشرط الرابع: أن لا تزيد العين الموهوبة زيادة متصلة.
وذلك مثل سمن الشاة، وكبر العبد، أو الشجر، وما أشبه ذلك، ففي اشتراط ذلك قولان لأهل العلم:
الأول: اشتراط ذلك؛ فليس له الرجوع إذا حصل ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في رواية، وذلك لأنَّ الزيادة ملك للولد، فلم يملك الوالد الرجوع فيها، وإذا امتنع الرجوع فيها امتنع الرجوع في الأصل؛ لئلا يفضي إلى سوء المشاركة، وضرر التشقيص.
الثاني: عدم اشتراط ذلك، وله الرجوع فيها إذا حصل ذلك فيها، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنها زيادة في الموهوب، فلم تمنع الرجوع كالزيادة قبل القبض، وكالزيادة المنفصلة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر أنَّ الزيادة إذا كانت كثيرة وكبيرة؛ فلا رجوع له؛ لأنها أشبهت الهبة إذا تغيرت إلى شيء آخر، كالخشب يجعله بابًا، والحب يجعله زرعًا؛ فليس له الرجوع، وما ههنا شبيه به، وأما إن كانت الزيادة قليلة؛ فله الرجوع، والله أعلم.
стр. 3739
تنبيه: الزيادة المنفصلة كولد الشاة إذا حملت عند الولد، ثم ولدت، لا تمنع الرجوع؛ فللوالد أن يرجع في الأم، وأما ولد الشاة فهو للولد عند أكثر أهل العلم؛ لأنها حصلت في ملكه، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: إن تلف بعض العين، أو نقصت قيمتها، فهل للأب الرجوع ؟
ذكر أهل العلم أنَّ له الرجوع؛ لأنه لم يتعلق فيها حق للولد، بل نقص منها، وليس على الابن ضمان فيما تلف منها؛ لأنها تتلف على ملكه. (٢)
فائدة: لا يفتقر الرجوع في الهبة إلى حكم حاكم عند أحمد، والشافعي وغيرهما، وهو الصحيح، خلافًا لأبي حنيفة. (٣)
مسألة [٧]: هل يفتقر الرجوع إلى تلفظ، أو يقع الرجوع بالفعل ؟
أما إذا تلفظ ببعض الألفاظ الدالة على الرجوع؛ وقع الرجوع عند الحنابلة، والشافعية وغيرهم.
وأما إن أخذ ما وهبه لولده؛ فإنْ نوى به الرجوع كان رجوعًا، والقول قوله في نيته، وإن لم يُعْلَم: هل نوى الرجوع أو لا؟ وكان ذلك بعد موت الأب؛ فإن لم توجد قرينة تدل على الرجوع؛ لم يحكم بكونه رجوعًا؛ لأنَّ الأخذ يحتمل الرجوع وغيره، فلا نزيل حكمًا يقينيًّا بأمر مشكوك فيه.
стр. 3740
• وإن اقترنت به قرائن تدل على الرجوع ففيه خلاف: فمنهم من قال: يكون رجوعًا. وهو قول بعض الحنابلة؛ حكمًا بدلالة القرائن. ومنهم من قال: لا يكون رجوعًا. تقديمًا لحكم الأصل، وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة.
والأقرب أنه يحكم بكونه رجوعًا، والله أعلم. (١)
فائدة: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٦٩): وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ؛ لَمْ يَحْصُلْ الرُّجُوعُ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ الْمِلِكِ عَلَى مَالٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ. وَإِنْ عَلَّقَ الرُّجُوعَ بِشَرْطٍ، فَقَالَ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ رَجَعْت فِي الْهِبَةِ. لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لِلْعَقْدِ لَا يَقِفُ عَلَى شَرْطٍ، كَمَا لَا يَقِفُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ. اهـ
مسألة [٨]: هل للوالد أن يأخذ من مال ولده ويتملكه ؟
• مذهب أحمد وأصحابه أنَّ للوالد أن يأخذ من مال ولده ما شاء، ويتملكه مع الحاجة وعدمها، صغيرًا كان الولد أو كبيرًا، بشرط أن لا يجحف بالابن ويَضرَّ به، أو يأخذ شيئًا تتعلق به حاجته، وأن لا يأخذ من مال ولدٍ ويعطيه لآخر.
دليلهم على أنَّ له الأخذ قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أنت ومالك لأبيك»، وهو حديث ثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- له طرق يصح بها، واستدلوا بحديث: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم»، وهو حديث ثابت أيضًا. (٢)
стр. 3741
واستدلوا بأنه ليس له أن يجحف به أو يأخذ ما تعلقت به حاجته بحديث: «لا ضرر ولا ضرار». واستدلوا بأنه ليس له أن يأخذ من ولد ويعطي آخر بأنه منهي عن التفضيل في الهبة، فهذا من باب أولى.
وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما.
• وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة إلى أنَّ الأب ليس له الأخذ من مال ولده بغير حاجة، وإذا احتاج؛ فليس له الأخذ إلا بقدر حاجته.
واستدلوا بحديث: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام .. » (١)، وبحديث: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه». (٢)
قال أبو عبد الله غفر الله له: الولد يملك ماله، وليس للأب منه إلا حاجته وكفايته؛ فإنَّ الشرع جعل للأب في الميراث السدس، وهو في حال موت ولده أحوج منه للمال في حال حياته؛ فدل على أنه ليس للأب أن يأخذ من مال ولده أكثر من حاجته إلا بطيب نفس منه، وأما الحديثان اللذان استدل بهما أهل القول الأول فمحمول على قدر الحاجة؛ جمعًا بين الأدلة، والله أعلم. (٣)
مسألة [٩]: هل للابن مطالبة أباه بالدين ؟
• مذهب أحمد، والزبير بن بكار، وسفيان بن عيينة وغيرهم أنه ليس له مطالبة
стр. 3742
أبيه بدين عليه؛ للحديث السابق: «أنت ومالك لأبيك».
• ومذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة أنَّ له ذلك؛ لأنه ماله، وهو دين ثابت؛ فجاز مطالبته، كدين غير الأب.
وأجاب أهل القول الأول: بأنَّ المال أحد نوعي الحقوق؛ فلم يملك مطالبة أبيه بها كحقوق الأبدان، ويفارق الأب غيره بما ثبت له من الحق على ولده.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب، إذا كان الأب موسرًا، وتكون المطالبة برفق، وإحسان، وأدب، والذي يظهر أن الذين منعوا مقصودهم بالمطالبة الممنوعة هو الإغلاظ في ذلك، والمخاصمة عليه، وأما التعريض والسؤال المصحوب بالأدب، والتوقير، فله ذلك والله أعلم؛ فإنه له ذلك في مال أبيه، فماله الذي هو دين عند أبيه من باب أولى، وبالله التوفيق.
فائدة: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٧٤ - ٢٧٥): وَإِنْ مَاتَ الِابْنُ، فَانْتَقَلَ الدَّيْنُ إلَى وَرَثَتِهِ؛ لَمْ يَمْلِكُوا مُطَالَبَةَ الْأَبِ بِهِ؛ لِأَنَّ مَوْرُوثَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ، فَهُمْ أَوْلَى. وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ؛ رَجَعَ الِابْنُ فِي تَرِكَتِهِ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الْأَبِ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَتْ الْمُطَالَبَةُ. اهـ
مسألة [١٠]: تصرف الأب في مال ولده قبل تملكه ؟
قال أبو محمد ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٧٥): وَإِنْ تَصَرَّفَ الْأَبُ فِي مَالِ الِابْنِ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ عِتْقُ الْأَبِ لِعَبْدِ
الْحَدُّ لِلشَّبَهِ. وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ مُطَالَبَتُهُ بِشَيْءٍ مِنْ قِيمَتِهَا، وَلَا قِيمَةِ وَلَدِهَا وَلَا مَهْرِهَا. اهـ
مسألة [١٢]: الهبة في مرض الموت، هل تنفذ ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ (٨/ ٢٧١): الْعَطَايَا فِي مَرَضِ المَوْتِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ فِي أَنَّهَا تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ إذَا كَانَتْ لِأَجْنَبِيٍّ إجْمَاعًا، فَكَذَلِكَ لَا تَنْفُذُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ حُكْمَ الْهِبَاتِ فِي المَرَضِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ الْوَاهِبُ حُكْمُ الْوَصَايَا، هَذَا مَذْهَبُ المَدَنِي، وَالشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّ. انتهى المراد.
قال أبو عبد الله غفر الله له: ودليل المسألة حديث عمران بن حصين ﵄، أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا. أخرجه مسلم برقم (١٦٦٨). (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: هل الهبة المطلقة تقتضي الثواب ؟
• مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم أنها لا تقتضي الثواب، سواء كانت لإنسان مثله، أو دونه، أو أعلى منه؛ لأنها عطية على وجه التبرع، فلم تقتض ثوابًا، كالصدقة والوصية؛ فإن عوضه عنها كانت هبة مبتدأة، لا عوضًا، أيهما أصاب عيبًا لم يكن له الرد. وإن خرجت مستحقة؛ أخذها صاحبها ولم يرجع الموهوب له ببدلها.
• ومذهب مالك، والشافعي في قولٍ أنَّ الهبة إن كانت لأعلى منه؛ فإنها تقتضي الثواب، واستدلوا بحديث الباب، وبقول عمر: ومن وهب هبة أراد بها الثواب؛ فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها. أخرجه مالك (٢/ ٧٥٤) بإسناد صحيح.
قلتُ: والقول الأول هو الصواب، وليس في أدلتهم ما يدل على ما ذكروه، بل هي محمولة على من اشترط الثواب لفظًا، أو عرفًا، والله أعلم. (١)
стр. 3747
مسألة [٢]: إذا اشترط على هبته الثواب، ولم يبين مقدار الثواب ؟
• مذهب الشافعي، والظاهرية، وأبي ثور، وبعض الحنابلة أنَّ الهبة لا تصح، ولا يجوز ذلك؛ لأنها باشتراط ذلك صارت بيعًا بعوضٍ مجهول.
• ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وهوظاهر كلام أحمد أنها تصح، وهو القول القديم للشافعي، وقال به من التابعين عطاء، والقاسم، وأبو الزناد، وآخرون، وهو قول شريح، وربيعة، واستدلوا بحديث ابن عباس الذي في الباب، وبأثر عمر، وبحديث: «المسلمون على شروطهم»، قالوا: فعليه أن يثيبه حتى يرضَى؛ فإن لم يفعل، أو لم يستطع؛ فلصاحب الهبة أن يرجع فيها.
قلتُ: وهذا القول هو الصواب، والله أعلم.
فائدة: قال أحمد: إذا تغيرت العين الموهوبة بزيادة أو نقصان، ولم يثبه منها؛ فلا أرى عليه نقصان ما نقص عنده إذا ردَّه إلى صاحبه، إلا أن يكون ثوبًا لبسه، أو غلامًا استعمله، أو جارية استخدمها، فأما غير ذلك إذا نقص؛ فلا شيء عليه، فكان عندي مثل الرهن، الزيادة والنقصان لصاحبه. (١)
مسألة [٣]: إذا اشترط على هبته ثوابًا معلومًا ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٨٠): فَإِنْ شَرَطَ فِي الْهِبَةِ ثَوَابًا مَعْلُومًا؛ صَحَّ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضِ مَعْلُومٍ، فَهُوَ كَالْبَيْعِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ
стр. 3748
الْبَيْعِ، فِي ضَمَانِ الدَّرْكِ، وَثُبُوتِ الْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ، وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْهِبَةِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا.
قال: وَلَنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ؛ فَصَحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَلَّكْتُك هَذَا بِدِرْهَمٍ. فَإِنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ التَّمْلِيكَ؛ كَانَ هِبَةً، وَإِذَا ذَكَرَ الْعِوَضَ؛ صَارَ بَيْعًا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي أَنْ يُغَلَّبَ فِي هَذَا حُكْمُ الْهِبَةِ، فَلَا تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ. اهـ
فائدة: استحب أهل العلم الإثابة على الهدية وإن لم يشترط؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يفعل ذلك، وفي «سنن أبي داود» وغيره من حديث ابن عمر ﵄ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه» (١)، وهذا يغني عن حديث عائشة الذي في الباب، والله أعلم.
ومن حسَّن حديث عائشة ﵂؛ فلا إنكار عليه، بل هو أقرب؛ للأحاديث المتكاثرة في قبول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الهدية؛ ولبعض الأحاديث الثابتة التي فيها أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أثاب عليها، وبالله التوفيق.
стр. 3749
٩٢٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «العُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَلِمُسْلِمٍ: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ». (٢)
وَفِي لَفْظٍ: إنَّمَا العُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَك وَلِعَقِبِك، فَأَمَّا إذَا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْت فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا. (٣)
وَلِأَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ: «لَا تُرْقِبُوا، وَلَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا، أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا؛ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ». (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تعريف العمرى والرقبى .
صورة العُمْرى: أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه. أو: هي لك عُمْري. أو: عمرك. أو: ما عشت. أو: مدة حياتك. أو: ما حييت. أو نحو هذا، سُمِّيت عُمْرى لتقييدها بالعمر.
والرُّقْبى أن يقول: أرقبتك هذه الدار. أو: هي لك حياتك على أنك إن مت قبلي عادت إليَّ، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك. فكأنه يقول: هي لآخرنا موتًا.
стр. 3750
وبذلك سُمِّيت رقبى؛ لأنَّ كل واحد منهما يرقب موت صاحبه. (١)
مسألة [٢]: مشروعية العمرى .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٨٢): وَكِلَاهُمَا العمرى والرقبى جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا.
قال: وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. (٢)
قَالَ: فَأَمَّا النَّهْيُ، فَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ لَهُمْ: أنَّكُمْ إنْ أَعَمَرْتُمْ أَوْ أَرْقَبْتُمْ يَعُدْ لِلْمُعْمَرِ وَالْمُرْقَبِ، وَلَمْ يَعُدْ إلَيْكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ. وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: «فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى؛ فَهِيَ لِمَنْ أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ».اهـ
وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٦٢٥): وَذَهَبَ اَلْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّة اَلْعُمْرَى إِلَّا مَا حَكَاهُ أَبُو اَلطَّيِّبِ الطَّبَرِيّ عَنْ بَعْضِ اَلنَّاسِ، وَالْمَاوَرْدِيّ عَنْ دَاوُد وَطَائِفَة، لَكِنَّ اِبْنَ حَزْمٍ قَالَ بِصِحَّتِهَا، وَهُوَ شَيْخُ اَلظَّاهِرِيَّةِ. اهـ
مسألة [٣]: هل العمرى تنقل الملك إلى الْمُعْمَر، أو هي هبة منافع ؟
• مذهب الجمهور أنَّ العمرى تنقل الملك إلى المعمر، وبهذا قال جابر بن