← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

ميراثه ثابت بالكتاب، والسنة، وتخصص قاتل العمد بعدم الميراث بالإجماع؛ فوجب البقاء على ظاهره فيما سواه. واستدل بعضهم لهذا القول بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال يوم فتح مكة: «لا يتوارث أهل ملتين، والمرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها؛ مالم يقتل أحدهما صاحبه؛ فإن قتل أحدهما صاحبه لم يرث من ديته وماله شيئًا، وإن قتل أحدهما صاحبه خطأً ورث من ماله، ولم يرث من ديته»، وهو حديث حسن، أخرجه ابن ماجه (٢٧٣٦)، وابن الجارود (٩٦٧)، والدارقطني (٤/ ٧٢)، من طريق: [محمد] (١) بن سعيد، عن عمرو بن شعيب به. قال الدارقطني ﵀ عقب هذا الحديث: محمد بن سعيد الطائفي ثقة. اهـ وقد ظنَّ بعضهم أنه المصلوب؛ فحكم على الحديث بالوضع كعبد الحق الأشبيلي، وتبعه الإمام الألباني كما في «الضعيفة» (٤٦٧٤)، و «ضعيف سنن ابن ماجة» (٥٤٤)، وكأنهما لم يطَّلِعا على قول الدارقطني، وبالله التوفيق. قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا الحديث نصٌّ في المسألة؛ فالراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (٢)

стр. 3852

تنبيه: عند الشافعي، وأحمد في رواية أنَّ القاتل لا يرث، ولو كان القتل بحق، كالعادل يقتل الباغي، أو القتل قصاصًا، أو حدًّا، أو دفاعًا عن نفسه، وعن أبي حنيفة وأصحابه أنَّ القتل الذي يمنع الميراث ما باشر القاتل فيه القتل دون ما كان فيه سببًا كحفر بئر، أو وضع حجر في الطريق؛ فقتل مورثه. والصحيح أنَّ القاتل لا يرث في كل قتل بغير حق، وهو ما كان مضمونًا بقود، وهو قول في مذهب أحمد، وهو مقتضى مذهب مالك. (١) المانع الثالث: اختلاف الدين . مسألة [٣]: التوارث بين المسلم والكافر . أجمع أهل العلم على أنَّ الكافر لا يرث المسلم. • واختلفوا: هل يرث المسلم من الكافر أم لا؟ فذهب عامة أهل العلم وجمهورهم إلى عدم الإرث؛ لحديث أسامة، وعبد الله بن عمرو ﵃ اللذين في الباب. • وصحَّ عن معاذ، ومعاوية ﵄ أنهما ورَّثا المسلم من الكافر كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وقال به جمعٌ من التابعين، منهم: مسروق، وسعيد بن المسيب، والنخعي، وقال به إسحاق، وكأنهم لم يبلغهم الحديثان اللذان أشرنا إليهما، والصحيح هو قول الجمهور، ويمكن أن يحمل قول معاوية، ومعاذ ﵄: على أنهما أعطيا المسلم؛ لكونه مستحقًّا من بيت المال، وهو أولى بمال قريبه الكافر، والله أعلم. (٢)

стр. 3853

مسألة [٤]: هل يرث المسلم من الكافر إذا كان له عليه ولاء ؟ • جاء عن بعض أهل العلم توريث المسلم من المولى الكافر، وهو قول عمر ابن عبد العزيز، وأحمد في رواية، وبه قال أهل الظاهر، ونقل عن مالك. واستدل لهذا القول بحديث جابر عند الدارقطني (٤/ ٧٤) مرفوعًا: «لا يرث المسلم النصراني؛ إلا أن يكون عبده أو أمته»، وهو حديث رُوي مرفوعًا وموقوفًا، والراجح وقفه على جابر، وهو صحيح عنه موقوفًا، كما في «مصنف عبد الرزاق» (٦/ ١٨). وقد رجح الموقوف الدارقطني عقب الحديث. (١) • وجمهور العلماء والفقهاء على أنَّ السيد لا يرث عتيقه مع اختلاف الدين؛ لعموم حديث أسامة، وعبد الله بن عمرو، وكما أنَّ اختلاف الدين منع التوارث بالنسب، وهو أقوى من الولاء؛ فيمنعه بالولاء من باب أولى؛ لأنه إذا منع الأقوى؛ فالأضعف أولى، وهذا القول صححه ابن قدامة، وهو الصحيح. وأما حديث جابر؛ فهو موقوف، وليس فيه حجة؛ لأنه ذكر العبد والأمة، ولاخلاف في أن السيد يأخذ مال عبده وأمته إذا ماتا، والله أعلم. (٢) مسألة [٥]: هل يرث الكافر من المسلم إذا أسلم قبل القسمة ؟ • ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه يرث، وهو قول جابر بن زيد، والحسن، ومكحول، وقتادة، وإياس، وإسحاق، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث: «من

стр. 3854

أسلم على شيء فهو له»، وبحديث: «كل قَسَمٍ قُسِمَ في الجاهلية؛ فهو على ما قُسم، وكل قسم أدركه الإسلام؛ فهو على الإسلام». • وذهب جمعٌ من أهل العلم، بل أكثرهم إلى أنه لا يرث، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والزهري، وسليمان بن يسار، والنخعي، والحكم، وأبي الزناد، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، واختاره الإمام البخاري وغيره؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يرث الكافر المسلم»، والتركة تنتقل إلى الوارثين بموت مورثهم، قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء:١٢]، وهذا القول هو الصواب. وأما حديث: «من أسلم على شيء؛ فهو له»، فقد أخرجه سعيد بن منصور (١/ ٧٦) مرسلًا، وليس بصريح في مسألتنا، بل يظهر أنَّ معناه كمعنى الحديث الذي بعده، وهو حديث ابن عباس عند أبي داود (٢٩١٤)، وغيره: «كل قَسَمٍ قُسِمَ في الجاهلية ... »؛ فإنه حديث صحيح، ولكن معناه: أنَّ ما قُسِمَ من الأموال في الجاهلية تقر على ما قسم كما تقر أنكحتهم، ومالم يقسم؛ فإنه يقسم على أحكام الشرع، والله أعلم. (١) تنبيه: ومثل الحكم السابق الرقيق إذا أُعتِق قبل القسمة؛ فإنه لا يرث عند جمهور الفقهاء من الصحابة، ومن بعدهم، ونقل الخلاف في ذلك عن مكحول،

стр. 3855

وقتادة أنهما ورثا من أعتق قبل القسمة، وقول الجمهور هو الصواب، وكان يلزم من ورث الكافر إذا أسلم قبل القسمة أن يورث العبد إذا أُعتق قبل القسمة، وقد فرَّقوا بينهما بما لا يوجب التفريق. (١) مسألة [٦]: هل يتوارث أهل الكفر بعضهم من بعض ؟ أما إذا كانت ملتهم واحدة كاليهودية، أو النصرانية؛ فإنهم يتوارثون. قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافًا. والدليل على ذلك مفهوم حديث أسامة، وعبد الله بن عمرو، وورث طالب وعقيل أبا طالب دون جعفر، وعلي؛ لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين كما في «الصحيح». (٢) • وأما إذا اختلفت أديانهم، ففيه خلاف بين أهل العلم، فمذهب الشافعي، و أبي حنيفة، وداود، وأحمد في رواية وآخرين أنهم يتوارثون؛ لأنَّ الكفر كله ملة واحدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وهذا القول عزاه الحافظ للجمهور. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الكفر ثلاث ملل: اليهودية، والنصرانية، ودين من عداهم، يجمعهم أنهم لا كتاب لهم، وهذا قول شريح، وعطاء، وعمر

стр. 3856

ابن عبد العزيز، والضحاك، والحكم، والثوري، والليث، ووكيع، ومالك، وبعض الحنابلة، واستدلوا بحديث: «لا يتوارث أهل ملتين». • والمشهور في مذهب أحمد أنَّ الكفر ملل كثيرة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج:١٧]، ففرق بين الملل المذكورة، وهذا قول الزهري، وربيعة، وإسحاق، وطائفة من أهل المدينة، والبصرة. واستدلوا أيضًا بالحديث: «لا يتوارث أهل ملتين». قال ابن قدامة ﵀: وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. واستدل بالحديث المذكور. قال: وَلِأَنَّ كُلَّ فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ، وَلَا اتِّفَاقَ فِي دِينٍ؛ فَلَمْ يَرِثْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَالمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ. قال: وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ رَوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ ﵇ أَنَّهُ جَعَلَ الْكُفْرَ مِلَلًا مُخْتَلِفَةً. وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ؛ فَيَكُونُ إجْمَاعًا. اهـ وهذا القول هو الصواب -والله أعلم- وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، وفضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله وعافاه. وأما الآية: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]؛ فالمراد أهل الدين الواحد منهم، أو المراد أنهم يتوالون ويتناصرون ضد المسلمين، ويدل على ذلك قوله

стр. 3857

تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣] الآية. وأما قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]؛ فإنَّ قوله: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ واحد باللفظ أُضيف إلى ما يفيد الكثرة بالمعنى، كقول القائل: أخذ عن علماء الدين علمهم. يريد علم كلٍّ منهم. أجاب بذلك القرطبي في «المفهم» كما في «الفتح». (١) تنبيه: جاء عن جماعة من الفقهاء أنهم يشترطون في توريث الكفار بعضهم من بعض أن يكون دارهم واحدًا، كأن يكونوا حربيين فقط، أو ذميين؛ فلا توارث عندهم بين ذميٍّ وحربيٍّ، وهو قول الشافعي وأصحابه، والحنفية، وبعض الحنابلة. ورجح ابن قدامة عدم اشتراط ذلك، وهو قول جماعة من الحنابلة، والمالكية؛ لعدم وجود دليل على هذا الشرط، والأحاديث -أعني حديث أسامة وعبدالله بن عمرو- عامة تشمل الذمي، والحربي، والمستأمن، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم، وهو ترجيح الفوزان. (٢) مسألة [٧]: ميراث المرتد . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ١٥٩): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ أَحَدًا. وَهَذَا قَوْلُ، مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا

стр. 3858

نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ مُسْلِمًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يَرِثُ كَافِرٌ مُسْلِمًا»، وَلَا يَرِثُ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي حُكْمِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَلِهَذَا لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ، وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِمْ، وَإِنْ انْتَقَلُوا إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ تَزُولُ أَمْلَاكُهُ الثَّابِتَةُ لَهُ وَاسْتِقْرَارُهَا، فَلَأَنْ لَا يَثْبُتُ لَهُ مِلْكٌ أَوْلَى. وَلَوْ ارْتَدَّ مُتَوَارِثَانِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ؛ فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: نفى ابن قدامة علمه بالخلاف، وقد وجدت خلافًا عن داود الظاهري، وتبعه ابن حزم؛ فإنهم يجعلون المرتد حكمه كحكم الكافر، فميراثه لورثته من الكفار، وقيَّد ابن حزم ذلك بماله الذي لم يظفر به المسلمون، وهذا ظاهر اختيار الشوكاني كما في «وبل الغمام». قال أبو عبد الله غفر الله له: المرتد لا يُقَرُّ على دينه، وهو حلال الدم والمال، وهذا لا يمنع أن يرث من قريبه الكافر، ولا يمنع أيضًا أنَّ الكافر المرتد إذا مات بين ظهراني الكافرين الحربيين أنهم يرثون ماله؛ لأننا لم نظفر به كما أشار إلى ذلك ابن حزم، والله أعلم. وأما إذا ارتد، ولحق بأهل الذمة؛ فلا يقرون على أخذ ماله، بل هو فيءٌ للمسلمين، وأهل الذمة ملزمون بعهدهم، ومن ذلك عدم إيواء المرتدين، ونصرهم، والحفاظ على أموالهم، والله أعلم. (١)

стр. 3859

مسألة [٨]: إذا مات المرتد، أو قتل على ردته، وماله بين المسلمين، فلمن ماله ؟ • من أهل العلم من قال: يكون ماله فيئًا لبيت المسلمين، وهو الصحيح في مذهب أحمد، وقال به ربيعة، ومالك، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. وحجة هؤلاء حديث: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»، وقوله: «لا يتوارث أهل ملتين»، والمرتد كافر. وهذا القول نصره ابن حزم في «المحلى»، ورجحه الشوكاني في «وبل الغمام». • وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ ميراثه لورثته المسلمين، صحَّ هذا من فعل علي ﵁، وبه قال جمعٌ من التابعين، منهم: سعيد بن المسيب، وأبو الشعثاء، والحسن، وعطاء، والشعبي، والحكم، وعمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الأوزاعي، والثوري، وإسحاق، والحنفية، وبعض الحنابلة، واستثنى بعضهم المال الذي اكتسبه في ردته، فقالوا: يكون فيئًا. • وذهب داود الظاهري إلى أنَّ المال لورثته من أهل الدين الذي ارتد إليه، وهو رواية عن أحمد، وهذا القول غير صحيح؛ لأنَّ ماله بين أظهر المسلمين، والمرتد لا يقر على كفره، وليس له أحكام أهل الذمة بعد ارتداده؛ فالصحيح هو قول من قال: إنه يكون فيئًا لبيت المال، وينبغي لولي المسلمين أن يعطيه ورثة المرتد من المسلمين كما فعل علي ﵁؛ لأنهم أحق الناس بذلك المال. وقد اختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما أنَّ ميراث المرتد

стр. 3860

لورثته المسلمين؛ لأنَّ هذا هو قضاء علي ﵁، ولأنه أولى من الطلاق في المرض المخوف. والذي يظهر أنَّ القول الأول هو الصواب كما تقدم، وهو ترجيح ابن قدامة، ورجحه الإمام ابن عثيمين، واستدل على ذلك بالحديث المتقدم، ورد على الاستدلال بفعل بعض الصحابة بأنه ليس بإجماع حتى يلزم القول به، وأجاب الشوكاني بأنَّ فعل علي ﵁ ليس بحجة، قال: ويحتمل أنه صرفه لورثته؛ لكونه كان والي المسلمين، فصرفه لهم لا على سبيل الميراث، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: إذا لحق المرتد بدار الحرب، فماذ يصنع بماله إذا لم يمت بعدُ ؟ • مذهب أحمد، ومالك، والشافعي رحمة الله عليهم أنَّ ماله يوقف، فإذا أسلم؛ دُفِع إليه، وإن مات؛ صار فيئًا. • وأما الحنفية فيصرفونه إلى من يصرف إليه إذا مات؛ فإن عاد إلى الإسلام؛ فله ما وجد من ماله، ولا يرجع على ورثته بشيء مما أتلفوه. وقال ابن حزم: يأخذه بيت المال فيئًا، ولا يُعاد إليه، وإن أسلم. والله أعلم. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)

стр. 3861

فَصْلٌ فِي بَيَانِ الوَارِثِيْنَ مِنَ الرِّجَالِ أجمع أهل العلم على توريث خمسة عشر صنفًا من الرجال: الأول: الابن؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء:١١]. الثاني: ابن الابن وإن نزل بمحض الذكور؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية. الثالث: الأب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ الآية. الرابع: الجد من قِبَلِ الأب وإن علا بمحض الذكور؛ لأنه يدخل في لفظ الأب، فيتناوله النص المتقدم. الخامس والسادس: الأخ الشقيق، والأخ لأب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦]، وقد أجمعوا على أنَّ المراد بالأخ ههنا الشقيق، أو لأب. ويدل على ذلك أيضًا قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر». السابع: الأخ لأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء:١٢]، وأجمع العلماء على أنَّ المراد به ههنا الأخ لأم، وقد قرأ بذلك سعد بن أبي وقاص ﵁. (١)

стр. 3862

الثامن: ابن الأخ الشقيق وإن نزل بمحض الذكور؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فما بقي فلأولى رجل ذكر». التاسع: ابن الأخ لأب وإن نزل بمحض الذكور، ودليله الحديث السابق. العاشر والحادي عشر: العم الشقيق، والعم لأب وإن عليا، ودليله الحديث السابق. الثاني عشر والثالث عشر: ابن العم الشقيق، وابن العم لأب وإن نزلا، دليله الحديث السابق. الرابع عشر: الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء:١٢]. الخامس عشر: المعتق، وعصبته المتعصبون بأنفسهم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق». ويمكن إجمال هؤلاء إلى عشرة كما قال صاحب «الرحبية» ﵀: والوارثون من الرجال عشره ... أسماؤهم معروفة مشتهره الابن وابن الابن مهما نزلا ... والأب والجد له وإن علا والأخ من أي الجهات كانا ... قد أنزل الله به القرآنا وابن الأخ المدلي إليه بالأب ... فاسمع مقالا ليس بالمكذب والعم وابن العم من أبيه ... فاشكر لذي الإيجاز والتنبيه والزوج والمعتق ذو الولاء ... فجملة الذكور هؤلاء

стр. 3863

فَصْلٌ فِي بَيَانِ الوَارِثَاتِ مِنَ النِّسَاء أجمع أهل العلم على توريث عشر من النساء: إحداهن: البنت؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. الثانية: بنت الابن وإن نزل أبو ها بمحض الذكور؛ للآية السابقة. الثالثة: الأم؛ للدليل السابق في الأب. الرابعة: الجدة من جهة الأم، وأمهاتها المدليات بإناث خُلَّص؛ لحديث بريدة وشواهده الذي في الباب. الخامسة: الجدة من جهة الأب وأمهاتها المدليات بإناث خُلَّص، وقد خالف داود الظاهري في أمهاتها كما سيأتي بيانه إن شاء الله في بيان أصحاب السدس. تنبيه: الجدة المدلية بِأَبِ الأب، أو جد أعلى، فيها خلاف بين العلماء، وسنتكلم على ذلك إن شاء الله لاحقًا. السادسة: الأخت الشقيقة، والدليل آية الكلالة التي في آخر النساء، وحديث ابن مسعود الذي في الباب. السابعة: الأخت لأب، والدليل آية الكلالة التي في آخر سورة النساء.

стр. 3864

الثامنة: الأخت لأم، والدليل آية الكلالة التي في أوائل سورة النساء. التاسعة: الزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] الآية. العاشرة: المعتقة؛ للحديث: «إنما الولاء لمن أعتق». ويمكن إجمال العشر مع الجدة المختلف فيها إلى سبع، كما قال صاحب «الرحبية»: والوارثات من النساء سبع ... لم يعط أنثى غيرهن الشرع بنت وبنت ابن وأم مشفقه ... وزوجة وجدة ومعتقه والأخت من أي الجهات كانت ... فهذه عدتهن بانت

стр. 3865

فَصْلٌ فِي أَنْوَاعِ الإِرْثِ الإرث نوعان: فرض، وتعصيب. فالفرض: هو النصيب المقدر شرعًا لوارث خاص لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول. والتعصيب: هو الإرث بغير تقدير. والورثة ينقسمون من حيث الإرث بهما إلى أربعة أقسام: الأول: من يرث بالفرض فقط، وهم سبعة: الأم وولداها -الأخ لأم، والأخت لأم- والجدة من جهة الأم، والجدة من جهة الأب، والزوج، والزوجة. الثاني: من يرث بالتعصيب فقط، وهم اثنا عشر: الابن، وابن الابن و إن نزل، والأخ الشقيق، والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق، وابن الأخ لأب وإن نزلا، والعم الشقيق، والعم لأب وإن عليا، وابن العم الشقيق، وابن العم لأب وإن نزلا، والمعتق، والمعتقة. الثالث: من يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب تارة، ويجمع بينهما تارة، وهما الأب، والجد؛ فإنهما يرثان السدس فقط مع وجود ابن الميت، وابن ابنه وإن نزل، ويرثان بالتعصيب عند عدم وجود الفرع الوارث، ويرثان بالفرض

стр. 3866

والتعصيب عند وجود بنت الميت، أو بنت ابنه إذا بقي بعد قسمة الفروض أكثر من السدس. الرابع: من يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب أخرى، ولا يجمع بينهما أبدًا، وهم أربعة: البنت فأكثر، وبنت الابن فأكثر، والأخت الشقيقة فأكثر، والأخت لأب فأكثر؛ فإنهن يرثن بالفرض إذا لم يوجد لكل واحدة منهن معصبها، فإذا وجد معصبها؛ ورثت معه بالتعصيب. (١)

стр. 3867

فَصْلٌ فِي بَيَانِ الفُرُوضِ المُقَدَّرَةِ فِي الشَّرْعِ الفروض المقدرة في الشرع ستة، وهي: النصف، الربع، الثمن، الثلثان، الثلث، السدس. قال محمد بن علي الرحبي ﵀: واعلم بأنَّ الإرث نوعان هما ... فرض وتعصيب على ما قسما فالفرض في نص الكتاب سته ... لا فرض في الإرث سواها البته نصف وربع ثم نصف الربع ... والثلث والسدس بنص الشرع والثلثان وهما التمام ... فاحفظ فكل حافظ إمام أصحاب النصف: يرث النصفَ خمسةُ أفراد بإجماع أهل العلم. أحدهم: الزوج، ويستحقه إذا لم يكن للزوجة فرعٌ وارث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢]. الثاني: البنت، وتستحقه إذا كانت واحدة، وليس لها معصب، وهو أخوها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١]. الثالث: بنت الابن، وتستحقه إذا كانت منفردة، ولم يوجد فرعٌ وارث أعلى

стр. 3868

منها، ولم يوجد لها معصب، وهو أخوها، أو ابن عمها، والدليل الآية السابقة. الرابع: الأخت الشقيقة، وتستحقه إذا كانت منفردة، ولم يوجد فرع وارث، أو أصل وارث من الذكور، ولم يوجد معصبها، وهو الأخ الشقيق، والدليل آية الكلالة في آخر سورة النساء. الخامس: الأخت لأب، وتستحقه عند انفرادها، ولم يوجد فرع وارث، أو أصل وارث من الذكور، ولم يوجد أشقاء، أو شقائق، ولم يوجد معصبها وهو أخوها، والدليل الآية السابقة. أصحاب الربع: يرث الربعَ صنفان بإجماع أهل العلم: أحدهما: الزوج، ويستحقه عند وجود فرع وارث للزوجة، ودليله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء:١٢]. الثاني: الزوجة، وتستحقه عند عدم وجود فرع وارث للزوج، ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]. أصحاب الثمن: أجمع أهل العلم على أنَّ الثمن لا يستحقه إلا الزوجة، أو الزوجات عند وجود فرع وارث للزوج؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء:١٢].

стр. 3869

أصحاب الثلثين: أجمع أهل العلم على أنَّ أصحاب الثلثين أربعة أصناف: الأول: البنات إذا كنَّ اثنتين فأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١]، وقد نُقل عن ابن عباس ﵄ أنه جعل للاثنتين النصف، ولم نجده عنه مسندًا، وقد حكم ابن قدامة على هذه الرواية بالشذوذ. والدليل على أنهنَّ يستَحِقْنَ الثلثين إن كنُّ اثنتين: سبب نزول الآية، فقد جاء من حديث جابر عند الترمذي (٢٠٩٢) وغيره أنها نزلت في شأن ابنتي سعد بن الربيع، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اعط ابنتي سعد الثلثين»، وفي إسناده ابن عقيل، وفيه ضعفٌ، ولكن اشتهر عند أهل العلم أنَّ هذا هو سبب نزولها. واستدل بعضهم على أنَّ لهما الثلثين بالقياس على الأختين، وذلك لأنَّ الله نصَّ على الأختين دون الأخوات، فقال: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦]، ونصَّ على البنات دون البنتين، فأخذنا حكم كل واحدة من الصورتين المسكوت عنها من الأخرى، فإذا أعطى الأختين الثلثين؛ فالبنات من باب أولى؛ لأنهما أمس رحمًا، وأقوى سببًا في الإرث من الأختين. وقالوا أيضًا: قيَّد الله النصف للبنت في حالة كونها واحدة؛ فدل بمفهومه على أنه لا يكون لها إلا في حال وحدتها، فإذا كان معها مثلها فإما أن تنقصها عن

стр. 3870

النصف، وهذا مُحال، أو يشتركان فيه وذلك يبطل الفائدة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾؛ فتعين القسم الثالث، وهو انتقال الفرض من النصف إلى ما فوقه، وهو الثلثان. وقالوا أيضًا: الاثنتان إما أن يكون لهما جميع المال لكل واحدة النصف، وهذا لا يصح؛ لأنَّ الثلاث ليس لهن إلا الثلثان، فكيف الثنتان؟ وإما أن يكون لهما النصف، وهذا يخالف شرط أن تكون واحدة، فانتفى النصف وانتفى الجميع؛ فلم يبق إلا الثلثان. إذا تقرر ذلك فما الفائدة في قوله تعالى: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؟. أجاب بعض أهل العلم: بأنَّ الفائدة في ذلك الإفادة بأنَّ الفرض لا يزيد بزيادتهن على الاثنتين كما زاد بزيادة الواحدة على الأخرى. (١) وتستحق البنات الثلثين إذا كنَّ اثنتين فأكثر، ولم يكن لهن معصب، وهو أخوهن. الثاني: بنات الابن وإن نزلن بشرط أن يكن اثنتين فأكثر كالبنات، وبشرط عدم وجود فرع وارث أعلى منها، وبشرط عدم وجود معصبها، وهو أخوها، أو ابن عمها. الثالث: الأختان الشقيقتان فأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ

стр. 3871

مِمَّا تَرَكَ﴾، ويأخذن الثلثين بشرط أن يكن اثنتين فأكثر، وبشرط عدم وجود الأصل الوارث من الذكور، أو الفرع الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء:١٧٦]، والكلالة فسرها جمعٌ من الصحابة بأنه من ليس له ولد ولا والد، وبشرط عدم المعصب، وهو أخوهن الشقيق. الرابع: الأختان لأب فأكثر؛ للآية السابقة، ويستحقنه بنفس الشروط السابقة مع زيادة شرطٍ وهو عدم وجود أخ شقيق، أو أخت شقيقة فأكثر. أصحاب الثلث: يرث الثلث صنفان لا ثالث لهما بالإجماع. الصنف الأول: الأم، وتستحقه عند عدم وجود الفرع الوارث، أو جمع من الإخوة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١]. والجمع من الإخوة يحجبونها إلى السدس، سواء كانوا ذكورًا، أو إناثًا، أشقاء، أو لأب أو لأم؛ لعموم الآية المتقدمة في ذلك، وأقل عدد يحجبها اثنان عند عامة أهل العلم. ونُقِلَ الخلاف عن ابن عباس، ونصره ابن حزم في «المحلى» (١٧١٥) أنه لا

стр. 3872

يرى الحجب إلا بثلاثة فصاعدًا؛ لأنَّ الآية فيها: ﴿إِخْوَةٌ﴾ وأقل الجمع ثلاثة، وقال لعثمان بن عفان: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك؛ فَلِمَ تحجب بهما الأم؟ فقال: لا أستطيع أن أرد شيئًا كان قبلي وتوارث الناس به. وهذا الأثر أخرجه ابن جرير في [آية: ١١] من سورة النساء، والحاكم (٤/ ٣٣٥)، والبيهقي (٦/ ٢٢٧)، وفي إسناده: شعبة مولى ابن عباس، وهو ضعيف. وأجاب الجمهور بأجوبة منها: ١) أنَّ هذا وارد في اللغة من التأليف بين الكلامين يتقارب معناهما، وإن اختلفا في بعض وجوههما، كقولهم: ضربت من عبد الله، وعمرو رؤوسهما، وأوجعت من أخويك ظهورهما. وذلك أشد استفاضة من قولهم: أوجعت منهما ظهرهما. وإن كان مقولًا: أوجعت ظهريهما ... قاله ابن جرير. ٢) قال بعض أهل العلم: أقل الجمع اثنين. صحَّ ذلك عن زيد بن ثابت ﵁، ونقل عن جماعة من أهل اللغة، واستدلوا بكثير من الآيات التي فيها إرادة الاثنين بصيغة الجمع. ٣) أنَّ لفظ (الإخوة) كلفظ (الذكور) و (الإناث) و (البنين)، وهذا كله قد يطلق، ويراد به المتعدد أعم من أن يكون تعددًا بواحد، أو أكثر، نحو: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك:٤]. ٤) أنَّ استعمال الاثنين في الجمع بقرينة، واستعمال الجمع في الاثنين بقرينة جائزٌ، بل واقع، وأيضًا فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ

стр. 3873

مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦]، وهذا يتناول (أخ وأخت) بغير خلاف. ٥) أنَّ الإخوة إنما حجبوها إلى السدس؛ لزيادة ميراثهم على ميراث الواحد، ولهذا لو كانت واحدة، أو أخًا واحدًا؛ لكان لها الثلث معه، فإذا كان الإخوة ولد الأم؛ كان فرضهم الثلث، اثنين كانا أو مائة، فالاثنان والجماعة في ذلك سواء، وكذلك لو كنَّ أخوات لأب، أو لأب وأم؛ ففرض الثنتين وما زاد واحد، فحجبها عن الثلث إلى السدس باثنين كحجبها عن الثلث إلى السدس بثلاثة سواء لا فرق بينهما ألبتة. ٦) أنَّ الله قال فيما زاد على الأخ أو الأخت من الأم: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:١٢]، فذكرهم بصيغة الجمع مع كونهم قد يكونون اثنين؛ فدل على أنَّ صيغة الجمع في الفرائض تتناول العدد الزائد على الواحد مطلقًا. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور، وانظر الردود المتقدمة في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٥٩ - ٣٦١). الصنف الثاني: وهم الإخوة والأخوات لأم، إذا كانوا اثنين فأكثر؛ اشتركوا في الثلث؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، ويشتركون بالسوية ذكرهم وأنثاهم عند عامة أهل العلم. (١)

стр. 3874

مسألة [١]: هل الإخوة المحجوبون بشخص يحجبون الأم من الثلث إلى السدس ؟ • أكثر أهل العلم على أنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، وإن لم يكونوا وارثين، كأن يكون معهم أبٌ حجبهم. • وذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى أن الإخوة المحجوبين بالأب لا يحجبون الأم عن شيء، بل لها حينئذ الثلث؛ لأنهم حجبوها إلى السدس ليأخذوه لهم؛ فإن كانوا محجوبين لم يحجبوها. والصحيح هو قول الجمهور؛ لعموم الآية المتقدمة، وأما ما جاء عن عمر، وبعض السلف أنهم قالوا: من لا يرث لا يحجب. (١) فأكثر أهل العلم يحملون ذلك على أنَّ المراد: من ليس له أهلية الميراث بالكلية كالكافر والرقيق دون من لا يرث؛ لانحجابه بمن هو أقرب منه، والله أعلم. واختار السعدي قول شيخ الإسلام. (٢)

стр. 3875

مسألة [٢]: الغراوين والعمريتين ؟ اشترط جمهور أهل العلم لميراث الأم الثلث أن لا تكون المسألة إحدى العمريتين، وهما: (زوجٌ وأمٌّ وأبٌ)، أو (زوجة فأكثر وأمٌّ وأبٌ) وسُمِّيتَا غراوين؛ لاشتهارهما كالكوكب الأغر، وسميتا عمريتين نسبة إلى عمر؛ لأنه أول من قضى فيهما. وقد اتفق العلماء على أنَّ الزوج يأخذ النصف، والزوجة تأخذ الربع. • واختلفوا في مقدار نصيب الأم مما بقي بعد أحد الزوجين على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنَّ للأم ثلث الباقي في المسألتين، وهو في مسألة الزوج (سدس) وفي مسألة الزوجة (ربع)، وهذا قول الجمهور، ومن الصحابة عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃، وهو ثابت عنهم، وحجة الجمهور فيه أنَّ الأب والأم إذا انفردا بالمال كان للأم الثلث، وللأب الباقي؛ فيجب أن يكون الحال كذلك فيما بقي بعد الزوجين. وقالوا أيضًا: لو أعطيناها الثلث كاملًا في المسألتين؛ لزم إما تفضيل الأم على الأب في مسألة الزوج، وإما أنه لا يفضل عليها التفضيل المعهود في الفرائض في مسألة الزوجة؛ مع أنَّ الأب والأم في درجة واحدة، والقاعدة أنَّ الذكر والأنثى إذا كانا في درجة واحدة فإما أن يتساويا كما في الإخوة لأم، وإما أن يكون للذكر ضعف ما للأنثى كما في أولاد الميت ذكورًا وإناثًا، وأخوته لغير أم ذكورًا وإناثًا.

стр. 3876

وأقوى دليل للجمهور هو ما ذكره ابن القيم ﵀ أنَّ قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ في الآية أنه قيدٌ أُريد به أنها تأخذ الثلث بشرط انفرادهما بالميراث، فجعل قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ شرطًا للانفراد، وبقي مع عدم الأولاد في حالة عدم الانفراد، ولا يكون إلا مع الزوجة، أو الزوج؛ فلها ثلث المال الباقي؛ لأنَّ الباقي بعد أخذ الزوج، أو الزوجة الفرض كالمال رأسًا. اهـ بمعناه. وأما ابن رجب ﵀ فقال: وقد يقال -وهو أحسن-: إن قوله ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾، أي: مما ورثه الأبوان، ولم يقل: (فلأمه الثلث مما ترك) كما في السدس، والمعنى: أنه إذا لم يكن له ولد، وكان لأبويه من ماله ميراث؛ فللأم ثلث ذلك الميراث الذي يختص به الأبوان، ويبقى الباقي للأب. وانظر بقية كلامه. القول الثاني: أنَّ للأم الثلث كاملًا في المسألتين، صحَّ هذا القول عن ابن عباس ﵄، وهو قول شُريح، والظاهرية، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء:١١]؛ فالآية عامة، سواء انفردا أم اجتمعا مع غيرهم. وأجاب هؤلاء عن قوله ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ أنه لا يدل على الانفراد، بل هي عامة تشمل حالة الانفراد، وحالة عدم الانفراد، وقد سأل ابن عباس زيد بن ثابت: أتقوله برأيك؟ أم تجده في كتاب الله؟ قال زيد: أقول برأيي، ولا أفضل أُمًّا على أب. فلو كانت الآية تدل على ما قالوه؛ لاستدل بذلك زيد بن ثابت ﵁.

стр. 3877

وأما الفائدة من قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ أنَّ الأم قد تكون ميتة؛ فيكون المال للأب، فنصَّ على أنها ترث ذلك في حالة وجودها. وقال ابن قدامة ﵀: والحجة مع ابن عباس؛ لولا انعقاد الإجماع من الصحابة على مخالفته. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: لا إجماع مع مخالفة حبر من أحبار الأمة. وأما قولهم: (فلها الثلث)، أي: مما يرثه الأبوان، فهذا القيد لا دليل عليه. قال ابن حزم ﵀: والعجب أنهم مجمعون معنا على أنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أنَّ ذلك من رأس المال، لا مما يرثه الأبوان. قال: وهذا تحكمٌ في القرآن، وإقدام على تقويل الله ما لم يقل، ونعوذ بالله من هذا. اهـ القول الثالث: للأم ثلث الباقي في مسألة الزوج كما يقول الجمهور، ولها الثلث كاملًا في مسألة الزوجة كما يقول ابن عباس ﵄، وهذا القول منقول عن محمد بن سيرين، وهذا التفصيل لا دليل عليه. (١) أصحاب السدس: يرث السدس سبعة أفراد بإجماع أهل العلم، وهم:

стр. 3878

١) الأب، ويستحقه عند وجود الفرع الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١١]. ٢) الأم، وتستحقه عند وجود فرع وارث؛ للآية السابقة، وعند وجود جمع من الإخوة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. ٣) الجد، ويستحقه عند عدم وجود الأب، ووجود فرع وارث؛ لأنه أبٌ تشمله الآية السابقة. ٤) بنت الابن، وتستحق السدس عند عدم وجود معصبها، وهو أخوها، أو ابن عمها، وعند عدم وجود الفرع الوارث الأعلى منها من الذكور، أو من الإناث إذا كنَّ اثنتين فأكثر، ولا تستحقه إلا بوجود بنت أعلى منها، ودليل ذلك حديث ابن مسعود الذي في «البخاري»، وقد تقدم في أحاديث الباب. واستدل ابن قدامة ﵀ على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١١]. قال ﵀: فَفَرَضَ لِلْبَنَاتِ كُلِّهِنَّ الثُّلُثَيْنِ، وَبَنَاتُ الصُّلْبِ، وَبَنَاتُ الِابْنِ كُلُّهُنَّ نِسَاءٌ مِنْ الْأَوْلَادِ؛ فَكَانَ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ بِفَرْضِ الْكِتَابِ، لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ. وَاخْتُصَّتْ بِنْتُ الصُّلْبِ بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ لَهَا، وَالِاسْمُ مُتَنَاوِلٌ لَهَا حَقِيقَةً، فَيَبْقَى لِلْبَقِيَّةِ تَمَامُ الثُّلُثَيْنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: لَهُنَّ السُّدُسُ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ. اهـ تنبيه: إذا وجد بنت ابن أخرى مع أختها شاركتها في السدس إذا توفرت بقية الشروط.

стр. 3879

٥) الأخت لأب فأكثر، وتستحقه عند وجود شقيقة تأخذ النصف فرضًا، وعند عدم وجود المعصب، وهو أخوها، وعند عدم وجود الفرع الوارث، والأصل الوارث من الذكور، وإذا وجدت شقيقتان أخذن الثلثين، وتسقط الأخت لأب، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، وقال قبلها: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، والمراد بهذه الآية ولد الأبوين، وولد الأب بإجماع العلماء. ووجه الدلالة من الآية: أنَّ الله تعالى فرض للأخوات الثلثين، فإذا أخذه الشقيقتان لم يبق مما فرضه الله تعالى للأخوات شيء يستحقه الأخت لأب؛ فإن كانت واحدة من الأبوين فلها النصف بنص الكتاب، وبقي من الثلثين المفروضة للأخوات سدس يكمل به الثلثان؛ فيكون للأخوات لأب؛ ولذلك قال الفقهاء: لهن السدس تكملة الثلثين. وأجمع أهل العلم على ما تقدم، وقاسه بعضهم على بنت الابن مع البنت. ٦) ولد الأم، ويستحقه عند انفراده مع عدم وجود الفرع الوارث، والأصل الوارث من الذكور، ويدل عليه بالإجماع آية الكلالة التي في أول سورة النساء، ويستوي في ذلك الذكر والأنثى. ٧) الجدة، وتستحق السدس عند عدم وجود الأم، أو جدة أقرب منها؛ لحديث بريدة الذي في الباب، وشواهده المذكورة، وأجمع أهل العلم على أنها

стр. 3880

لا تستحق السدس إلا عند عدم وجود الأم، أو جدة أقرب منها في الجملة، وإذا كانت أكثر من جدة بدرجة واحدة اشتركن في السدس بالإجماع، وليس لهن أكثر من السدس. مسألة [٣]: عدد من يرث من الجدات . لا خلاف بين أهل العلم في توريث جدتين: أم الأم، وأم الاب، ويلتحق بالأولى أمها وإن علت بمحض الإناث بلا خلاف أيضًا. • ويلتحق بالثانية أمها وإن علت بمحض الإناث عند عامة أهل العلم خلافًا لداود؛ فإنه لا يُورِّث أم أم الأب؛ لأنه لا يرثها فلا ترثه، والصحيح قول الجمهور؛ لأنها جدة مدلية بوارث؛ فصح ميراثها كغيرها من الجدات. • واختلف أهل العلم في أم أب الأب، هل هي من الوارثات أم لا؟ فمذهب الجمهور أنها ترث؛ لأنها جدة مُدلية بوارث. • ومذهب المالكية أنها لا ترث؛ لأنَّ بينها وبين الميت ذكرين، ولأنَّ الاثنتين المتقدمتين هما الواردتان بالسنة والإجماع، وهو قول ابن أبي ذئب، وأبي ثور، وربيعة، وآخرين. والصحيح هو قول الجمهور؛ لأنها جدة مُدلية بوارث فينالها النص المتقدم في حديث الباب. • واختلف الجمهور فيما علا من جهة الذكور، كأم أبِ الجد، وأم جد الجد،

стр. 3881

فمذهب الشافعية، والحنفية أنها ترث؛ لأنها أدلت بوارث، وعزاه شيخ الإسلام للأكثرين، وهو وجهٌ في مذهب أحمد. • ومذهب أحمد الاقتصار على الثلاث الجدات المتقدمة، واستدل بمرسل إبراهيم النخعي أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ورَّث ثلاث جدات: جدتيك من قِبَل أبيك، وجدة من قبل أمك. وهو قول إسحاق، والأوزاعي، والصحيح هو قول الأكثر، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والشيخ صالح الفوزان رحمة الله عليهم، ومن فرَّق؛ فعليه الدليل الصحيح على ذلك. (١) مسألة [٤]: الجدة المدلية بأبٍ غير وارث . وهي كل جدة أدلت بأب بين أُمين، كأم أبِ الأم، وأم أبِي أم الأب، وهكذا. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٥٧): وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْجَدَّةَ الْمُدْلِيَةَ بِأَبٍ غَيْرِ وَارِثٍ لَا تَرِثُ، وَهِيَ كُلُّ جَدَّةٍ أَدْلَتْ بِأَبٍ بَيْنَ أُمَّيْنِ، كَأُمِّ أَبِ الْأُمِّ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢)، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: تَرِثُ. وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ، لَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ بِهِ قَائِلًا، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّهَا تُدْلِي بِغَيْرِ وَارِثٍ، فَلَمْ تَرِثْ كَالْأَجَانِبِ. اهـ وقد خالف ابن حزم فورَّثها. (٣)

стр. 3882

مسألة [٥]: الجدة المدلية بالأب، هل ترث مع وجود الأب ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى توريثها مع وجود ابنها، ثبت ذلك عن عمر، وعمران، وأبي موسى، وابن مسعود ﵃، وهو قول شريح، والحسن، وابن سيرين، وجابر بن زيد، والعنبري، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وجاء مرفوعًا من مرسل ابن سيرين كما في «سنن ابن منصور» (٨٣)، و «مصنف عبدالرزاق» (١٠/ ٢٧٧)، وفي إسناده ضعف، والراجح أنه من قوله كما في «سنن ابن منصور» رقم (٩٥) (٩٧) (١٠٦)، واستدل أصحاب هذا القول بحديث بريدة الذي في الباب. • ومذهب مالك، والشافعي، وبعض الحنابلة، والحنفية، وأبي ثور، والأوزاعي، والثوري وآخرين أنها لا ترث بوجوده، وهو المشهور عن زيد بن ثابت، وجاء عن علي، وعثمان ولا يثبت عنهما، وحجتهم أنها أدلت به فتسقط عند وجوده كغيرها من الورثة. والصحيح هو القول الأول، وهو ترجيح شيخ الإسلام، قال: وقول من قال: (من أدلى بشخص سقط به) باطلٌ طردًا وعكسًا، باطل طردًا بولد الأم مع الأم، وعكسًا بولد الابن مع عمهم، وولد الأخ مع عمهم، وأمثال ذلك مما فيه سقوط شخص بمن لم يُدلِ به، وإنما العلة أنه يرث ميراثه؛ فكل من ورث ميراث شخص سقط به إذا كان أقرب منه، والجدات يعني من قِبَل الأب يقمن مقام الأم؛

стр. 3883

فيسقطن بها، وإن لم يدلين بها. (١) مسألة [٦]: إذا اجتمعت جدة من جهتين للميت مع جدة للميت من جهة واحدة ؟ وذلك كأن يتزوج بنت خالته، أو بنت عمته، فينجبان ولدًا، فجدته: أمُّ أم أمه هي جدته أم أم أبيه في حالة (بنت الخالة)، وقس الثانية عليها. فلو مات إنسان وترك جدته أم أم أمه هي أم أم أبيه مع جدةٍ أخرى هي أم أبِ أبيه؟ • فذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الجدة ذات الجهتين ترث ثلثي السدس، والثانية تأخذ ثلثًا فقط، وهو مذهب أحمد وعليه أكثر أصحابه، وهو قول يحيى ابن آدم، والحسن بن صالح، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، وزُفر وآخرين، وذلك لأنَّ لها قرابتين فورثت بكل واحدة منهما كابن العم إذا كان زوجًا أو أخًا لأم. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها ترث ميراث جدة واحدة، والسدس بينهما نصفان، وهو قول مالك، والشافعي، والثوري، وأبي يوسف، ورجحه ابن حزم؛ وذلك لأنها جدة واحدة، وليست كابن العم إذا كان زوجًا؛ فإنَّ له قرابتين مختلفتين، وأما الجدة فهي قرابة واحدة من جهتين، فأشبه الأخ من الأب والأم، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٢)

стр. 3884

مسألة [٧]: إذا اجتمعت جدة قريبة مع جدة بعيدة ؟ أما إذا كانت البعيدة أُمًّا للقريبة أو جدةً لها؛ فأجمع أهل العلم على أنَّ الميراث للقُرْبَى وتسقط البُعْدَى بها. وأن كانتا من جهتين والقربى من جهة الأم؛ فالميراث لها، وتحجب البعدى في قول عامتهم إلا ما رُوي عن ابن مسعود (١)، ويحيى بن آدم، وشريك أنَّ الميراث بينهما. وأما إذا كانت القربى من جهة الأب، فهل تحجب البعدى من جهة الأم، كأم الأب، و أم أم الأم؟ • فيه قولان: الأول: أنها تحجبها، ويكون الميراث للقربى، وهو قول الشافعي، والحنفية، ورواية عن أحمد. الثاني: هو بينهما، وهو قول مالك، والأوزاعي، وقولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد؛ لأنَّ الأب الذي تُدلي به الجدة لا يحجب الجدة من قبل الأم؛ فالتي تُدلي به أولى أن لا تحجب، وفارقت الجدة التي من قبل الأم؛ فإنها تُدلي بالأم وتحجب جميع الجدات. ووجه القول الأول: أنَّ الجدات أمهات، ويرثن ميراث الأم عند عدم

стр. 3885

وجودها؛ فجهة ميراثهن جميعًا هي الأمومة، فإذا اجتمعن فالميراث لأقربهن، كالآباء والأبناء، والإخوة والبنات، وكل قبيل إذا اجتمعوا فالميراث لأقربهم، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. وأما كون الأب لا يُسْقِط الجدة التي من قبل الأم؛ فلأنها لا ترث ميراثه، إنما ترث ميراث الأم لكونها أمًّا؛ ولذلك أسقطتهن الأم، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٨]: هل يرث الإخوة مع وجود الجد ؟ أما الإخوة من الأم فَيُحْجَبون بالجد بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء:١٢]، والكلالة من لا ولد له ولا والد، والجد أبٌ. • واختلف أهل العلم في الإخوة الأشقاء، والإخوة لأب هل يرثون مع الجد أم لا؟ فذهب طائفة من أهل العلم إلى عدم توريثهم وحجبهم بالجد؛ لأنَّ الجد أبٌ فيحجب من يحجبه الأب، قال تعالى: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف:٣٨]، في آيات آخرى. وهذا القول ثبت عن أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير ﵃، وهو قول أحمد في رواية، وبعض الحنابلة، وبعض الشافعية، والحنفية،

стр. 3886

واختاره البخاري، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وهو قول الظاهرية. ويدل على ذلك آية الكلالة في آخر النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء:١٧٦]، فقد سماه الله كلالة؛ فكما وافقوا على ذلك في الإخوة لأم؛ لزمهم ذلك ههنا. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى توريث الإخوة مع الجد، بحجة أنه لم يأت فيهم معه نص، وبأنهم يُدلون إلى الميت بالأب كما يُدلي الجد إليه بالأب، وهذا القول اشتهر عن عمر، وزيد بن ثابت ﵄، وهو قول المالكية، وأكثر الحنابلة، والشافعية، وهي الرواية المشهورة عن أحمد، ثم اختلفوا في كيفية توريثهم معه. ولهم تفاصيل يطول ذكرها، والصواب هو القول الأول، والله أعلم. (١)

стр. 3887

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَنْ يَرِثُ بِالتّعْصِيْبِ التعصيب لغة: مصدر عصَّب يعصِّب، مأخوذٌ من العصب بمعنى الشد، والإحاطة والتقوية، ومنه: العصائب، وهي العمائم؛ لأنها محيطة بالرأس وتشده. والعَصَبَةُ جمع عاصب، وعصبة الرجل: قرابته لأبيه، سُمُّوا عصبة؛ لأنهم عصبوا به، أي: أحاطوا به، فالأب طرف، والابن طرف، والأخ جانب، والعم جانب. وقيل: سموا بذلك لتقوي بعضهم ببعض. واصطلاحًا: هو من يرث بغير تقدير من الوارثين، وهذا تعريف بالحكم، وهو أسلم من كثير من التعاريف التي يراد بها ضبط العصبة فلا تسلم من الانتقاد، والله أعلم. (١) مسألة [١]: أقسام العصبة . تنقسم العصبة إلى قسمين: عصبة بنسب، وعصبة بسبب. أولا: العصبة بالنسب، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: عصبة بالنفس . وهم الوارثون من الرجال المجمع على إرثهم إلا الزوج، والأخ من الأم، وهم اثنا عشر: الابن وابن الابن وإن نزل، والأب والجد من قبل الأب وإن علا،

стр. 3888

والأخ الشقيق والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق وإن نزل، وابن الأخ لأب وإن نزل، والعم الشقيق وإن علا، والعم لأب وإن علا، وابن العم الشقيق وإن نزل، وابن العم لأب وإن نزل. ولم نذكر المعتق؛ لأنَّ عصوبته بسبب لا بنسب. مسألة [٢]: أحكام العصبة بالنفس . لها ثلاثة أحكام: أحدها: من انفرد منهم أخذ جميع المال؛ لقوله تعالى عن الأخ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦]، فقد ورث الأخ جميع المال من أخته إذا لم يكن لها ولد، والابن وابنه، والأب والجد أولى؛ لقربهم، وقيس عليه بنو الإخوة والأعمام، وبنوهم، والموالي بجامع التعصيب. ثانيها: إذا كان مع صاحب فرض، أو فروض أخذ ما أبقته الفروض؛ لحديث ابن عباس ﵄: «ألحقوا الفرائض بأهلها ... ». ثالثها: إذا استغرقت الفروض التركة سقط إلا الابن؛ فإنه لا يمكن معه الاستغراق، والأب والجد؛ فإنهما يرثان عند ذلك بالفرض السدس. (١) مسألة [٣]: جهات التعصيب . جهة البنوة، ثم الأُبُوَّة، ثم الأُخُوَّة، ثم العمومة، ثم ذو الولاء، وقد جمعت في بيتٍ: بُنُوَّةٌ أُبُوَّةٌ أُخُوَّه ... عُمُومَةٌ وَذُو الْوَلَا التَّتِمَّه

стр. 3889

ويدخل في البنوة (ابن الابن وإن نزل)، وفي الأبوة (الجد وإن علا)، وفي الأخوة (ابن الأخ وإن نزل) وفي العمومة (ابن العم وإن نزل). وبعض أهل العلم جعل (الجدودة) مع (الأخوة)، ثم بعدهم (بنو الأخوة) بناءً على توريثهم الجد مع الأخوة، وقد تقدم بيان الصواب في المسألة، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: اجتماع العصبة . إذا اجتمع عاصبان، واستويا في الجهة والدرجة والقوة؛ اشتركوا في المال بالسوية، أو فيما أبقت الفروض، وإن اختلفا في الجهة، كأخٍ وعمٍّ، قُدِّم الأقرب في الجهة -وهو الأخ- على حسب ترتيب الجهات السابقة. وإن اتفقا في الجهة: نظرنا في الدرجة، وهو القرب إلى الميت فيقدم الأقرب، كأن يترك أخًا لأبيه، وابن أخيه الشقيق، فيستحق المالَ الأخُ لأب. وإن اتفقا في الجهة والدرجة: نظرنا في القوة، كهالك عن شقيق وأخ لأب، فيستحق المالَ الشقيقُ. قال الجعبري ﵀: فَبِالْجِهَةِ التَّقْدِيْم ثُمَّ بِقُرْبِهِ ... وَبَعْدَهُمَا التَّقْدِيْمُ بِالْقُوَّةِ اجْعَلَا (٢)

стр. 3890

القسم الثاني: العصبة بالغير . أي: عصبة بواسطة غيره، وهم أربعة أصناف، هن ذوات النصف، والثلثين. إحداهن: بنت الصلب واحدة فأكثر، بالابن واحد فأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]. الثانية: بنت الابن فأكثر -وإن نزلت بمحض الذكور- بابن الابن فأكثر، سواء كان أخاها، أو ابن عمها المساوي لها في الدرجة؛ للآية السابقة. وعلى هذا عامة أهل العلم، وثبت ذلك عن زيد بن ثابت، وعائشة ﵄، كما في «سنن الدارمي» (٢٩٣٥، و ٢٩٣٧)، و «مصنف عبد الرزاق» (١٠/ ٢٥٢)، والبيهقي (٦/ ٢٣٠)، وجاء عن علي ﵁ من طريق إبراهيم النخعي عنه، ولم يسمع منه. أخرجه ابن أبي شيبة. وخالف ابن مسعود ﵁؛ فجعل المال للذكر دون الأنثى. أخرجه عنه عبد الرزاق (١٠/ ٢٥١) بإسناد صحيح. وهل يعصبها ابن الابن الأنزل منها إذا احتاجت إليه؟ كهالك عن بنتين، وبنت ابن، وابن ابن ابن؟ فيه خلاف بين أهل العلم: • فجمهور العلماء، وعامة الفقهاء جعلوه معصبًا لها؛ لأنَّ الآية تشمله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وإذا كان أبوه يعصبها، وهو أقرب إلى الميت؛ فهو من باب أولى، وهذا القول ثبت عن زيد بن ثابت
следующие страницы →