← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

مسألة [١٨]: إذا جاء اثنان يدعيان اللقطة ووصفاها ؟ • الصحيح عند الحنابلة أنه يقرع بينهما، فمن وقعت له القرعة حلف أنها له، وسلمت إليه، وهكذا إن أقاما بينتين؛ أقرع بينهما، فمن وقعت له القرعة حلف ودفعت إليه. ذكره القاضي الحنبلي. • وقال أبو الخطاب الحنبلي: تقسم بينهما. ورجح ابن قدامة القول الأول، وقال: هو أصح، وأشبه بأصولنا فيما إذا تداعيا عينًا في يد غيرهما. قلتُ: وهو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [١٩]: إذا وصف أحدٌ اللقطة، فدفعها إليه، ثم جاء آخر بالبينة أنها ملكه ؟ ذكر أهل العلم أن صاحب البينة مقدم على الذي وصف؛ لأنَّ حجة البينة أقوى من حجة الوصف. • قالوا: فإن كانت قد دفعت إلى الذي وصف؛ انتزعت منه، وأعطي صاحب البينة؛ فإن كان قد أتلفها، فقولان: الأول: لصاحبها تضمين من شاء من الواصف، أو الملتقط، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية، ويستقر على الواصف.

стр. 3782

الثاني: لا يلزم الملتقط شيء، ولا يضمن، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض المالكية، وأبي عبيد، وهو الصحيح؛ لأنه لم يفرط، وقد فعل ما أُمر به. (١) مسألة [٢٠]: هل للملتقط أن يدفعها إلى من ادعاها بدون وصف ولا بينة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣١٢): وَلَوْ جَاءَ مُدَّعٍ لِلُقَطَةٍ، فَلَمْ يَصِفْهَا، وَلَا أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ؛ لَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَيْهِ، سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ أَوْ كَذِبُهُ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَى مَنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ صَاحِبُهَا، كَالْوَدِيعَةِ؛ فَإِنْ دَفَعَهَا، فَجَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا، أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً؛ لَزِمَ الْوَاصِفَ (٢) غَرَامَتُهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى مَالِكِهَا بِتَفْرِيطِهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى مُدَّعِيهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ، وَلِصَاحِبِهَا تَضْمِينُ آخِذِهَا، فَإِذَا ضَمَّنَهُ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ. وَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَدَّعِيهَا؛ فَلِلْمُلْتَقِطِ مُطَالَبَةُ آخِذِهَا بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَجِيءَ صَاحِبِهَا، فَيُغَرِّمُهُ إيَّاهَا، وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَمَلَكَ أَخْذَهَا مِنْ غَاصِبِهَا، كَالْوَدِيعَةِ. اهـ (٣) مسألة [٢١]: اللقطة في أثناء الحول أمانة في يد الملتقط . اللقطة في الحول أمانة في يد الملتقط بلا خلاف بين أهل العلم؛ فإن تلفت بغير تفريطه؛ فلا ضمان عليه كالوديعة، ومتى جاء صاحبها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة؛ لأنها نماء ملكه، وإن أتلفها الملتقط، أو تلفت بتفريطه؛ ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، وبقيمتها إن لم يكن لها مثل، قال ابن

стр. 3783

قدامة: لا أعلم في هذا خلافًا. (١) مسألة [٢٢]: ما الحكم إذا تلفت على صاحبها بعد الحول ؟ الذين قالوا: تدخل اللقطة في ملك الملتقط بمضي الحول حكمًا كالميراث، فالحكم عندهم أنها تتلف على الملتقط، وأما صاحبها إذا جاء فله بدلها؛ «فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر؛ فأدها إليه». وأما الذين قالوا: لا تدخل اللقطة في ملكه إلا أن يتملكها؛ فالحكم عندهم أنه إن كان قد تملكها فكما قال الأولون، وإن لم يكن قد تملكها؛ فلا يضمن إلا بالتفريط، وهذا هو الصواب. وأما من قال: لا يتملكها الملتقط كالحسن، والنخعي، ومالك، وأبي يوسف، وأبي حنيفة، فالحكم عندهم أنه لا يضمن إلا بالتفريط تملك، أو لم يتملك. وقال داود: إذا تملك العين، ثم أتلفها؛ لم يضمنها. وحُكي رواية عن أحمد. (٢) مسألة [٢٣]: إذا عرفها الملتقط عامًا، ثم باعها، فوجدها صاحبها بعد بيعها، أو هبتها ؟ قال أبو محمد المقدسي ﵀ في المغني» (٨/ ٣١٤): وَإِنْ وَجَدَ الْعَيْنَ بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ مِلْكِ المُلْتَقِطِ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، وَلَهُ أَخْذُ بَدَلِهَا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ المُلْتَقِطِ وَقَعَ صَحِيحًا؛ لِكَوْنِهَا صَارَتْ فِي مِلْكِهِ. وَإِنْ

стр. 3784

صَادَفَهَا قَدْ رَجَعَتْ إلَى المُلْتَقِطِ بِفَسْخٍ، أَوْ شِرَاءٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَلَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ؛ فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ. اهـ مسألة [٢٤]: إذا أخذ اللقطة، ثم ردها إلى موضعها، فهل يضمن ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ عليه الضمان، وهو قول طاوس؛ لأنها أمانة حصلت في يده؛ فلزمه حفظها، فإذا ضيعها؛ لزمه ضمانها كما لو ضيع الوديعة. • ومذهب مالك أنه لا يضمن؛ لما رواه في «موطئه» (٢/ ٧٥٩) بإسناد صحيح عن عمر أنه قال لرجل وجد بعيرًا فأخذه: أرسله حيث وجدته. ولما روى أبو داود (١٧٢٠)، وأحمد (٤/ ٣٦٠) عن جرير بن عبدالله أنه رأى بقرة قد لحقت ببقره، فطردها حتى توارت. وقد أُجيب عن استدلال مالك: بأنَّ أثر عمر كان في ضالة لا يحل التقاطها، وهي الإبل، وحديث جرير فيه ضعفٌ؛ لأنَّ في إسناده الضحاك بن المنذر، وهو مجهول، وقد ضعفه الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (١٥٦٣)، وعلى صحته؛ فإنه لم يأخذ البقرة، ولا أخذها غلامه، إنما لحقت بالبقر من غير فعله ولا اختياره. قال أبو عبد الله غفر الله له: لو قيل: (إنه لا يضمن لو أعادها في الحال، أو في مدة يسيرة لا يتوقع فيها رجوع صاحبها، ويضمن في غير ذلك)؛ لكان قريبًا، والله أعلم. (١)

стр. 3785

مسألة [٢٥]: إن ضاعت اللقطة من ملتقطها بغير تفريط ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣١٦): لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ؛ فَإِنْ الْتَقَطَهَا آخَرُ، فَعَرَفَ أَنَّهَا ضَاعَتْ مِنْ الْأَوَّلِ؛ فَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ التَّمَوُّلِ، وَوِلَايَةُ التَّعْرِيفِ، وَالْحِفْظِ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِالضَّيَاعِ؛ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي بِالْحَالِ حَتَّى عَرَّفَهَا حَوْلًا، مَلَكَهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ كَالْأَوَّلِ، وَلَا يَمْلِكُ الْأَوَّلُ انْتِزَاعَهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ التَّمَلُّكِ، وَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَهُ أَخْذُهَا مِنْ الثَّانِي، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ. اهـ مسألة [٢٦]: إذا غصبها غاصب من الملتقط وعرفها، فهل يملكها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣١٦): فَأَمَّا إنْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ الْمُلْتَقِطِ، فَعَرَّفَهَا؛ لَمْ يَمْلِكْهَا، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ مُعْتَدٍ بِأَخْذِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبُ تَمَلُّكِهَا؛ فَإِنَّ الِالْتِقَاطَ مِنْ جُمْلَةِ السَّبَبِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ. اهـ مسألة [٢٧]: من اصطاد سمكة فوجد فيها جوهرة ؟ إن كانت الجوهرة مما لا يوجد في البحر على ذلك الشكل، كأن يجدها مصنعة، أو دنانير، أو ما أشبهه؛ فحكمها حكم اللقطة، وإن كانت الجوهرة مما يستخرج من البحر فهي ملك للصياد؛ فإن باعها الصياد ولم يعلم، فوجدها المشتري في بطنها؛ فهي للصياد، نصَّ عليه أحمد؛ لأنه لو علم ما في بطنها لم يرض

стр. 3786

بزوال ملكه عنها. (١) مسألة [٢٨]: إذا صاد صيدًا عليه علامة التملك ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣١٨): وَإِنْ صَادَ غَزَالًا، فَوَجَدَهُ مَخْضُوبًا، أَوْ فِي عُنُقِهِ حِرْزٌ، أَوْ فِي أُذُنِهِ قُرْطٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، فَهُوَ لُقَطَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا. اهـ مسألة [٢٩]: من أخذت ثيابه من الحمام ووجد بدلها، أو أخذ نعله من المسجد ووجد بدله ؟ نقل ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣١٩ - ٣٢٠) عن أحمد أنه قال فِيمَنْ سُرِقَتْ ثِيَابُهُ وَوَجَدَ غَيْرَهَا: لَا يَأْخُذْهَا؛ فَإِنْ أَخَذَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا. قال: وَإنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَارِقَ الثِّيَابِ لَمْ تَجْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهَا مُعَاوَضَةٌ تَقْتَضِي زَوَالَ مِلْكِهِ عَنْ ثِيَابِهِ، فَإِذَا أَخَذَهَا؛ فَقَدْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ، فَيُعَرِّفُهُ كَاللُّقَطَةِ. قال ابن قدامة: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْظَرَ فِي هَذَا؛ فَإِنْ كَانَتْ ثَمَّ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى السَّرِقَةِ، بِأَنْ تَكُونَ ثِيَابُهُ أَوْ مَدَاسُهُ خَيْرًا مِنْ الْمَتْرُوكَةِ، وَكَانَتْ مِمَّا لَا تَشْتَبِهُ عَلَى الْآخِذِ بِثِيَابِهِ وَمَدَاسِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا جُعِلَ فِي الْمَالِ الضَّائِعِ عَنْ رَبِّهِ، لِيَعْلَمَ بِهِ وَيَأْخُذَهُ، وَتَارِكُ هَذَا عَالِمٌ بِهِ رَاضٍ بِبَدَلِهِ عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ، وَلَا يَعْتَرِفُ أَنَّهُ لَهُ، فَلَا يَحْصُلُ فِي تَعْرِيفِهِ فَائِدَةٌ، فَإِذًا لَيْسَ هُوَ بِمَنْصُوصٍ

стр. 3787

عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَفِيمَا يَصْنَعُ بِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. الثَّانِي: أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا فِي الظَّاهِرِ تَرَكَهَا لَهُ بَاذِلًا إيَّاهَا لَهُ؛ عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ، فَصَارَ كَالْمُبِيحِ لَهُ أَخْذَهَا بِلِسَانِهِ، فَصَارَ كَمَنْ قَهَرَ إنْسَانًا عَلَى أَخْذِ ثَوْبِهِ، وَدَفَعَ إلَيْهِ دِرْهَمًا. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَرْفَعُهَا إلَى الْحَاكِمِ، لِيَبِيعَهَا وَيَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهَا عِوَضًا عَنْ مَالِهِ. قال: وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَقْرَبُ إلَى الرِّفْقِ بِالنَّاسِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا لِمَنْ سُرِقَتْ ثِيَابُهُ، بِحُصُولِ عِوَضٍ عَنْهَا، وَنَفْعًا لِلسَّارِقِ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُ مِنْ الْإِثْمِ، وَحِفْظًا لِهَذِهِ الثِّيَابِ الْمَتْرُوكَةِ مِنْ الضَّيَاعِ، وَقَدْ أَبَاحَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَنْ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ حَقٌّ مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ، إذَا عَجَزَ عَنْ اسْتِيفَائِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُنَا مَعَ رِضَاءِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِأَخْذِهِ أَوْلَى. قال: وَإِنْ كَانَتْ ثَمَّ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْآخِذَ لِلثِّيَابِ إنَّمَا أَخَذَهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا ثِيَابُهُ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْمَتْرُوكَةُ خَيْرًا مِنْ الْمَأْخُوذَةِ أَوْ مَثَلَهَا، وَهِيَ مِمَّا تَشْتَبِهُ بِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا هَاهُنَا، وَبَعْدَ التَّعْرِيفِ إذَا لَمْ تُعْرَفْ، فَفِيهَا الْأَوْجُهُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ... ، وَلَكِن لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ قِيْمَةِ ثِيَابِهِ، وَالْبَاقِي يَصْنَعُ بِهَا مَا تَقَدَّمَ. انتهى بتصرف يسير في الأخير. مسألة [٣٠]: ما الحكم إذا مات الملتقط ؟ إذا مات الملتقط واللقطة موجودة بعينها؛ قام وارثه مقامه في إتمام تعريفها إن مات قبل الحول، ويملكها بعد إتمام التعريف؛ فإن مات بعد الحول ورثها

стр. 3788

الوارث كسائر أموال الميت، ومتى جاء صاحبها؛ أخذها من الوارث كما يأخذها من الموروث؛ فإن كانت معدومة العين فصاحبها غريم للميت بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، أو بقيمتها إن لم تكن كذلك، فيأخذ ذلك من تركته إن اتسعت لذلك، وإن ضاقت التركة؛ زاحم الغرماء ببدلها. (١) مسألة [٣١]: إذا وجد الصبي والمجنون والسفيه لقطة، فما الحكم ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٣٣): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ، وَالْمَجْنُونَ، وَالسَّفِيهَ، إذَا الْتَقَطَ أَحَدُهُمْ لُقَطَةً؛ ثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّ هَذَا تَكَسُّبٌ، فَصَحَّ مِنْهُ، كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ. وَإِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا لَهُ أَخْذُهُ. وَإِنْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ؛ ضَمِنَهَا فِي مَالِهِ. وَإِذَا عَلِمَ بِهَا وَلِيُّهُ؛ لَزِمَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْأَمَانَةِ؛ فَإِنْ تَرَكَهَا فِي يَدِهِ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الصَّبِيِّ. وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُ، فَإِذَا تَرَكَهَا فِي يَدِهِ كَانَ مُضَيِّعًا لَهَا، وَإِذَا أَخَذَهَا الْوَلِيُّ، عَرَّفَهَا؛ لِأَنَّ وَاجِدَهَا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّعْرِيفِ، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ؛ دَخَلَتْ فِي مِلْكِ وَاجِدِهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ تَمَّ شَرْطُهُ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ، كَمَا لَوْ اصْطَادَ صَيْدًا. اهـ المراد. مسألة [٣٢]: إذا وجد العبد لقطة، فهل له أخذها بغير إذن سيده ؟ • مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة أنَّ للعبد أن يلتقط بغير إذن سيده، ويصح التقاطه؛ لعموم الخبر، ولأنه يملك به الصبي، ويصح منه؛ فالعبد كذلك، ولأنَّ

стр. 3789

الالتقاط تخليص مال من الهلاك؛ فجاز من العبد بغير إذن سيده، كإنقاذ المال الغريق، والمغصوب، وهذا قول الشافعي. • وللشافعي قول آخر: أنه لا يصح التقاطه، وهو اختيار المزني؛ لأنَّ الالتقاط يقتضي أمانة وولاية في مدة التعريف، وتملكًا بعوض في ذمته، والعبد ليس من أهل الأمانة والولاية، ولا ذمة له يستوفي الحق منها؛ فلم يصح. قلتُ: والصحيح القول الأول؛ إلا أنَّ اللقطة موقوفة بإذن سيده؛ لأنَّ اللقطة تحتاج إلى تعريف، وبعض الانشغال بذلك، وليس للعبد أن ينشغل بذلك إلا بإذن سيده؛ فإن التقط بغير إذن سيده فإما أن يجيزه السيد؛ فلا إشكال، وإما أن لا يجيزه على ذلك؛ فينبغي للعبد إعادتها، والله أعلم. فعلى هذا إذا علم السيد بلقطة العبد؛ كان له انتزاعها منه؛ لأنها من كسب العبد، وللسيد انتزاع كسبه من يده، فإذا انتزعها بعد أن عرفها العبد؛ ملكها، و إن كان لم يعرفها؛ عرفها سيده حولًا كاملًا، وإن كان العبد قد عرفها بعض الحول؛ عرَّفها السيد تمامه؛ فإن اختار السيد إقرارها في يد عبده؛ نظرت: فإن كان العبد أمينًا؛ جاز، وكان السيد مستعينًا بعبده في حفظها كما يستعين به في حفظ ماله، وإن كان العبد غير أمين؛ كان السيد مفرطًا بإقرارها في يده، ولزمه ضمانها. وإن أعتق السيد عبده بعد الالتقاط؛ فله انتزاع اللقطة من يده؛ لأنها من كسبه، وأكسابه لسيده. (١)

стр. 3790

مسألة [٣٣]: هل للذمي أن يلتقط ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٣٦): وَالذِّمِّيُّ فِي الِالْتِقَاطِ كَالمُسْلِمِ. وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ الِالْتِقَاطُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ. وَلَنَا أَنَّهَا نَوْعُ اكْتِسَابٍ؛ فَكَانَ مِنْ أَهْلِهَا، كَالْحَشِّ وَالِاحْتِطَابِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُهُمَا، مَعَ عَدَمِ الْأَمَانَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ إنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلًا كَامِلًا، مَلَكَهَا كَالمُسْلِمِ، وَإِنْ عَلِمَ بِهَا الْحَاكِمُ أَوْ السُّلْطَانُ، أَقَرَّهَا فِي يَدِهِ، وَضَمَّ إلَيْهِ مُشْرِفًا عَدْلًا يُشْرِفُ عَلَيْهِ، وَيُعَرِّفُهَا؛ لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ الْكَافِرَ عَلَى تَعْرِيفِهَا، وَلَا نَأْمَنُهُ أَنْ يُخِلَّ فِي التَّعْرِيفِ بِشَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَأَجْرُ المُشْرِفِ عَلَيْهِ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ مَلَكَهَا المُلْتَقِطُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُنْزَعَ مِنْ يَدِ الذِّمِّيِّ، وَتُوضَعَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا. اهـ (١) مسألة [٣٤]: إذا التقطها مسلم فاسق ليس بأمين ؟ • يصح التقاطه، وإن علم الحاكم، أو السلطان بها؛ أقرها في يده، وضم إليه مشرفًا يشرف عليه، ويتولى تعريفها كما تقدم في الذمي، وهو قول الحنابلة، وأبي حنيفة، وقول للشافعي. • والقول الآخر للشافعي أنها تنزع من يده، وتوضع في يد عدل يتولى الحفظ والتعريف، والقول الأول أرجح. (٢)

стр. 3791

مسألة [٣٥]: ضالة الغنم هل تلتقط ؟ • جمهور العلماء على جواز التقاطها؛ لحديث: «هي لك، أو لأخيك، أو للذئب»، وفي رواية زيادة: «خذها، فإنما هي لك ... »، وعن أحمد رواية: ليس لغير الإمام التقاطها. وقال الليث: لا أحب أن يقربها إلا أن يحوزها لصاحبها؛ لأنه حيوان أشبه الإبل؛ ولحديث: «من آوى ضالة؛ فهو ضال». والصحيح قول الجمهور، وفي حديثهم: «مالم يعرفها»، والقياس على الإبل لا يصح؛ لوجود الفارق، وقد فرَّق النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بين الجوابين. (١) مسألة [٣٦]: هل تعرف إذا أخذها ؟ • الجمهور من أهل العلم على تعريفها كغيرها من اللقطات؛ لحديث زيد بن خالد الذي في مسلم «من آوى ضالة؛ فهو ضال مالم يعرفها». • ومذهب الشافعي أنه لا يجب تعريفها إذا وجدت في الفلاة، وهو مذهب مالك. والصحيح قول الجمهور، سواء كانت في فلاة، أو في قرية عامرة؛ لعموم الحديث الوارد فيها، والله أعلم. (٢) تنبيه: نقل الحافظ عن الشافعي أن له أخذها بدون تعريف إذا كانت في

стр. 3792

الفلاة، وظاهر كلام صاحب «البيان»: أنَّ مذهب الشافعية التعريف؛ فالظاهر أن لهم في ذلك قولين. مسألة [٣٧]: هل يجوز التقاطها للتملك بعد التعريف ؟ • مذهب الجمهور جواز ذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب»، ومقتضى قول الليث أنها كالإبل أنه لا يجوز ذلك، والصحيح قول الجمهور. (١) مسألة [٣٨]: ماذا يصنع الملتقط بالشاة ؟ • هو مخير بين ثلاثة أمور على خلافٍ بين أهل العلم في بعضها: أولا: أكلها. أما إذا كانت الشاة في فلاة، أو صحراء، أو موضع بعيد من العمران مخوف عليها؛ فله أكلها بالإجماع. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّ ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها. واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هي لك، أو لأخيك، أو للذئب»، فجعلها له في الحال، وسوَّى بينه وبين الذئب، والذئب لا يستأني في أكلها، ولأنَّ في أكلها في الحال إغناء عن الإنفاق عليها، فربما تأخرت عنده، فاستغرقت النفقة قيمة الشاة. ومتى أراد أكلها؛ حفظ صفتها، وعرَّفها، فمتى جاء صاحبها؛ غرمها له في قول

стр. 3793

عامة أهل العلم إلا مالكًا؛ فإنه قال: كُلْهَا ولا غرم عليك لصاحبها، ولا تعريف. واستدل بالحديث: «هي لك، أو لأخيك، أو للذئب»؛ فإنه ليس فيه ذكر التعريف، أو الغرامة. قال ابن عبد البر: لم يوافق أحد من العلماء مالكًا على قوله. وقد أُجيب عن مالك: بأنَّ التعريف ثابتٌ بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من آوى ضالة؛ فهو ضال مالم يعرفها»، وقد جاء من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود (١٧١٠)، والترمذي (١٢٨٩)، والنسائي (٨/ ٨٤)، والطحاوي (٤/ ١٣٥ - ١٣٦): «اجمعها حتى يأتيها باغيها» يعني لقطة الشاة، وفي رواية: «احبس على أخيك ضالته». وأُجيب عن مالك: بعدم ذكر الغرامة أنها مفهومة من التعريف كما وجبت في لقطة الذهب والفضة، وقد استدل لقول مالك بأنَّ اللام للتمليك بقوله: «هي لك». قال الحافظ ﵀: وَأُجِيبَ بِأَنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ الذِّئْبَ لَا يَمْلِكُ وَإِنَّمَا يَمْلِكُهَا المُلْتَقِط عَلَى شَرْطِ ضَمَانِهَا. قال: وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ صَاحِبُهَا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهَا الْمُلْتَقِط؛ لَأَخَذَهَا؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا بَاقِيَة عَلَى مِلْك صَاحِبِهَا، وَلَا فَرْق بَيْنَ قَوْلِهِ فِي الشَّاةِ: «هِيَ لَك، أَوْ لِأَخِيك، أَوْ لِلذِّئْبِ»، وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي اللُّقَطَةِ: «شَأْنك بِهَا، أَوْ خُذْهَا» بَلْ هُوَ أَشْبَهُ بِالتَّمَلُّكِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ مَعَهُ ذِئْبًا وَلَا غَيْرَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَالُوا فِي النَّفَقَةِ يَغْرَمُهَا إِذَا تَصَرَّفَ فِيهَا، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبهَا. اهـ

стр. 3794

• وأما إذا كانت الشاة في المصر والقرية العامرة فاختلف أهل العلم في جواز أكلها، فمذهب مالك، والشافعي أنه لا يجوز أكلها؛ لأنه يمكنه بيعها، بخلاف الصحراء، وهو قول أبي عبيد، وابن المنذر. • ومذهب الحنابلة أنَّ له أكلها، فكما جاز أكلها في الصحراء؛ جاز في المصر، وفي الحديث: «هي لك ... » بدون تفريق بين الصحراء، والمصر، ولأنَّ أكلها معلل بما ذكر من الاستغناء عن الإنفاق عليها، وهذا في المصر أشد منه في الصحراء. ورجح هذا القول ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٣/ ٦٥٩ - )، فقال: وهو أفقه وأقرب إلى مصلحة الملتقط والمالك؛ إذ قد يكون تعريفها سنة مستلزمًا لتغريم مالكها أضعاف قيمتها إن قلنا: يرجع عليه بنفقتها. وإن قلنا: لا يرجع. استلزم تغريم الملتقط ذلك. وإن قيل: يدعها ولا يلتقطها. كانت للذئب وتلفت، والشارع لا يأمر بضياع الأموال ... وانظر بقية كلامه. وهو ظاهر اختيار اللجنة الدائمة (١٥/ ٤٦٩)، وهو الصحيح. (١) ثانيًا: إمساكها والنفقة عليها. ذكر أهل العلم أنَّ للملتقط أن يمسكها عنده وينفق عليها؛ فإن أنفق عليها متبرعًا؛ فلا يرجع بالنفقة على صاحبها.

стр. 3795

• واختلفوا إذا أنفق عليها قاصدًا الرجوع بالنفقة على صاحبها هل له ذلك، أم لا؟ فذهب عمر بن عبد العزيز إلى أنَّ له الرجوع، وهو رواية عن أحمد، وقال به مالك. وذهب الشعبي إلى أنه لا يرجع، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية. قلتُ: والقول الأول أظهر، وهو ظاهر اختيار اللجنة الدائمة، ولكن يحسب عليه من النفقة ما استفاده من اللبن، والصوف، وما أشبه ذلك، والله أعلم. (١) ثالثها: أن يبيعها، و يحفظ ثمنها. ذكر أهل العلم أنَّ للملتقط أن يبيعها ويحفظ ثمنها، وقال بعض أصحاب الشافعي: يبيعها بإذن الإمام. والظاهر أنه لا يشترط ذلك، والله أعلم. (٢) تنبيه: إذا أكلها؛ ثبتت قيمتها في ذمته، ولا يلزمه عزلها؛ لعدم الفائدة في ذلك؛ فإنها لا تنتقل من الذمة إلى المال المعزول، ولو عزل شيئًا، ثم أفلس؛ كان صاحب اللقطة أسوة الغرماء، ولم يختص بالمال المعزول. وإن باعها وحفظ ثمنها وجاء صاحبها؛ أخذه، ولم يشاركه أحد من الغرماء؛ لأنه عين ماله لا شيء للمفلس فيه. (٣)

стр. 3796

تنبيه آخر: إذا اختار أكلها؛ فلا ينبغي له التعجل عند أهل العلم، بل ينتظر أيامًا قليلة رجاء وجود صاحبها. تنبيه ثالث: الأحكام المتقدمة في الشاة تجري على كل حيوان صغير مملوك لا يمتنع بنفسه من صغار السباع، وهي الثعلب، وابن آوى، والذئب، وولد الأسد، ونحوها، فما لا يمتنع منها كفصلان الإبل، وعجول البقر، وأفلاء الخيل، والدجاج، والأوز، ونحوها؛ فحكمه كأحكام الشاة المتقدمة. (١) مسألة [٣٩]: هل يجوز التقاط ضالة الإبل ؟ أما إذا وجدها في صحراء؛ فلا يلتقطها عند أكثر أهل العلم خلافًا للحنفية؛ فإنهم قالوا: الأولى التقاطها كالشاة، ودليل الجمهور حديث زيد بن خالد الجهني الذي في الباب. • واختلفوا: هل يلتقطها إذا وجدها في قرية؟ فمذهب أحمد، والأوزاعي، وأبي عبيد، والشافعي في قول، وأبي عبيد وغيرهم أنها لا تلتقط؛ لعموم الدليل المذكور. • وقال مالك، والليث: يأخذها ويعرفها، وهو قول للشافعي، وهو قول أبي حنيفة. والصحيح أنه لا يلتقطها، ولا يجوز له ذلك؛ لحديث زيد بن خالد، والله أعلم. (٢)

стр. 3797

مسألة [٤٠]: الخيل والبغال والبقر والحمير، هل تلتقط ؟ • ألحق الحنابلة، والشافعية هذه الأمور المذكورة بالإبل؛ لكبرها، فتمتنع من صغار السباع. • ومذهب مالك أنها تلتقط وتعرف. وأنكر ابن قدامة إلحاق الحمير بالإبل، وقال: إلحاقها بالشاة أولى؛ لقلة صبرها على الماء، وعدم امتناعها من السباع. قلتُ: علل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عدم التقاط الإبل بما ليس موجودًا في الحيوانات المذكورة؛ فإن الإبل يصبر على ما لا يصبر عليه غيره، فعدم الإلحاق أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٤١]: إذا خالف إنسان والتقط بعيرًا؛ فما الحكم ؟ • يكون ضامنًا له، وعليه أن يعرفه، ويبحث عن صاحبه، وليس له تملكه؛ لأنه متعدي، وإن أعاده إلى مكانه؛ فلا يزال ضامنًا عند أحمد، والشافعي. • ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنه لا يضمنه، وجاء عن عمر بإسناد صحيح أنه أمر رجلًا بإرساله حيث وجده. أخرجه مالك في «الموطإ» (٢/ ٧٥٩). (٢) مسألة [٤٢]: هل للإمام أن يجعل للضوال مكانًا يحفظها لصاحبها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٤٥): وَلِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَخْذُ الضَّالَّةِ عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ حَمَى مَوْضِعًا يُقَالُ لَهُ النَّقِيعُ لِخَيْلِ

стр. 3798

الْمُجَاهِدِينَ وَالضَّوَالِّ، وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا فِي حِفْظِ مَالِ الْغَائِبِ، وَفِي أَخْذِ هَذِهِ حِفْظٌ لَهَا عَنْ الْهَلَاكِ. وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يَكُنْ يُعَرِّفُ الضَّوَالَّ. وَلِأَنَّهُ إذَا عُرِفَ ذَلِكَ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ ضَالَّةٌ؛ فَإِنَّهُ يَجِيءُ إلَى مَوْضِعِ الضَّوَالِّ، فَإِذَا عَرَفَ ضَالَّتَهُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا وَأَخَذَهَا، وَلَا يَكْتَفِي فِيهَا بِالصِّفَةِ؛ لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَعْرِفُ صِفَاتِهَا مَنْ رَآهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا. اهـ قلتُ: أثر عمر أخرجه مالك (٢/ ٧٥٩) من طريق الزهري عنه؛ فهو منقطع، ولكن لا بأس إن شاء الله للإمام أن يفعل ذلك إذا رأى في ذلك مصلحة، والله أعلم. مسألة [٤٣]: هل يجوز لإنسان التقاط البعير للحفظ لا للتملك ؟ • أجاز ذلك بعض الشافعية، ومنعه الحنابلة، وبعض الشافعية وغيرهم، وهو الصحيح؛ لعموم الحديث، والله أعلم. (١) مسألة [٤٤]: إن وجد بعيرًا في مكان يُخشى عليه من كبار السباع، أو قريبًا من دار الحرب ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٤٦): وَإِنْ وَجَدَهَا فِي مَوْضِعٍ يَخَافُ عَلَيْهَا بِهِ، مِثْلُ أَنْ يَجِدَهَا بِأَرْضِ مَسْبَعَةٍ، يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْأَسَدَ يَفْتَرِسُهَا إنْ تُرِكَتْ بِهِ، أَوْ قَرِيْبًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، يَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ بِمَوْضِعٍ يَسْتَحِلُّ أَهْلُهُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، كَوَادِي التَّيْمِ، أَوْ فِي بَرِّيَّةٍ لَا مَاءَ بِهَا وَلَا مَرْعًى؛ فَالْأَوْلَى جَوَازُ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى آخِذِهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ إنْقَاذَهَا مِنْ الْهَلَاكِ، فَأَشْبَهَ

стр. 3799

تَخْلِيصَهَا مِنْ غَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ، فَإِذَا حَصَلَتْ فِي يَدِهِ؛ سَلَّمَهَا إلَى نَائِبِ الْإِمَامِ، وَبَرِئَ مِنْ ضَمَانِهَا، وَلَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ فِيهَا. اهـ مسألة [٤٥]: من ترك دابته بمهلكة عمدًا، فأخذها إنسان فأطعمها وسقاها وخلصها، فهل يملكها ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يملكها بذلك؛ إلا أن يكون تركها ليرجع إليها، أو ضلت منه، وهو قول الحسن، والشعبي، والحسن بن صالح، والليث، وأحمد، وإسحاق، واختاره ابن تيمية ﵀. وقد استدل بعض هؤلاء بما رواه أبو داود (٣٥٢٤)، من طريق: عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن، عن الشعبي، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من وجد دابة قد عجز عنها أهلها، فسيبوها، فأخذها، فأحياها؛ فهي له»، قال عبيد الله: قلت للشعبي: من حدثك بهذا؟ قال: غير واحد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وعبيد الله بن حميد مجهول الحال، وقد خالفه مطرف بن طريف، فرواه عن الشعبي موقوفًا عليه، ومطرف ثقة؛ فالظاهر أنَّ رفعه لا يثبت، والله أعلم. • وقال مالك: هي لمالكها الأول، والآخر متبرع بالنفقة لا يرجع بشيء، وعزاه الخطابي للجمهور، وهو قول ابن حزم. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب -والله أعلم-، وهو ترجيح

стр. 3800

الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٤٦]: إذا ألقى متاعًا فخلصه إنسان هل يملكه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٤٨): وَإِنْ تَرَكَ مَتَاعًا، فَخَلَّصَهُ إنْسَانٌ؛ لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ، كَالْخَشْيَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ؛ فَإِنَّ الْحَيَوَانَ يَمُوتُ إذَا لَمْ يُطْعَمْ وَيُسْقَى، وَتَأْكُلُهُ السِّبَاعُ، وَالمَتَاعُ يَبْقَى حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ صَاحِبُهُ. وَإِنْ كَانَ المَتْرُوكُ عَبْدًا؛ لَمْ يُمْلَكْ بِأَخْذِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي الْعَادَةِ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ إلَى الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا، بِخِلَافِ البَهِيمَةِ. قال: وَلَهُ أَخْذُ الْعَبْدِ وَالمَتَاعِ لِيُخَلِّصَهُ لِصَاحِبِهِ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي تَخْلِيصِ المَتَاعِ. انتهى المراد. مسألة [٤٧]: ما ألقاه ركاب السفينة للتخفيف عنها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٤٨ - ٣٤٩): فَأَمَّا مَا أَلْقَاهُ رُكَّابُ الْبَحْرِ فِيهِ؛ خَوْفًا مِنْ الْغَرَقِ، فَلَمْ أَعْلَمْ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا سِوَى عُمُومِ قَوْلِهِمْ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ هَذَا مَنْ أَخَذَهُ. وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ فِيمَنْ أَخْرَجَهُ، قَالَ: وَمَا نَضَبَ عَنْهُ المَاءُ فَهُوَ لِأَهْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: يَرُدُّهُ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَلَا جُعلَ لَهُ. وَيَقْتَضِيه قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي؛ لِمَا تَقَدَّمَ. وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ الله، أَنَّ لِمَنْ أَنْقَذَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَوَجْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ

стр. 3801

الِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا مَالٌ أَلْقَاهُ صَاحِبُهُ فِيمَا يَتْلَفُ بِتَرْكِهِ فِيهِ اخْتِيَارًا مِنْهُ، فَمَلَكَهُ مَنْ أَخَذَهُ، كَاَلَّذِي أَلْقَوْهُ رَغْبَةً عَنْهُ، وَلِأَنَّ فِيمَا ذَكَرُوهُ تَحْقِيقًا لِإِتْلَافِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمُبَاشَرَتِهِ بِالْإِتْلَافِ. اهـ مسألة [٤٨]: إذا انكسرت السفينة فأخرج بعض متاعها إنسان، فهل يملكه ؟ قال أبو محمد ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٤٩): فَأَمَّا إنْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ، فَأَخْرَجَهُ قَوْمٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُ أَصْحَابُ الْمَتَاعِ مَتَاعَهُمْ، وَلَا شَيْءَ لِلَّذِي أَصَابُوهُ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ المُنْذِرِ، وَالْقَاضِي. وَعَلَى قِيَاسِ نَصِّ أَحْمَدَ يَكُونُ لِمُسْتَخْرِجِهِ أَجْرُ الْمِثْلِ. اهـ والأخير اختاره شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٤١٥). مسألة [٤٩]: إذا التقط إنسان ما لا يبقى عامًا كالفواكه ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعية أنه مخير بين أكلها، أو بيعها وحفظ ثمنها، واشترط الشافعية إذن الحاكم في البيع؛ إلا أن يعجز، ومتى أراد أكلها، أو بيعها؛ فإنه يحفظ صفاتها، ثم يعرفها عامًا؛ فإن جاء صاحبها أدى إليه. • ومذهب مالك، والثوري، وأصحاب الرأي أنه يتصدق بها لصاحبها؛ فإن جاء ضمنها. والصحيح مذهب الحنابلة، والله أعلم. (١)

стр. 3802

وأما إذا كانت الثمرة مما يبقى بالتجفيف كالعنب، والرطب، فينظر الأحظ لصاحبه؛ فإن كان الأحظ بالتجفيف؛ لزمه ذلك، وإن كان بغير التجفيف؛ فله أن يفعل ما تقدم. (١) مسألة [٥٠]: إذا التقطها ثم بلغه أن صاحبها جعل فيها جعلا ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٣٢): إِذَا الْتَقَطَهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ، فَقَدْ الْتَقَطَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَعَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ جُعْلٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، كَمَا لَوْ الْتَقَطَهَا وَلَمْ يَجْعَلْ رَبُّهَا فِيهَا شَيْئًا. وَفَارَقَ المُلْتَقِطَ بَعْدَ بُلُوغِهِ الْجُعْلَ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ مَنَافِعَهُ بِعِوَضٍ جُعِلَ لَهُ، فَاسْتَحَقَّهُ، كَالْأَجِيرِ إذَا عَمِلَ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْتِقَاطُهُ لَهَا بَعْدَ الْجُعْلِ أَوْ قَبْلَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَ الْجُعْلِ بِرَدِّهَا؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ الْوَاجِبِ، كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ. اهـ مسألة [٥١]: لقطة الحرم والحاج . • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن حكمها كحكم سائر اللقطات، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، والشافعي في قول، وهو قول سعيد بن المسيب. واستدلوا بعموم حديث زيد، وعياض ﵄.

стр. 3803

• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها لا تملك، ولا يجوز التقاطها للتملك وإنما تنشد أبدًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في لقطة مكة: «ولا تحل لقطتها إلا لمنشد» (١)، ولحديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي المذكور في الباب: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن لقطة الحاج، وهذا قول أحمد في رواية، والشافعي في قول، وأبي عبيد، وابن مهدي، وابن حزم وغيرهم. وهذا القول هو الصواب، وقد أجابوا عن الحديث: «إلا لمنشد» أنه أراد تعظيم حرمتها، فنص على ذلك تأكيدًا، والذي يظهر أنه استثنى المنشد، أي أنه لا يجوز التقاطها إلا للإنشاد، والله أعلم. (٢) مسألة [٥٢]: من وجد لقطة ذمي، فهل عليه تعريفها ؟ الأصل أنَّ الملتقط لا يعلم هل اللقطة لمسلم أو لذمي، ولكن قد تتصور المسألة فيما إذا وجدها في مكان يتوارد عليه أهل الذمة فقط، فيجب عليه فيها ما يجب عليه في لقطة المسلم؛ لأنَّ أموالهم محترمة. وقد دلَّ على ذلك حديث المقدام الذي في آخر الباب. مسألة [٥٣]: من وجد لقطة في دار الحرب ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٢١): فَأَمَّا إنْ كَانَ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا فِي دَارِهِمْ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ تُعْرَفْ؛ مَلَكَهَا كَمَا

стр. 3804

يَمْلِكُهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْجَيْشِ؛ طَرَحَهَا فِي الْمَقْسِمِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهَا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَأَشْبَهَتْ مُبَاحَاتِ دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا. وَإِنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ مُتَلَصِّصًا، فَوَجَدَ لُقَطَةً؛ عَرَّفَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةٌ لَهُ، ثُمَّ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ غَنِيمَتِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ غَنِيمَةً لَهُ، لَا تَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفٍ. اهـ وفي «فتاوى اللجنة الدائمة» (١٥/ ٤٥٤): إذا وجد المال في بلاد كفار حربيين؛ ملكه، ولا يجب عليه تعريفه؛ إلا إذا ترتب على ذلك ما يضره، وإذا وجده في بلاد كفار غير حربيين؛ عرَّفه كما يعرف ما وجده في بلاد المسلمين. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اهـ برئاسة الشيخ ابن باز ﵀.

стр. 3805

فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الّلقِيْط اللقيط: هو الطفل المنبوذ، واللقيط بمعنى الملقوط، والتقاطه واجب كفائي؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، ولأنَّ فيه إحياء نفس؛ فكان واجبًا كإطعامه إذا اضطر، وإنجائه من الغرق؛ فإن تركه الجميع؛ أثمَ كلُّ من علم به فتركه مع إمكان أخذه. مسألة [١]: اللقيط حر . • عامَّةُ أهل العلم على أنَّ اللقيط حرٌّ، ولا يحكم عليه بِرِقٍّ؛ لأنَّ الأصل في الآدميين الحرية، وإنما الرق لعارض، فإذا لم يعلم ذلك العارض؛ فله حكم الأصل. • وشذَّ النخعي، فقال: إن التقطه للحسبة؛ فهو حرٌّ، وإن كان أراد أن يسترقه؛ فله ذلك. وهذا القول لا دليل عليه. وقد روى مالك في «موطئه» (٢/ ٧٣٨) عن الزهري، عن سنين أبي جميلة أنه وَجَدَ منبوذًا في زمان عمر بن الخطاب، قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب، فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها ضائعة، فأخذتها. فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح. فقال له عمر: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: اذهب فهو حرٌّ، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته. وإسناده صحيح.

стр. 3806

وقد أخرجه سعيد بن منصور كما في «المغني» (٨/ ٣٥٠) عن سفيان، عن الزهري به، وفيه: فقال عريفي ... . مسألة [٢]: النفقة على اللقيط . لا تلزم الملتقط بالإجماع، نقله ابن المنذر، وهي واجبة على بيت المال، كما تقدم في أثر عمر: وعلينا نفقته. وإن تعذر على بيت المال؛ فهو واجب على المسلمين وجوبًا كفائيًّا. ومن أنفق منهم متبرعًا؛ فلا شيء له، وإن أنفق قاصدًا الرجوع على الطفل إذا كبر، وأيسر؛ فهل له الرجوع؟ • أما إذا كان بأمر الحاكم؛ فله الرجوع، ويلزم اللقيط ذلك، وهو قول الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، والحنابلة وغيرهم. • وأما إن أنفق بغير أمر الحاكم ففيه خلاف بين أهل العلم، قال أحمد: تؤدى النفقة من بيت المال. وقال شريح، والنخعي: يرجع عليه بالنفقة إذا أشهد عليه. وقال عمر بن عبد العزيز: يحلف ما أنفق احتسابًا؛ فإن حلف استُسعي. وقال الشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وابن المنذر: هو متبرع، لا يرجع بشيء كما لو تبرع به. قال ابن قدامة: ولنا أنه أدى ما وجب على غيره؛ فكان له الرجوع على من كان الوجوب عليه. اهـ

стр. 3807

قلتُ: قول أحمد هو الصواب؛ فإن لم يكن بيت المال منتظمًا؛ فكما قال عمر بن عبدالعزيز، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: إذا وُجِد مع اللقيط مال، فهل هو للقيط ؟ ذكر أهل العلم أنَّ ما وجد مع اللقيط يكون له، وينفق عليه منه، وهو قول الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي وغيرهم، وذلك لأنَّ الطفل يملك، وله يد صحيحة؛ بدليل أنه يرث ويورث، ويصح أن يشتري له وليه ويبيع، وإذا ثبت هذا فكل ما كان متصلًا به، أو متعلقًا بمنفعته؛ فهو تحت يده. ويثبت بذلك ملكًا له في الظاهر، وأما المنفصل عنه؛ فإن كان بعيدًا منه؛ فليس في يده. وإن كان قريبًا منه، كثوب موضوع إلى جانبه، ففيه وجهان عند الحنابلة، والشافعية: أحدهما: ليس هو له؛ لأنه منفصل عنه؛ فهو كالبعيد. والثاني: هو له، وهو أصح عند الحنابلة؛ لأنَّ الظاهر أنه تُرِك له؛ فهو بمنزلة ما هو تحته، ولأنَّ القريب من البالغ يكون في يده. قال أبو عبد الله غفر الله له: يعمل في هذه المسألة بالقرائن، والله أعلم. (٢) تنبيه: للملتقط أن ينفق على اللقيط من المال الذي وجده معه، ولكن يتصرف فيه بالتي هي أحسن كاليتيم، وإن لم يستأذن الحاكم على الصحيح، وهو قول الحنابلة، واشترط الشافعية، وبعض الحنابلة استئذان الحاكم. (٣)

стр. 3808

مسألة [٤]: إذا جَنَى اللقيط جناية فمن يتحملها ؟ إن كانت الجناية مما تحملها العاقلة، كقتل الخطإ؛ فيتحملها عنه بيت المال؛ لأنَّ ميراثه له، ونفقته عليه، وإن كانت الجناية مما لا تتحملها العاقلة؛ فحكمه فيها حكم غير اللقيط: إن كانت توجب القصاص وهو بالغ عاقل؛ اقتص منه، وإن كانت موجبة للمال وله مال؛ استوفى منه، وإلا كانت في ذمته حتى يوسر. (١) مسألة [٥]: إذا جُنِي على اللقيط، فلمن أرش الجناية ؟ • إن جنى عليه في النفس جناية توجب الدية؛ فهي لبيت المال؛ لأنه وارثه، وإن كان عمدًا محضًا؛ فالإمام مخير بين استيفاء القصاص إن رآه أحظ للملاقيط، والعفو على المال، وبهذا قال الشافعي، وابن المنذر، وهو مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة؛ إلا أنَّ أبا حنيفة يخيره بين القصاص، والمصالحة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فالسلطان ولي من لا ولي له». (٢) • وإن جنى عليه فيما دون النفس جناية توجب الأرش قبل بلوغه؛ فلوليه أخذ الأرش، وإن كانت عمدًا موجبة للقصاص، وللقيط مالٌ يكفيه؛ وقف الأمر على بلوغه ليقتص، أو يعفو، سواء كان عاقلًا، أو معتوهًا، وإن لم يكن له مال وكان عاقلًا؛ انتُظِر بلوغه أيضًا، وإن كان معتوهًا؛ فللولي العفو على مال يأخذه له؛ لأنِّ المعتوه ليس له حال معلومة منتظرة؛ فإنَّ ذلك قد يدوم به، والعاقل له حال

стр. 3809

منتظرة؛ فافترقا، وفي الحال التي ينتظر بلوغه؛ فإن الجاني يحبس حتى يبلغ اللقيط، فيستوفي لنفسه، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية. • وقد رُوي عن أحمد رواية أخرى: أنَّ للإمام استيفاء القصاص له، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه أحد نوعي القصاص فكان للإمام استيفاؤه عن اللقيط، كالقصاص في النفس. ورجَّح ابن قدامة القول الأول؛ لأنه قصاص لا يتحتم استيفاؤه؛ فوقف على قوله كما لو كان بالغًا غائبًا، وفارق القصاص في النفس؛ فإنَّ القصاص ليس هو له إنما هو لوارثه، والإمام المتولي له. (١) مسألة [٦]: هل للملتقط على اللقيط ولاء، وهل يرثه ؟ • ذهب شريح، وإسحاق إلى أنَّ له عليه الولاء، وهو ظاهر اختيار ابن القيم، واستدلوا على ذلك بأثر عمر ﵁ المتقدم: ولاؤه لك. وبأنَّ نعمة الملتقط على اللقيط أكبر من نعمة السيد على عبده. واستدلوا بحديث واثلة بن الأسقع عند أبي داود (٢٩٠٦)، وغيره: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت فيه»، وهو حديث ضعيف، من طريق: عمر بن رؤبة التغلبي عن عبد الواحد النصري، وعمر ضعيفٌ، وروى مناكير عن عبد الواحد، وهذا الحديث منها كما في «الكامل».

стр. 3810

• وذهب جمهور العلماء، وعامتهم إلى أنَّ اللقيط لا ولاء لأحد عليه، وميراثه لبيت المال؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق»، فحصر الولاء للسيد على عبده المعتق، قالوا: وأثر عمر محمول على أنه أراد الولاية، أي: ولاية الحفظ والرعاية. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: إذا كان الملتقط غير أمين، فهل يقره الحاكم في يده ؟ • للحنابلة قولان: أحدهما: أنه يقر في يده، ويمنع من السفر به؛ لئلا يدعي رقه ويبيعه، ويشهد عليه، ويضم إليه من يشرف عليه. الثاني: إنه يُنزع من يده، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه ليس في حفظ اللقيط إلا الولاية، ولا ولاية لفاسق، ويفارق اللقطة من أوجه ذكرها ابن قدامة ﵀: أَحَدُهَا: أَنَّ فِي اللُّقَطَةِ مَعْنَى الْكَسْبِ، وَلَيْسَ هَا هُنَا إلَّا الْوِلَايَةُ. وَالثَّانِي: أَنَّ اللُّقَطَةَ لَوْ انْتَزَعْنَاهَا مِنْهُ رَدَدْنَاهَا إلَيْهِ بَعْدَ الْحَوْلِ، فَاحْتَطْنَا عَلَيْهَا مَعَ بَقَائِهَا فِي يَدَيْهِ وَهَا هُنَا لَا تُرَدُّ إلَيْهِ بَعْدَ الِانْتِزَاعِ مِنْهُ بِحَالٍ فَكَانَ الِانْتِزَاعُ أَحْوَطَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ ثَمَّ حِفْظُ الْمَالِ، وَيُمْكِنُ الِاحْتِيَاطُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَسْتَظْهِرَ عَلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ أَوْ يَنْصِبَ الْحَاكِمُ مَنْ يُعَرِّفُهَا، وَهَا هُنَا الْمَقْصُودُ حِفْظُ الْحُرِّيَّةِ وَالنَّسَبِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاسْتِظْهَارِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدَّعِي رِقَّهُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ، أَوْ

стр. 3811

فِي بَعْضِ الزَّمَانِ، وَلِأَنَّ اللُّقَطَةَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى حِفْظِهَا وَالِاحْتِيَاطِ عَلَيْهَا عَامًا وَاحِدًا، وَهَذَا يُحْتَاجُ إلَى الِاحْتِيَاطِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ زَمَانِهِ. اهـ (١) مسألة [٨]: إذا اختلف اثنان في لقيط، كل واحد يدعي التقاطه ؟ إذا لم يكن لأحدهما بينة، نظرنا: فإن كان اللقيط في يد أحدهما؛ فالقول قوله مع يمينه، وإن كان في أيديهما معًا، أو في يد غيرهما؛ أُقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف وسُلِّم إليه. وهل يقدم أحدهما إذا وصفه بشيء مستور في جلده؟ • منهم من قدمه بالصفة، وهو قول أبي حنيفة، وبعض الحنابلة منهم ابن قدامة، ومنهم من لم يقدم بالصفة، وهو الشافعي. والأول أقوى، والله أعلم. (٢) مسألة [٩]: إذا ادعى رجل نسب اللقيط، فهل يلحق به ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٦٧ - ٣٦٨): إِنْ كَانَ الْمُدَّعِي رَجُلًا مُسْلِمًا حُرًّا؛ لَحِقَ نَسَبُهُ بِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مَحْضُ نَفْعٍ لِلطِّفْلِ لِاتِّصَالِ نَسَبِهِ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ؛ فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ. ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ مُلْتَقِطَهُ، أُقِرَّ فِي يَدِهِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ؛ فَلَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَبُوهُ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِوَلَدِهِ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ. وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لَهُ عَبْدًا؛ لَحِقَ بِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ لِمَائِهِ حُرْمَةً، فَلَحِقَ بِهِ نَسَبُهُ كَالْحُرِّ. وَهَذَا

стр. 3812

قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهُ حَضَانَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي ذِمِّيًّا؛ لَحِقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْعَبْدِ فِي ثُبُوتِ الْفِرَاشِ؛ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ بِالنِّكَاحِ وَالْوَطْءِ فِي الْمِلْكِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَلْحَقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ. وَلَنَا: أَنَّهُ أَقَرَّ بِنَسَبِ مَجْهُولِ النَّسَبِ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي إقْرَارِهِ إضْرَارٌ بِغَيْرِهِ، فَيَثْبُتُ إقْرَارُهُ، كَالْمُسْلِمِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ مِنْ النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِي حَضَانَتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَتْبَعُهُ فِي دِينِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَحِقَهُ فِي نَسَبِهِ يَلْحَقُ بِهِ فِي دِينِهِ، كَالْبَيِّنَةِ، إلَّا أَنَّهُ يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَلَنَا أَنَّ هَذَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الذِّمِّيِّ فِي كُفْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ؛ وَلِأَنَّهَا دَعْوَى تُخَالِفُ الظَّاهِرَ، فَلَمْ تُقْبَلْ بِمُجَرَّدِهَا، كَدَعْوَى رِقِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَبِعَهُ فِي دِينِهِ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِنَسَبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إضْرَارًا بِهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ، كَدَعْوَى الرِّقِّ. أَمَّا مُجَرَّدُ النَّسَبِ بِدُونِ اتِّبَاعِهِ فِي الدِّينِ، فَمَصْلَحَةٌ عَارِيَّةٌ عَنْ الضَّرَرِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ. وَلَا يَجُوزُ قَبُولُهُ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ الضَّرَرِ، وَالْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. اهـ (١) مسألة [١٠]: إذا ادَّعت امرأةٌ نسب اللقيط، فهل يلحق بها ؟ • في هذه المسألة أقوال: الأول: تقبل دعواها ويلحقها نسبه، وهو قول أحمد في رواية، وبعض الشافعية؛

стр. 3813

لأنها أحد الأبوين، فيثبت النسب بدعواها كالأب، ولأنه يمكن أن يكون منها كما يمكن أن يكون من الرجل، بل أكثر؛ لأنها تأتي به من زوج ووطء بشبهة، ويلحقها ولدها من الزنى دون الرجل، وهو ظاهر اختيار ابن قدامة. الثاني: إن كان لها زوج؛ لم يثبت النسب بدعواها؛ لإفضائه إلى إلحاق النسب بزوجها بغير إقراره، ولا رضاه، أو إلى أنَّ امرأته وطئت بزنى، أو بشبهة، وفي ذلك ضرر عليه، فلا يقبل قولها فيما يلحق الضرر به. وإن لم يكن لها زوج؛ قبلت دعواها؛ لعدم هذا الضرر، وهذا أيضًا وجهٌ لأصحاب الشافعي، ورواية عن أحمد. الثالث: إن كان لها إخوة، أو نسب معروف لا تصدق إلا ببينة؛ لأنها والحالة كذلك لا تخفى ولادتها عليهم، ويتضررون بإلحاق النسب بها. الرابع: لا يثبت النسب بدعواها مطلقًا، وهو قول الثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وادَّعى ابن المنذر الإجماع عليه؛ لأنها يمكنها إقامة البينة على الولادة؛ فلا يقبل قولها بمجرده. (١) مسألة [١١]: إذا ادَّعى اثنان نسب اللقيط ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٧٠): إذَا ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، أَوْ حُرٌّ وَعَبْدٌ؛ فَهُمَا سَوَاءٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُسْلِمُ أَوْلَى مِنْ الذِّمِّيِّ، وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ عَلَى اللَّقِيطِ ضَرَرًا فِي إلْحَاقِهِ بِالْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ، فَكَانَ إلْحَاقُهُ بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ أَوْلَى، كَمَا لَوْ تَنَازَعُوا فِي الْحَضَانَةِ.

стр. 3814

قال: وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا انْفَرَدَ؛ صَحَّتْ دَعْوَاهُ، فَإِذَا تَنَازَعُوا؛ تَسَاوَوْا فِي الدَّعْوَى، كَالْأَحْرَارِ المُسْلِمِينَ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الضَّرَرِ لَا يَتَحَقَّقُ؛ فَإِنَّنَا لَا نَحْكُمُ بِرِقِّهِ وَلَا كُفْرِهِ. وَلَا يُشْبِهُ النَّسَبُ الْحَضَانَةَ، بِدَلِيلِ أَنَّنَا نُقَدِّمُ فِي الْحَضَانَةِ المُوسِرَ وَالْحَضَرِيَّ، وَلَا نُقَدِّمُهُمَا فِي دَعْوَى النَّسَبِ. اهـ وعلى هذا فإذا ادعاه اثنان، وكان لأحدهما بينة، وليس في يد واحد منهما فجمهور العلماء على أنه يعرض على القافة مع الرجلين، أو مع عصبتهما عند فقدهما، فنلحقه بمن ألحقته به منهما. والحجة في ذلك حديث عائشة في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل عليهم يومًا مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: «ألم تري أنَّ مجززًا المدلجي نظر آنفًا إلى زيد وأسامه، فقال: إنَّ بعض هذه الأقدام من بعض». (١) فلولا جواز الاعتماد على القافة؛ لما سُرَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا اعتمد عليه. وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ولد الملاعنة: «إن جاءت به أكحل جعدًا، سابغ الأليتين، خدلج الساقين؛ فهو للذي رماها به»، فجاءت به كذلك، فقال: «لولا ما مضى من كتاب الله؛ لكان لي ولها شأن» أخرجه البخاري (٤٧٤٧)، عن عبدالله بن عباس ﵄. وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ابن أمة زمعة حين رأى به شبهًا بيِّنًا بعتبة: «احتجبي منه يا سودة» (٢)، فعمل بالشبه في حجب سودة عنه.

стр. 3815

• وذهب أصحاب الرأي إلى أنه لا يعتمد حكم القافة، ويلحق بالمدعيين كليهما؛ لأنَّ الحكم بالقافة تعويل على مجرد الشبه بالظن والتخمين، واستدلوا بحديث: «لعل عرقًا نزعه ... » (١)، وقالوا: لو كان يعتمد عليه؛ لرجم الملاعنة، ولألحق ابن أمة زمعة بزمعة. وأجاب الجمهور عن حديث: «لعل عرقًا نزعه ... » بأنه حجة عليهم؛ لأنَّ إنكار الرجل ولده لمخالفة لونه، وعزمه على نفيه لذلك يدل على أنَّ العادة خلافه، وأنَّ في طباع الناس إنكاره، وأنَّ ذلك إنما يوجد نادرًا، وإنما ألحقه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- به لوجود الفراش، وتجوز مخالفة الظاهر لدليل، ولا يجوز تركه من غير دليل، ولأنَّ ضعف الشبه عن نفي النسب لا يلزم منه ضعفه عن إثباته؛ فإنَّ النسب يحتاط لإثباته، ويثبت بأدنى دليل، ويلزم من ذلك التشديد في نفيه، وأنه لا ينتفي إلا بأقوى الأدلة، وكما أنَّ الحد لما انتفى بالشبهة لا يثبت إلا بأقوى دليل؛ فلا يلزم حينئذٍ من المنع من نفيه بالشبه في الخبر المذكور أن لا يثبت به النسب في مسألتنا. وأما قولهم في ابن الملاعنة، وفي ابن أمة زمعة؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعمل بالشبه بهما؛ لأنهما عورضا بما هو أقوى من الشبه، وهو الأيمان في ابن الملاعنة، والفراش في ابن أمة زمعة، وترك العمل بالبينة لمعارضة ما هو أقوى منها لا يوجب الإعراض عنها إذا خلت عن المعارض.

стр. 3816

وقد قال بقول أبي حنيفة إسحاق؛ إلا أنه قال: يقرع بينهما. والذي يظهر أنَّ الصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (١) مسألة [١٢]: هل يكفي قول قائفٍ أم يشترط اثنان ؟ قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٠/ ٤١): واختلفوا في أنه هل يُكتفى بواحد، والأصح عند أصحابنا الاكتفاء بواحد، وبه قال ابن القاسم المالكي، وقال مالك: يشترط اثنان. وبه قال بعض أصحابنا، وهذا الحديث يدل للاكتفاء بواحد. اهـ يعني حديث عائشة في قصة زيد وأسامة. قلتُ: والقولان وجهان عند الحنابلة، والصحيح الاكتفاء بواحد. (٢) تنبيه: قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٠/ ٤١): واتفق القائلون بالقائف على أنه يشترط فيه العدالة. اهـ مسألة [١٣]: هل إذا ألحقته القافة بكافر، أو رقيق يحكم بكفره ورقِّه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٧٦): وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِكَافِرٍ، أَوْ رَقِيقٍ؛ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ وَلَا رِقِّهِ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ ثَبَتَا لَهُ بِظَاهِرِ الدَّارِ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الشَّبَهِ وَالظَّنِّ، كَمَا لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ الْمُنْفَرِدِ. وَإِنَّمَا قَبِلْنَا قَوْلَ الْقَائِفِ فِي النَّسَبِ؛ لِلْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِهِ، وَلِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِلظَّاهِرِ، وَلِهَذَا اكْتَفَيْنَا فِيهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ الْمُنْفَرِدِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ رِقِّهِ

стр. 3817

وَكُفْرِهِ، وَإِثْبَاتُهُمَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ. اهـ مسألة [١٤]: إذا ادَّعاه اثنان، فألحقته بهما القافة ؟ • من أهل العلم من قال: يلحق بهما، ويكون ابنهما، ويرثانه، ويرثهما، وهو قول الحنابلة، وأبي ثور، وعند أصحاب الرأي أنه يلحق بهما بمجرد الدعوى، وصحَّ هذا القول عن عمر، وجاء عن علي. (١) • وقال الشافعي: لا يلحق بأكثر من واحد؛ فيسقط قولهم، ولا يحكم لهما بذلك. وهو قول مالك. قال أبوعبدالله غفر الله له: وقول الشافعي هو الصواب، والله أعلم. (٢) تنبيه: عند الحنابلة يلتحق بمن ألحقته القافة، وإن كانوا أكثر من اثنين، وعن بعضهم لا يلحق بأكثر من اثنين، وهو قول أبي يوسف، وقال بعضهم: لا يلحق بأكثر من ثلاثة، وهو قول محمد بن الحسن أيضًا. (٣) مسألة [١٥]: إذا لم توجد قافة، ولا بينة ؟ • إذا ادَّعاه اثنان ولم توجد بينة، أو قافة، أو وجد قافة؛ فلم يلحقوه بواحد منهما، أو أشكل عليهم، أو تعارضت أقوالهم، فقال بعض الحنابلة: يترك حتى يبلغ، فينتسب إلى من أحب منهما؛ لأن الصبي يميل بطبعه إلى قرابته. وهو قول

стр. 3818

الشافعي. وقال الشافعي في القديم: يترك حتى يميز. • وقال أصحاب الرأي: يلحق بالمدعيين بمجرد الدعوى. • ورجح ابن قدامة أنه لا ينسب لواحد منهما، وهو قول بعض الحنابلة؛ لأنَّ دعواهما قد تعارضتا، ولا حجة لواحد منهما؛ فلم تثبت كما لو ادعيا رقَّه. وقولهم: (إنَّ الصبي يميل بطبعه إلى قرابته) قال ابن قدامة: إنما يميل إلى قرابته بعد معرفته بأنها قرابته، فالمعرفة بذلك سبب الميل، وأيضا قد يميل إلى من أحسن، وإن لم يكن قريبًا له. اهـ (١) مسألة [١٦]: إذا ادَّعى إنسان رقّ اللقيط ؟ إن كان له بينة على ذلك؛ حكم بها، وإن لم تكن له بينة؛ فلا شيء له؛ لأنها دعوى تخالف الظاهر، ويفارق دعوى النسب من وجهين، أحدهما: أنَّ دعوى النسب لا تخالف الظاهر، ودعوى الرق مخالفة للظاهر. والثاني: أنَّ دعوى النسب يُثبتُ بها حقٌّ للقيط، ودعوى الرق تُثبِتُ حقًّا عليه، فلم تقبل بمجردها. • فإنَّ أقرَّ اللقيط بالرق؛ فإن كان قد اعترف لنفسه بالحرية؛ فلا يقبل إقراره بالرق، وإن كان لم يعترف لنفسه بالحرية قبلُ، ففيه خلافٌ بين أهل العلم. • فمنهم من قال: يقبل إقراره. وهو وجهٌ للحنابلة، وقال به أصحاب الرأي، ومنهم من قال: لا يقبل، وهو وجهٌ للحنابلة، وصححه ابن قدامة، وهو قول

стр. 3819

القاسم، وابن المنذر، وللشافعية وجهان كما تقدم. وصحح ابن قدامة هذا القول؛ لأنه يبطل به حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها؛ فلم يصح، كما لو أقرَّ قبل ذلك بالحرية، ولأنَّ الطفل المنبوذ لا يعلم رق نفسه، ولا حريتها، ولم يتجدد له حال يعرف به رق نفسه؛ لأنه في تلك الحال ممن لا يعقل، ولم يتجدد له رق بعد التقاطه؛ فكان إقراره باطلًا. قلتُ: وما رجحه ابن قدامة هو الصحيح، والله أعلم، واختاره ابن المنذر كما في «الإشراف» (٦/ ٣٦٧). تنبيه: أهل العلم يجعلون حكم اللقيط في دينه بحسب الدار الذي وجد فيها؛ فإن وجد في دار المسلمين؛ حكم له بالإسلام، وإن وجد في دار الحرب، وفيهم مسلمون؛ حكم له بالإسلام تغليبًا لحكم الإسلام، وإن وجد في دار الحرب، وليس فيهم مسلمون؛ فيحكم عليه بالكفر. ومقصودهم بهذه الأحكام أن يعامل بالأحكام الدنيوية بأحكام المسلم، أو الكافر، من غسله، ودفنه، وقبره مع المسلمين، أو المشركين. (١)

стр. 3820

بَابُ الفَرَائِضِ ٩٣٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ٩٣٩ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) ٩٤٠ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ للِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٣) ٩٤١ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، إِلَّا التِّرْمِذِيُّ، (٤) وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ بِلَفْظِ أُسَامَةَ (٥)، وَرَوَى النَّسَائِيّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ. (٦)
следующие страницы →