المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: هل الهبة المطلقة تقتضي الثواب ؟
• مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم أنها لا تقتضي الثواب، سواء كانت لإنسان مثله، أو دونه، أو أعلى منه؛ لأنها عطية على وجه التبرع، فلم تقتض ثوابًا، كالصدقة والوصية؛ فإن عوضه عنها كانت هبة مبتدأة، لا عوضًا، أيهما أصاب عيبًا لم يكن له الرد. وإن خرجت مستحقة؛ أخذها صاحبها ولم يرجع الموهوب له ببدلها.
• ومذهب مالك، والشافعي في قولٍ أنَّ الهبة إن كانت لأعلى منه؛ فإنها تقتضي الثواب، واستدلوا بحديث الباب، وبقول عمر: ومن وهب هبة أراد بها الثواب؛ فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها. أخرجه مالك (٢/ ٧٥٤) بإسناد صحيح.
قلتُ: والقول الأول هو الصواب، وليس في أدلتهم ما يدل على ما ذكروه، بل هي محمولة على من اشترط الثواب لفظًا، أو عرفًا، والله أعلم. (١)
стр. 3747
مسألة [٢]: إذا اشترط على هبته الثواب، ولم يبين مقدار الثواب ؟
• مذهب الشافعي، والظاهرية، وأبي ثور، وبعض الحنابلة أنَّ الهبة لا تصح، ولا يجوز ذلك؛ لأنها باشتراط ذلك صارت بيعًا بعوضٍ مجهول.
• ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وهوظاهر كلام أحمد أنها تصح، وهو القول القديم للشافعي، وقال به من التابعين عطاء، والقاسم، وأبو الزناد، وآخرون، وهو قول شريح، وربيعة، واستدلوا بحديث ابن عباس الذي في الباب، وبأثر عمر، وبحديث: «المسلمون على شروطهم»، قالوا: فعليه أن يثيبه حتى يرضَى؛ فإن لم يفعل، أو لم يستطع؛ فلصاحب الهبة أن يرجع فيها.
قلتُ: وهذا القول هو الصواب، والله أعلم.
فائدة: قال أحمد: إذا تغيرت العين الموهوبة بزيادة أو نقصان، ولم يثبه منها؛ فلا أرى عليه نقصان ما نقص عنده إذا ردَّه إلى صاحبه، إلا أن يكون ثوبًا لبسه، أو غلامًا استعمله، أو جارية استخدمها، فأما غير ذلك إذا نقص؛ فلا شيء عليه، فكان عندي مثل الرهن، الزيادة والنقصان لصاحبه. (١)
مسألة [٣]: إذا اشترط على هبته ثوابًا معلومًا ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٨٠): فَإِنْ شَرَطَ فِي الْهِبَةِ ثَوَابًا مَعْلُومًا؛ صَحَّ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضِ مَعْلُومٍ، فَهُوَ كَالْبَيْعِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ
стр. 3748
الْبَيْعِ، فِي ضَمَانِ الدَّرْكِ، وَثُبُوتِ الْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ، وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْهِبَةِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا.
قال: وَلَنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ؛ فَصَحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَلَّكْتُك هَذَا بِدِرْهَمٍ. فَإِنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ التَّمْلِيكَ؛ كَانَ هِبَةً، وَإِذَا ذَكَرَ الْعِوَضَ؛ صَارَ بَيْعًا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي أَنْ يُغَلَّبَ فِي هَذَا حُكْمُ الْهِبَةِ، فَلَا تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ. اهـ
فائدة: استحب أهل العلم الإثابة على الهدية وإن لم يشترط؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يفعل ذلك، وفي «سنن أبي داود» وغيره من حديث ابن عمر ﵄ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه» (١)، وهذا يغني عن حديث عائشة الذي في الباب، والله أعلم.
ومن حسَّن حديث عائشة ﵂؛ فلا إنكار عليه، بل هو أقرب؛ للأحاديث المتكاثرة في قبول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الهدية؛ ولبعض الأحاديث الثابتة التي فيها أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أثاب عليها، وبالله التوفيق.
стр. 3749
٩٢٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «العُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَلِمُسْلِمٍ: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ». (٢)
وَفِي لَفْظٍ: إنَّمَا العُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَك وَلِعَقِبِك، فَأَمَّا إذَا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْت فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا. (٣)
وَلِأَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ: «لَا تُرْقِبُوا، وَلَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا، أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا؛ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ». (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تعريف العمرى والرقبى .
صورة العُمْرى: أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه. أو: هي لك عُمْري. أو: عمرك. أو: ما عشت. أو: مدة حياتك. أو: ما حييت. أو نحو هذا، سُمِّيت عُمْرى لتقييدها بالعمر.
والرُّقْبى أن يقول: أرقبتك هذه الدار. أو: هي لك حياتك على أنك إن مت قبلي عادت إليَّ، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك. فكأنه يقول: هي لآخرنا موتًا.
стр. 3750
وبذلك سُمِّيت رقبى؛ لأنَّ كل واحد منهما يرقب موت صاحبه. (١)
مسألة [٢]: مشروعية العمرى .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٨٢): وَكِلَاهُمَا العمرى والرقبى جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا.
قال: وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. (٢)
قَالَ: فَأَمَّا النَّهْيُ، فَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ لَهُمْ: أنَّكُمْ إنْ أَعَمَرْتُمْ أَوْ أَرْقَبْتُمْ يَعُدْ لِلْمُعْمَرِ وَالْمُرْقَبِ، وَلَمْ يَعُدْ إلَيْكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ. وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: «فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى؛ فَهِيَ لِمَنْ أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ».اهـ
وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٦٢٥): وَذَهَبَ اَلْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّة اَلْعُمْرَى إِلَّا مَا حَكَاهُ أَبُو اَلطَّيِّبِ الطَّبَرِيّ عَنْ بَعْضِ اَلنَّاسِ، وَالْمَاوَرْدِيّ عَنْ دَاوُد وَطَائِفَة، لَكِنَّ اِبْنَ حَزْمٍ قَالَ بِصِحَّتِهَا، وَهُوَ شَيْخُ اَلظَّاهِرِيَّةِ. اهـ
مسألة [٣]: هل العمرى تنقل الملك إلى الْمُعْمَر، أو هي هبة منافع ؟
• مذهب الجمهور أنَّ العمرى تنقل الملك إلى المعمر، وبهذا قال جابر بن
стр. 3751
عبد الله، وابن عمر، وابن عباس، وشريح، ومجاهد، وطاوس، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.
واستدلوا على ذلك بحديث جابر الذي في الباب: «أمسكوا عليكم أموالكم ... » الحديث، وحديث: «العمرى لمن وهبت له» أخرجه مسلم (١٦٢٥)(٢٥)، وبرواية أبي داود، والنسائي المتقدمة.
• وذهب القاسم بن محمد، ومالك، والليث، والشافعي في القديم إلى أنَّ العمرى تمليك للمنافع، ولا تملك بها رقبة المعمر بحال، بل ترجع إلى صاحبها، وإذا قال: لك ولعقبك. فترجع إليه، أو إلى ورثته بعد انقراض عقب الْمُعْمَر. قال ابن الأعرابي: لم يختلف العرب في العمرى، والرقبى، والإفقار، والإخبال، والمنحة، والعرية، والعارية، والسكنى، والإطراق أنها على ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له. ولأنَّ التمليك لا يتأقت، كما لو باعه إلى مدة، فإذا كان لا يتأقت؛ حمل قوله على تمليك المنافع؛ لأنه يصح توقيته.
قلتُ: والصواب -والله أعلم- هو القول الأول؛ لظاهر الأحاديث التي لا تحتمل تأويلها وإخراجها عن ظاهرها، وأُجيب عن قول ابن الأعرابي: بأنها عند العرب تمليك المنافع. بأنَّ ذلك لا يضر إذا نقلها الشارع إلى تمليك الرقبة، كما نقل الصلاة من الدعاء إلى الأفعال المنظومة، ونقل الظهار والإيلاء من الطلاق إلى أحكام مخصوصة.
وقولهم: إنَّ التمليك لا يتأقت. يُجاب عنه بأنَّ الشرع جاء بجواز تأقيت
стр. 3752
الملك إذا اشترط في هذه الحالة، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: إذا قيد التعمير بالحياة .
كأن يقول: هي لك ما عشتَ. أو: ما حييت. أو ما أشبه ذلك.
• فمذهب مالك، وأحمد في رواية، وابن أبي ذئب، وأبي ثور، وداود، وجماعة من الشافعية أنَّ الشرط يصح، وترجع إلى صاحبها، وقال بذلك من التابعين: الزهري، والقاسم ابن محمد، وأبو سلمة. قال القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم.
والدليل عليه حديث جابر الذي في الباب، وقد قيل: إنه موقوف عليه. وهذا اختيار شيخ الإسلام ﵀، ويدل عليه حديث: «المسلمون على شروطهم»، وعزاه الحافظ إلى أكثر العلماء.
• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وأبو حنيفة إلى أنها لا ترجع إلى صاحبها، وإن قيد ذلك؛ للأحاديث الواردة بأنَّ العمرى جائزة، وبرواية أبي داود، والنسائي الأخيرة، وأما التفصيل المذكور في الباب فهو من قول جابر بن عبد الله، وليس مرفوعًا، وقد قضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بجواز الرقبى مع أنَّ فيها شرطًا بذلك.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ جمعًا بين الأدلة، وقضاء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بنفوذ الرقبى محمول على ما إذا لم يتحقق شرطه، والله أعلم. (٢)
٩٢٧ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْت أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَا تَبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» ... الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
قوله: حملتُ على فرس.
معناه: أنه تصدق به على إنسان ليجاهد به في سبيل الله، وليس المقصود أنه أوقفه في سبيل الله؛ إذ لو كان كذلك لم يجز بيعه. «الفتح» (٢٦٢٣).
مسألة [١]: حكم الرجوع في الصدقة .
تمام حديث عمر ﵁ عند الشيخين: «فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، وهذا يدل على عدم جواز الرجوع في الصدقة.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٦٢٣): وأما الصدقة: فاتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع فيها بعد القبض. اهـ (٢)
مسألة [٢]: هل يجوز الرجوع فيها بالشراء ؟
أراد ذلك عمر بن الخطاب ﵁، فنهاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في الحديث.
قال الحافظ ﵀: حمل الجمهور هذا على النهي في صورة الشراء على التنزيه،
стр. 3757
وحمله قومٌ على التحريم، قال القرطبي وغيره: وهو الظاهر. اهـ
قلتُ: ولابن حزم بحثٌ في «المحلى» (٦٩٩) يرجح جواز ذلك، ولكنه حمل حديث عمرعلى الوقف، وقد تقدم ما فيه، والذي يظهر أنَّ النهي للتحريم؛ إلا أن يشتريه بسعر السوق بدون محاباة، فيظهر -والله أعلم- أنَّ ذلك ليس للتحريم كما قال الجمهور، وبالله التوفيق. (١)
تنبيه: إذا رجع له بالوراثة؛ جاز ذلك عند عامة أهل العلم وأكثرهم كما في المصادر السابقة.
стр. 3758
٩٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَهَادُوْا تَحَابُّوا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي «الأَدَبِ المُفْرَدِ»، وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (١)
٩٢٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَهَادُوْا، فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تَسُلُّ السَّخِيمَةَ». رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (٢)
٩٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: فضل التهادي .
يُستفاد من الأحاديث السابقة فضيلة التهادي، وأنه من أفعال الخير، ويكون سببًا للمحبة، والإخاء، وقد ثبت من حديث عبادة بن الصامت، ومعاذ بن جبل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتزاورين فيَّ،
стр. 3759
والمتباذلين فيَّ» أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٦) وغيره، وهو حديث صحيح.
مسألة [٢]: هل تقبل هدايا المشركين ؟
بوَّب البخاري في «صحيحه» في كتاب الهبة [باب قبول الهدية من المشركين]. ثم استدل على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقبل هداياهم، فقد أُهديت إليه شاة فيها سمٌّ، فقبلها، وأكل منها في خيبر. وأهدى ملك أيلة للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغلة بيضاء، وأهدى له أُكيدر دومة جُبَّة سندس.
وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لرجل مشرك أقبل بغنم: «بيعًا أم هبةً»، فقال: لا، بل بيع ... الحديث. (١)
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٦١٥): وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ضَعْف اَلْحَدِيث اَلْوَارِد فِي رَدِّ هَدِيَّة اَلْمُشْرِك، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة فِي «الْمَغَازِي» عَنْ اِبْن شِهَاب، عَنْ عَبْداَلرَّحْمَن بْن كَعْب بْن مَالِك وَرِجَال مِنْ أَهْلِ اَلْعِلْمِ أَنَّ عَامِر بْن مَالِك اَلَّذِي يُدْعَى مُلَاعِب اَلْأَسِنَّة، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اَلله ﷺ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَأَهْدَى لَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَقْبَلُ هَدِيَّة مُشْرِك» (٢) اَلْحَدِيث رِجَاله ثِقَات إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَل، وَقَدْ وَصَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ وَلَا يَصِحُّ. وَفِي اَلْبَابِ حَدِيث عِيَاض بْن حِمَار أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَاَلتِّرْمِذِيّ وَغَيْرُهُمَا، مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ يَزِيد بن عَبْداَلله، عَنْ عِيَاضٍ قَالَ: أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةً، فَقَالَ: «أَسْلَمْتَ؟» قُلْت: لَا. قَالَ: «إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ
تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ... [الممتحنة:٨].
وبحديث ابن عمر ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أعطى عمر حلَّة، فأرسل بها عمر إلى أخٍ له من أهل مكة قبل أن يسلم. (١)
وبحديث أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فاستفتيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قلت: إنَّ أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم، صلي أمك». (٢)
قلتُ: يُستفاد من أدلة البخاري أنه لا يُهدى للحربيين منهم الذين ربما استخدموا الهدية في التقوي بها على حرب المسلمين، والله أعلم. (٣)
стр. 3762
٩٣١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا». رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَالمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَوْلُهُ. (١)
تقدم الكلام على مباحث الحديث عند حديث عائشة ﵂: «كان يقبل الهدية، ويثيب عليها» برقم (٩٢٤).
стр. 3763
بَابُ اللُّقَطَةِ
اللقطة: اسم للشيء الذي يلتقط، وهي بضم اللام، وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين.
وقال عياض: لا يجوز غيره، وقد ذكر الخليلي أنها بتسكين القاف. قال الأزهري: هو القياس، لكن الذي سمع من العرب، وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح، وفيه لغتان أخريان: لُقاطة، بضم اللام، ولَقطة بفتحها، وقد نظم الأربعة ابن مالك، فقال:
لُقاطة ولُقْطة ولَقْطة ... ولُقَطة ما لاقط قد لقطه (١)
مسألة [١]: هل الأفضل الالتقاط، أم عدمه ؟
• اختلف أهل العلم في هذه المسألة:
فمنهم من يقول: الأفضل الترك. وهو قول جابر بن زيد، والربيع بن خثيم، وعطاء، وهو مذهب أحمد، وحكي عن مالك، وصحَّ عن ابن عمر أنه ترك لقطةً كما في «مصنف ابن أبي شيبة»؛ وذلك لأنَّ الملتقط يعرض نفسه لأكل الحرام، وتضييع الواجب من تعريفها، وأداء الأمانة فيها؛ فكان تركه أولى، وأسلم.
стр. 3764
وقال بعضهم: إذا وجدها بمضيعة، وأمن على نفسه عليها؛ فالأفضل أخذها، وهو قول أبي الخطاب الحنبلي، وقول للشافعي، وحُكي عن الشافعي قولٌ أنه يجب أخذها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، فإذا كان وليه؛ وجب عليه حفظ ماله، كما يجب عليه أن يحفظ بدن أخيه إذا خشي عليه الهلاك، وهذا قول ابن حزم أيضًا.
وقال مالك: إنْ كان شيئًا له بالٌ؛ يأخذه أحب إليَّ، ويعرفه؛ لأنَّ فيه حفظ مال المسلم عليه، فكان أولى من تضييعه، وتخليصه من الغرق.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأفضل تركها؛ إلا أن يخشى عليها من الضياع، ويأمن نفسه عليها، ويؤدي ما عليه فيها؛ فالأفضل أخذها وتعريفها، والله أعلم. (١)
стр. 3765
٩٣٢ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: يسير اللقطة .
أما ما كان مثل التمرة، والكسرة من الخبز، وما أشبه ذلك؛ فإنه لا بأس بأخذه والانتفاع به بغير تعريف، ودليله حديث أنس المذكور قريبًا.
قال ابن قدامة ﵀: ولا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به. اهـ
• وأما التعريف فاختلفوا فيه: فمذهب الحنابلة أنها لا تحتاج إلى تعريف. وقال بعضهم: يلزمه التعريف.
• وقال آخرون: يلزمه تعريفه مدة يظن فيها طلب صاحب اللقطة لها. والأظهر القول الأول، وهذا محله فيما إذا لم يعلم صاحبها، والله أعلم.
• ثم اختلف أهل العلم في تحديد يسير اللقطة: فمذهب مالك، وأبي حنيفة أنه لا يجب تعريف ما لا يقطع به السارق، وهو أقل من ربع دينار عند مالك، وأقل من عشرة دراهم عند أبي حنيفة.
стр. 3766
واستدلوا بقول عائشة ﵂: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه. (١)
• وللشافعية في المسألة ثلاثة أوجه: فمنهم من قال: دينار. ومنهم من حدده بدرهم، ومنهم من حدده بربع دينار.
• ومذهب أحمد عدم التحديد بشيء من ذلك، قال ابن قدامة: لم يرد بما ذكروه نصٌّ ولا هو في معنى ما ورد النص به، ولأنَّ التحديد والتقدير لا يعرف بالقياس، وإنما يؤخذ من نص أو إجماع، وليس فيما ذكروه نصٌّ ولا إجماع. اهـ
قلتُ: وهذا القول هو الصواب، ومالم يحدد شرعًا اعتبر فيه العرف، فما كان مما لا تتبعه أنفس أوساط الناس؛ فهو لقطة يسيرة لها حكم التمرة والكسرة، والله أعلم، وهذا ترجيح الإمام ابن باز، واللجنة الدائمة، والإمام ابن عثيمين، وبالله التوفيق. (٢)
٩٣٧ - وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا الحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ، إلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا». رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: التعرف على صفات اللقطة .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٢٤٢٧): واختلف في هذه المعرفة على قولين للعلماء، أظهرهما الوجوب؛ لظاهر الأمر، وقيل: يستحب. وقال بعضهم: يجب عند الالتقاط ويستحب بعده. اهـ
قلتُ: والقول بالوجوب هو الصحيح؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بذلك كما في حديث زيد بن خالد، وعياض بن حمار المتقدمين، وكذا في حديث أبي بن كعب في «الصحيحين». (٢)
واستحب أهل العلم كتابة الصفات؛ لئلا ينسى تلك الصفات. وأما الصفات التي يتعرف عليها فهي العفاص -وهو الوعاء- والوكاء -وهو الرباط- والعدد،
стр. 3769
والجنس، والقدر، كما جاء في الأحاديث المتقدمة، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: الإشهاد عليها حين يجدها .
• ذهب أكثر أهل العلم إلى استحباب الإشهاد على اللقطة؛ لحديث عياض بن حمار الذي في الباب، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي.
• وذهب أبو حنيفة إلى جوب الإشهاد، واستدل على هذا القول بحديث عياض بن حمار، ففيه الأمر بذلك، والأمر يقتضي الوجوب؛ إلا أن يصرفه عن ذلك صارف. وقال أبو حنيفة، وزُفر: إذا لم يشهد عليها ضمنها؛ لأنه إذا لم يشهد؛ كان الظاهر أنه أخذها لنفسه.
واستدل الجمهور على أنَّ الإشهاد مستحبٌّ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر به زيد بن خالد الجهني، ولا أبي بن كعب، مع أنَّ المقام مقام فتوى وتعليم؛ فدلَّ على أنه ليس على سبيل الوجوب، وأما الضمان فلا يضمن إلا بالتفريط عند الجمهور، وهو الصواب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: حكم تعريف اللقطة .
أما إذا لم تكن يسيرة، وأراد تملكها؛ فيجب عليه التعريف بالإجماع، قاله النووي وغيره. ويدل عليه أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذلك في الأحاديث المتقدمة.
• وأما إذا لم تكن يسيرة، وأراد حفظها، ولم يرد تملكها: فمذهب الأكثر على أنه
стр. 3770
يجب تعريفها أيضًا، وهو مذهب أحمد، والأصح من الوجهين عند الشافعية، وللشافعي قول أنه لا يجب على من أراد حفظها لصاحبها. وقال به بعض الشافعية، وهذا قول ضعيفٌ؛ لأنَّ الأدلة عامة، ولأنه لو لم يجب التعريف؛ لما جاز الالتقاط؛ لأنَّ بقاءها في مكانها إذًا أقرب إلى وصولها إلى صاحبها، إما بأن يطلبها في الموضع الذي ضاعت فيه فيجدها، وإما بأن يجدها من يعرفها، وأخذ هذا لها يفوِّت الأمر؛ فيحرم. (١)
مسألة [٤]: في قدر التعريف .
• أكثر أهل العلم وعامتهم على أنَّ تعريفها يكون لمدة سنة، واستدلوا على ذلك بحديث زيد بن خالد الذي في الباب، وقال أبو أيوب الهاشمي: ما دون الخمسين درهمًا يعرفها ثلاثة أيام إلى سبعة أيام. وقال الحسن بن صالح: ما دون عشرة دراهم يعرفها ثلاثة أيام. وقال الثوري في الدرهم: يعرفه أربعة أيام. وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرفه جمعة أو نحوها.
واستدل الجمهور بحديث زيد بن خالد كما تقدم، وقد جاء في حديث أبي بن كعب أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمره أن يعرفها ثلاثة أحوال. أخرجه الشيخان. (٢)
وقد أُجيب عنه بأجوبة منها: أنَّ الراوي قد شك، فقال كما في بعض الروايات: لا أدري ثلاثة أعوام، أم عامًا واحدًا. وهو سلمة بن كهيل، ولكن أكثر
стр. 3771
طرق الحديث بدون شك والشك طرأ له بعد عشرة أعوام كما في «صحيح مسلم».
وبعضهم أجاب بأنه قصَّر في التعريف، فأمره بالإعادة، وفيه نظر. وقال ابن المنذر: قد ثبت الإجماع على خلاف هذا الحديث، فيستدل بالإجماع على نسخه.
قلتُ: ويمكن أن يحمل ذلك على الورع، فمن أحب أن يتورع؛ فيعرفها ثلاثة أعوام، والله أعلم، والصحيح في المسألة قول الجمهور، والله أعلم، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٥]: متى يبدأ وقت التعريف ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٩٣): إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ السَّنَةُ تَلِي الِالْتِقَاطَ، وَتَكُونَ مُتَوَالِيَةً فِي نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا حِينَ سُئِلَ عَنْهَا، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّعْرِيفِ وُصُولُ الْخَبَرِ إلَى صَاحِبِهَا وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّعْرِيفِ عَقِيبَ ضَيَاعِهَا مُتَوَالِيًا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَتَوَقَّعُهَا وَيَطْلُبُهَا عَقِيبَ ضَيَاعِهَا فَيَجِبُ تَخْصِيصُ التَّعْرِيفِ بِهِ. اهـ (٢)
مسألة [٦]: زمن التعريف .
ذكر أهل العلم أنَّه يعرف بالنهار دون الليل، ودون أوقات الخلوة، ويكون في اليوم والأسبوع الذي وجدها فيه، أكثر؛ لأنَّ الطلب فيها أكثر، ولا يجب فيما بعد ذلك متواليًا.
وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٤٢٧): قال العلماء: يعرفها في كل يوم
стр. 3772
مرتين، ثم مرة، ثم في كل أسبوع، ثم في كل شهر. انتهى. (١)
مسألة [٧]: مكان التعريف .
مكانه عند أهل العلم في الأسواق، وأبواب المساجد، والجوامع، في الوقت الذي يجتمعون فيه، كأدبار الصلوات، وفي مجامع الناس، وذلك لأنَّ المقصود هو إشاعة ذكرها وإظهارها ليظهر عليها صاحبها فيجب تحري مجامع الناس. (٢)
مسألة [٨]: هل له أن يستنيب في التعريف ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٢٩٥): وَلِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ؛ فَإِنْ وَجَدَ مُتَبَرِّعًا بِذَلِكَ، وَإِلَّا إنْ احْتَاجَ إلَى أَجْرٍ، فَهُوَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ الْحِفْظَ لِصَاحِبِهَا دُونَ تَمَلُّكِهَا؛ رَجَعَ بِالْأَجْرِ عَلَى مَالِكِهَا.
قال: وَلَنَا أَنَّ هَذَا أَجْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُعَرِّفِ؛ فَكَانَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَصَدَ تَمَلُّكَهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَلِيَهُ بِنَفْسِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ عَلَى صَاحِبِهَا، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ ... ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَعْطَى مِنْهَا شَيْئًا لِمَنْ عَرَّفَهَا؛ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ دَفَعَ مِنْهَا شَيْئًا لِمَنْ حَفِظَهَا. انتهى باختصار يسير.
والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (٣)
стр. 3773
مسألة [٩]: كيفية التعريف .
هو أن يذكر جنسها لا غير، فيقول: من ضاع منه ذهب، أو فضة، أو دنانير، أو ثياب، ونحو ذلك، ولا يصفها؛ لأنه لو وصفها لَعَلِمَ صفتها من يسمعها؛ فلا تبقى صفتها دليلًا على ملكها؛ لمشاركة غير المالك في ذلك، ولأنه لا يأمن أن يدعيها بعض من سمع صفتها. (١)
مسألة [١٠]: إذا عرَّف الملتقط اللقطة حولاً فهل يملكها ملتقطها ؟
• أكثر أهل العلم على أنه يملكها، وهو قول عطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، ومن التابعين أيضًا الشعبي، والنخعي، وطاوس، وعكرمة، ونقل عن بعض الصحابة.
واستدلوا بحديث زيد بن خالد: «فإن لم تعرف؛ فاستنفقها»،وفي لفظ: «وإلا فهي كسبيل مالك»، وفي لفظ: «فانتفع بها».
وفي لفظ: «فشأنك بها»، وفي حديث أبي بن كعب: «فاستنفقها»، وفي لفظ: «فاستمتع بها»، وفي حديث عياض بن حمار: « .. ، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء».
• وقال مالك، والحسن بن صالح، والثوري، وأصحاب الرأي: لا يملكها، بل يتصدق بها، فإذا جاء صاحبها خيَّره بين الأجر، والغرم، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ عند الدارقطني: «عرفها حولًا»، وفي رواية: «ثلاثة أحوال؛ فإن جاء ربها وإلا تصدق بها، فإذا جاء ربها فرضي بالأجر، وإلا غرمها»، وهو
стр. 3774
حديثٌ موضوع، في إسناده: يوسف بن خالد السمتي، وهو كذاب.
واستثنى أبو حنيفة، ومالك إن كان فقيرًا، فله تملكها بعد التعريف؛ لحديث: «فهو مال الله يؤتيه من يشاء»، قالوا: وما يضاف إلى الله تعالى إنما يتملكه من يستحق الصدقة.
والصواب هو قول الجمهور؛ لظاهر الأدلة، وحديثهم عن أبي هريرة ﵁ تالفٌ، ودعواهم في حديث عياض أنَّ ما يضاف إلى الله تعالى لا يتملكه إلا من يستحق الصدقة لا برهان لها، ولا دليل عليها؛ فإنَّ الأشياء كلها تضاف إلى الله تعالى خلقًا وملكًا، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، قاله ابن قدامة ﵀.
تنبيه: نقل ابن رشد عن مالك كقول الجمهور، ثم رأيت ابن عبد البر في «التمهيد» (١٣/ ٢١٢) نقل عن مالك أنه قال: الغني أحب إلى أن يتصدق بها بعد الحول. (١)
مسألة [١١]: هل تدخل اللقطة في ملك الملتقط بتمام الحول حكمًا كالميراث، أم بتملكه ؟
• من أهل العلم من قال: تدخل في ملكه حكمًا كالميراث. وهو قول أحمد في ظاهر مذهبه وقال به بعض الشافعية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإلا فهي كسبيل مالك» وفي
стр. 3775
لفظ: «فهي لك».
• وذهب بعضهم إلى أنها لا تدخل في ملكه؛ إلا أن يتملكها، وهو الأصح عند الشافعية، وقال به بعض الحنابلة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة في الفقير؛ لقوله في حديث زيد بن خالد: «وإلا فشأنك بها»، فأغراه بتملكها.
وهذا القول يظهر لي أنه أرجح؛ لأنَّ الأوامر التي في حديث زيد إنما هي للإباحة؛ لأنه جواب لسؤال الرجل عن أخذ اللقطة، فبيَّن له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما الذي يجوز له تملكه، وما شروط ذلك. ويكون قوله: «فهي لك»، أي: فيباح لك تمكلها وأخذها، وتفارق الميراث بأنَّ الميراث ينتقل الملك إليه وليس عليه ضمان مطلقًا، وأما اللقطة فيضمنها إذا جاء صاحبها. والله أعلم.
وهل يفتقر تملكها إلى القول، أو التصرف، أم يكفي النية؟ الثالث هو الصحيح، ورجحه الحافظ، وهو قول بعض الشافعية. (١)
تنبيه: إذا ملكها الملتقط فهو عند أهل العلم ملك مراعى يزول بمجيء صاحبها، ويضمن له بدلها إن تعذر ردها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث زيد بن خالد: «ولتكن وديعة عندك؛ فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر؛ فأدِّها إليه».
وخالف الكرابيسي، وداود، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة. «الفتح» (٢٤٢٩).
قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر أنَّ التعريف لا يسقط، فيأثم للتأخير، ويجب عليه التعريف، وليس له التملك، والله أعلم، وأفتت اللجنة الدائمة بعدم التملك (١٥/ ٤٧١).
مسألة [١٣]: إذا أخَّر التعريف في الحول الأول لعجزٍ ؟
• أما الإثم فليس عليه أثم، و هل له التملك؟ فيه وجهان للحنابلة:
أحدهما: أن حكمه حكم ما لو تركه مع إمكانه؛ لأنَّ تعريفه في الحول سبب الملك، والحكم ينتفي لانتفاء سببه، سواء انتفى لعذر، أو لغير عذر.
الثاني: أنه يعرفه في الحول الثاني، ويملكه؛ لأنه لم يؤخر التعريف عن وقت إمكانه؛ فأشبه ما لو عرفه في الحول الأول.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب أنه ليس له أن يتملكه؛ لأن الشرع لم يبح للملتقط أن يتملكها إلا بشرط تعريفها، ولم يحصل الشرط؛ فسقط المشروط، والله أعلم. (١)
مسألة [١٤]: هل حكم العروض كحكم الأثمان فيما تقدم ؟
• أكثر أهل العلم على عدم الفرق في ذلك بين الأثمان، والعروض، وهو قول أحمد في رواية. وعنه رواية أخرى: أنَّ العروض لا تملك بالتعريف، وهو قول أكثر الحنابلة.
стр. 3778
• واختلفوا فيما يصنع بها؟ فبعضهم قال: يعرفها أبدًا. وبعضهم قال: يخير بين تعريفها أبدًا، أو دفعها للحاكم. وبعضهم قال: يتصدق بها بعد الحول؛ لأنَّ الخبر ورد في الأثمان، والعروض ليست كالأثمان.
واستدل الجمهور بعموم الحديث: «من وجد لقطة ... » «سئل عن اللقطة .. »، ورجح هذا ابن قدامة، وهو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [١٥]: إذا التقط لقطة عازمًا على تملكها بغير تعريف، ثم عرفها ؟
قال ابن قدامة المقدسي ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٠٧): إذَا الْتَقَطَ لُقَطَةً، عَازِمًا عَلَى تَمَلُّكِهَا بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ؛ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ، فَإِذَا أَخَذَهَا؛ لَزِمَهُ ضَمَانُهَا، سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَلَا يَمْلِكُهَا وَإِنْ عَرَّفَهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ، فَأَشْبَهَ الْغَاصِبَ. نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ.
قال: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَهَا؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا بِالتَّعْرِيفِ وَالِالْتِقَاطِ، وَقَدْ وُجِدَ، فَيَمْلِكُهَا بِهِ، كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ حَائِطًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَاحْتَشَّ أَوْ اصْطَادَ مِنْهُ صَيْدًا؛ مَلَكَهُ، وَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ مُحَرَّمًا، كَذَا هَاهُنَا، وَلِأَنَّ عُمُومَ النَّصِّ يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمُلْتَقَطَ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِيهِ، وَلِأَنَّنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا نِيَّةَ التَّعْرِيفِ وَقْتَ الِالْتِقَاطِ؛ لَافْتَرَقَ الْحَالُ بَيْنَ الْعَدْلِ، وَالْفَاسِقِ، وَالصَّبِيِّ، وَالسَّفِيه؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى هَؤُلَاءِ الِالْتِقَاطُ لِلتَّمَلُّكِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ. اهـ
стр. 3779
قلتُ: إن عرفها بدون تقصير عقب أخذها بدون تراخٍ؛ فله تملكها، ويأثم على نيته الأولى، والله أعلم.
فائدة: قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٢/ ٢٨): التقاط اللقطة لا يفتقر إلى حكم حاكم، أو إذن السلطان بالإجماع. اهـ
مسألة [١٦]: إذا جاء رجل ووصف اللقطة بصفاتها، فهل يلزمه دفعها إليه بغير بينة ؟
• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه يلزمه دفعها إليه بغير بينة، وهو قول مالك، وأحمد، والبخاري، وأبي عبيد، وداود، وابن المنذر، وغيرهم، واستدلوا بما جاء في حديث أبي بن كعب عند مسلم وغيره: «فإن جاء أحد يخبر بعددها، ووعائها، ووكائها؛ فأعطها إياه».
قال الحافظ ﵀: وقول أبي داود: إنَّ هذه الزيادة زادها حماد بن سلمة، وهي زيادة غير محفوظة. فتمسك بها من حاول تضعيفها؛ فلم يُصب، بل هي صحيحة، وقد عرفت من وافق حمادًا عليها، وليست شاذة. اهـ
قلتُ: وقد أخرجها أيضًا مسلم من طريق الثوري، وزيد بن أنيسة مع حماد بن سلمة، كلهم عن سلمة بن كهيل بالزيادة المذكورة، كما أشار الحافظ إلى ذلك، وهذه الزيادة أيضًا مذكورة في حديث زيد بن خالد الجهني في رواية في «صحيح مسلم»، وبنحوها في «البخاري».
стр. 3780
• ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة أنه لا يلزمه إعطاؤه إياها إلا ببينة، ويجوز له أن يدفعها إليه إذا غلب على ظنه صدقه. وقال أصحاب الرأي: وإن شاء دفعها إليه، وأخذ كفيلًا بذلك؛ لقوله ﵇: «البينة على المدعي».
قال الخطابي ﵀: إن صحت اللفظة؛ لم يجز مخالفتها، وهي فائدة قوله: «اعرف عفاصها ... »، وإلا فالاحتياط مع من لم يرَ الرد إلا بالبينة.
قال: ويتأول قوله: «اعرف عفاصها ... » على أنه أمره بذلك؛ لئلا تختلط بماله، أو لتكون الدعوى فيها معلومة، وَذَكَر غيرُه من فوائد ذلك أيضًا أن يعرف صدق المدعي من كذبه، وأنَّ فيه تنبيهًا على حفظ الوعاء وغيره؛ لأنَّ العادة جرت بإلقائه إذا أخذت النفقة، وأنه إذا نبه على حفظ الوعاء كان فيه تنبيه على حفظ المال من باب أولى.
قال الحافظ ﵀: قد صحت هذه الزيادة؛ فتعين المصير إليها. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٧]: إذا عرف بعض الصفات دون بعض ؟
• قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٤٢٧): واختلفوا فيما إذا عرف بعض الصفات دون بعض بناء على القول بوجوب الدفع لمن عرف الصفة، قال ابن القاسم: لابد من ذكر جميعها. وكذا قال أصبغ، لكن قال: لا يشترط معرفة العدد. وقول ابن القاسم أقوى؛ لثبوت ذكر العدد في الرواية الأخرى، وزيادة الحافظ حجة. اهـ
стр. 3781
مسألة [١٨]: إذا جاء اثنان يدعيان اللقطة ووصفاها ؟
• الصحيح عند الحنابلة أنه يقرع بينهما، فمن وقعت له القرعة حلف أنها له، وسلمت إليه، وهكذا إن أقاما بينتين؛ أقرع بينهما، فمن وقعت له القرعة حلف ودفعت إليه. ذكره القاضي الحنبلي.
• وقال أبو الخطاب الحنبلي: تقسم بينهما.
ورجح ابن قدامة القول الأول، وقال: هو أصح، وأشبه بأصولنا فيما إذا تداعيا عينًا في يد غيرهما.
قلتُ: وهو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٩]: إذا وصف أحدٌ اللقطة، فدفعها إليه، ثم جاء آخر بالبينة أنها ملكه ؟
ذكر أهل العلم أن صاحب البينة مقدم على الذي وصف؛ لأنَّ حجة البينة أقوى من حجة الوصف.
• قالوا: فإن كانت قد دفعت إلى الذي وصف؛ انتزعت منه، وأعطي صاحب البينة؛ فإن كان قد أتلفها، فقولان:
الأول: لصاحبها تضمين من شاء من الواصف، أو الملتقط، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية، ويستقر على الواصف.
стр. 3782
الثاني: لا يلزم الملتقط شيء، ولا يضمن، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض المالكية، وأبي عبيد، وهو الصحيح؛ لأنه لم يفرط، وقد فعل ما أُمر به. (١)
مسألة [٢٠]: هل للملتقط أن يدفعها إلى من ادعاها بدون وصف ولا بينة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣١٢): وَلَوْ جَاءَ مُدَّعٍ لِلُقَطَةٍ، فَلَمْ يَصِفْهَا، وَلَا أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ؛ لَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَيْهِ، سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ أَوْ كَذِبُهُ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَى مَنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ صَاحِبُهَا، كَالْوَدِيعَةِ؛ فَإِنْ دَفَعَهَا، فَجَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا، أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً؛ لَزِمَ الْوَاصِفَ (٢) غَرَامَتُهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى مَالِكِهَا بِتَفْرِيطِهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى مُدَّعِيهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ، وَلِصَاحِبِهَا تَضْمِينُ آخِذِهَا، فَإِذَا ضَمَّنَهُ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ. وَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَدَّعِيهَا؛ فَلِلْمُلْتَقِطِ مُطَالَبَةُ آخِذِهَا بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَجِيءَ صَاحِبِهَا، فَيُغَرِّمُهُ إيَّاهَا، وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَمَلَكَ أَخْذَهَا مِنْ غَاصِبِهَا، كَالْوَدِيعَةِ. اهـ (٣)
مسألة [٢١]: اللقطة في أثناء الحول أمانة في يد الملتقط .
اللقطة في الحول أمانة في يد الملتقط بلا خلاف بين أهل العلم؛ فإن تلفت بغير تفريطه؛ فلا ضمان عليه كالوديعة، ومتى جاء صاحبها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة؛ لأنها نماء ملكه، وإن أتلفها الملتقط، أو تلفت بتفريطه؛ ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، وبقيمتها إن لم يكن لها مثل، قال ابن
стр. 3783
قدامة: لا أعلم في هذا خلافًا. (١)
مسألة [٢٢]: ما الحكم إذا تلفت على صاحبها بعد الحول ؟
الذين قالوا: تدخل اللقطة في ملك الملتقط بمضي الحول حكمًا كالميراث، فالحكم عندهم أنها تتلف على الملتقط، وأما صاحبها إذا جاء فله بدلها؛ «فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر؛ فأدها إليه».
وأما الذين قالوا: لا تدخل اللقطة في ملكه إلا أن يتملكها؛ فالحكم عندهم أنه إن كان قد تملكها فكما قال الأولون، وإن لم يكن قد تملكها؛ فلا يضمن إلا بالتفريط، وهذا هو الصواب.
وأما من قال: لا يتملكها الملتقط كالحسن، والنخعي، ومالك، وأبي يوسف، وأبي حنيفة، فالحكم عندهم أنه لا يضمن إلا بالتفريط تملك، أو لم يتملك. وقال داود: إذا تملك العين، ثم أتلفها؛ لم يضمنها. وحُكي رواية عن أحمد. (٢)
مسألة [٢٣]: إذا عرفها الملتقط عامًا، ثم باعها، فوجدها صاحبها بعد بيعها، أو هبتها ؟
قال أبو محمد المقدسي ﵀ في المغني» (٨/ ٣١٤): وَإِنْ وَجَدَ الْعَيْنَ بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ مِلْكِ المُلْتَقِطِ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، وَلَهُ أَخْذُ بَدَلِهَا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ المُلْتَقِطِ وَقَعَ صَحِيحًا؛ لِكَوْنِهَا صَارَتْ فِي مِلْكِهِ. وَإِنْ
стр. 3784
صَادَفَهَا قَدْ رَجَعَتْ إلَى المُلْتَقِطِ بِفَسْخٍ، أَوْ شِرَاءٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَلَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ؛ فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ. اهـ
مسألة [٢٤]: إذا أخذ اللقطة، ثم ردها إلى موضعها، فهل يضمن ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ عليه الضمان، وهو قول طاوس؛ لأنها أمانة حصلت في يده؛ فلزمه حفظها، فإذا ضيعها؛ لزمه ضمانها كما لو ضيع الوديعة.
• ومذهب مالك أنه لا يضمن؛ لما رواه في «موطئه» (٢/ ٧٥٩) بإسناد صحيح عن عمر أنه قال لرجل وجد بعيرًا فأخذه: أرسله حيث وجدته. ولما روى أبو داود (١٧٢٠)، وأحمد (٤/ ٣٦٠) عن جرير بن عبدالله أنه رأى بقرة قد لحقت ببقره، فطردها حتى توارت.
وقد أُجيب عن استدلال مالك: بأنَّ أثر عمر كان في ضالة لا يحل التقاطها، وهي الإبل، وحديث جرير فيه ضعفٌ؛ لأنَّ في إسناده الضحاك بن المنذر، وهو مجهول، وقد ضعفه الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (١٥٦٣)، وعلى صحته؛ فإنه لم يأخذ البقرة، ولا أخذها غلامه، إنما لحقت بالبقر من غير فعله ولا اختياره.
قال أبو عبد الله غفر الله له: لو قيل: (إنه لا يضمن لو أعادها في الحال، أو في مدة يسيرة لا يتوقع فيها رجوع صاحبها، ويضمن في غير ذلك)؛ لكان قريبًا، والله أعلم. (١)
стр. 3785
مسألة [٢٥]: إن ضاعت اللقطة من ملتقطها بغير تفريط ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣١٦): لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ؛ فَإِنْ الْتَقَطَهَا آخَرُ، فَعَرَفَ أَنَّهَا ضَاعَتْ مِنْ الْأَوَّلِ؛ فَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ التَّمَوُّلِ، وَوِلَايَةُ التَّعْرِيفِ، وَالْحِفْظِ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِالضَّيَاعِ؛ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي بِالْحَالِ حَتَّى عَرَّفَهَا حَوْلًا، مَلَكَهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ كَالْأَوَّلِ، وَلَا يَمْلِكُ الْأَوَّلُ انْتِزَاعَهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ التَّمَلُّكِ، وَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَهُ أَخْذُهَا مِنْ الثَّانِي، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ. اهـ
مسألة [٢٦]: إذا غصبها غاصب من الملتقط وعرفها، فهل يملكها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣١٦): فَأَمَّا إنْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ الْمُلْتَقِطِ، فَعَرَّفَهَا؛ لَمْ يَمْلِكْهَا، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ مُعْتَدٍ بِأَخْذِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبُ تَمَلُّكِهَا؛ فَإِنَّ الِالْتِقَاطَ مِنْ جُمْلَةِ السَّبَبِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ. اهـ
مسألة [٢٧]: من اصطاد سمكة فوجد فيها جوهرة ؟
إن كانت الجوهرة مما لا يوجد في البحر على ذلك الشكل، كأن يجدها مصنعة، أو دنانير، أو ما أشبهه؛ فحكمها حكم اللقطة، وإن كانت الجوهرة مما يستخرج من البحر فهي ملك للصياد؛ فإن باعها الصياد ولم يعلم، فوجدها المشتري في بطنها؛ فهي للصياد، نصَّ عليه أحمد؛ لأنه لو علم ما في بطنها لم يرض