وقد قال بقول أبي حنيفة إسحاق؛ إلا أنه قال: يقرع بينهما. والذي يظهر أنَّ الصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [١٢]: هل يكفي قول قائفٍ أم يشترط اثنان ؟
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٠/ ٤١): واختلفوا في أنه هل يُكتفى بواحد، والأصح عند أصحابنا الاكتفاء بواحد، وبه قال ابن القاسم المالكي، وقال مالك: يشترط اثنان. وبه قال بعض أصحابنا، وهذا الحديث يدل للاكتفاء بواحد. اهـ يعني حديث عائشة في قصة زيد وأسامة.
قلتُ: والقولان وجهان عند الحنابلة، والصحيح الاكتفاء بواحد. (٢)
تنبيه: قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٠/ ٤١): واتفق القائلون بالقائف على أنه يشترط فيه العدالة. اهـ
مسألة [١٣]: هل إذا ألحقته القافة بكافر، أو رقيق يحكم بكفره ورقِّه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٧٦): وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِكَافِرٍ، أَوْ رَقِيقٍ؛ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ وَلَا رِقِّهِ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ ثَبَتَا لَهُ بِظَاهِرِ الدَّارِ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الشَّبَهِ وَالظَّنِّ، كَمَا لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ الْمُنْفَرِدِ. وَإِنَّمَا قَبِلْنَا قَوْلَ الْقَائِفِ فِي النَّسَبِ؛ لِلْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِهِ، وَلِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِلظَّاهِرِ، وَلِهَذَا اكْتَفَيْنَا فِيهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ الْمُنْفَرِدِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ رِقِّهِ
стр. 3817
وَكُفْرِهِ، وَإِثْبَاتُهُمَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ. اهـ
مسألة [١٤]: إذا ادَّعاه اثنان، فألحقته بهما القافة ؟
• من أهل العلم من قال: يلحق بهما، ويكون ابنهما، ويرثانه، ويرثهما، وهو قول الحنابلة، وأبي ثور، وعند أصحاب الرأي أنه يلحق بهما بمجرد الدعوى، وصحَّ هذا القول عن عمر، وجاء عن علي. (١)
• وقال الشافعي: لا يلحق بأكثر من واحد؛ فيسقط قولهم، ولا يحكم لهما بذلك. وهو قول مالك.
قال أبوعبدالله غفر الله له: وقول الشافعي هو الصواب، والله أعلم. (٢)
تنبيه: عند الحنابلة يلتحق بمن ألحقته القافة، وإن كانوا أكثر من اثنين، وعن بعضهم لا يلحق بأكثر من اثنين، وهو قول أبي يوسف، وقال بعضهم: لا يلحق بأكثر من ثلاثة، وهو قول محمد بن الحسن أيضًا. (٣)
مسألة [١٥]: إذا لم توجد قافة، ولا بينة ؟
• إذا ادَّعاه اثنان ولم توجد بينة، أو قافة، أو وجد قافة؛ فلم يلحقوه بواحد منهما، أو أشكل عليهم، أو تعارضت أقوالهم، فقال بعض الحنابلة: يترك حتى يبلغ، فينتسب إلى من أحب منهما؛ لأن الصبي يميل بطبعه إلى قرابته. وهو قول
стр. 3818
الشافعي. وقال الشافعي في القديم: يترك حتى يميز.
• وقال أصحاب الرأي: يلحق بالمدعيين بمجرد الدعوى.
• ورجح ابن قدامة أنه لا ينسب لواحد منهما، وهو قول بعض الحنابلة؛ لأنَّ دعواهما قد تعارضتا، ولا حجة لواحد منهما؛ فلم تثبت كما لو ادعيا رقَّه.
وقولهم: (إنَّ الصبي يميل بطبعه إلى قرابته) قال ابن قدامة: إنما يميل إلى قرابته بعد معرفته بأنها قرابته، فالمعرفة بذلك سبب الميل، وأيضا قد يميل إلى من أحسن، وإن لم يكن قريبًا له. اهـ (١)
مسألة [١٦]: إذا ادَّعى إنسان رقّ اللقيط ؟
إن كان له بينة على ذلك؛ حكم بها، وإن لم تكن له بينة؛ فلا شيء له؛ لأنها دعوى تخالف الظاهر، ويفارق دعوى النسب من وجهين، أحدهما: أنَّ دعوى النسب لا تخالف الظاهر، ودعوى الرق مخالفة للظاهر. والثاني: أنَّ دعوى النسب يُثبتُ بها حقٌّ للقيط، ودعوى الرق تُثبِتُ حقًّا عليه، فلم تقبل بمجردها.
• فإنَّ أقرَّ اللقيط بالرق؛ فإن كان قد اعترف لنفسه بالحرية؛ فلا يقبل إقراره بالرق، وإن كان لم يعترف لنفسه بالحرية قبلُ، ففيه خلافٌ بين أهل العلم.
• فمنهم من قال: يقبل إقراره. وهو وجهٌ للحنابلة، وقال به أصحاب الرأي، ومنهم من قال: لا يقبل، وهو وجهٌ للحنابلة، وصححه ابن قدامة، وهو قول
стр. 3819
القاسم، وابن المنذر، وللشافعية وجهان كما تقدم.
وصحح ابن قدامة هذا القول؛ لأنه يبطل به حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها؛ فلم يصح، كما لو أقرَّ قبل ذلك بالحرية، ولأنَّ الطفل المنبوذ لا يعلم رق نفسه، ولا حريتها، ولم يتجدد له حال يعرف به رق نفسه؛ لأنه في تلك الحال ممن لا يعقل، ولم يتجدد له رق بعد التقاطه؛ فكان إقراره باطلًا.
قلتُ: وما رجحه ابن قدامة هو الصحيح، والله أعلم، واختاره ابن المنذر كما في «الإشراف» (٦/ ٣٦٧).
تنبيه: أهل العلم يجعلون حكم اللقيط في دينه بحسب الدار الذي وجد فيها؛ فإن وجد في دار المسلمين؛ حكم له بالإسلام، وإن وجد في دار الحرب، وفيهم مسلمون؛ حكم له بالإسلام تغليبًا لحكم الإسلام، وإن وجد في دار الحرب، وليس فيهم مسلمون؛ فيحكم عليه بالكفر. ومقصودهم بهذه الأحكام أن يعامل بالأحكام الدنيوية بأحكام المسلم، أو الكافر، من غسله، ودفنه، وقبره مع المسلمين، أو المشركين. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: تعريف الفرائض .
الفرائض: جمع فريضة، مأخوذٌ من الفَرْض، وهو الحزُّ والقطع لغةً، ويأتي بمعنى التقدير، فمن الأول قولهم: (فَرَضَ القوس) إذا حزَّه في طرفه، حيث يضع الوتر، وقولهم: (فرض لفلان كذا من ماله)، أي: أقطعه. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، أي: قدرتم. ويأتي بمعانٍ أخرى مقاربة.
وفي اصطلاح الفقهاء والفرضيين له تعريفات أحسنها: هو علمٌ يعرف به من يرث ومن لا يرث، ومقدار ما لكل وارث. (١)
مسألة [٢]: الحث على تعلمه .
جاءت أحاديث في الحض على تعلم الفرائض، منها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود (٢٨٦٨)، مرفوعًا: «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل، آية محكمة، وسنة قائمة، وفريضة عادلة»، وفي إسناده: عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وعبدالرحمن بن رافع، وهما ضعيفان، فالحديث ضعيف، وأخرج ابن ماجه (٢٧١٩) من حديث أبي هريرة ﵁: «تعلموا الفرائض، وعلموه؛ فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي»، وفي إسناده: حفص بن
стр. 3829
عمر بن أبي العطاف متروك.
وفي الباب أحاديث أخرى فيها ضعف، وبعضها شديد الضعف، ويغني عن هذه الأدلةِ الأدلةُ العامة في الحث على طلب العلم وهو فرض كفاية، أعني تعلمَه.
مسألة [٣]: الحقوق المتعلقة بالتركة .
أولها: إخراج مؤن التجهيز من كفنٍ، وأجرةِ مغسِّل، وحافر بالمعروف إن لم يوجد متطوع بذلك.
ثانيها: الحقوق المتعلقة بعين التركة، كالدين الذي به الرهن، والأرش المتعلق برقبة العبد الجاني.
ثالثها: الدين المطلق الذي لا يتعلق بعين التركة، وإنما يتعلق بذمة الميت.
رابعها: إخراج الوصية بالثلث فما دون لغير وارث.
خامسها: الإرث، وهو تقسيم ما بقي من المال لورثة الميت.
وهذه الخمسة الحقوق على الترتيب الذي ذكرنا عند أهل العلم إلا أنهم اختلفوا في الأول والثاني.
• فمذهب أحمد ما ذكرناه، وذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي إلى تقديم الحقوق المتعلقة بعين التركة على مؤن التجهيز، ووجهُ ذلك أنَّ هذه الحقوق متعلقة بعين المال قبل أن يصير تركة، والأصل أنَّ كل حق يقدم في الحياة يقدم في الوفاة.
ووجهُ مذهب أحمد القياس على المفلس؛ فإنَّ حاجته للنفقة والكسوة مقدمة
стр. 3830
على حقوق الغرماء، وقول أحمد أظهر، والله أعلم.
تنبيه: إذا لم يخلف الميت تركة؛ فمؤنة تجهيزه على من تلزمه نفقته في حال حياته؛ فإن لم يكن له أحد تلزمه نفقته؛ فعلى بيت المال إن كان الميت مسلمًا؛ فإن لم يكن بيت مال؛ فعلى من علم بحاله من المسلمين وجوبًا كفائيًّا.
تنبيه آخر: أجمع أهل العلم على أنَّ الدين مقدم على الوصية، وجاء في ذلك حديث عند الترمذي (٢٠٩٤) وغيره من حديث علي ﵁: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى بالدين قبل الوصية. وفي إسناده: الحارث الأعور، وقد كُذِّب، لكن قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم.
وقد تكلم أهل العلم على سبب تقديم الله للوصية على الدين في الذِّكر بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١].
وذكروا أقوالا من أحسنها:
١) أنَّ الوصية تقع على سبيل البر والصلة بخلاف الدَّين؛ فإنه إنما يقع غالبًا بعد الميت بنوع تفريط، فوقعت البداءة بالوصية؛ لكونها أفضل.
٢) وأحسن من الذي قبله ما قيل: إنَّ الوصية غالبًا ما تكون حق فقير ومسكين، والدَّين غالبًا ما يكون لغني غريم يطلبه بقوة، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «إنَّ لصاحب الحق مقالًا»، فبدأ بالوصية للاهتمام بها، ولئلا يفرط فيها. (١)
стр. 3831
مسألة [٤]: أركان الإرث .
الإرث في اللغة: يطلق على البقية والعاقبة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم:٦]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «العلماء ورثة الأنبياء». (١)
وفي الشرع: هو حقٌّ قابلٌ للتجزؤ ثبت لمستحق بعد الموت من كان له ذلك؛ لقرابة بينهما أو نحوها. (٢)
وأركانه ثلاثة:
أحدها: المورث، أو الملحق به كالمفقود.
ثانيها: الوارث وهو الحي بعد المورث المستحق للإرث أو الملحق بالأحياء.
ثالثها: الحق الموروث. (٣)
مسألة [٥]: شروط الإرث .
لا يتم التوارث إلا بثلاثة شروط عند أهل العلم:
أحدها: تحقق موت المورث، أو إلحاقه بالأموات حكمًا كالمفقود إذا حكم بذلك القاضي بعد مدة الانتظار.
ثانيها: تحقق حياة الوارث بعد موت المورث ولو لحظة.
стр. 3832
ثالثها: العلم بالجهة المقتضية للإرث، من زوجية، أو ولاء، أو قرابة مع تعين جهة القرابة. (١)
مسألة [٦]: أسباب الإرث .
أجمع أهل العلم على ثلاثة أسباب، واختلفوا في أسباب أخرى.
أولا: الأسباب المجمع عليها.
نظمها محمد بن علي الرحبي ﵀ في منظومته المشهورة، فقال:
أسباب ميراث الورى ثلاثه ... كلٌّ يفيد ربه الوراثه
وهي نكاحٌ وولاء ونسب ... ما بعدهن للمواريث سبب
ونظمها الشيخ صالح البهوتي الحنبلي في كتابه «عمدة الفارض»، فقال:
الإرث إما بنكاح قد وجب ... أو بالولاء وهو كلحمة النسب
أو بقرابة لها انتساب ... فهذه الثلاثة الأسباب
قلتُ: دليل النكاح والنسب في القرآن، ودليل التوارث بالولاء من السنة، وهو قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق» متفق عليه من حديث عائشة ﵂.
السبب الأول: النكاح.
دليله قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢] الآية، وهو عقد الزوجية الصحيح، وإن لم يحصل وطء ولا خلوة،
стр. 3833
ويتوارث به من الجانبين.
ودليل حصوله بدون الوطء: أنَّ الله حكم بالتوارث بوجود الزواج، ولم يقيد ذلك بمن دخل بها، وفي «السنن» من حديث معقل بن سنان أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى في بَرْوَع بنت واشق، مات عنها زوجها قبل أن يدخل بها، أنَّ لها مثل مهر نسائها، وعليها العدة ولها الميراث. وهو حديث صحيح (١). (٢)
مسألة [٧]: النكاح إذا حصل في مرض مَخُوف ؟
• جمهور العلماء على صحته، وصحة التوارث به؛ لأنه نكاح صحيح ليس هناك ما يبطله، فإذا صح النكاح؛ ثبت التوارث.
• ومذهب مالك وأصحابه عدم صحة النكاح؛ فلا توارث به، وحجتهم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- منع المريض مرضًا مخوفًا من التصدق بأكثر من الثلث حتى لا يضر بالورثة، فهذا الزواج فيه إضرار بالورثة.
• وقال الأوزاعي: النكاح صحيح، ولا ميراث بينهما.
• وقال القاسم بن محمد، والحسن: إن قصدَ الإضرار بورثته؛ فالنكاح باطل، وإلا فهو صحيح.
قال شيخ الإسلام ﵀ في «الاختيارات» (ص ١٩٦): ولو تزوج في مرض موته مضارة؛ لتنقيص إرث غيرها، وأقرت به؛ ورِثَتْهُ؛ لأن له أن يوصي بالثلث.
стр. 3834
قال: ولو وصَّى بوصايا أخرى، وتزوجت المرأة بزوج ليأخذ النصف؛ فهذا الموضع فيه نظر؛ فإنَّ المفسدة هي في هذا. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو قول الجمهور، ولا دليل على بطلانه، ولا على عدم التوارث به؛ إلا أن الحالة التي ذكرها شيخ الإسلام ﵀، وهي ما إذا ظهرت المفسدة، وقصد الإضرار؛ فيعمل بما ذكره، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: المطلقة طلاقًا رجعيًّا هل ترث ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ١٩٤): إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا يملك رجعتها في عدتها؛ لم يسقط التوارث بينهما مادامت في العدة، سواء كان في المرض، أو الصحة، بغير خلاف نعلمه، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود ﵃؛ وذلك لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه، وظهاره، وإيلاؤه، ويملك إمساكها بالرجعة بغير رضاها، ولا ولي، ولا شهود، ولا صداق جديد. اهـ (٢)
مسألة [٩]: المطلقة طلاقًا بائنًا هل ترث ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ١٩٤): وإن طلقها في الصحة طلاقًا بائنًا، أو رجعيًّا، فبانت بانقضاء عدتها؛ لم يتوارثا إجماعًا. اهـ
قلتُ: وذلك لأنها لم تَعُدْ زوجةً له.
стр. 3835
مسألة [١٠]: إذا طلق امرأته، فأبانها في مرض مخوف ؟
أما إذا لم يتهم بقصد حرمانها من الميراث، كأن تكون طلبت الطلاق بنفسها، أو هناك أسباب ظاهرة في الطلاق؛ فإنه يقع الطلاق ولا ترث.
• واختلف أهل العلم فيما إذا طلقها في مرض مخوف مع اتهامه بقصد حرمانها على أقوال:
القول الأول: لا ترث منه مطلقًا؛ لأنها لم تَعُدْ زوجة له، وهذا قول الشافعي في الجديد، والظاهرية، وقال به من الصحابة عبد الله بن الزبير ﵁.
القول الثاني: ترث منه إذا توفي، وهي في العدة، ولا ترث إذا توفي بعد انقضاء العدة، وهذا قول شريح، والشعبي، وابن سيرين، وعروة، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وهو مذهب الحنفية، وذلك لأنه متهم بقصد حرمانها؛ فَعُومِلَ بنقيض قصده، وقيد ذلك بالعدة؛ تشبيهًا بالرجعية.
القول الثالث: ترث منه وإن مات بعد انتهاء العدة؛ إلا أن تكون قد تزوجت بآخر، فلا ترث منه، وهذا قول أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وقال به جماعة من التابعين، منهم: الحسن، وعطاء، والشعبي، وحميد، وابن أبي ليلى وغيرهم، وذلك لأنَّ توريثها بعد تزوجها بآخر يلزم أن ترث من زوجين في آن واحد، والمرأة لا ترث كذلك بالإجماع.
القول الرابع: أنها ترث مطلقًا منه، مات في العدة أو بعدها، تزوجت أم لم
стр. 3836
تتزوج، وهذا مذهب مالك وأصحابه.
وقد استدل جميع القائلين بالتوريث بأنَّ هذا القول صح عن كبار الصحابة منهم: عمر، وعثمان ﵄، وقالوا: لم يخالفهما أحد في عصرهما، وإنما جاء الخلاف من عهد ابن الزبير. وجاء هذا القول ـ أعني التوريث ـ عن أُبي، وعائشة بإسنادين ضعيفين.
وقال شيخ الإسلام ﵀ في «الاختيارات» (ص ١٩٧): ومن طلق امرأته في مرض موته بقصد حرمانها من الميراث؛ ورثته إذا كان الطلاق رجعيًّا إجماعًا، وكذا إن كان بائنًا عند جمهور أئمة الإسلام، وقضى به عمر بن الخطاب ﵁، ولم يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك خلافٌ، وإنما ظهر الخلاف في خلافة ابن الزبير. اهـ
ورجح هذا القول تلميذه ابن القيم في «أعلام الموقعين» (١/ ٢١٠ - )، وانتصر ابن حزم للقول الأول، وأطال الاحتجاج عليه كما في «المحلى» (١٩٧٢).
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب؛ لأنها ليست زوجة له، وإن ظهر قصد الحرمان فالعمل على ما أفتى به عمر ﵁، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: إذا طلق امرأته في مرض مخوف، ثم صح، ثم مات بعد الصحة ؟
• مذهب الجمهور صحة الطلاق، وأنها لا ترث؛ لأنَّ الطلاق وقع في غير مرض الموت.
стр. 3837
• ورُوي عن النخعي، والشعبي، والثوري، وزُفر أنها ترثه؛ لأنه طلاق قصد به الفرار من الميراث؛ فله نفس الحكم السابق.
والصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (١)
تنبيه: اشترط بعض الجمهور لميراث المطلقة البائنة أن لا ترتد قبل موت مطلقها، ثم تسلم فيموت وهي مسلمة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وبعض الحنابلة، ولم يشترط ذلك مالك، وبعض الحنابلة. وإن كان المرتد هو المُطَلِّق؛ ورثته عند الحنابلة، والحنفية، وقال الشافعي: لا ترثه. (٢)
مسألة [١٢]: إذا طلقها في مرضه قبل الدخول بها ؟
• في هذه المسألة أربعة أقوال:
الأول: لها الصداق والميراث، وعليها العدة، وهو قول الحسن، وعطاء، وأبي عبيد، وأحمد في رواية.
الثاني: لها الصداق والميراث ولا عدة عليها، وهو قول عطاء، وأحمد في رواية.
الثالث: لها الميراث ونصف الصداق، وعليها العدة، وهو قول مالك، وأحمد في رواية.
الرابع: لا ميراث لها، ولا عدة عليها، ولها نصف الصداق، وهو قول أكثر
стр. 3838
أهل العلم، ومنهم: الشافعي، وأحمد في رواية؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩]. (١)
السبب الثاني: الولاء.
الولاء لغة: يطلق على النصرة، ويطلق على القرابة، والمقصود به ههنا: ولاء العتق، وهو عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق.
والولاء يرث به المعتق الذي باشر العتق، ثم عصبته المتعصبون بأنفسهم لا بغيرهم، ولا مع غيرهم، دون العتيق؛ فلا يرث من معتقه، فالولاء يورث به من جانب واحد، وهو جانب المعتق. وهذا السبب مُجمَعٌ عليه، ودليله الحديث: «إنما الولاء لمن أعتق». (٢)
السبب الثالث: النسب.
والمراد به القرابة، وهي: الاتصال بين إنسانين بالاشتراك في ولادة قريبة أو بعيدة، وتشمل الأصول، وهم الآباء والأمهات، والأجداد والجدات، والفروع، وهم: الأولاد، وأولاد البنين وإن نزلوا، والحواشي، وهم: الإخوة وبنوهم وإن نزلوا، والعمومة وإن علوا، وبنوهم وإن نزلوا.
стр. 3839
وهذا السبب يورث به من الجانبين تارة، ومن أحدهما تارة أخرى. (١)
ثانيًا: الأسباب المختلف فيها.
السبب الأول: جهة الإسلام.
• اختلف أهل العلم هل يرث بها بيت المال، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ليس ذلك سببًا من أسباب الإرث، انتظم بيت المال، أم لم ينتظم، وهو مذهب الحنابلة، والحنفية؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥/الأحزاب:٦]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من ترك مالًا فلورثته»، فيرد الباقي على أصحاب الفروض، أو يورث لذوي الأرحام إن وجدوا، والرد عندهم مقدم على توريث ذوي الأرحام، وقد ثبت عن عمر، وابن مسعود توريث ذوي الأرحام عند عدم وجود غيرهم، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١١/ ٢٦٠)، و «سنن ابن منصور» رقم (١٥٤)(١٦٥).
القول الثاني: يرث بيت المال مطلقًا، انتظم أم لم ينتظم، وهو مذهب مالك، وأكثر أصحابه، والأوزاعي، وأبي ثور، والشافعي في القديم، وبعض أصحابه، واستدلوا بالحديث الذي في الباب، حديث المقدام، وهو حديث حسن: «أنا وارث من لا وراث له، أعقل عنه وأرثه»، قالوا: وهو -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يرث لنفسه، بل يصرفه للمسلمين، وهذا قضاء زيد بن ثابت ﵁.
القول الثالث: يرث بيت المال إذا كان منتظمًا، وإلا فيرد على الورثة، وهو
стр. 3840
قولٌ للشافعي في الجديد، وهو الأصح عند الشافعية، وقال به بعض المالكية.
قال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر أنَّ اختلافهم في هذا السبب هو في حالة وجود أرحام وارثين وغير وارثين، وأما عند عدم وجود أرحام؛ فإنه يرجع إلى الإمام يصرفه حيث رأى المصلحة في ذلك، والله أعلم.
وقد استدل القائلون بتقديم ذوي الأرحام على بيت المال بالآية السابقة، وبقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء:٣٣]، وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الخال وارث من لا وراث له»، وهو حديث حسن كما بيَّناه سابقًا.
وأجاب القائلون بتقديم بيت المال على ذوي الأرحام الغير وارثين بأنَّ الآيتين مجملتان، مبينتان بآيات المواريث، وبالحديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها ... »، وأما الحديث فبعضهم ضعَّفه، وبعضهم يقول: الخال يُعطَى الميراث؛ لهذا الحديث، ولا يلزم تعميم ذوي الأرحام، وهذا الدليل أخص من الدعوى.
قال أبو عبد الله غفر الله له: تلحق الفرائض بأهلها فرضًا، وتعصيبًا؛ فإن بقي شيءٌ فهو مردود عليهم، وإن لم يوجد ورثة مطلقًا؛ فالمال لبيت المال إن لم يوجد ذووا أرحام؛ فإن وجد ذووا أرحام فهم أحق به؛ لحديث المقدام المتقدم، وللآية المتقدمة ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥/الأحزاب:٦]، ولقضاء عمر،
стр. 3841
وابن مسعود ﵄، والله أعلم. (١)
السبب الثاني: ذووا الأرحام.
والمقصود به في هذا الباب: (من لا يرث بالفرض، أو التعصيب).
قال الإمام العثيمين ﵀ في كتابه «تسهيل الفرائض» (ص ٧٢ - ): وقد اختلف العلماء في توريث ذوي الأرحام:
فقال مالك والشافعي: لا يرثون. وقال أبو حنيفة وأحمد: يرثون، بشرط أن لا يوجد عاصب ولا ذو فرض يُرَدُ عليه، وهذا مروي عن عمر، وعلي (٢)، وأبي عبيدة (٣)، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وغيرهم، وهو الصواب؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: من الآية ٧٥]، ولقول النبي ﷺ : «ابن أخت القوم منهم». رواه البخاري ومسلم، وقوله ﷺ : «الخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه». رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
ونصوص الكتاب والسنة في توريثهم إما مجملة كالآية، وإما في فرد واحد منهم كالحديث، فمن ثَمَّ اختلف القائلون بتوريثهم على ثلاثة أقوال:
أحدها: اعتبار قرب الدرجة؛ فمن كان أقرب إلى الوارث كان أولى بالميراث
стр. 3842
من أي جهة كانت، وحجة هذا القول قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، ومتى اعتبرنا الأولوية كان الأقرب أولى.
القول الثاني: اعتبار قرب الجهة، وهذا مذهب أبي حنيفة فيجعل الجهات أربعاً: بنوة، ثم أبوة، ثم أخوة، ثم عمومة، فمتى كان في الجهة الأولى وارث من ذوي الأرحام لم يرث أحد من الجهة التي بعدها قياسًا على الإرث بالتعصيب، ويسمى هذا المذهب مذهب أهل القرابة، قاله في "المغني" ص ٢٣٢ ج ٦.
القول الثالث: اعتبار التنزيل؛ فينزل كل واحد من ذوي الأرحام منزلة من أدلى به، ثم يقسم المال بين المدلى بهم، فما صار لكل واحد أخذه المدلي، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول هو الثابت عن الصحابة رضوان الله عليهم؛ فيُعمل به؛ فقد ثبت عند ابن أبي شيبة (١١/ ٢٦٠)، وابن منصور (١٥٤، و ١٦٥) عن عمر ﵁، أنه قسم المال بين عمة وخالة، جعل العمة بمنزلة الأب، والخالة بمنزلة الأم، جعل للعمة الثلثين، وللخالة الثلث.
وثبت ذلك أيضًا عن ابن مسعود، كما في الكتابين السابقين.
السبب الثالث: الموالاة والمعاقدة.
وهو ما كان يفعله أهل الجاهلية حيث كان الرجل منهم إذا رغب في أُخُّوةِ آخر عاقده وتحالفوا على الأُخوَّة، والتوارث، فيقول له: دمي دمك، وهدمي
стр. 3843
هدمك، وترثني وأرثك، وتُطلب بي، وأُطلب بك.
وقد حصل بذلك توارث في الإسلام، وذلك هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣].
• واختلفوا هل بقي التوارث فيه، أو نسخ هذا السبب؟ على قولين:
الأول: أن الإرث به لم ينسخ، وإن وجد وارث من ذوي الأرحام؛ فهو أولى منهم، فيرث الحليف عند عدم وجودهم، وهو قول الحنفية، وأحمد في رواية.
الثاني: أنَّ التوارث به منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وهذا مذهب الأكثر، ومنهم: مالك، وأحمد في الرواية المشهورة، والشافعي وغيرهم، وهو الراجح.
وأما الآية: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فمنهم من قال بالنسخ، ومنهم من قال: المراد بها نصيبهم من النصرة، والمعونة، والنصيحة، وهو قول ابن عباس وآخرين، والذي يظهر هو القول بنسخها، وقد قررنا ذلك في كتابنا «فتح المنان فيما صحَّ من منسوخ القرآن» ولله الحمد والمنة. (١)
السبب الرابع: إسلامه على يديه.
• اختلف أهل العلم هل يرث الرجل من أسلم على يديه أم لا؟
• فذهب جمهور العلماء إلى عدم التوارث بذلك، ولا يكون له عليه ولاء، وهو
стр. 3844
قول الحسن، والشعبي، وأحمد، والشافعي، ومالك، وأصحاب الرأي، واستدلوا بحديث: «إنما الولاء لمن أعتق»، ولأنَّ أسباب التوارث ليست موجودة فيه.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ له عليه الولاء ويرثه، وهو قول إسحاق، وأحمد في رواية، وقال به طاوس، وربيعة، والليث، وعمر بن عبدالعزيز، وهو ظاهر اختيار ابن القيم ﵀، ونقل عن عمر ﵁.
واستدل هؤلاء بحديث تميم الداري في «سنن أبي داود» (٢٩١٨)، و «سنن الترمذي» (٢١١٢) وغيرهما، أنه قال: يا رسول الله، ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: «هو أولى الناس بمحياه ومماته».
وبما رواه سعيد بن منصور (٢٠١) من رواية راشد بن سعد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أسلم على يديه رجل؛ فهو مولاه يرثه ويدي عنه».
وجاء من حديث أبي أمامة عند ابن عدي (٢/ ٥٥٩) (٦/ ٢٣٩٧)، و «سنن ابن منصور» (٢٠٠) مرفوعًا: «من أسلم على يديه رجل؛ فله ولاؤه».
• وذهب بعضهم إلى أنه يرثه إذا عقل عنه، وإن لم يعقل عنه لم يرثه، وهو قول سعيد بن المسيب.
• وقال يحيى بن سعيد: إن كان من أهل الحرب؛ ورثه، وإن كان من أهل الذمة؛ فلا.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح هو القول الأول؛ لعدم صحة أدلة أهل
стр. 3845
القول الثاني؛ فإنَّ حديث تميم الداري لا يثبت؛ فهو من طريق: قبيصة بن ذؤيب عنه، ولم يسمع منه كما في «جامع التحصيل» وقد رُوي عن قبيصة مرسلًا، ورُوي بدون ذكر قبيصة من رواية عبد الله ابن موهب عن تميم، ورجَّحه الترمذي، وهو منقطع أيضًا، ومع ذلك فالحديث ليس بصريح في التوراث؛ فإن قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «أولى الناس» يحتمل أن يكون بمعنى النصرة، والمعاونة، وما أشبه ذلك؛ فلا يعارض قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق».
وأما مرسل راشد بن سعد؛ فهو مع إرساله في إسناده: الأحوص بن حكيم العنسي، وهو ضعيفٌ.
وأما حديث أبي أمامة ففي إسناده عند ابن عدي: جعفر بن الزبير، وهو متروك، وقد كذب، وتابعه عند ابن منصور، وابن عدي معاوية بن يحيى الصَّدَفي، وهو شديد الضعف.
فهذه الأحاديث لا تقوى على معارضة حديث: «إنما الولاء لمن أعتق»؛ فالصحيح هو قول الجمهور، وهو ترجيح الإمام البخاري وآخرين، وبالله التوفيق.
وما نقل عن عمر أخرجه ابن منصور (٢٠٩)، من طريق: إسحاق بن أبي فروة، وهو كذاب، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٧٤) بإسناد فيه ضعفٌ، وانقطاع. (١)
стр. 3846
السبب الخامس: الالتقاط.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٢٥٥): وَاللَّقِيطُ حُرٌّ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ وَلَاءَهُ لِمُلْتَقِطِهِ. وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ، وَإِسْحَاقُ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ: إنْ نَوَى أَنْ يَرِثَ مِنْهُ فَذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: لَقِيطَهَا، وَعَتِيقَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ».
قال: وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَرَابَةٍ، وَلَا عَتِيقٍ، وَلَا ذِي نِكَاحٍ؛ فَلَا يَرِثُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَالْحَدِيثُ فِيهِ كَلَامٌ. اهـ
قلتُ: قد تقدم الترجيح في هذه المسألة، في باب اللقطة، فصل في أحكام اللقيط، رقم المسألة: (٦)؛ فراجع ذلك.
стр. 3847
فَصْلٌ فِي مَوَانِعِ الإِرْث
أجمع أهل العلم على أنَّ الميراث يمنعه ثلاثة موانع، نظمها صاحب «الرحبية» بقوله:
ويمنع الشخص من الميراث ... واحدة من علل ثلاث
رق وقتل واختلاف دين ... فافهم فليس الشك كاليقين
المانع الأول: الرِّق .
الرِّقُّ لغة: العبودية، وشرعًا: عجزٌ حكمي يقوم بالإنسان بسبب الكفر، بمعنى أنَّ الشارع حكم على هذا الإنسان بعدم نفاذ تصرفه بسبب كفره بالله، لا بسبب عدم حسن التصرف كما في الصبي والمجنون.
والرق مانع من الجانبين، لا يَرث ولا يُورث، وسبب عدم الأول: أنه إذا ورث شيئًا؛ ملكه السيد؛ لأنه ملك لسيده، وسبب عدم الثاني: أنه لا ملك له، ولو ملك؛ فملكه ناقصٌ غير مستقر، يزول إلى سيده بزوال ملكه عن رقبته؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من باع عبدًا وله مال؛ فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع»، وهذا الحكم عليه عامة العلماء؛ إلا شيئًا من الخلاف حُكي عن الحسن، وطاوس كما في «المغني». (١)
تنبيه: المدبر، وأم الولد، كالقِن -العبد الذي لم يتعلق به سبب الحرية- لأنهم رقيق بدليل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- باع مدبَّرًا، وأم الولد المملوكة يجوز لسيدها
стр. 3848
وطؤها؛ بحكم الملك، وتزويجها وإجارتها، وحكمها حكم الأمة في جميع أحكامها؛ إلا فيما ينقل الملك فيها، أو يراد له كالرهن، ففي ذلك خلاف. (١)
مسألة [١]: من بعضه حرّ، هل يرث أم لا ؟
• من أهل العلم من جعل حكمه كحكم العبد الخالص، وهو قول مالك، والشافعي في القديم. قال ابن الَّلبَّان: هذا غلطٌ؛ لأنه ليس لمالك باقيه على ما عُتِق منه ملك، ولا ولاء ولا هو ذو رحم.
• ومن أهل العلم من قال: هو كالحر؛ فلا يرثه مالكُ باقيه، وإنما ميراثه لورثته، وهو قول الحسن، وجابر بن زيد، والشعبي، والنخعي، والحكم، وحماد، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد.
• ومنهم من قال: يورث عنه ولا يرث، وهو قول طاوس، وعمرو بن دينار، وأبي ثور، والشافعي في الجديد.
• ومنهم من قال: يرث ويورث عنه، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية، وهو قول أحمد، وعثمان البتي، وابن المبارك، والمزني، وأهل الظاهر.
وهذا القول الأخير هو أقرب الأقوال، والله أعلم. وهو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀.
تنبيه: إن كان كسب المبعض بجزئه الحر، مثل إن كان قد هايأ السيد على
стр. 3849
منفعته، فاكتسب في أيامه، أو ورث شيئًا ببعضه الحر، أو كان قد قاسم سيده في حياته، فتركته كلها لورثته، لا حقَّ لمالك باقيه فيها. وقال قوم: جميع ما خلَّفه بينه وبين سيده.
قال ابن قدامة ﵀: قال ابن اللبان: هذا غلط؛ لأن الشريك إذا استوفى حقه من كسبه مرة؛ لم يبق له حق في الباقي، ولا سبيل له على ما كسبه بنصفه الحر، كما لو كان بين شريكين، فاقتسما كسبه؛ لم يكن لأحدهما حق في حصة الآخر، والعبد يخلف أحد الشريكين فيما عتق منه. اهـ (١)
مسألة [٢]: المكاتَب هل يرث ويورث عنه أم لا ؟
أما قبل تأدية شيء من الكتابة فحكمه حكم العبد عند أهل العلم.
• وأما بعد تأديته بعض ما كوتب عليه؛ ففيه خلاف مبني على الخلاف في المكاتَب إذا أدَّى بعض الكتابة، هل يصير بعضه حرًّا وبعضه عبدًا، أم أنه يبقى عبدًا حتى يؤدي جميع مال الكتابة؟ وسنتكلم على هذه المسألة إن شاء الله في كتاب العتق، فمن قال بالأول؛ فحكمه حكم المبعض، ومن قال بالثاني؛ فقالوا: لا يرث من غيره. واختلفوا هل يرثه غيره أم لا؟ فمذهب الشافعي، وأحمد في رواية أنَّ الكتابة تنفسخ، ويكون المال للسيد. وقال جماعة: إذا مات وعنده ما يؤدي الكتابة؛ فإنه يكون حرًّا يرثُ ويُورث، فإذا مات؛ يُعطى السيد بقية الكتابة، والباقي لورثته. وهذا قول أحمد في رواية، وهو قول ابن المسيب، وأبي سلمة،
стр. 3850
والنخعي، والشعبي، وشريح، والحسن، ومنصور، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، إلا أن أبا حنيفة جعله عبدًا ما دام حيًّا، ومالكًا جعل من كان معه في كتابته أحق ممن لم يكن معه. (١)
المانع الثاني: القتل .
أما إذا كان القتل عمدًا؛ فإنَّ القاتل لا يرث من المقتول شيئًا.
قال ابن قدامة ﵀: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ مِنْ الْمَقْتُولِ شَيْئًا؛ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ جُبَيْرٍ، إنَّهُمَا وَرَّثَاهُ، وَهُوَ رَأْيُ الْخَوَارِجِ؛ لِأَنَّ آيَةَ الْمِيرَاثِ تَتَنَاوَلُهُ بِعُمُومِهَا، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا فِيهِ، وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ لِشُذُوذِهِ، وَقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِهِ. اهـ
والدليل عليه هو حديث: «ليس للقاتل من الميراث شيء»، وهو حديث حسنٌ كما بيَّنَّاه سابقًا. وأما إذا كان القتل خطأ، فاختلف فيه أهل العلم.
• فمذهب الجمهور أنه لا يرث منه أيضًا، قال به جمعٌ من التابعين، منهم: شريح، وطاوس، وعروة، وجابر بن زيد، والنخعي، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي، واستدلوا بعموم الحديث السابق.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يرث من المال دون الدية، قال به جمعٌ من التابعين منهم: سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، ومجاهد، والزهري، وهو قول الأوزاعي، وابن أبي ذئب، ومالك، وأبي ثور، وابن المنذر، وداود؛ لأنَّ
стр. 3851
ميراثه ثابت بالكتاب، والسنة، وتخصص قاتل العمد بعدم الميراث بالإجماع؛ فوجب البقاء على ظاهره فيما سواه.
واستدل بعضهم لهذا القول بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال يوم فتح مكة: «لا يتوارث أهل ملتين، والمرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها؛ مالم يقتل أحدهما صاحبه؛ فإن قتل أحدهما صاحبه لم يرث من ديته وماله شيئًا، وإن قتل أحدهما صاحبه خطأً ورث من ماله، ولم يرث من ديته»، وهو حديث حسن، أخرجه ابن ماجه (٢٧٣٦)، وابن الجارود (٩٦٧)، والدارقطني (٤/ ٧٢)، من طريق: [محمد] (١) بن سعيد، عن عمرو بن شعيب به.
قال الدارقطني ﵀ عقب هذا الحديث: محمد بن سعيد الطائفي ثقة. اهـ
وقد ظنَّ بعضهم أنه المصلوب؛ فحكم على الحديث بالوضع كعبد الحق الأشبيلي، وتبعه الإمام الألباني كما في «الضعيفة» (٤٦٧٤)، و «ضعيف سنن ابن ماجة» (٥٤٤)، وكأنهما لم يطَّلِعا على قول الدارقطني، وبالله التوفيق.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا الحديث نصٌّ في المسألة؛ فالراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (٢)
стр. 3852
تنبيه: عند الشافعي، وأحمد في رواية أنَّ القاتل لا يرث، ولو كان القتل بحق، كالعادل يقتل الباغي، أو القتل قصاصًا، أو حدًّا، أو دفاعًا عن نفسه، وعن أبي حنيفة وأصحابه أنَّ القتل الذي يمنع الميراث ما باشر القاتل فيه القتل دون ما كان فيه سببًا كحفر بئر، أو وضع حجر في الطريق؛ فقتل مورثه. والصحيح أنَّ القاتل لا يرث في كل قتل بغير حق، وهو ما كان مضمونًا بقود، وهو قول في مذهب أحمد، وهو مقتضى مذهب مالك. (١)
المانع الثالث: اختلاف الدين .
مسألة [٣]: التوارث بين المسلم والكافر .
أجمع أهل العلم على أنَّ الكافر لا يرث المسلم.
• واختلفوا: هل يرث المسلم من الكافر أم لا؟ فذهب عامة أهل العلم وجمهورهم إلى عدم الإرث؛ لحديث أسامة، وعبد الله بن عمرو ﵃ اللذين في الباب.
• وصحَّ عن معاذ، ومعاوية ﵄ أنهما ورَّثا المسلم من الكافر كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وقال به جمعٌ من التابعين، منهم: مسروق، وسعيد بن المسيب، والنخعي، وقال به إسحاق، وكأنهم لم يبلغهم الحديثان اللذان أشرنا إليهما، والصحيح هو قول الجمهور، ويمكن أن يحمل قول معاوية، ومعاذ ﵄: على أنهما أعطيا المسلم؛ لكونه مستحقًّا من بيت المال، وهو أولى بمال قريبه الكافر، والله أعلم. (٢)
стр. 3853
مسألة [٤]: هل يرث المسلم من الكافر إذا كان له عليه ولاء ؟
• جاء عن بعض أهل العلم توريث المسلم من المولى الكافر، وهو قول عمر ابن عبد العزيز، وأحمد في رواية، وبه قال أهل الظاهر، ونقل عن مالك.
واستدل لهذا القول بحديث جابر عند الدارقطني (٤/ ٧٤) مرفوعًا: «لا يرث المسلم النصراني؛ إلا أن يكون عبده أو أمته»، وهو حديث رُوي مرفوعًا وموقوفًا، والراجح وقفه على جابر، وهو صحيح عنه موقوفًا، كما في «مصنف عبد الرزاق» (٦/ ١٨). وقد رجح الموقوف الدارقطني عقب الحديث. (١)
• وجمهور العلماء والفقهاء على أنَّ السيد لا يرث عتيقه مع اختلاف الدين؛ لعموم حديث أسامة، وعبد الله بن عمرو، وكما أنَّ اختلاف الدين منع التوارث بالنسب، وهو أقوى من الولاء؛ فيمنعه بالولاء من باب أولى؛ لأنه إذا منع الأقوى؛ فالأضعف أولى، وهذا القول صححه ابن قدامة، وهو الصحيح.
وأما حديث جابر؛ فهو موقوف، وليس فيه حجة؛ لأنه ذكر العبد والأمة، ولاخلاف في أن السيد يأخذ مال عبده وأمته إذا ماتا، والله أعلم. (٢)
مسألة [٥]: هل يرث الكافر من المسلم إذا أسلم قبل القسمة ؟
• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه يرث، وهو قول جابر بن زيد، والحسن، ومكحول، وقتادة، وإياس، وإسحاق، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث: «من
стр. 3854
أسلم على شيء فهو له»، وبحديث: «كل قَسَمٍ قُسِمَ في الجاهلية؛ فهو على ما قُسم، وكل قسم أدركه الإسلام؛ فهو على الإسلام».
• وذهب جمعٌ من أهل العلم، بل أكثرهم إلى أنه لا يرث، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والزهري، وسليمان بن يسار، والنخعي، والحكم، وأبي الزناد، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، واختاره الإمام البخاري وغيره؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يرث الكافر المسلم»، والتركة تنتقل إلى الوارثين بموت مورثهم، قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء:١٢]، وهذا القول هو الصواب.
وأما حديث: «من أسلم على شيء؛ فهو له»، فقد أخرجه سعيد بن منصور (١/ ٧٦) مرسلًا، وليس بصريح في مسألتنا، بل يظهر أنَّ معناه كمعنى الحديث الذي بعده، وهو حديث ابن عباس عند أبي داود (٢٩١٤)، وغيره: «كل قَسَمٍ قُسِمَ في الجاهلية ... »؛ فإنه حديث صحيح، ولكن معناه: أنَّ ما قُسِمَ من الأموال في الجاهلية تقر على ما قسم كما تقر أنكحتهم، ومالم يقسم؛ فإنه يقسم على أحكام الشرع، والله أعلم. (١)
تنبيه: ومثل الحكم السابق الرقيق إذا أُعتِق قبل القسمة؛ فإنه لا يرث عند جمهور الفقهاء من الصحابة، ومن بعدهم، ونقل الخلاف في ذلك عن مكحول،
стр. 3855
وقتادة أنهما ورثا من أعتق قبل القسمة، وقول الجمهور هو الصواب، وكان يلزم من ورث الكافر إذا أسلم قبل القسمة أن يورث العبد إذا أُعتق قبل القسمة، وقد فرَّقوا بينهما بما لا يوجب التفريق. (١)
مسألة [٦]: هل يتوارث أهل الكفر بعضهم من بعض ؟
أما إذا كانت ملتهم واحدة كاليهودية، أو النصرانية؛ فإنهم يتوارثون. قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافًا.
والدليل على ذلك مفهوم حديث أسامة، وعبد الله بن عمرو، وورث طالب وعقيل أبا طالب دون جعفر، وعلي؛ لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين كما في «الصحيح». (٢)
• وأما إذا اختلفت أديانهم، ففيه خلاف بين أهل العلم، فمذهب الشافعي، و أبي حنيفة، وداود، وأحمد في رواية وآخرين أنهم يتوارثون؛ لأنَّ الكفر كله ملة واحدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وهذا القول عزاه الحافظ للجمهور.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الكفر ثلاث ملل: اليهودية، والنصرانية، ودين من عداهم، يجمعهم أنهم لا كتاب لهم، وهذا قول شريح، وعطاء، وعمر