الجاهلية بمن ادعاهم فى الإسلام، وهذا المذهبُ كما تراه قوة ووضوحًا، وليس مع الجمهور أكثرُ مِن «الولد للفراش»، وصاحبُ هذا المذهب أوَّلُ قائل به، والقياسُ الصحيح يقتضيه؛ فإن الأبَ أحدُ الزانيين، وهو إذا كان يلحق بأمه، وينسب إليها وترثه ويرثُها، ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زنت به، وقد وُجِدَ الولدُ مِن ماء الزانيين، وقد اشتركا فيه، واتفقا على أنه ابنهُما، فما المانِعُ مِن لحوقه بالأب إذا لم يدَّعِهِ غيرُه؟ فهذا محضُ القياس، وقد قال جريج للغلام الذى زنت أمُّه بالراعى: «من أبوك يا غلام؟ قال: فلان الراعى»، وهذا إنطاق من الله لا يُمكن فيه الكذبُ. اهـ
وانظر ما ذكرناه عند الحديث رقم (١١٢٢). (١)
стр. 3922
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَسَائِلَ أُخْرَى
مسألة [١]: الغرقى، والهدمى، والحرقى، ومن أشبههم .
والمقصود من ذكر هؤلاء أنهم يموتون جماعة وبينهم توارث، ولا يدرى السابق منهم من اللاحق.
• والحكم في هؤلاء الذين لا يُدرى من مات منهم أولًا فيه اختلاف عند أهل العلم:
• فمنهم من قال: يرث كل واحد منهم من الآخر مع بقية ورثته؛ إلا أنه لا يرث منه إلا من قديم ماله دون حديثه الذي ورثه من ميت معه، هذا القول ثبت عن عمر ﵁، وقال به شريح، وإبراهيم، والشعبي، وإياس، وعطاء، والحسن، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق.
• ومنهم من قال: لا يرث واحد منهم الآخر، وكل واحد منهم يرثه بقية ورثته، وهذا قول زيد بن ثابت ﵁، وهو ثابت عنه، ونقل عن غيره من الصحابة، وقال به عمر بن عبد العزيز، وأبو الزناد، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، والحنفية.
وحجتهم: أنَّ من شروط الإرث أن يعلم حياة الوارث بعد موت المورث،
стр. 3923
والشرط ههنا مفقود، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: توريث الخنثى .
الخنثى هو من له آلة الذكورة، وآلة الأنوثة، أو له ثقب لا يشبه واحدًا منهما.
وحكم الخنثى أنه إذا تميز بأن يكون البول من إحدى الآلتين دون الأخرى؛ فيحكم له بها عند أهل العلم؛ فإن كان يبول من آلة الذكر؛ ورث على أنه ذكر، وإن كان من آلة الأنثى؛ ورث على أنه أنثى. ذكر ذلك ابن المنذر، وغيره من أهل العلم.
• فإن بال منهما جميعًا؛ اعتُبر الأسبق عند جمهور أهل العلم، وإن عدم السابق؛ فاعتبر بعضهم الأكثر، وهو قول أحمد في رواية، والأوزاعي، وصاحبي أبي حنيفة، ووجهٌ للشافعية.
• وقال بعضهم: لا يعتبر بالأكثر، وهو قول الشافعية، وبعض الحنابلة.
قلتُ: ويظهر أن لا اعتبار بالأكثر، ولا بالأسبق، والله أعلم. (٢)
وإذا لم يتميز الخنثى أذكرٌ هو أو أنثى؟ وقف الأمر حتى يبلغ فتتبين فيه علامات الرجال، أو علامات النساء، وإذا احتيج إلى قسم الميراث قبل ذلك؛ قُسم الميراث على تقديرين، على تقدير كونه أنثى، وعلى تقدير كونه ذكرًا، ثم
стр. 3924
يُعطى هو وبقية الورثة أقل النصيبين من المسألتين، ويوقف الباقي حتى يتبين الأمر.
• وإن مات قبل البلوغ، وأيس الورثة من التبين؛ فجماعة من أهل العلم يقولون: يرث نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى، وهذا قول الشعبي، وابن أبي ليلى، وأحمد، والثوري، والمالكية، وأهل المدينة، وأهل مكة.
• وورثه أبو حنيفة بأسوأ حالتيه، وأعطى الباقي الورثة الآخرين.
• وأعطاه الشافعي، وأبو ثور، وداود، وابن جرير اليقين، ووقف الباقي حتى يتبين الأمر، أو يصطلحوا.
والقول الأول هو الذي يظهر، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: توريث الحمل .
إذا مات الإنسان عن حملٍ يرثه؛ وقف الأمر حتى يوضع ويتبين؛ فإن طالب الورثة بالقسمة قبل ذلك؛ أُجيبوا لها، فيُعطى من لا ينقصه الحمل شيئًا ميراثه كاملًا، ويُعطى من ينقصه على بعض التقادير أقل ما يصيبه من تلك التقادير، ومن يسقط بتقدير من تقادير الحمل لا يُعطى شيئًا. وإذا كان للحمل شريكٌ موجودٌ في الفرض، أو التعصيب، هل يدفع له شيء؟
• أكثر أهل العلم على أنه يوقف للحمل شيء ويدفع لشركائه الباقي، وهو
стр. 3925
قول أحمد، والشافعي في رواية، والليث، والحنفية وآخرين.
• وقال بعض أهل العلم: لا يدفع للشركاء شيء؛ لأنَّ الحمل لا حدَّ له، وهو قولٌ للشافعي والأرجح عند المالكية. (١)
• اختلف القائلون بالوقف كم يوقف؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يوقف نصيب ذكرين، أو أنثيين، أيهما كان أكثر، وهو قول أحمد، ومحمد بن الحسن.
• وقال شريك: نصيب أربعة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي.
• وقال الليث، وأبو يوسف: نصيب غلام.
والصواب هو القول الأول؛ لأنَّ ولادة اثنين يحصل بكثرة، فاحتيط له دون ما فوقه، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤]: شروط توريث الحمل .
يرث الحمل بشرطين:
الأول: أن يعلم أنه كان موجودًا حال الموت، ويعلم ذلك باعتبار أقل مدة الحمل، وهي ستة أشهر، وباعتبار أكثره.
• واختلفوا في أكثره، فمنهم من قال: سنتين. ومنهم من قال: ثلاث سنوات.
стр. 3926
ومنهم من قال: أربع سنوات. ومنهم من قال: خمس.
وذكر بعضهم أنه لم يوجد حملٌ في أكثر من أربع سنوات، فاعتبروها، والله أعلم.
الثاني: أن تضعه أُمُّهُ حيًّا حياةً مستقرة؛ للحديث الذي في الباب: «إذا استهل المولود ورث»، وقد اتفق أهل العلم على أنها إذا وضعته ميتًا؛ لم يرث، واتفقوا على أنه إذا استهل صارخًا؛ ورث.
• واختلفوا فيما سوى الاستهلال، فذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه لا يرث حتى يستهل صارخًا، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وشريح، والحسن، وابن سيرين، والنخعي، وهو قول مالك، وأبي عبيد، وأحمد في المشهور عنه، وإسحاق.
• وذهب بعض أهل العلم إلى توريثه إذا حدث منه أيُّ صوتٍ تُعلم به حياته، كالعطاس، والبكاء وغيرهما، وهو قول الزهري، والقاسم، وأحمد في رواية.
• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى توريثه إذا عُلِمت حياته بصوتٍ، أو بحركةٍ، أو برضاعٍ، أو بغير ذلك، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبي حنيفة، وداود، وابن حزم، وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ المقصود هو العلم بحياته، وذلك يحصل بكل ما ذُكر، والله أعلم. (١)
стр. 3927
مسألة [٥]: إذا خرج بعضه فاستهل، ثم مات بتمام انفصاله ؟
• مذهب أحمد، والشافعي أنه لا يرث.
• ومذهب الحنفية أنه يرث إذا استهل بعد خروج أكثره.
• ومذهب الظاهرية أنه يرث، ولو خرج أقله، وهذا أقرب؛ لظاهر الحديث. (١)
مسألة [٦]: ميراث المفقود .
• مذهب الجمهور أنَّ من فُقِد يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم، سواء كان الغالب في حاله الهلاك أو السلامة، فيضرب الحاكم مدة ينتظر فيها المفقود، ولا يقسم ماله، أو يُورَّث إن كان وارثًا إلا عند حكم الحاكم بموته.
• ومذهب أحمد ﵀ أنه إن كان الغالب في حاله الهلاك ينتظر أربع سنوات؛ فإن لم يظهر له خبر بعد ذلك؛ قُسم ماله، وأما من كان الغالب على حاله السلامة؛ فعنه روايتان رواية كقول الجمهور، ورواية أنه ينتظر تمام تسعين سنة، ولا دليل على هذا التحديد.
ورجَّح الإمام ابن عثيمين قول الجمهور، وهو الصواب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٧]: هل يَرِثُ المفقودَ من مات قبل حكم الحاكم بموته ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ١٨٨): واتفق الفقهاء على أنه لا يرث المفقود إلا الأحياء من ورثته يوم قسم ماله لا من مات قبل ذلك اليوم ولو بيوم. اهـ
стр. 3928
مسألة [٨]: من مات وفي ورثته مفقود ؟
• مذهب أحمد، وأكثر الفقهاء على أنه يُعطى كل وارث من ورثته اليقين، ويوقف الباقي حتى يتبين أمره، أو تمضي مدة الانتظار.
• وقال بعض الشافعية: يقسم المال على الموجودين؛ لأنهم متحققون، والمفقود مشكوك فيه؛ فلا يُورَّث مع الشك. والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٩]: هل الأسير عند العدو كالمفقود ؟
• إذا انقطع خبره ولم تُعلم حياته؛ فهو كالمفقود، وإن علمت حياته وَرِثَ عند الجمهور.
• وحُكي عن سعيد بن المسيب أنه لا يرث؛ لأنه عبدٌ، وحُكي ذلك عن النخعي، وقتادة.
والصحيح القول الأول، والكفار لا يملكون الأحرار، وهذا القول المحكي عنهم غريب. (٢)
مسألة [١٠]: إذا وقف مالٌ للمفقود من ميت يرثه، فلم يتبين أمر المفقود، وحكم الحاكم بموته ؟
• من أهل العلم من قال: المال لورثة المفقود، ولا يرد لورثة الأول، وهو الصحيح في مذهب الحنابلة.
стр. 3929
• ومنهم من يقول: يرد لورثة الأول، وهو وجهٌ في مذهب الحنابلة، واختاره ابن قدامة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنفية، وهذا القول أقرب، والحجة فيه أنه لم يعلم السابق منهم موتًا من اللاحق؛ فلا توارث بينهما كالغرقى، والهدمى، والحرقى، وهو ترجيح الفوزان، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: توريث المجوس .
أما المجوس ومن جرى مجراهم ممن ينكح ذوات المحارم إذا أسلموا، فلا خلاف بين العلماء يُعلم أنهم لا يرثون بنكاح ذوات المحارم، فأما غيره من الأنكحة؛ فكل نكاح اعتقدوا صحته، وأقروا عليه بعد إسلامهم؛ توارثوا به، سواء وجد بشروطه المعتبرة في نكاح المسلمين، أو لم يوجد، وما لا يقرون عليه بعد إسلامهم لا يتوارثون به.
والمجوس وغيرهم في هذا سواء، فلو طلق الكافر امرأته ثلاثًا، ثم نكحها، ثم أسلما، ومات أحدهما؛ لم يُقرَّا عليه، ولم يتوارثا به، وكذلك إن مات أحدهما قبل إسلامهما؛ لم يتوارثا في قول الجميع، وهناك صُورٌ أخرى يختلف فيها أهل العلم بناء على الاختلاف فيما يُقرَّان عليه إذا أسلما، أو تحاكما إلينا، وسيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله.
مسألة [١٢]: وهل يتوارث المجوس بأكثر من قرابة ؟
• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنهم يتوارثون بجميع القرابات إن أمكن ذلك،
стр. 3930
نصَّ عليه أحمد ﵀، وهو قول إسحاق، وداود، ويحيى بن آدم، والشافعي في قول، والحنفية، ونُقل هذا القول عن علي، وابن مسعود ﵄، ولم يثبت عنهما؛ فإنَّ في الإسناد رجلًا مُبهمًا كما في «مصنف ابن أبي شيبة» و «سنن الدارمي»، واختار هذا القول ابن الَّلبَّان.
• وذهب الحسن، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والليث، وحماد، وهو الصحيح عن الشافعي أنه يرث بأقوى القرابتين، وهي التي لا تسقط بحال، ونقل هذا القول عن زيد ابن ثابت، واحتجوا بأنهما قرابتان لا يورث بهما في الإسلام، فلا يورث بهما في غيره، كما لو أسقطت إحداهما الأخرى.
واستدل أهل القول الأول بأنَّ الله تعالى أعطى الأم الثلث، وأعطى الأخت النصف، فإذا كانت الأم أختًا؛ وجب إعطاؤها ما فَرض الله لها في الآيتين، ولأنهما قرابتان ترث بكل واحدة منهما منفردة، لا تحجب إحداهما الأخرى ولا ترجح بها، فترث بهما مجتمعتين، كزوج هو ابن عم، أو ابن عم هو أخ من أم، وكذوي الأرحام المدلين بقرابتين.
وأجابوا على قياس أهل القول الثاني: بأنَّ قياسهم فاسد؛ لأنَّ القرابتين في الأصل تسقط إحداهما الأخرى إذا كانتا في شخصين، فكذلك إذا كانتا في شخص.
وقولهم: (لا يُورث بهما في الإسلام) ممنوعٌ؛ فإنه إذا وجد ذلك من وطء شبهة في الإسلام؛ ورث بهما، ثم إن امتناع الإرث بهما في الإسلام؛ لعدم وجودهما، ولو تصور وجودهما؛ لورث بهما، بدليل أنه قد ورث بنظيرهما في ابن
стр. 3931
عمٍّ، هو زوج، أو أخ من أم.
ثم نقل ابن قدامة عن ابن اللبان كلامًا جيدًا يبين فيه أنَّ الراجح هو التوريث بالقرابتين، وفيه إلزامات مفسدة لقول من قال بالتوريث بأقوى القرابتين. (١)
تنبيه: حديث عمر الذي في الباب «ما أحرز الوالد، أو الولد فهو لعصبته من كان» ستأتي دراسته إن شاء الله تعالى في [كتاب العتق]، وبالله التوفيق، والتسديد.
٩٥٧ - وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ. (١)
٩٥٨ - وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ قَدْ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. وَاللهُ أَعْلَمُ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: تعريف الوصايا .
جمع وصية، كعطايا وعطية، وهي بالتصرف بعد الموت، والوصية بالمال هي التبرع به بعد الموت. قاله ابن قدامة في «المقنع» (٧/ ١٧٢) مع «الإنصاف».
стр. 3935
مسألة [٢]: مشروعيتها .
دلَّ على مشروعية الوصايا الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٨٠].
وأما من السنة: فالأحاديث كثيرة، منها ما تقدم ذكره في الباب.
وأجمع العلماء، بل المسلمون على مشروعية الوصية. (١)
مسألة [٣]: هل يجب على الإنسان أن يوصي من ماله للفقراء، والمحتاجين ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوصية، وهو قول الظاهرية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية، وبحديث ابن عمر الذي في الباب.
• وذهب الجمهور من أهل العلم إلى استحباب الوصية؛ للأدلة الواردة في الباب وغيرها، واستدلوا على عدم الوجوب بحديث أبي أمامة الذي في الباب: «إنَّ الله قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه؛ فلا وصية لوارث»، وبأنَّ كثيرًا من الصحابة ومن بعدهم ماتوا ولم يوصوا.
стр. 3936
• وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوصية للوالدين، والأقربين الذين لا يرثون، واستدلوا بالآية السابقة، وقالوا: خصصت بالحديث المتقدم: «لا وصية لوارث»، فبقي غيرهم من الأقربين الذي لا يرثون على الحكم السابق، وهو وجوب الوصية.
وهذا القول قال به مسروق، وطاوس، وإياس، وقتادة، وابن جرير، وإسحاق، وبعض الحنابلة، واختاره الإمام ابن عثيمين ﵀.
قلتُ: والذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ الآية المذكورة منسوخة بآية المواريث، وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فدل على أنَّ الأقربين الذين لا يرثون ليس لهم حق واجب، والله أعلم.
وحديث ابن عمر محمولٌ على تأكد الوصية، أو على الوصية الواجبة التي أوجبها العلماء، وهي أن يكون عليه حقوق من ديون، أو ودائع، أو غيرها، وليس في ذلك بينة، ولا شهود؛ فيجب عليه حينئذٍ أن يوصي بها حتى لا تضيع حقوق الناس، وفي حديث ابن عمر قال: «يريد أن يوصي»، فعلَّق الوصية بإرادته؛ فدل على عدم الوجوب. (١)
стр. 3937
مسألة [٤]: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ .
الخير ههنا المراد به المال بلا خلاف، قاله القرطبي، وقد استحب أهل العلم لمن ترك مالًا كثيرًا أن يوصي وكرهوا لمن له مال قليل أن يوصي، وأحبوا له أن يترك المال لأولاده، وورثته.
• واختلف أهل العلم في تحديد الكثير من القليل.
قال ابن الجوزي ﵀ في «زاد المسير» (١/ ١٨٢): وفي مقدار المال الذي تقع هذه الوصية فيه ستة أقوال: أحدها: أنه ألف درهم فصاعداً، روي عن علي (١)، وقتادة. والثاني: أنه سبعمائة درهم فما فوقها، رواه طاووس عن ابن عباس. (٢) والثالث: ستون ديناراً فما فوقها، رواه عكرمة عن ابن عباس. (٣) والرابع: أنه المال الكثير الفاضل عن نفقة العيال. قالت عائشة لرجل سألها: إني أُريد الوصية. فقالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: هذا شيء يسير، فدعه لعيالك. (٤) والخامس: أنه من ألف درهم إلى خمسمائة، قاله إبراهيم النخعي. والسادس: أنه القليل والكثير، رواه معمر عن الزهري. اهـ
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ عَلِمْتُ فِي ذَلِكَ إذَا كَانُوا ذَوِي حَاجَةٍ ... اهـ
مسألة [٥]: إذا أوصى لغير ذوي القربى المحتاجين ؟
• أكثر أهل العلم على صحة الوصية وهو قول سالم، وعطاء، وسليمان بن يسار ومالك، الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، والأوزاعي، والحنفية وغيرهم.
واستدلوا على ذلك بحديث عمران بن حصين في «صحيح مسلم» (١٦٦٨): أنَّ رجلًا أعتق ستة مماليك له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فجزأهم أثلاثًا، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا.
وفي رواية عنده: أن رجلًا من الأنصار أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين.
فهذا الرجل من الأنصار، والظاهر أنَّ له قرابة، وأمضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصيته في الثلث لغير قرابته، وهذا الحديث مما يدل أيضًا على عدم وجوب الوصية للقرابة.
• وحُكي عن طاوس، والضحاك أنه ينزع منهم، ويرد إلى قرابته.
• وذهب سعيد بن المسيب، والحسن، وجابر بن زيد إلى أنَّ الموصى لهم يُعطون ثلث الوصية، والباقي يرد إلى القرابة، ومال إلى هذا ا بن القيم ﵀ في «مفتاح دار السعادة».
والصحيح هو القول الأول، والقولان الأخيران مبنيان على وجوب الوصية للأقارب. (١)
стр. 3940
مسألة [٦]: الوصية بأكثر من الثلث .
• جمهور العلماء على أنه لا يجوز الوصية بأكثر من الثلث، واستدلوا على ذلك بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ الذي في الباب، وبحديث عمران بن حصين المتقدم في المسألة السابقة.
وسواء كان له ورثة أو لم يكن، وهذا قول أحمد، والشافعي، ومالك، والأوزاعي، والظاهرية، وقال به ابن شبرمة، والحسن بن حي، وآخرون. ولكن مالكًا تسامح فيما إذا زادت الدرهم والدرهمين ونحوه.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ من لا وارث له له أن يوصي بماله كله، صحَّ هذا القول عن عبد الله بن مسعود ﵁، وقال به مسروق، وعبيدة السلماني، والحسن، وشريك، وهو الأشهر في مذهب الحنابلة، وقال به إسحاق، واختاره ابن القيم، والشوكاني ورجحه الإمام ابن عثيمين.
وحجة هؤلاء أنَّ المنع من الزيادة عن الثلث إنما كان من أجل الورثة، كما يدل عليه حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
وأجاب أهل القول الأول بأنَّ الحديث عامٌّ، وإن كان سببه خاصًّا، وليست العلة في غنى الورثة وعدمه، فقد يكون وارثه أغنى منه، وليس له مع ذلك الوصية بأكثر من الثلث، وقد يكون له وارث لا يأخذ من ماله إلا السدس، ومع ذلك فليس له أن يوصي بأكثر من الثلث بموافقة من المخالفين.
стр. 3941
فالذي يظهر أنَّ القول الأول أقرب إلا أنَّ له أن يوصي بماله كله في حالة عدم وجود وارث عند عدم انتظام بيت المال، كما هو الحال في يومنا هذا، والله المستعان. (١)
مسألة [٧]: إذا أذن الورثة لمورثهم أن يوصي بأكثر من الثلث ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يلزمهم ذلك، وليس لهم الرجوع بعد موته، وهو قول عطاء، والحسن، والزهري، وربيعة، وحماد، وابن أبي ليلى، والأوزاعي؛ لأنهم قد عفوا عن حقهم.
• وذهب طائفةٌ إلى أنه لا يلزمهم، بل لهم الرجوع بعد موته، وهو قول شريح، وطاوس، والحكم، والنخعي، والشعبي، والثوري، والحسن بن حي، و أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، والحنفية، وجوَّزوا لهم الرجوع؛ لأنَّ المال إنما ينتقل إليهم بموت مورثهم، فالاعتبار بإجازتهم في ذلك الوقت لا قبل ذلك.
• وقال بعض أهل العلم: لا يجوز لهم ذلك؛ لأنَّ المورث لا يجوز له أن يوصي بأكثر من الثلث، وليس للورثة حقٌّ قبل موته حتى يجيزوه؛ فإنَّ المال لا ينتقل إليهم إلا بالموت، وهذا قول المزني، وداود، وابن حزم، وأسند عن ابن مسعود أنه أنكر ذلك.
стр. 3942
• وقال مالك: إن أذنوا في مرض موته؛ فلا رجوع لهم، وإن أذنوا في صحته؛ فلهم الرجوع.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الاعتبار بإجازتهم بعد موته؛ لأنهم حينئذٍ يملكون المال، وأما قبل ذلك فلا اعتبار بإجازتهم، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: الوصية لوارث .
تقدم النهي عن ذلك في حديث أبي أمامة الذي في الباب.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٩٦): إذَا وَصَّى الْإِنْسَانُ لِوَارِثِهِ بِوَصِيَّةٍ، فَلَمْ يُجِزْهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ؛ لَمْ تَصِحَّ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا. وَجَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ بِذَلِكَ، فَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إنَّ الله قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَلَا وَصِيَّةَ لَوَارِثٍ».اهـ
واختلف أهل العلم فيما إذا أجازها الورثة، هل تصح الوصية أم لا؟
• فذهب الجمهور إلى أنها تصح بإجازة الورثة، واستدلوا بالزيادة المذكورة في الباب: «إلا أن يشاء الورثة»، وفي لفظ: «إلا أن يجيز الورثة».
• وذهب بعض الحنابلة، وبعض الشافعية منهم: المزني، والظاهرية إلى أنَّ الوصية باطلة؛ لأنها منهي عنها، ولا تصح إذا أجازها الورثة؛ إلا أن يعطوه عطية
стр. 3943
مبتدأة، وهذا قول الشافعي، وحُكي رواية عن أحمد، وهذا القول أقرب فيما يظهر، والله أعلم؛ لعدم صحة الزيادة المذكورة، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد». (١)
مسألة [٩]: إذا أوصى لكل وارث بمقدار حقه ؟
• ذكر أهل العلم أنَّ الوصية تصح إذا لم يعين، وأما إذا عيَّن بعض ماله، ففيه وجهان للحنابلة، والشافعية، والصحيح أنه لا يصح؛ لأنَّ في التعيين تفويتًا لبعض الأغراض، والورثة تعلقت حقوقهم بجميع المال، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (٢)
مسألة [١٠]: إذا أسقط في وصيته عن وارثه دينًا، أو أوصى بقضاء دينه، أو عفا عن بعض الجنايات ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٣٩٧): وإن أسقط عن وراثه دينًا، أو أوصى بقضاء دينه، أو أسقطت المرأة صداقها عن زوجها، أو عفا عن جناية موجبها المال؛ فهو كالوصية.
وإن عفا عن القصاص، وقلنا: الواجب القصاص عينا. سقط إلى غير بدل. وإن قلنا: الواجب أحد شيئين. سقط القصاص، ووجب المال. وإن عفا عن حد
стр. 3944
القذف، سقط مطلقا.
وإن وصى لغريم وارثه، صحت الوصية. وكذلك إن وهب له. وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة. وقال أبو يوسف: هو وصية للوارث؛ لأن الوارث ينتفع بهذه الوصية وتستوفى ديونه منها.
ولنا: أنه وصى لأجنبي، فصح، كما لو وصى لمن عادته الإحسان إلى وارثه. وإن وصى لولد وارثه، صح، فإن كان يقصد بذلك نفع الوارث، لم يجز فيما بينه وبين الله تعالى. قال طاوس، في قوله : ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢]، قال: أن يوصي لولد ابنته، وهو يريد ابنته. رواه سعيد. قال ابن عباس: الجنف في الوصية والإضرار فيها من الكبائر (١). انتهى المراد.
مسألة [١١]: إذا وصَّى لوارثه وأجنبي بثلث ماله ؟
• مقتضى مذهب الجمهور أنَّ الورثة إذا أجازوا الوصية للوارث أنَّ الثلث بينهما سدسان، كل له سدس، وإن لم يجيزوا الوصية للوارث؛ فللأجنبي السدس، وتبطل الوصية للوارث.
• ومقتضى مذهب من أبطلوا الوصية للوارث أنَّ الوصية ههنا لا تصح إلا للأجنبي، فيُعطى السدس نصف الثلث وأما الوارث فالوصية له باطلة، وإن أحب الورثة أن يعطوه عطية مبتدأة منهم فلهم ذلك، وهذا أقرب، والله أعلم. (٢)
стр. 3945
تنبيه: إذا وصَّى لهما بأكثر من الثلث يمضى للأجنبي نصيبه إن كان ثلثًا فما دون، وأما الوارث فالوصية له لا تصح، وإن شاء الورثة أعطوه منهم ما شاؤوا، هذا هو الصحيح.
ومذهب الجمهور أنَّ الورثة إن أجازوا الوصية بأكثر من الثلث، والوصية للوراث؛ فالمال بينهما على حسب الوصية، وإن أبطلوا الزائد عن الثلث من غير تعيين؛ فالثلث الباقي بينهما نصفان.
تنبيه آخر: الجمهور الذين يرون صحة الوصية بأكثر من الثلث، وللوارث بإجازة الورثة، يعتبرون في الإجازة أنْ تكون من جائز التصرف، فأما الصبي، والمجنون، والمحجور عليه لسفهٍ؛ فلا تصح الإجازة منهم؛ لأنها تبرع بالمال؛ فلم تصح منهم كالهبة. وأما المحجور عليه لفلس؛ فإن قلنا: الإجازة هبة؛ لم تصح منه؛ لأنه ليس له هبة ماله، وإن قلنا: هي تنفيذ؛ صحَّت. قاله ابن قدامة، والصحيح أنها هبة، والله أعلم. (١)
مسألة [١٢]: الوقت المعتبر به للوصية .
قال أبو محمد المقدسي ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٠٧ - ٤٠٨): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ، فَلَوْ أَوْصَى لِثَلَاثَةِ إخْوَةٍ لَهُ مُتَفَرِّقِينَ يعني أحدهم شقيق والآخر لأب، والثالث لأم وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ وَلَدٌ؛ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ، إلَّا بِالْإِجَازَةِ مِنْ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ وُلِدَ لَهُ
стр. 3946
ابْنٌ؛ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ، إذَا لَمْ تَتَجَاوَزْ الْوَصِيَّةُ الثُّلُثَ.
قال: وَلَوْ أَوْصَى لَهُمْ، وَلَهُ ابْنٌ، فَمَاتَ ابْنُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ؛ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِأَخِيهِ مِنْ أَبَوَيْهِ، وَلَا لِأَخِيهِ مِنْ أُمِّهِ، وَجَازَتْ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ. فَإِنْ مَاتَ الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ قَبْلَ مَوْتِهِ؛ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَارِثًا.
قال: وَلَوْ أَوْصَى لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ أَوْصَتْ لَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا؛ لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُمَا إلَّا بِالْإِجَازَةِ مِنْ الْوَرَثَةِ. وَإِنْ أَوْصَى أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا؛ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَيْرَ وَارِثٍ. اهـ
وقد خالف ابن حزم، فجعل الاعتبار بحال الوصية فيما إذا كان وارثًا، ثم صار غير وارثٍ، فأبطلها. (١)
مسألة [١٣]: الموصى له هل يملكها بغير قبول كالميراث ؟
• جمهور العلماء على أنه لا يملكها إلا بالقبول؛ لأنه حرٌّ يملك، والأصل أنه لا يملك شيئًا إلا بإرادته، ولم يأت شيء يملكه حكمًا غير الميراث، فيبقى على ذلك، ولا يعدَّى الحكم إلى غيره إلا بدليل.
• وجاء عن أحمد رواية، وبه قال بعض الحنابلة، أنه يملكها قهرًا كالميراث.
والصواب هو القول الأول، والله أعلم.
تنبيه: إذا كان الموصى له عامًا غير معين؛ لم يعتبر قبولهم. (٢)
стр. 3947
مسألة [١٤]: وقت اعتبار القبول والرد .
قال ابن قدامة المقدسي ﵀ في «المغني» (٨/ ٤١٩): ويجوز القبول على الفور والتراخي، ولا يكون إلا بعد موت الموصي؛ لأنه قبل ذلك لم يثبت له حق، ولذلك لم يصح رده. اهـ (١)
مسألة [١٥]: إذا قبل الوصية فمن متى يثبت له الملك ؟
• الأصح في مذهب الحنابلة أنه يثبت له الملك من حين القبول؛ لأنه بقبوله دخل في ملكه، ولا يسبق الملك القبول؛ لأنَّ القبول سبب الملك، وهذا قول مالك، والحنفية، ورُوي عن الشافعي.
• وللحنابلة وجهٌ أنه يثبت له الملك من حين مات الموصي، وهذا ظاهر مذهب الشافعي؛ لأنَّ الموصى به لا يثبت الملك فيه للورثة، ولا يبقى للميت؛ لأنه صار جمادًا لا يملك؛ فهو ملك مُراعَى، فبقبولهم تبيَّنَّا أنه ملك لهم مستقر، وهذا القول أقرب، والله أعلم.
وقد تردد الإمام ابن عثيمين بين هذين القولين، فلم يجزم بالراجح منهما كما في «الشرح الممتع».
• وللشافعي قولٌ ثالث: أنَّ الوصية تملك بالموت، ويحكم بذلك قبل القبول. (٢)
стр. 3948
مسألة [١٦]: إذا ردَّ الموصى له الوصية ؟
لهذه المسألة حالات:
الأولى: أن يردها قبل موت الموصي؛ فلا يعتبر بالرد ههنا؛ لأنَّ الوصية لم تقع بعد، فأشبه رد المبيع قبل إيجاب البيع.
الثانية: أن يردها بعد الموت قبل القبول، فيصح الرد وتبطل الوصية، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا. ولعله أراد عند من يعتبر القبول والرد في تملك الوصية.
الثالثة: أن يرد بعد القبول والقبض فلا يصح الرد، بل تكون منه هبةً لها أحكامها.
الرابعة: أن يرد بعد القبول وقبل القبض، فمنهم من قال: يصح الرد. وهو وجهٌ للشافعية، وهو المنصوص عن الشافعي، واحتمالٌ للحنابلة.
والظاهر عند الحنابلة، وهو قول بعض الشافعية: أنه لا يصح الرد في غير المكيل والموزون؛ لأنَّ المكيل والموزون عندهم لا يستقر ملكه عليه قبل قبضه.
والصحيح أنه إذا قبله؛ فقد دخل في ملكه، وإن لم يقبضه، وليس القبض بشرط في تملكه؛ فعلى هذا فحكمه حكم الحالة الثالثة، والله أعلم. (١)
مسألة [١٧]: إذا مات الموصى له قبل أن يقبل أو يرد ؟
• قال بعض أهل العلم: يقوم وارثه مقامه، وهو الأظهر في مذهب الحنابلة، واختاره الخِرَقي، وابن قدامة، كما أنَّ للورثة أن يردوا المبيع بالعيب؛ لحديث:
стр. 3949
«من ترك مالًا؛ فلورثته»، وهذا من حقوق المال.
• وقال بعضهم: تبطل الوصية، وهو اختيار بعض الحنابلة؛ لأنَّ الخيار كان للموصى له دون غيره. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٨]: الوصية المقيدة والمطلقة .
الوصية المقيدة مثل أن يقول: إن مت في مرضي هذا، أو في هذه البلدة، أو في سفري هذا؛ فثلثي للمساكين.
والمطلقة أن يقول: إن مت؛ فثلثي للمساكين، أو لزيد.
فالوصية المطلقة تصح بلا إشكال في الثلث وما دون، وفي غير وارث.
والوصية المقيدة إن مات فيما قيَّد؛ فتصح، ولا إشكال.
• وإن لم يمت في ذلك المرض، أو في ذلك السفر؛ فتبطل الوصية، وهو قول الحسن، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وهو الصحيح.
• وقال مالك: إن قال قولًا، ولم يكتب فهو كذلك، وإن كتب كتابًا، ثم صحَّ من مرضه، وأقرَّ الكتاب؛ فوصيته بحالها مالم ينقضها.
والصحيح القول الأول، والله أعلم. (٢)
стр. 3950
مسألة [١٩]: إذا أوصى بجزء مبهم من ماله، فكم يخرج عنه ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٢٦): وَإِنْ أَوْصَى بِجُزْءٍ، أَوْ حَظٍّ، أَوْ نَصِيبٍ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ؛ أَعْطَاهُ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جُزْءٌ، وَنَصِيبٌ، وَحَظٌّ، وَشَيْءٌ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: (أَعْطُوا فُلَانًا مِنْ مَالِي، أَوْ اُرْزُقُوهُ)؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ، وَلَا فِي الشَّرْعِ؛ فَكَانَ عَلَى إطْلَاقِهِ. اهـ
مسألة [٢٠]: إذا أوصى بمثل نصيب أحد ورثته ؟
لهذه المسألة حالتان:
الأولى: أن يكون ورثته متساوين في الميراث.
• فمذهب الجمهور أنه يُعطى مثل نصيب أحدهم مضافًا إلى الفريضة؛ فإن كان ترك ثلاثة أولاد؛ فأصل المسألة من ثلاثة أسهم، فتجعل المسألة من أربعة أسهم، فيُعطى كل واحد منهم سهمًا، ويُعطى الموصى له سهمًا.
• ومذهب مالك، وأبن أبي ليلى، وزُفر، وداود أنه يُعطى مثل نصيب أحدهم، ثم يقسم الباقي بين الورثة.
ومذهب الجمهور أقرب؛ لأنه على قول هؤلاء سيُعطى أكثر من ميراث أحدهم، والظاهر من عبارة الموصي أنه أراد التسوية بينهم.
الثانية: أن يكون الورثة مختلفين في الميراث.
стр. 3951
• فمذهب الجمهور أنه يُعطى مثل نصيب أقلهم ميراثًا، يُزاد على فريضتهم، وقال مالك: ينظر إلى عدد رؤوسهم، فيُعطى سهمًا من عددهم.
والصواب هو قول الجمهور، وليس لمالكٍ دليل على قوله. (١)
مسألة [٢١]: إذا أوصى بنصيب وارثه ؟
• قال بعض أهل العلم: هو كقوله: (أوصي بمثل نصيب وارثي)؛ فتصح، ويُعطى مثل نصيبه، هذا قول مالك، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وقال به ابن أبي ليلى، وزُفر، وداود.
• وقال بعضهم: لا تصح الوصية؛ لأنَّه أوصى بحق غيره، فالوصية باطلة، وهو وجهٌ للحنابلة، وعليه أكثر الشافعية، وهو قول الحنفية؛ لظاهر العبارة.
والصحيح في المسألة: أن اللفظ المذكور إن كان يراد به في العرف: (بمثل نصيب وارثه) فالقول الأول هو الصحيح، وإن لم يكن فيه عرف، أو علم أنه قصد الوصية بحق وارثه؛ فلا يصح كقول أصحاب القول الثاني، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٢]: إذا أوصى بضعف نصيب وارثه لفلان ؟
• عامَّةُ أهل العلم على أنه يُعطى مثليه؛ لأنَّ ضعف الشيء مثليه.
• وقال أبو عبيد القاسم بن سلَّام: يُعطى مثله؛ لأنَّ ضعف الشيء مثله، قال
стр. 3952
تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]، وقال تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة:٢٦٥].
وأُجيب عن ذلك: بقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٥]، وبقوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ [سبأ:٣٧]، وقوله: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩].
فيُستفاد من ذلك أن الضعف بمعنى المثلين، وأما الآيات المذكورة؛ فلا إشكال فيها؛ فإن الضعف في حالة التثنية؛ فما زاد يأتي بمعنى المثل، فيقال: لفلان مِثْلَا فلان، وضعفا فلان، وثلاثة أمثال فلان، وثلاثة أضعاف فلان، وهكذا.
وعلى هذا فالصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٣]: الوصية للميت .
• مذهب الجمهور أنَّ الوصية لا تصح، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وقال به ابن حزم؛ لأنه جماد لا يملك؛ فلا تصح الوصية له.
• وقال مالك: إن علم أنه ميت؛ فتصح الوصية له، وهي لورثته بعد قضاء ديونه، وتنفيذ وصاياه؛ لأنَّ الغرض نفعه بها، وبهذا يحصل له النفع.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: والقول الراجح أنها تصح للميت لا على سبيل التمليك؛ لأنَّ الميت لا يملك، وكل أحد يعرف أنَّ الإنسان إذا أوصى لميت لا
стр. 3953
يريد أن يشترى له طعامٌ يأكله، أو شرابٌ يشربه، أو لباسٌ يلبسه، وإنما يريد أن يصرف في أعمال الخير لهذا الميت، لكن لو قال: أنا أريد تمليك الميت. قلنا: الوصية غير صحيحة؛ لأنه تلاعب؛ لأنَّ الميت لا يملك، بل ينتقل ملكه إذا مات إلى غيره. اهـ (١)
مسألة [٢٤]: إذا مات الموصى له قبل موت الموصي ؟
• تبطل الوصية عند أكثر أهل العلم، وهو قول الزهري، وحماد، وربيعة، وأصحاب المذاهب الأربعة، وابن حزم، وغيرهم، وهو الصحيح.
• وجاء عن الحسن أنه قال: تكون لولد الموصى له. وقال عطاء: إن علم بموته ولم يحدث شيئًا؛ فهي لوارث الموصى له؛ لأنه مات بعد عقد الوصية، فيقوم الوارث مقامه، كما لو مات بعد موت الموصي، وقبل القبول. (٢)
مسألة [٢٥]: الوصية للحمل .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٥٦): وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ، فَصَحِيحَةٌ أَيْضًا، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ جَرَتْ مَجْرَى الْمِيرَاثِ، مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا انْتِقَالَ الْمَالِ مِنْ الْإِنْسَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ، إلَى المُوصَى لَهُ، بِغَيْرِ عِوَضٍ، كَانْتِقَالِهِ إلَى وَارِثِهِ ... ، وَالْحَمْلُ يَرِثُ؛ فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أَوْسَعُ مِنْ الْمِيرَاثِ؛
بَطْنِهَا غُلَامًا؛ فَلَهُ دِينَارَانِ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً؛ فَلَهَا دِينَارٌ. فَوَلَدَتْ أَحَدَهُمَا مُنْفَرِدًا؛ فَلَهُ وَصِيَّتُهُ. وَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً؛ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ هُوَ جَمِيعَ الْحَمْلِ، وَلَا كُلَّ مَا فِي الْبَطْنِ. وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قوله: (وَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً ... ) إلى آخره. الصحيح فيه أن العبرة بمقصود القائل؛ فإن علم أنه ما يريد أن يعطيهم إلا في حالة انفراد أحدهم؛ فليس لهم شيء، وإن كان مراده إعطاؤهم في حال انفرادهم، واجتماعهم فيعطون نصيب الولد، ويكون بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
وإن لم يعلم المراد من قوله، فالأقرب ما ذكرناه من أنهم يعطون نصيب الذكر؛ لأنه قد رضي بإخراج دينارين من نصيبه، ولأنه قد وجد ما سمَّاه وزيادة، والله أعلم.
مسألة [٢٨]: إذا أوصى بثمرة شجرة، أو غلة دار، أو خدمة عبدٍ ؟
• مذهب الجمهور صحة ذلك، سواء وصَّى بذلك في مدةٍ معلومة، أو بجميع الثمرة والمنفعة في الزمان كله، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
• وذهب ابن أبي ليلى، وابن حزم، وابن شبرمة، وابن عبد البر إلى أنه لا تصح الوصية بالمنفعة؛ لأنها منتقلة لملك الوارث؛ فلا وصية فيما يوجد في ملك غيره.
стр. 3956
وأجاب الجمهور بأنه يصح تمليكها بعقد المعاوضة، فتصح الوصية بها كالأعيان.
ويُعتبر عند الجمهور خروجها من ثلث المال؛ فإن لم تخرج من الثلث؛ أُجيز منها بقدر الثلث، وبهذا قال الشافعي، وأحمد.
وقال مالك: إذا أوصى بخدمة عبده سنة؛ فلم يخرج من الثلث، فالورثة بالخيار: بين تسليم خدمته سنة، وبين تسليم ثلث المال.
وقال أصحاب الرأي، وأبو ثور: إذا أوصى بخدمة عبده سنة؛ فإنَّ العبد يخدم الموصى له يومًا، والورثة يومين، حتى يستكمل الموصى له سنة؛ فإن أراد الورثة بَيع العبد بِيْعَ على هذا.
وأجاب الجمهور بأنها وصية صحيحة؛ فوجب تنفيذها على صفتها إن خرجت من الثلث، أو بقدر ما يخرج من الثلث منها كسائر الوصايا.
وقول أحمد، والشافعي هو الأقرب، والله أعلم.
مسألة [٢٩]: كيفية تقويم المنفعة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٥٩ - ٤٦٠): إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى أُرِيدَ تَقْوِيمُهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِمُدَّةٍ؛ قُوِّمَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الْمَنْفَعَةُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَيُنْظَرُ كَمْ قِيمَتُهَا. وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ، فَقَدْ قِيلَ: تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ بِمَنْفَعَتِهَا جَمِيعًا، وَيُعْتَبَرُ
стр. 3957
خُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ عَبْدًا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ، وَشَجَرًا لَا ثَمَرَ لَهُ، لَا قِيمَةَ لَهُ غَالِبًا. وَقِيلَ: تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَالْمَنْفَعَةُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ. وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَوَّمَ الْعَبْدُ بِمَنْفَعَتِهِ، فَإِذَا قِيلَ: قِيمَتُهُ مِائَةٌ. قِيلَ: كَمْ قِيمَتُهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ؟ فَإِذَا قِيلَ: عَشَرَةٌ. عَلِمْنَا أَنَّ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ تِسْعُونَ. اهـ (١)
تنبيه: إذا أراد الموصى له إجارة العبد، والدار في المدة التي أوصي له بنفعها؛ جاز، وبه قال الشافعي، وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إجارة المنفعة المستحقة بالوصية؛ لأنه إنما أوصى له باستيفائها.
وأجاب الجمهور بأنه يملك منفعته ملكًا تامًّا؛ فجاز أخذ العوض عنها بالأعيان كما لو ملكها بالإجارة. (٢)
مسألة [٣٠]: النفقة على العبد والحيوان الموصى بنفعه .
• من أهل العلم من قال: النفقة على مالك الرقبة، وهو قول جماعة من الحنابلة، وأبي ثور، والأظهر عند الشافعية؛ لأنه ملك لهم، فوجبت النفقة عليهم كالعبد الذي لا ينفع.
• وذهب بعض الشافعية والحنابلة، وأصحاب الرأي إلى أنَّ النفقة على مالك المنفعة.
يُوهَبُ لِلْعَبْدِ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ بَيْعَ الْعَبْدِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ، وَيُبَاعُ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ، وَيَقُومُ الْمُشْتَرِي مَقَامَ الْبَائِعِ، فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ.
قال: لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ؛ فَصَحَّ بَيْعُهُ كَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إعْتَاقُهُ وَتَحْصِيلُ وَلَائِهِ، وَجَرُّ وَلَاءِ مَنْ يَنْجَرُّ وَلَاؤُهُ بِعِتْقِهِ، بِخِلَافِ الْحَشَرَاتِ. انتهى بتصرف.
قال ذلك ردًّا على من منع من بيعه؛ لأنه مسلوب المنفعة، فأشبه الحشرات.
مسألة [٣٢]: إذا أوصى بوصايا متعددة تجاوزت الثلث ؟
• عامَّةُ أهل العلم على أنهم يتحاصون فيها، ويدخل النقص عليهم جميعًا، كلٌّ بقدر ما أُوصي له، وذلك لأنَّ الوصايا عطايا معلقة بالموت، فكانت كلها في وقت واحد؛ فلا يقدم واحد، ويؤخر آخر.
• وقال ابن حزم: يبدأ بالأول فالأول، فمن أوصي له أولًا؛ أُعطي، ثم الثاني، حتى يستكمل الثلث.
وهذا القول غير صحيح؛ لما ذكرناه قريبًا، والله أعلم.
• واختلف أهل العلم إذا كان في الوصايا عتق، هل يقدم العتق والباقي بالحصص، أم أن العتق يعمل كسائر الوصايا بالحصة؟
فقال بالأول بعض أهل العلم، منهم: شريح، ومسروق، وقتادة، والزهري، ومالك، وأحمد في رواية، والثوري، وإسحاق، والشافعي في قول؛ لأنَّ الله عز وجل
стр. 3960
حثَّ على العتق، ورغَّب فيه؛ فيقدم لتأكده.
وقال بالثاني ابن سيرين، والشعبي، وأبو ثور، وأحمد في رواية، والشافعي في قول؛ لأنهم تساووا في سبب الاستحقاق، فتساووا فيه كسائر الوصايا، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٣]: إذا كان في الموصى لهم رجلٌ تجاوز وصيته الثلث منفردًا ؟
• مذهب الجمهور أنهم يتحاصون، ويُعطى بقدر ما أُوصي له، وإن تجاوز الثلث؛ لأنه فاضل بالوصية بذلك القدر، فاعتبرت تلك المفاضلة من الثلث، وكما اعتبرنا الزيادة على الثلث متفرقة؛ اعتبرناها إن كانت عند واحد.
• وقال أبو ثور، وابن ا لمنذر، وأبو حنيفة: لا يضرب الموصى له في حال الرد بأكثر من الثلث؛ لأنَّ ما جاوز الثلث باطلٌ، فكيف يضرب له به. وهذا القول قريب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣٤]: إذا أوصى لولد فلان، فهل يدخل فيهم الإناث ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٤٨): أَمَّا إذَا أَوْصَى لِوَلَدِهِ، أَوْ لِوَلَدِ فُلَانٍ؛ فَإِنَّهُ لِلذُّكُورِ، وَالْإِنَاثِ، وَالْخَنَاثَى. لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، نَفَى الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى