← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

واختاره البخاري، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وهو قول الظاهرية. ويدل على ذلك آية الكلالة في آخر النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء:١٧٦]، فقد سماه الله كلالة؛ فكما وافقوا على ذلك في الإخوة لأم؛ لزمهم ذلك ههنا. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى توريث الإخوة مع الجد، بحجة أنه لم يأت فيهم معه نص، وبأنهم يُدلون إلى الميت بالأب كما يُدلي الجد إليه بالأب، وهذا القول اشتهر عن عمر، وزيد بن ثابت ﵄، وهو قول المالكية، وأكثر الحنابلة، والشافعية، وهي الرواية المشهورة عن أحمد، ثم اختلفوا في كيفية توريثهم معه. ولهم تفاصيل يطول ذكرها، والصواب هو القول الأول، والله أعلم. (١)

стр. 3887

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَنْ يَرِثُ بِالتّعْصِيْبِ التعصيب لغة: مصدر عصَّب يعصِّب، مأخوذٌ من العصب بمعنى الشد، والإحاطة والتقوية، ومنه: العصائب، وهي العمائم؛ لأنها محيطة بالرأس وتشده. والعَصَبَةُ جمع عاصب، وعصبة الرجل: قرابته لأبيه، سُمُّوا عصبة؛ لأنهم عصبوا به، أي: أحاطوا به، فالأب طرف، والابن طرف، والأخ جانب، والعم جانب. وقيل: سموا بذلك لتقوي بعضهم ببعض. واصطلاحًا: هو من يرث بغير تقدير من الوارثين، وهذا تعريف بالحكم، وهو أسلم من كثير من التعاريف التي يراد بها ضبط العصبة فلا تسلم من الانتقاد، والله أعلم. (١) مسألة [١]: أقسام العصبة . تنقسم العصبة إلى قسمين: عصبة بنسب، وعصبة بسبب. أولا: العصبة بالنسب، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: عصبة بالنفس . وهم الوارثون من الرجال المجمع على إرثهم إلا الزوج، والأخ من الأم، وهم اثنا عشر: الابن وابن الابن وإن نزل، والأب والجد من قبل الأب وإن علا،

стр. 3888

والأخ الشقيق والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق وإن نزل، وابن الأخ لأب وإن نزل، والعم الشقيق وإن علا، والعم لأب وإن علا، وابن العم الشقيق وإن نزل، وابن العم لأب وإن نزل. ولم نذكر المعتق؛ لأنَّ عصوبته بسبب لا بنسب. مسألة [٢]: أحكام العصبة بالنفس . لها ثلاثة أحكام: أحدها: من انفرد منهم أخذ جميع المال؛ لقوله تعالى عن الأخ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦]، فقد ورث الأخ جميع المال من أخته إذا لم يكن لها ولد، والابن وابنه، والأب والجد أولى؛ لقربهم، وقيس عليه بنو الإخوة والأعمام، وبنوهم، والموالي بجامع التعصيب. ثانيها: إذا كان مع صاحب فرض، أو فروض أخذ ما أبقته الفروض؛ لحديث ابن عباس ﵄: «ألحقوا الفرائض بأهلها ... ». ثالثها: إذا استغرقت الفروض التركة سقط إلا الابن؛ فإنه لا يمكن معه الاستغراق، والأب والجد؛ فإنهما يرثان عند ذلك بالفرض السدس. (١) مسألة [٣]: جهات التعصيب . جهة البنوة، ثم الأُبُوَّة، ثم الأُخُوَّة، ثم العمومة، ثم ذو الولاء، وقد جمعت في بيتٍ: بُنُوَّةٌ أُبُوَّةٌ أُخُوَّه ... عُمُومَةٌ وَذُو الْوَلَا التَّتِمَّه

стр. 3889

ويدخل في البنوة (ابن الابن وإن نزل)، وفي الأبوة (الجد وإن علا)، وفي الأخوة (ابن الأخ وإن نزل) وفي العمومة (ابن العم وإن نزل). وبعض أهل العلم جعل (الجدودة) مع (الأخوة)، ثم بعدهم (بنو الأخوة) بناءً على توريثهم الجد مع الأخوة، وقد تقدم بيان الصواب في المسألة، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: اجتماع العصبة . إذا اجتمع عاصبان، واستويا في الجهة والدرجة والقوة؛ اشتركوا في المال بالسوية، أو فيما أبقت الفروض، وإن اختلفا في الجهة، كأخٍ وعمٍّ، قُدِّم الأقرب في الجهة -وهو الأخ- على حسب ترتيب الجهات السابقة. وإن اتفقا في الجهة: نظرنا في الدرجة، وهو القرب إلى الميت فيقدم الأقرب، كأن يترك أخًا لأبيه، وابن أخيه الشقيق، فيستحق المالَ الأخُ لأب. وإن اتفقا في الجهة والدرجة: نظرنا في القوة، كهالك عن شقيق وأخ لأب، فيستحق المالَ الشقيقُ. قال الجعبري ﵀: فَبِالْجِهَةِ التَّقْدِيْم ثُمَّ بِقُرْبِهِ ... وَبَعْدَهُمَا التَّقْدِيْمُ بِالْقُوَّةِ اجْعَلَا (٢)

стр. 3890

القسم الثاني: العصبة بالغير . أي: عصبة بواسطة غيره، وهم أربعة أصناف، هن ذوات النصف، والثلثين. إحداهن: بنت الصلب واحدة فأكثر، بالابن واحد فأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]. الثانية: بنت الابن فأكثر -وإن نزلت بمحض الذكور- بابن الابن فأكثر، سواء كان أخاها، أو ابن عمها المساوي لها في الدرجة؛ للآية السابقة. وعلى هذا عامة أهل العلم، وثبت ذلك عن زيد بن ثابت، وعائشة ﵄، كما في «سنن الدارمي» (٢٩٣٥، و ٢٩٣٧)، و «مصنف عبد الرزاق» (١٠/ ٢٥٢)، والبيهقي (٦/ ٢٣٠)، وجاء عن علي ﵁ من طريق إبراهيم النخعي عنه، ولم يسمع منه. أخرجه ابن أبي شيبة. وخالف ابن مسعود ﵁؛ فجعل المال للذكر دون الأنثى. أخرجه عنه عبد الرزاق (١٠/ ٢٥١) بإسناد صحيح. وهل يعصبها ابن الابن الأنزل منها إذا احتاجت إليه؟ كهالك عن بنتين، وبنت ابن، وابن ابن ابن؟ فيه خلاف بين أهل العلم: • فجمهور العلماء، وعامة الفقهاء جعلوه معصبًا لها؛ لأنَّ الآية تشمله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وإذا كان أبوه يعصبها، وهو أقرب إلى الميت؛ فهو من باب أولى، وهذا القول ثبت عن زيد بن ثابت

стр. 3891

-﵁، ونقل عن علي ﵁ بإسناد منقطع؛ فإنه من طريق إبراهيم النخعي عنه. • وذهب داود، وأبو ثور، وابن حزم إلى أن المال للذكر دون بنت الابن الأقرب منه، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس ﵄: «فما بقي فلأولى رجل ذكر». وأجاب الجمهور بتخصيص عموم الحديث بالآية المتقدمة. والصحيح في المسألتين ما ذهب إليه جمهور الصحابة، ومن بعدهم من الفقهاء، والمحدثين أنه يعصبها ويتقاسمان للذكر مثل حظ الأنثيين؛ للآية ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. (١) الثالثة: الأخت الشقيقة فأكثر، بالأخ الشقيق فأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦]، ولا يعصب الأخ من الأب الأخت الشقيقة إجماعًا؛ لأنه لا يساويها في النسب؛ لكونها أقوى منه. الرابعة: الأخت لأب فأكثر مع الأخ لأب فأكثر، ويدل على ذلك الآية السابقة. • وخالف ابنُ مسعود ﵁ (٢) في حالة استكمال الشقائق والبنات الثلثين، فجعل الباقي للذكور دون الإناث، وتبعه أبو ثور، وابن حزم، واختلف فيه على

стр. 3892

داود، وخالف أيضًا في مسألة (أخت شقيقة، وأخت لأب، و أخ لأب) فجعل للشقيقة النصف، وجعل للأخت لأب الأضر بها من المقاسمة، أو السدس. (١) • ومذهب الجمهور من الصحابة ومن بعدهم أنها عصبة بأخيها، تقاسمه للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو الصحيح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. (٢) تنبيه: ابن الأخ لا يعصب الأخت لأب، وإن احتاجت إليه عند أهل العلم، بل يأخذ هو الباقي، وذلك لأنَّ ابنَ الابنِ ابنٌ، وإن نزل، وابن الأخ ليس بأخٍ، وذلك كهالك عن شقيقتين، وأخت لأب، وابن أخ لأب. قال صاحب «الرحبية»: وليس ابن الأخ بالمعصب ... من مثله أو فوقه في النسب (٣) القسم الثالث: العصبة مع الغير . وهما صنفان: الأخت الشقيقة فأكثر مع البنت، أو بنت الابن، وإن نزلت بمحض الذكور، وإن كثرن، وكذلك الأخت لأب فأكثر مع البنت، أو بنت الابن وإن نزلن بمحض الذكور وإن كثرن. قال صاحب «الرحبية»: والأخوات إن تكن بنات ... فهن معهن معصبات

стр. 3893

وقال غيره -وهو أضبط-: والأخوات لا لأم عصبات ... مع بنات الابن أو مع البنات ودليل ذلك حديث ابن مسعود في «صحيح البخاري» المتقدم في الباب: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى في بنتٍ وبنت ابن وأخت: للبنت النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت. فهذا الحديث دليل ظاهرٌ على أنَّ الأخت عصبة في حالة وجود البنات، وقد أخذ بذلك عامة أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. • وخالف في ذلك ابن عباس ﵄، وكأنه لم يبلغه الحديث، فأسقط الأخوات عند وجود البنات، وهو ثابتٌ عنه. وصحَّ أنَّ ابن الزبير كان يقول بذلك، ثم رجع عنه. وأخذ بقول ابن عباس داود الظاهري. واستدل ابن عباس ﵄ على قوله بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦]، فلم يجعل للأخت شيئًا إلا مع عدم الولد. وأُجيب عن استدلال ابن عباس ﵄: بأنَّ الآية ليس فيها ما يمنع إرث الأخت بالتعصيب مع البنت، وإنما فيها منع إرثها بالفرض؛ لأنه شرط لأخذها النصف فرضًا عدم الولد. ثم إنه لو كان مع إناث الولد أخٌ لغير أمٍّ؛ أخذ الباقي بدلالة القرآن، والسنة، والإجماع مع أنَّ الله سبحانه قال: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦]، ولم

стр. 3894

يمنع ذلك ميراثها منها إذا كان الولد أنثى، فهكذا قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ لا يمنع أن ترث غير النصف مع أنوثة الولد، أو ترث الباقي إذا كان نصفًا؛ لأنَّ هذا غير الذي أعطاها إياه فرضًا مع عدم الولد. • واختلف أهل العلم فيما إذا كان مع الأخت عاصبٌ ذكر، هل تقدم الأخت أَمِ العاصب الذكر؟ • فذهب إسحاق بن راهويه، وابن حزم إلى أنه يقدم العاصب الذكر، وإن كان بعيدًا من الميت؛ لحديث ابن عباس ﵄: «فما أبقت الفرائض؛ فلأولى رجل ذكر». • وذهب جمهور العلماء والفقهاء إلى أنَّ الأخت العاصبة بالبنات مقدمة على العصبة الذكور إلا أخاها فإنها تقاسمه، واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم، وخصصوا به حديث ابن عباس المذكور. وقال الجمهور: إذا كان أخوها لا يسقطها، بل تشاركه؛ فمن باب أولى أن لا يسقطها عاصبٌ أبعد منه، بل تقدم عليه. وللعلامة ابن القيم ﵀ بحث مفيدٌ جدًّا في هذه المسألة نصر فيه قول الجمهور؛ فراجعه من «أعلام الموقعين» وهو تابع في ذلك لشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ورجح ذلك أيضًا الحافظ ابن رجب ﵀ في «جامع العلوم

стр. 3895

والحكم»، وهو أقرب، والله أعلم. (١) فائدة: قال ابن قدامة ﵀ (٩/ ١٠): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَنَاتِ الِابْنِ بِمَنْزِلَةِ الْبَنَاتِ عِنْدَ عَدَمِهِنَّ فِي إرْثِهِنَّ، وَحَجْبِهِنَّ لِمَنْ يَحْجُبُهُ الْبَنَاتُ، وَفِي جَعْلِ الْأَخَوَاتِ مَعَهُنَّ عَصَبَاتٌ، وَفِي أَنَّهُنَّ إذَا اسْتَكْمَلْنَ الثُّلُثَيْنِ؛ سَقَطَ مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُنَّ. اهـ ثانيًا: العصبة بالسبب . هو المعتق صاحب الولاء، ذكرًا كان أم أنثى، وعصبته المتعصبون بأنفسهم، فكل من أعتق عبدًا، أو أمةً إعتاقًا منجزًا، أو معلقًا بصفة، ووجد المعلق عليه، أو دبَّره، أو أعتق عليه بالكتابة، أو عتق بسبب تمثيله به، أو ما أشبه ذلك، أو أعتقه في زكاة، أو كفارة، أو نذر؛ ثبت له الولاء على العتيق بسبب هذا العتق، وكما يثبت للمعتق الولاء على العتيق بطريق المباشرة كذلك يثبت له الولاء على فرع العتيق بطريق السراية من أولاده وحفدته وإن نزلوا؛ لأنهم فرع من أعتقه، والفرع يتبع أصله؛ أشبه ما لو باشر عتقهم، وفي ذلك مسائل وقيود يأتي بيانها إن شاء الله في باب الولاء، نسأل الله أن يوفقنا لإتمام هذا الكتاب، وأن ينفع به مؤلفَه وسائر المسلمين. (٢)

стр. 3896

مسألة [٥]: هل على المكاتَب ولاء إذا أعتق نفسه ؟ • جاء عن بعض أهل العلم أنهم قالوا: لا ولاء عليه، وهو قول عمرو بن دينار، وأبي ثور، وقال قتادة، ومكحول: لا ولاء عليه؛ إلا أن يشترط. • وعامة الفقهاء على أنَّ للسيد عليه الولاء؛ لأنه هو المعتق للمكاتَب، ولأنه مُنْعِم عليه؛ فإنَّ مال العبد وكسبه لسيده، فجعل ذلك له، ثم باعه به حتى عتقه، فكان هو المعتق، وقد اشتهر بين الصحابة ومن بعدهم أنَّ المكاتبين يدعون موالي مكاتبيهم، فيقال: أبو سعيد مولى أبي أسيد، وسيرين مولى أنس، وسليمان ابن يسار مولى ميمونة، ويدل على ذلك حديث بريرة ﵂؛ فإنَّ قصتها أنهم كاتبوها وهم يريدون الولاء، وأنه كان لهم لو لم تشترها عائشة، والله أعلم. وقول الجمهور هو الصواب، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٦]: إذا مات المعتَق وخلف أبا معتِقِه وابن معتِقِه ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ للأب السدس، والباقي للولد، وهو قول شريح، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، والعنبري، والأوزاعي، وأبي يوسف؛ لأنَّ الابن والأب كلاهما عصبة لا يسقط أحدهما الآخر، وإنما يتفاضلان في الميراث، فكذلك في الإرث بالولاء. • وذهب أكثر الفقهاء إلى أنَّ المال للابن، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والشعبي، والحسن، والحكم، وقتادة، وحماد، ومالك، والثوري،

стр. 3897

والشافعي، وأبي حنيفة، ومحمد وغيرهم؛ لأنَّ الابن أقرب العصبة، والأب والجد يرثان معه بالفرض، ولا يرث بالولاء ذو الفرض بحال. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: إذا مات المعتَق وخلف أخا معتِقِه وجدَّ معتِقِه ؟ • مقتضى قول من نزَّل الجد أبًا أن يجعل المال للجد؛ لأنه أقرب عصبة من الأخ، وهذا هو الصواب. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ المال بينهما نصفان، وهو قول عطاء، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وقولٌ للشافعي، وأبي يوسف، ومحمد. • وقال مالك: للأخ. وهو قولٌ للشافعي. (٢) مسألة [٨]: هل يرث الْمُعتَقُ من الْمُعتِق صاحب الولاء ؟ • عامة أهل العلم على أنَّ التوارث بالولاء لا يكون إلا للمُعتِق؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق». • وقال طاوس، وشريح بتوريثه، واختار هذا شيخ الإسلام، واستدل لهذا القول بحديث ابن عباس ﵄ عند الترمذي (٢١٠٦) وغيره، قال: مات رجل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولم يترك وارثًا إلا عبدًا هو أعتقه، فأعطاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-

стр. 3898

ميراثه. وهو من طريق: عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس، رُوي موصولًا ومرسلًا، وعوسجة تفرَّد بالرواية عنه عمرو بن دينار، وقال البخاري: لم يصح حديثه. وقال أبو حاتم، والنسائي: ليس بالمشهور. وقال الذهبي في «المغني»: لا يعرف. وذكره العقيلي في «الضعفاء»، وساق له هذا الحديث، وقال: لا يُتابع عليه. ووثقه أبو زرعة. وقال الترمذي ﵀ عقب هذا الحديث: العمل عند أهل العلم في هذا الباب أنَّ ميراثه يجعل في بيت المسلمين. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: ميراثه لبيت المسلمين، ولو صحَّ الحديث؛ لكان محمولًا على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو والي المسلمين، فصرفه ذلك المصرف لما بينهما من الولاء، لا لأنه يستحق بذلك، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: هلك هالك وترك ابني عم أحدهما أخ لأم ؟ • جمهور الفقهاء على أنَّ الأخ لأم يأخذ السدس، ويتقاسمان الباقي نصفين، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم. • وذهب بعض الفقهاء إلى تقديم الأخ لأم؛ لأنهما استويا في قرابة الأب، وفضله هذا بالأم؛ فصار كأخٍ شقيق وأخٍ لأب، وهذا قول شريح، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، والنخعي، وأبي ثور. والصواب هو القول الأول، والله أعلم. (٢)

стр. 3899

مسألة [١٠]: هلكت امرأة وتركت ابني عم أحدهما زوج ؟ • إذا هلكت امرأةٌ وتركت ابني عم أحدهما زوج؛ فللزوج النصف، والباقي بينهما نصفان عند الجميع؛ فإن كان الآخر أخًا من أمٍّ؛ فللزوج النصف، وللأخ السدس، والباقي بينهما عند الجمهور، وقضى به علي ﵁. (١) • وجاء عن ابن مسعود ﵁ (٢) أنَّ الباقي للأخ؛ لأنه جمع قرابتين: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وهو قول الحسن، وأبي ثور، وأهل الظاهر. والصحيح هو قول الجمهور، وهو اختيار البخاري ﵀. (٣) فائدة: وقد أجمعوا في ثلاثة إخوة للأم أحدهم ابن عمٍّ أنَّ للثلاثة الثلث، والباقي لابن العم. قاله الحافظ في «الفتح» (٦٧٤٥). مسألة [١١]: المشرَّكَة . صورتها: أن تهلك امرأةٌ وتترك زوجًا، وأُمًّا، وإخوة لأم، وإخوة أشقاء. • فاختلف أهل العلم هل يسقط الإخوة الأشقاء؛ لأنَّ أهل الفرائض استغرقوا التركة، أم أنهم يشركون الإخوة لأم في نصيبهم؛ لأنهم يشتركون معهم في الأم؟

стр. 3900

فالمسألة أصلها من ستة: للزوج النصف (ثلاثة أسهم)، وللأم السدس (سهم) وللإخوة لأم الثلث (سهمان)، ولا يبقى شيء من السهام. • فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنهم يشركون الإخوة لأم؛ لأنهم يشتركون معهم في الأم. وهو ثابت عن عمر، وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود ﵃، وهو مذهب مالك، والشافعي، وإسحاق وغيرهم. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الأشقاء يسقطون ولا يرثون؛ لأنهم عصبة، وقد استغرقت الفروض التركة فلم يبق لهم شيء. وهذا القول ثبت عن علي ﵁ من طرق يقوي بعضها بعضًا، وجاء عن ابن مسعود بإسناد حسن، ولعله كان يقول بهذا ثم رجع إلى القول الأول، وهو قول الشعبي، والعنبري، وأحمد، ويحيى بن آدم، وشريك، ونعيم بن حماد، وأبي ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ الله أعطى الإخوة لأم الثلثَ يشتركون فيه، فلو أدخلنا معهم الأشقاء؛ لكنا قد أنقصناهم عن حقهم الذي أعطاهم الله إياه، ولأنَّ الله تعالى جعل للإخوة لأم أحكامًا في آية الكلالة التي في أول سورة النساء، وجعل للأشقاء أحكامًا أخرى في آية الكلالة التي في آخر سورة النساء، فليس لنا أن نجمع بين من فرق الله بينهم في الأحكام، وهذا القول اختاره شيخ

стр. 3901

الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما. (١) تنبيه: لو كان مكان ولد الأبوين عصبة من ولد الأب؛ سقط ولد الأب قولًا واحدًا، وإن كُنَّ أخوات لأبوين أو لأب، يُعطى فرضهن، وتعول المسألة. (٢)

стр. 3902

فَصْلٌ فِي الحَجْبِ الحجب لغة: هو المنع، يقال: حجبه إذا منعه، والحاجب هو المانع، ومنه الحجاب، وهو ما يستر الشيء. والحجب اصطلاحًا: منع من قام به سبب الإرث من الإرث بالكلية، أو من أوفر حَظِّيْه. مسألة [١]: أنواع الحجب . الحجب نوعان: الأول: حجبٌ بالوصف، وهوالمعبر عليه بالمانع، وقد تقدم الكلام على موانع الإرث، وهي الرق، والقتل، واختلاف الدين. والثاني: حجب بالشخص، وينقسم إلى قسمين: القسم الأول: حجبُ نقصان . وهو منع من قام به سبب الإرث من أوفر حظيه، ويدخل على جميع الورثة، وهو على سبعة أضرب، أربعة منها انتقالات، وثلاثة ازدحامات. أما الانتقالات فهي أربعة: أحدها: انتقال من فرض إلى فرض أقل منه، وهذا يكون في حق من له فرضان،

стр. 3903

وهم خمسة: الزوجان، والأم، وبنت الابن، والأخت من الأب. الثاني: انتقال من التعصيب إلى الفرض، وهذا يكون في حق الأب والجد فقط. الثالث: انتقال من الفرض إلى التعصيب، وهذا في حق ذوات النصف والثلثين، فإذا وجد معصبها؛ حجبها من الفرض إلى التعصيب. الرابع: انتقال من تعصيب إلى تعصيب، وهذا يكون في حق العصبة مع الغير؛ فإنَّ للأخت مثلًا مع البنت الباقي، وهو النصف، ولو كان معها أخوها؛ كان الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وأما الازدحامات فهي ثلاثة: أحدها: ازدحامٌ في الفرض، وهذا يكون في حق سبعة من الورثة، وهم الجدات، والزوجات، والعدد من البنات، ومن بنات الابن، والأخوات الشقائق، والأخوات لأب، والعدد من ولد الأم. الثاني: ازدحام في التعصيب، وهذا يكون في حق كل عاصب بنفسه إذا وجد معه من هو مثله. الثالث: ازدحام في العول، وهذا يكون في حق أصحاب الفروض إذا تزاحموا في الفريضة الواحدة؛ لأنه ليس بعضهم بأحق بالإرث من بعض، فيلحق النقص جميعها حتى يتمكن من قسمتها.

стр. 3904

القسم الثاني: حجب الحرمان . هو أن يسقط الشخص غيره من الإرث بالكلية، كحجب العصبة بعضهم ببعض، ويمكن تأتيه على جميع الورثة؛ إلا ستة وهم: الأبوان، والزوجان، والولدان. مسألة [٢]: أقسام الورثة بالنسبة إليه . هم على أربعة أقسام: أحدها: لا يُحجب ولا يَحجب، وهم الزوجان. الثاني: يحجب غيره ولا يُحجب، وهم الأبوان والولدان. الثالث: يحجبهم غيرُهم، ولا يَحجبون، وهم أولاد الأم. الرابع: يُحجَب، ويَحجب غيره، وهم بقية الورثة. وسنذكر جميع الورثة الذين يحجبون حجب حرمان مع بيان من يحجبهم: ١) الجد، يحجبه الأب، وكل جدٍّ أقرب. ٢) الجدة، تحجبها الأم، وكل جدة أقرب. ٣) ابن الابن، يحجبه الابن، وكل ابن ابن أقرب. ٤) بنت الابن، يحجبها الابن، وكل ابن ابن أقرب، والبنتان فأكثر؛ إلا إذا كان هناك معصب لها كما تقدم ذكره في باب التعصيب.

стр. 3905

٥) الأخ الشقيق، يحجبه الابن، وابن الابن وإن نزل، والأب والجد على الصحيح. ٦) الأخت الشقيقة، يحجبها الابن، وابن الابن وإن نزل، والأب والجد على الصحيح. ٧) الأخ لأب، يحجبه الابن، وابن الابن وإن نزل، والأب والجد على الصحيح، والأخ الشقيق، والأخت الشقيقة العاصبة مع الغير عند الجمهور. ٨) الأخت لأب، يحجبها كل من تقدم ذكره في الذي قبلها، وزيادة على ذلك الشقيقتان فأكثر عند استكمال الثلثين، وعدم وجود معصب. ٩) ابن الأخ الشقيق، يحجب بالابن وإن نزل، والأب والجد على الصحيح، والأخ الشقيق والأخ لأب، والأخت لأب العاصبة مع الغير عند الجمهور، والأخت الشقيقة العاصبة مع الغير أيضًا. ١٠) ابن الأخ لأب، بالثمانية المتقدمة، وابن الأخ الشقيق. ١١) العم الشقيق، بالتسعة المتقدمة، وابن الأخ لأب. ١٢) العم لأب، بالعشرة المتقدمة، وبالعم الشقيق. ١٣) ابن العم الشقيق، بالإحدى عشرة المتقدمة، وبالعم لأب. ١٤) ابن العم لأب، بالاثني عشرة المتقدمة، وبابن العم الشقيق. ١٥) ولد الأم، بالفرع الوارث، والأصل الوارث من الذكور.

стр. 3906

١٦) المعتِق، يحجبه كل من تقدم ذكره تحت ابن العم لأب مع ابن العم لأب. قال أبو عبد الله غفر الله له: والأدلة على ذلك تقدم ذكرها أثناء المسائل المتقدمة، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٣]: هل الممنوع من الإرث يحجب غيره ؟ • من كان محجوبًا بالوصف -مانع من موانع الإرث- فلا يحجب غيره في قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين، وممن قال بذلك علي بن أبي طالب ﵁، وزيد بن ثابت، وهو ثابت عنهم، وهو قول شريح، وعروة، وقتادة، وابن سيرين، وأبي الزناد، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة. • وخالف في المسألة ابن مسعود، وهو ثابت عنه، ومن وافقه؛ فحجبوا بالكافر، والقاتل، والرقيق، وبه قال أبو ثور، وداود، ولعلهم تمسكوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ﴾، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ [النساء:١٢]، ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١١]. وأجاب الجمهور: بعدم وجود دليل على التفريق بين من ذكروا وبين غيرهم، والآيات المذكورة أُريد بها ولد من أهل الميراث بدليل أنه قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فلم يدخل في الآيات الذي حجب

стр. 3907

بمانع من موانع الإرث، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: العول . العول في اللغة: له معانٍ أقربها إلى المقصود في الباب هو الارتفاع، يقال: عال الميزان إذا ارتفع. وفي الاصطلاح: هو زيادة في السهام، ونقص في الأنصبة، وذلك بأنْ يستغرق أهل الفروض جميع سهام المسألة، ويبقى بعضهم لم يحصل على جميع السهام التي يستحقها، فتزاد سهام أصل المسألة؛ فيقل نصيب كل واحد. • فمذهب عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم هو القول بالعول؛ ليصير النقص على جميع أهل الفروض كلٌّ بحسبه، وأول من أفتى بذلك عمر بن الخطاب ﵁، وهو ثابت عنه كما في «سنن البيهقي»، و «المحلى»، وقال به من الصحابة علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود ﵃، وهو ثابت عنهم كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و «سنن ابن منصور»، والحجة في ذلك أنَّ إدخال النقص على أحدهم دون الآخر يحتاج إلى دليل، فلمَّا لم يكن هناك دليل على تقديم أحدهم على الآخر؛ ألحق النقص بهم جميعًا على حسب فروضهم، كما يفعل بالمفلس في توزيع ماله بين الغرماء، والمديون الذي استغرقت ديونه تركته وزادت؛ فإنهم يُعطون الديون أسوة بينهم كلٌّ بحسب دينه.

стр. 3908

• وخالف في هذه المسألة ابن عباس ﵄، كما في «سنن ابن منصور»، و «سنن البيهقي» وغيرهما، فكان يقول كما صح عنه: يقدم من قدمه الله، ويؤخر من أخره الله. ومعنى ذلك أنَّ الذي ينتقل من فرض إلى فرض هو الذي قدمه الله، والذي ينتقل من فرض إلى تعصيب هو المؤخر؛ فعلى هذا فيُعطى الأولون فروضهم، ويعطى الآخرون الباقي. وقد قال بقول ابن عباس ﵄ محمد بن الحنفية، وعطاء، وداود، وابن حزم، والصحيح قول الجمهور، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والشوكاني في قوله الأخير، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٥]: الأصول العائلة . أصول المسائل سبعة: (اثنان، ثلاثة، أربعة، ستة، ثمانية، اثنا عشر، أربعة وعشرون)، التي تعول منها هي ثلاثة أصول، وهي: الستة، والاثنا عشر، والأربعة والعشرون. أما الستة: فتعول إلى السبعة، والثمانية، والتسعة، والعشرة. وأما الاثنا عشر: فتعول إلى ثلاثة عشر، وإلى خمسة عشر، وإلى سبعة عشر. وأما الأربعة والعشرون: فتعول إلى سبعة وعشرين فقط. (٢)

стр. 3909

مسألة [٦]: الرد . الرد هو عكس العول، وهو في اللغة: الرجوع، وفي الاصطلاح هو صرف الباقي عن الفروض على ذوي الفروض بقدر فروضهم عند عدم وجود عصبة. • وقد اختلف أهل العلم في مسألة الرد على قولين: القول الأول: القول بالرد على أصحاب الفروض غير الزوجين، وهو ثابت عن عبد الله بن مسعود ﵁، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و «سنن ابن منصور»، وجاء عن علي ﵁، ولا يثبت عنه؛ إلا أنَّ ابن مسعود كان لا يرد على زوج ولا زوجة، ولا على أخت لأب مع أخت شقيقة، ولا على ولد الأم مع الأم، ولا على ابنة ابن مع البنت، ولا على جدة مع ذي سهم. والقول بالرد قال به أحمد وأصحابه، والحنفية، وبعض الشافعية، والثوري، وجمعٌ من التابعين. واستدل القائلون بالرد بما يلي: ١) عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]؛ فيكون الورثة أولى من بيت المال؛ لأنه لسائر المسلمين، وذوو الرحم أحق من الأجانب عملًا بالنص. ٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ومن ترك مالًا فهو لورثته» متفق عليه عن أبي هريرة ﵁ (١)، وهذا النص يشمل المال المتبقي بعد أخذ ذوي الفروض فرضهم.

стр. 3910

٣) حديث سعد بن أبي وقاص في «الصحيحين» (١): ولا يرثني إلا ابنةٌ لي. ٤) حديث بريدة في «صحيح مسلم» (١١٤٩): أنَّ امرأة أتت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقالت له: إني تصدقت على والدتي بوليدة، وإنها ماتت، فقال: «وجب أجرك، وردها عليك الميراث». القول الثاني: عدم القول بالرد، وما بقي بعد الفروض إذا لم يوجد عاصبٌ؛ فهو لبيت المال، وهذا قول زيد بن ثابت ﵁، وجاء من قضاء أبي بكر بسند منقطع كما في «مصنف ابن أبي شيبة»؛ فإنه من طريق الشعبي عنه، ولم يدركه، وهو مذهب مالك، والشافعي، وبعض الحنابلة، والأوزاعي، وابن حزم. واستدلوا بما يلي: ١) قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦]، ومن قال بالرد؛ فإنه يعطيها المال كاملًا مخالفًا لأمر الله تعالى في هذه الآية. ٢) ليس فيما ذكروا دليل صريح يعتمد عليه في مسألة الرد، وأدلتهم المذكورة نصوص مجملة فسرتها النصوص التي فيها بيان المقادير، والأنصبة لكل وارث، فلا تفيد إثبات الرد، وحديث سعد ليس فيه التعرض للرد وعدمه، ولم يذكر سعد أن ابنته سترث جميع ماله، بل فيه أنه نفى أن يكون هناك وارثٌ غيرها، ولم يتعرض للمقدار الذي ستأخذه. وحديث بريدة أيضًا ليس بصريح؛

стр. 3911

لقوله: «وردها عليك الميراث»، فقد رجعت إليها الوليدة ميراثًا بالفرض لا ردًّا؛ فالحديث محتمل. ٣) واستدلوا بحديث: «أنا وارث من لا وارث له»، وقد تقدم تخريجه، قالوا: وبقية المال ليس له وارث؛ فيكون لبيت المال. تنبيه: القائلون بالرد لا يرون الرد على الزوجين؛ لأنهم ليسوا من ذوي الأرحام، ونقل ابن قدامة الاتفاق على ذلك، بينما عزي إلى شيخ الإسلام الرد على جميع أصحاب الفروض؛ لأنهما يشملهما الحديث: «ومن ترك مالًا؛ فهو لورثته»، وهو اختيار الإمام عبد الرحمن السعدي، وقال: الصحيح أنه يرد على الزوجين كغيرهما من أهل الفروض؛ لعدم الدليل البَيِّن على أنَّ الرد مخصوص بغير الزوجين، وأما قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥]؛ فإنه كما لا يدل على أنهم الوارثون بالفرض دون الزوجين؛ فلا يدل على أنهم المخصوصون بالرد. اهـ من «تفسيره». قال أبو عبد الله غفر الله له: القول بالرد أقوى من عدمه؛ للأدلة المتقدمة، لاسيما حديث أبي هريرة ﵁: «من ترك مالًا فلورثته»، وحديثهم: «أنا وارث من لا وارث له» لا حجة لهم فيه؛ لأنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قيد ذلك بمن لا وارث له، وههنا له وارث؛ فهو أحق بالمال من غيره. وأما قولهم: (إننا أعطينا صاحب الفرض أكثر مما فرض الله له). فأجيب عنه: بأنَّ صاحب الفرض قد يأخذ أكثر من فرضه من جهة

стр. 3912

التعصيب، أو جهة أخرى من القرابة، فكذلك لا يمنع ذلك ههنا أن يأخذ أكثر من فرضه ردًّا، والله أعلم. وأما بالنسبة للرد على الزوجين؛ فلم يقل به أحد من السلف، والصحيح أنه لا يرد عليهما؛ لعدم القول بذلك من السلف. قال الإمام العثيمين ﵀ في كتابه «تسهيل الفرائض» (ص ٨٧ - ): أما الزوجان فلا يرد عليهما؛ قال في «المغني»: باتفاق من أهل العلم، إلا أنه روي عن عثمان أنه رد على زوج، ولعله كان عصبة، أو ذا رحم فأعطاه لذلك، أو أعطاه من مال بيت المال، لا على سبيل الميراث، وسبب ذلك - إن شاء الله - أن أهل الرد كلهم من ذوي الأرحام فيدخلون في عموم قول الله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: من الآية ٧٥]، والزوجان خارجان من ذلك". انتهى كلامه. وقد نقل الإجماع على عدم الرد على الزوجين غير واحد من الفرضيين، وتقرير الدليل الذي قاله صاحب «المغني» أن الله فرض لذوي الفروض فروضهم؛ فيجب أن لا يعطى أحد فوق فرضه ولا ينقص منه إلا بدليل، وقد قام الدليل على أنه ينقص منه عند التزاحم كما سبق في العول، وقام الدليل على أنه يعطى القريب ما فضل عن الفرض عند عدم العاصب، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: من الآية ٧٥]، فبقي الزوجان لا دليل على إعطائهما فوق ما فرض الله لهما.

стр. 3913

وأما ما وقع في «فتاوى شيخ الإسلام» (٣١/ ٣٣٨): وفي «مختصر الفتاوى» (ص ٤٢٠) وفي «الاختيارات» (ص ١٩٧) في امرأة خلفت زوجاً، وأماً، وبنتاً: أنها تقسم على أحد عشر: (للبنت ستة أسهم، وللزوج ثلاثة أسهم، وللأم سهمان)، وهذا على قول من يقول بالرد، كأبي حنيفة وأحمد. انتهى. فإن ظاهر هذه القسمة أنه يرد على الزوج، وفي ذلك نظر من وجوه ثلاثة: الأول: أن الشيخ صرح بأنها مبنية على قول من يقول بالرد. وقد علم أن القائلين بالرد لا يرون الرد على الزوجين، فقسمة المسألة المذكورة عندهم من ستة عشر: (للزوج أربعة، وللبنت تسعة، وللأم ثلاثة). الثاني: أن الأصحاب لم ينقلوا عن الشيخ أنه يرى الرد على الزوجين مع اعتنائهم بآرائه واعتبارهم لها، بل إن صاحب "مختصر الفتاوى" قال عن المسألة المذكورة: إن فيها نظراً. الثالث: إن الشيخ نفسه ذكر في موضع آخر مسألتين ورد فيهما أحد الزوجين، ولم يرد عليهما. ففي «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٥٩) -في رجل مات وترك زوجة، وأختًا لأبوين، وثلاث بنات أخ لأبويه- قال الشيخ: للزوجة الربع، وللأخت النصف، ولا شيء لبنات الأخ. والربع الثاني إن كان هناك عصبة فهو للعصبة، وإلا فهو مردود على الأخت على أحد قولي العلماء وعلى الآخر؛ فهو لبيت المال. اهـ وقال في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٥٨) -في امرأة خلفت زوجاً وابن أخت-: أن للزوج النصف وأما ابن الأخت: ففي أحد الأقوال له الباقي، وهو قول أبي

стр. 3914

حنيفة، وأصحابه، وأحمد في المشهور عنه، وفي القول الثاني لبيت المال، وهو قول كثير من أصحاب الشافعي، قال: وأصل المسألة تنازع العلماء في ذوي الأرحام الذين لا فرض لهم، ولا تعصيب، فمذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية: أن من لا وارث له بفرض ولا تعصيب يكون ماله لبيت مال المسلمين. ومذهب أكثر السلف، وأبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه يكون لذوي الأرحام. اهـ، ثم ذكر دليل ذلك. فأنت ترى أن الشيخ لم يرد على الزوجين في هاتين المسألتين، ولو كان يراه لرد عليهما لاستحقاقهما الرد في مثل هذه الحال لو كانا من أهله. والظاهر أن المسألة الأولى التي ظاهرها الرد على الزوج سهو أو سَبْقَةُ قلم، والله أعلم. ويمكن أن يقال -في مسألة الرد على الزوجين-: إنه إذا لم يكن وارث بقرابة ولا ولاء، فإنه يرد على الزوجين؛ لأن ذلك أولى من صرفه إلى بيت المال الذي يكون لعموم المسلمين؛ فإن بين الزوجين من الاتصال الخاص ما ليس لعموم المسلمين فيكونان أحق بما بقي بعد فرضهما من بيت المال. ويحتمل أن يحمل على هذا ما روي عن أمير المؤمنين عثمان. انتهى. قلتُ: الأثر عن عثمان ﵁، لم نقف له على إسنادٍ؛ فلا حاجة إلى تأويله وتوجيهه، والله أعلم. (١)

стр. 3915

فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِمِيْرَاثِ المُلاعِنة وَوَلدها مسألة [١]: توارث الزوجين المتلاعنين . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ١١٥): وينقطع التوارث بين الزوجين، لا نعلم بين أهل العلم في هذه الجملة خلافًا. اهـ يعني إذا تمَّ اللعان بينهما، وفرَّق الحاكمُ بينهما. مسألة [٢]: إذا مات أحد المتلاعنين قبل تمام اللعان ؟ • مذهب الجمهور أنَّ الآخر يرث؛ لأنَّ اللعان لم يتم. • وقال الشافعي: إذا كمَّل الزوج؛ لم يتوارثا. • وقال مالك: إذا مات الزوج بعد لعانه؛ لم ترث إلا إذا لم تلاعن وتُحَدُّ، وإن ماتت الزوجة؛ ورثها. وهذا القول أقرب، والله أعلم. «المغني» (٩/ ١١٥). مسألة [٣]: إذا مات أحدهم قبل تفريق الحاكم ؟ • جماعة من أهل العلم على عدم التوارث، قال به الزهري، وربيعة، ومالك، وزُفر، وداود، وأحمد في رواية.

стр. 3916

• وقال بعض أهل العلم: يتوارثان. وهو قول الحنفية، وأحمد في رواية. قلتُ: والصحيح عدم التوارث إذا تمَّ اللعان، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: إذا فرَّق الحاكم قبل تمام اللعان ؟ • ليس للحاكم ذلك، ولا تقع الفرقة، ولا ينقطع التوارث عند الجمهور. • خلافًا للحنفية، حيث قالوا: إن تلاعنا ثلاثًا؛ فتقع الفرقة، ولا توارث. والصحيح قول الجمهور. (٢) مسألة [٥]: هل يرث الملاعِن الولد الذي نفاه عن نفسه ؟ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٦٧٤٨): اتفقوا على أنه لا ميراث بين الولد، وبين الذي نفاه. اهـ واستثنى أهل العلم حالة رجوع الملاعن، وتكذيب نفسه فيجلد الحد، وينسب إليه ولده. مسألة [٦]: من يرث ابنَ الملاعنة ؟ ترثه أمه، ويرثه ذوو الفرض منه فروضهم، كالزوجة، والأخ لأم، وهذا لا يعلم فيه خلاف كما ذكر ابن قدامة ﵀. (٣)

стр. 3917

مسألة [٧]: من هم عصبته الذين يأخذون ما أبقت الفروض ؟ ينقطع تعصيبه من جهة الملاعن بالإجماع. واختلف أهل العلم في عصبته: • فمنهم من قال: عصبته عصبة أمه، وهذا قول جابر بن زيد، وعطاء، والنخعي، والحكم، وحماد، وأحمد في رواية، وصحَّ عن ابن عباس ﵄. • ومنهم من قال: أمه عصبته؛ فإن لم تكن؛ فعصبته عصبة أمه، وهو قول مكحول، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، والثوري، وأحمد في رواية، وثبت هذا القول عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود ﵄. وفي المسألة حديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا: «تحوز المرأة ثلاثة مواريث: لقيطها، وعتيقها، وولدها الذي لاعنت فيه»، وهو حديث ضعيفٌ منكرٌ، وقد تقدم. وحديث: قضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بميراث ابن الملاعنة لأمه، ولورثتها من بعده. رواه أبو داود (٢٩٠٨)، والبيهقي (٦/ ٢٥٩)، من طريق: عيسى بن موسى، أبي محمد القرشي، عن العلاء ابن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده. وعيسى بن موسى حسن الحديث، فظاهر الإسناد الحسن؛ إلا أنَّ الهيثم بن حميد، وهو أحفظ من عيسى بن موسى رواه عن العلاء عن عمرو بن شعيب، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معضلًا.

стр. 3918

أخرج ذلك الدارمي في «سننه» (٣١٥٧) من النسخة المحققة، وبيَّن المحقق أنَّ النسخ المطبوعة زِيْدَ فيها (عن أبيه عن جده) وليست موجودة في المخطوطات. وصح عن مكحول مرسلًا بمثل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أخرجه أبو داود برقم (٢٨٩٠)، والبيهقي (٦/ ٢٥٩)، وهو معضل، وأخرج أبو داود في «المراسيل» (٣٥٢)، والبيهقي (٦/ ٢٥٩) من طريق: عبد الله بن عبيد، عن رجل من أهل الشام، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في ابن الملاعنة: «عصبته عصبة أمه»، وهو حديث ضعيفٌ؛ لأنَّ فيه مبهمًا ولا نستطيع الجزم بأنه تابعي، بل يحتمل أنه تابع تابعي، وعبد الله بن عبيد قيل: هو الأنصاري، وهو مجهول. وقيل: هو الليثي، وهو ثقة. (١) وقد رجَّح ابن القيم ﵀ هذا القول اعتمادًا على مجموع ما تقدم ذكره في هذا الباب. • وذهب جمهور أهل العلم إلى أن عصبته بيت المال، فترث منه أمه ما فرض الله لها، وإذا وجد صاحب فرض آخر أُعطي فرضه، وما بقي يجعل في بيت المال، وهذا قول زيد بن ثابت ﵁، وقال به سعيد بن المسيب، وعروة، وسليمان بن يسار، والزهري، وربيعة، ومالك، والشافعي، والحنفية؛ لعموم الآية: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:١١] الآية، فبيَّن الله تعالى

стр. 3919

ميراث الأم، ولم يخص الأم الملاعنة بحكم آخر. قالوا: والأحاديث الورادة في ذلك لا تقوى للاحتجاج بها، وقد جاء في آخر حديث سهل بن سعد في «الصحيحين» في قصة المتلاعنين: ثم جرت السُّنَّة أنه يرثها، وترث منه ما فرض الله لها. جاء في بعض الروايات أنه قالها سهل، وفي بعض الروايات أنها من قول الزهري، فيحتمل أنَّ كليهما قالها. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح في المسألة ما قاله علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ﵄، وذلك يتوافق مع مسألة الرد، ومع مسألة توريث ذوي الأرحام، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٨]: ولد الزنا . • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ١٢٢): وَالْحُكْمُ فِي مِيرَاثِ وَلَدِ الزِّنَى فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، كَالْحُكْمِ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْوَالِ، وَالِاخْتِلَافِ، إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ ابْنَ صَالِحٍ قَالَ: عَصَبَةُ وَلَدِ الزِّنَى سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ لَيْسَتْ فِرَاشًا، بِخِلَافِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا؛ لِانْقِطَاعِ نَسَبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَبِيهِ، إلَّا أَنَّ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ يَلْحَقُ الْمُلَاعِنَ إذَا اسْتَلْحَقَهُ، وَوَلَدُ الزِّنَى لَا يَلْحَقُ الزَّانِيَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ: يَلْحَقُ الْوَاطِئَ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَيَرِثُهُ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: يَلْحَقُهُ إذَا جُلِدَ

стр. 3920

الْحَدَّ، أَوْ مَلَكَ الْمَوْطُوءَةَ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: يَلْحَقُهُ. وَذُكِرَ عَنْ عُرْوَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ نَحْوُهُ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا أَرَى بَأْسًا إذَا زَنَى الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ فَحَمَلَتْ مِنْهُ، أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَعَ حَمْلهَا، وَيَسْتُرَ عَلَيْهَا، وَالْوَلَدُ وَلَدٌ لَهُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا وُلِدَ عَلَى فِرَاشٍ رَجُلٍ؛ فَادَّعَاهُ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا وُلِدَ عَلَى غَيْرِ فِرَاشٍ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ إذَا لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ؛ فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ بِحَالٍ، كَمَا لَوْ كَانَتْ أُمُّهُ فِرَاشًا، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يُجْلَدْ الْحَدَّ عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَهُ. اهـ • قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ٤٢٥ - ): فإن قيل: فقد دلَّ الحديثُ على حكم استلحاق الولد، وعلى أن الولد للفراش، فما تقولون لو استلحق الزانى ولدًا لا فِراش هُناك يُعارضه، هل يلحقُه نسبُه، ويثبتُ له أحكامُ النسب؟ قيل: هذه مسألة جليلة اختلف أهلُ العلم فيها، فكان إسحاق بن راهويه يذهبُ إلى أن المولودَ مِن الزِّنى إذا لم يكن مولودًا على فراش يدَّعيه صاحبه، وادعاه الزانى؛ أُلحِقَ به، وأوَّل قول النبى ﷺ : «الولد للفراش» على أنه حكم بذلك عند تنازُع الزاني وصاحب الفراش كما تقدم، وهذا مذهب الحسن البصرى، رواه عنه إسحاق بإسناده، فى رجلٍ زنى بامرأة، فولدت ولدًا، فادَّعى ولدَها، فقال: يُجلد ويلزمُه الولد، وهذا مذهبُ عروة بن الزبير، وسليمانَ بن يسار ذكر عنهما أنهما قالا: أيُّما رجل أتى إلى غلام يزعم أنه ابن له، وأنه زنى بأمه ولم يَدَّعِ ذلك الغلامَ أحد، فهو ابنُه، واحتج سليمان، بأن عمر بن الخطاب كان يُلِيطُ أولادَ

стр. 3921

الجاهلية بمن ادعاهم فى الإسلام، وهذا المذهبُ كما تراه قوة ووضوحًا، وليس مع الجمهور أكثرُ مِن «الولد للفراش»، وصاحبُ هذا المذهب أوَّلُ قائل به، والقياسُ الصحيح يقتضيه؛ فإن الأبَ أحدُ الزانيين، وهو إذا كان يلحق بأمه، وينسب إليها وترثه ويرثُها، ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زنت به، وقد وُجِدَ الولدُ مِن ماء الزانيين، وقد اشتركا فيه، واتفقا على أنه ابنهُما، فما المانِعُ مِن لحوقه بالأب إذا لم يدَّعِهِ غيرُه؟ فهذا محضُ القياس، وقد قال جريج للغلام الذى زنت أمُّه بالراعى: «من أبوك يا غلام؟ قال: فلان الراعى»، وهذا إنطاق من الله لا يُمكن فيه الكذبُ. اهـ وانظر ما ذكرناه عند الحديث رقم (١١٢٢). (١)

стр. 3922

فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَسَائِلَ أُخْرَى مسألة [١]: الغرقى، والهدمى، والحرقى، ومن أشبههم . والمقصود من ذكر هؤلاء أنهم يموتون جماعة وبينهم توارث، ولا يدرى السابق منهم من اللاحق. • والحكم في هؤلاء الذين لا يُدرى من مات منهم أولًا فيه اختلاف عند أهل العلم: • فمنهم من قال: يرث كل واحد منهم من الآخر مع بقية ورثته؛ إلا أنه لا يرث منه إلا من قديم ماله دون حديثه الذي ورثه من ميت معه، هذا القول ثبت عن عمر ﵁، وقال به شريح، وإبراهيم، والشعبي، وإياس، وعطاء، والحسن، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق. • ومنهم من قال: لا يرث واحد منهم الآخر، وكل واحد منهم يرثه بقية ورثته، وهذا قول زيد بن ثابت ﵁، وهو ثابت عنه، ونقل عن غيره من الصحابة، وقال به عمر بن عبد العزيز، وأبو الزناد، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، والحنفية. وحجتهم: أنَّ من شروط الإرث أن يعلم حياة الوارث بعد موت المورث،

стр. 3923

والشرط ههنا مفقود، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: توريث الخنثى . الخنثى هو من له آلة الذكورة، وآلة الأنوثة، أو له ثقب لا يشبه واحدًا منهما. وحكم الخنثى أنه إذا تميز بأن يكون البول من إحدى الآلتين دون الأخرى؛ فيحكم له بها عند أهل العلم؛ فإن كان يبول من آلة الذكر؛ ورث على أنه ذكر، وإن كان من آلة الأنثى؛ ورث على أنه أنثى. ذكر ذلك ابن المنذر، وغيره من أهل العلم. • فإن بال منهما جميعًا؛ اعتُبر الأسبق عند جمهور أهل العلم، وإن عدم السابق؛ فاعتبر بعضهم الأكثر، وهو قول أحمد في رواية، والأوزاعي، وصاحبي أبي حنيفة، ووجهٌ للشافعية. • وقال بعضهم: لا يعتبر بالأكثر، وهو قول الشافعية، وبعض الحنابلة. قلتُ: ويظهر أن لا اعتبار بالأكثر، ولا بالأسبق، والله أعلم. (٢) وإذا لم يتميز الخنثى أذكرٌ هو أو أنثى؟ وقف الأمر حتى يبلغ فتتبين فيه علامات الرجال، أو علامات النساء، وإذا احتيج إلى قسم الميراث قبل ذلك؛ قُسم الميراث على تقديرين، على تقدير كونه أنثى، وعلى تقدير كونه ذكرًا، ثم

стр. 3924

يُعطى هو وبقية الورثة أقل النصيبين من المسألتين، ويوقف الباقي حتى يتبين الأمر. • وإن مات قبل البلوغ، وأيس الورثة من التبين؛ فجماعة من أهل العلم يقولون: يرث نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى، وهذا قول الشعبي، وابن أبي ليلى، وأحمد، والثوري، والمالكية، وأهل المدينة، وأهل مكة. • وورثه أبو حنيفة بأسوأ حالتيه، وأعطى الباقي الورثة الآخرين. • وأعطاه الشافعي، وأبو ثور، وداود، وابن جرير اليقين، ووقف الباقي حتى يتبين الأمر، أو يصطلحوا. والقول الأول هو الذي يظهر، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: توريث الحمل . إذا مات الإنسان عن حملٍ يرثه؛ وقف الأمر حتى يوضع ويتبين؛ فإن طالب الورثة بالقسمة قبل ذلك؛ أُجيبوا لها، فيُعطى من لا ينقصه الحمل شيئًا ميراثه كاملًا، ويُعطى من ينقصه على بعض التقادير أقل ما يصيبه من تلك التقادير، ومن يسقط بتقدير من تقادير الحمل لا يُعطى شيئًا. وإذا كان للحمل شريكٌ موجودٌ في الفرض، أو التعصيب، هل يدفع له شيء؟ • أكثر أهل العلم على أنه يوقف للحمل شيء ويدفع لشركائه الباقي، وهو

стр. 3925

قول أحمد، والشافعي في رواية، والليث، والحنفية وآخرين. • وقال بعض أهل العلم: لا يدفع للشركاء شيء؛ لأنَّ الحمل لا حدَّ له، وهو قولٌ للشافعي والأرجح عند المالكية. (١) • اختلف القائلون بالوقف كم يوقف؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يوقف نصيب ذكرين، أو أنثيين، أيهما كان أكثر، وهو قول أحمد، ومحمد بن الحسن. • وقال شريك: نصيب أربعة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي. • وقال الليث، وأبو يوسف: نصيب غلام. والصواب هو القول الأول؛ لأنَّ ولادة اثنين يحصل بكثرة، فاحتيط له دون ما فوقه، والله أعلم. (٢) مسألة [٤]: شروط توريث الحمل . يرث الحمل بشرطين: الأول: أن يعلم أنه كان موجودًا حال الموت، ويعلم ذلك باعتبار أقل مدة الحمل، وهي ستة أشهر، وباعتبار أكثره. • واختلفوا في أكثره، فمنهم من قال: سنتين. ومنهم من قال: ثلاث سنوات.
следующие страницы →