فتطهرين»، وفي رواية: «فإذا أنت قد طَهُرْتِ».
قلتُ: وهذه الأدلة ليست بصريحة، ولكن الظاهر أنها تفيد ذلك؛ لأنَّ صاحب الحدث الأكبر الجنب لا يخلو من حدث أصغر، ومع ذلك، فلم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في هذه الأحاديث بالوضوء، بل اكتفى بالغسل، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وهذا القول هو رواية عن أحمد، قال ابن القيم ﵀ في «بدائع الفوائد» (٤/ ٨٧): وهي الصحيحة دليلًا؛ لأنَّ حكم الحدث الأصغر قد اندرج في الأكبر، وصار جزءًا منه، فلم ينفرد بحكمٍ؛ لاسيما وكل ما يجب غسله من الحدث الأصغر يجب غسله في الأكبر، وزيادة. انتهى.
وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الإمام السعدي، ثم الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الذي نختاره، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: هل يجزئ غسل التنظف أو التبرد عن الوضوء ؟
من نوى بغسله التنظف، أو التبرد لم يجزئه عن الوضوء؛ لأن النبي ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات» وهو مقتضى قول أصحاب المذاهب الأربعة.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: الاستحمام إن كان عن جنابة؛ فإنه يكفي عن الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وإذا نوى بذلك رفع الجنابة، وتمضمض، واستنشق؛ فإنه يرتفع الحدث عنه الأصغر والأكبر.
стр. 422
وقال ﵀: أمَّا إذا كان الاستحمام لتنظفٍ، أو لتبردٍ؛ فإنه لا يكفي عن الوضوء؛ لأنَّ ذلك ليس من العبادة، وإنما هو من الأمور العادية، وإن كان الشرع يأمر بالنظافة، لكن النظافة لا على هذا الوجه، بل النظافة مطلقًا في أي شيء يحصل فيه التنظيف. اهـ (١)
وقال الإمام ابن باز ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٠/ ١٧٥): أما إذا كان الغسل مستحبًّا، كغسل الجمعة، أو للتبرد؛ فإنه لا يكفيه عن الوضوء، بل لابد من الوضوء قبله، أو بعده؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» متفق على صحته، ولا يعتبر الغسل المستحب، أو المباح تطهرًا من الحدث الأصغر إلا أن يؤديه كما شرعه الله في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦].
قال ﵀: وأما إن كان الغسل عن جنابة، أو حيض، أو نفاس، ونوى المغتسل الطهارتين؛ دخلت الصغرى في الكبرى؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق على صحته. اهـ. (٢)
مسألة [٦]: هل يجب الدلك على الأعضاء في الغسل ؟
• ذهب الجمهور إلى أنَّ الدلك سنةٌ، وليس بواجب، يدل على ذلك حديث الباب؛ فليس فيه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دلك جسده، ويدل عليه أيضًا حديث حديث أم
стр. 423
سلمة، وأبي ذر، وجبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، وقد تقدمت أحاديثهم، ولأنَّ الغسل في اللغة لا يشترط فيه الدلك.
• وخالف مالك، والمزني، وأبو العالية، وعطاء، فأوجبوا الدلك، والصحيح هو القول الأول. (١)
مسألة [٧]: الترتيب، والموالاة في أعضاء الوضوء في الغسل .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٩١): وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ وَلَا الْمُوَالَاةُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إذَا قُلْنَا: الْغُسْلُ يُجْزِئُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ دَخَلَتْ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى، فَسَقَطَ حُكْمُ الصُّغْرَى، نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ.
قَالَ: وَأَكْثُرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ تَفْرِيقَ الْغُسْلِ مُبْطِلًا لَهُ؛ إلَّا أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ: مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، فَأَرَى عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْغُسْلَ. وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ لَا يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ، فَلَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ. انتهى المراد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٩٦): وكذلك ليس عليه فعل الوضوء، ولا ترتيب، ولا موالاة عند الجمهور، وهو ظاهر مذهب أحمد. اهـ
وما رجَّحه ابن قدامة هو الراجح؛ لعدم وجود دليل على وجوب الترتيب، والموالاة في هذا الموضع، والله أعلم. (٢)
стр. 424
مسألة [٨]: هل يستحب غسل الجسد ثلاثًا في غسل الجنابة ؟
• استحب ذلك طائفة من أهل العلم، وهو قول إسحاق، وجماعة من الحنابلة، وأصحاب الشافعي، وأبي حنيفة، واستدلوا على ذلك بالقياس على الوضوء، وبالحديث: «ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات».
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم استحباب ذلك، وهو ظاهر كلام أحمد، والخرقي، وصرح به الماوردي من الشافعية، وأصحاب مالك؛ وذلك لعدم ثبوت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديثهم المتقدم فالمقصود به في غسل الرأس فقط، ولا يفيد ذلك التكرار في جميع الجسد.
وهذا القول هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الإمام العثيمين رحمة الله عليهما. (١)
مسألة [٩]: هل يجب إيصال الماء إلى أصول اللحية ؟
• قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢٧٢): ومذهب الشافعي وجوب إيصال الماء إلى باطن اللحية وإن كانت كثيفة في الجنابة دون الوضوء، وعن مالك في وجوب ذلك في الغسل روايتان، وأما أصحابنا يعني الحنابلة فيجب ذلك عندهم في المشهور، ولهم وجهٌ ضعيف أنه لا يجب، وحكي مثله عن المزني. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الظاهر أنه يجب أن يوصل الماء إلى بشرته كما أنه يجب عليه أن يغسل شعر رأسه حتى يصيب جميع بشرته، والله أعلم.
стр. 425
وهو ترجيح الإمام العثيمين ﵀ كما في «الشرح الممتع» (١/ ٣٠٤ - ٣٠٥).
مسألة [١٠]: متى يغسل قدميه ؟
• في حديث عائشة ﵂، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غسل قدميه مع الوضوء، وفي حديث ميمونة ﵂، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخَّرَ غسل رجليه إلى آخر الغسل؛ فعلى هذا يجوزالأمران.
• قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٤٩): وبحسب اختلاف هاتين الحالتين، اختلف نظر العلماء، فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين في الغسل، وعن مالك: إن كان المكان غير نظيف، فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية في الأفضل قولان. انتهى المراد.
هكذا قال الحافظ، وعزا إلى الجمهور تفضيل التأخير، وظاهر كلام ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢٤٨) أنَّ الجمهور على استحباب تقديم غسل الرجلين مع الوضوء؛ لحديث عائشة ﵂، فقد عزا القول بذلك للمشهور عند الحنابلة، وللمشهور عند الشافعية، وعزاه أيضًا لمالك، وعزا قولًا لأحمد بأنه مخير.
فائدة: قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٩٦): السُنَّةُ إذا غسل ما على فرجه من أذى أن يدلك يده بالأرض، ثم يغسلها. ثم استدل بحديث ميمونة.
مسألة [١١]: حكم التنشيف للأعضاء بعد الوضوء، والغسل .
لم يصح عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حديث، لا في إثباته، ولا في نفيه، وليس في الباب إلا حديث ميمونة المذكور في هذا الباب.
• فذهب بعض أهل العلم إلى كراهته؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ردَّ المنديل، ولم
стр. 426
يتمسح به.
وممن كره ذلك الحسن بن صالح، وابن مهدي، وبعض التابعين، ونقل رواية عن أحمد أنكرها الخلال، ولم يثبتها.
وجاءت كراهة ذلك عن جابر بن عبد الله (١)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وابن المسيب، وأبي العالية.
• واستدل بعضهم بحديث ميمونة نفسه على الجواز، بدليل إتيان ميمونة بالمنديل، فهذا يدل على مشروعية ذلك، وكذلك نفض النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الماء يدل على ذلك؛ إذ لا فرق بين نفضه، أو مسحه بمنديل.
وقد ذهب إلى جواز التمندل بعد الوضوء والغسل: (عثمان بن عفان، وأنس ابن مالك، والحسين بن علي، وبشير بن أبي مسعود) (٢)، والحسن، ومحمد بن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، ومالك، وسفيان، وأحمد، وأصحاب الرأي.
ذكر هذا الخلاف ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٤١٥ - ٤١٨)، ورجَّح الجواز، وهو الصحيح، والله أعلم. (٣)
стр. 427
ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: إذا أحدث المغتسل أثناء غسله ؟
• قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٩٠): فإنْ أحدث في أثناء غسله، أتمَّ غسله، وتوضأ، وبهذا قال عطاء، وعمرو بن دينار، والثوري، ويشبه مذهب الشافعي.
• وقال الحسن: يستأنف الغسل، ولا يصح؛ لأنَّ الحدث لا ينافي الغسل، فلا يؤثر وجوده فيه كغير الحدث. اهـ. (١)
مسألة [٢]: إذا اجتمع موجبان للغسل ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٩٢): إذَا اجْتَمَعَ شَيْئَانِ يُوجِبَانِ الْغُسْلَ، كَالْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ، أَوْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَالْإِنْزَالِ، فَنَوَاهُمَا بِطَهَارَتِهِ، أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا، قَالَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: عَطَاءٌ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَيُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ فِي الْحَائِضِ الْجُنُبِ، تَغْتَسِلُ غُسْلَيْنِ، وَلَنَا أَنَّ النبي ﷺ لَمْ يَكُنْ يَغْتَسِلُ مِنْ الْجِمَاعِ إلَّا غُسْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ؛ إذْ هُوَ لَازِمٌ لِلْإِنْزَالِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ؛ وَلِأَنَّهُمَا سَبَبَانِ يُوجِبَانِ الْغُسْلَ، فَأَجْزَأَ الْغُسْلُ الْوَاحِدُ عَنْهُمَا، كَالْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ إنْ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى كَالنَّوْمِ، وَخُرُوجِ
стр. 428
النَّجَاسَةِ، وَاللَّمْسِ، فَنَوَاهَا بِطَهَارَتِهِ، أَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، أَجْزَأَهُ عَنْ الْجَمِيعِ.
ثُمَّ قَال: وَإِنْ نَوَتْ الْمَرْأَةُ الْحَيْضَ دُونَ الْجَنَابَةِ، فَهَلْ يُجْزِئها عَنْ الْآخَرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُها عَنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ صَحِيحٌ نَوَت بِهِ الْفَرْضَ، فَأَجْزَأَها، كَمَا لَوْ نَوَت اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: يُجْزِئُها عَمَّا نَوَت دُونَ مَا لَمْ تَنْوِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». انتهى بتصرف.
وقد رجح الإمام العثيمين ﵀ القول بالإجزاء كما في «الشرح الممتع» (١/ ١٦٥ - ١٦٦).
فائدة: قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٩٨): يجب إيصال الماء إلى غضون البدن من الرجل والمرأة، وداخل السُّرَّة، وباطن الأذنين، والإبطين، وما بين الإليين، وأصابع الرجلين، ومما قد يغفل عنه: باطن الإليين، والإبط، والعُكَن، والسُّرَّة، فليتعهد كل ذلك، ويتعهد إزالة الوسخ الذي يكون في الصماخ. اهـ
وقال في «شرح مسلم» (٣/ ٢٣٣): وينبغي أن يتفطن لدقيقة قد يغفل عنها، وهي أنه إذا استنجى، وطهر محل الاستنجاء بالماء، فينبغي أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية غسل الجنابة؛ لأنه إذا لم يغسله الآن، ربما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصح غسله؛ لترك ذلك. اهـ
فائدة: إذا بقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء؛ فإنْ أخذ بللًا من شعر رأسه،
стр. 429
ثم غسلها، أجزأه، وإلا رجع وغسلها. (١)
فائدة: لا يجب غسل داخل العينين، ولا يستحب، كما تقدم في الوضوء، وقد جاء عن ابن عمر ﵄ أنه كان يغسل عينيه في غسله من الجنابة، وهو ثابت عنه كما في «سنن البيهقي» (١/ ١٧٧)، ولكنه اجتهاد منه، ولم يوافقه على ذلك أكثر أهل العلم، وبالله التوفيق. (٢)
стр. 430
١١٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الجَنَابَةِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَالحَيْضَةِ، قَالَ: «لَا، إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: نقض المرأة لشعر رأسها في غسل الجنابة، والحيضة .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المرأة لا يجب عليها نقض شعر الرأس؛ إلا أن لا يصل الماء إلى بشرة رأسها، فيجب عليها نقضه، سواء كانت حائضًا، أو جنبًا، ودليلهم هو وجوب إيصال الماء إلى جميع أجزاء الجسم.
وبعضهم استدل بحديث أبي هريرة الآتي، وهو ضعيفٌ، وقالوا: حديث أم سلمة محمولٌ على أنَّ الماء يصل إلى البشرة، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٣٣٢)(٦١) من حديث عائشة ﵂: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لأسماء بنت شكل في
стр. 431
غسل الحيض، والجنابة: «تأخذ إحداكن ماءها، فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تدلك رأسها حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض الماء عليها».
وحُكِي عن النخعي وجُوب نقضه مطلقًا، وصحَّ ذلك عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، كما في «صحيح مسلم» (٣٣١)، وأنكرت عليه عائشة ﵂.
• وذهب الحسن، وطاوس، وأحمد إلى وجوب نقضه في الحيضة دون الجنابة، واستدلوا على نقضه للحيض بحديث قصة عائشة في حجة الوداع، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لها: «انقضي رأسك، وامتشطي ... »، وفي رواية: «واغتسلي»، واستدلوا على عدم وجوبه في الجنابة بحديث أم سلمة الذي في هذا الباب.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور، وهو ترجيح الشيخ ابن باز، والشيخ محمد ابن إبراهيم، وأما حديث: «انقضي رأسك»، فقد قال الصنعاني: لا يخفى أن حديث عائشة كان في الحج؛ فإنها أحرمت بعمرة، ثم حاضت قبل دخول مكة، فأمرها -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تنقض رأسها، وتمتشط، وتغتسل، وتهل بالحج، وهي حينئذٍ لم تطهر من حيضها، فليس إلا غسل تنظيف، لا حيض، فلا يعارض حديث أم سلمة أصلًا. (١)
стр. 432
١١٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنِّي لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم لبث الحائض والجنب في المسجد وحكم المرور فيه .
• في المسألة أقوال:
القول الأول: أنه يحرم عليه المكث في المسجد جالسًا، أو قائمًا، أو مترددًا، ولو كان متوضئًا، ويجوز له العبور، سواء كان لحاجة أو لا، وهو مذهب الشافعية، وحكى ابن المنذر مثل هذا عن (ابن مسعود، وابن عباس) (٢)، وسعيد ابن المسيب، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وعمرو بن دينار، ومالك، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣]، والمقصود بالصلاة مواضع الصلاة، وهي المساجد؛ لأنَّ عبور السبيل ليس في الصلاة، إنما هو في مواضعها، واحتجوا بحديث عائشة
стр. 433
المذكور في هذا الباب.
القول الثاني: أنه يحرم عليه المُكْث، والمرور؛ إلا أنْ لا يجد بُدًّا منه، فيتوضأ، ثم يمر، وهذا القول حُكِيَ عن الثوري، وإسحاق، وأبي حنيفة، وأصحابه، واستدلوا بعموم الحديث: «لا أحل المسجد لحائضٍ، ولا جنب»، واستدلوا بحديث أبي سعيد عند الترمذي (٣٧٢٧): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لعلي: «يا علي، لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري، وغيرك»، معناه: لا يحل لأحد يستطرقه جنبًا غيري، وغيرك.
القول الثالث: يحرم المكث، والمرور، ويستباح بالوضوء، وهو قول أحمد، واستدل لذلك بما رواه عن أبي نعيم، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال: كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يتحدثون في المسجد، وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبًا، فيتوضأ، ثم يدخل المسجد، فيتحدث. وإسناده حسن، وهشام بن سعد، وإن كان ضعيفًا؛ إلا أنه أثبت الناس في زيد بن أسلم، قاله أبو داود.
القول الرابع: جواز المكث، والمرور، وهو قول المزني، وداود، وابن المنذر، وحُكِيَ عن زيد بن أسلم.
قلتُ: ويصلح أن يكون مذهب الصحابة الذي تقدم ذكرهم قريبًا في القول الثالث؛ لأنَّ الوضوء لا يرفع عنهم الجنابة.
وقد استدل أهل هذا القول بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ المسلم لا ينجس»، مع البراءة
стр. 434
الأصلية، مع ما ثبت من نوم أصحاب الصُّفَّة في المسجد، ومعلوم أنهم يحتلمون.
وكذلك المرأة السوداء التي كان لها خباء في المسجد، مع أنَّ المرأة يأتيها الحيض، وكذلك مكوث ثمامة، وهو مشرك في المسجد، وهو نجس، يدل على جوازه للمسلم الجنب، وهو غير نجس، وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح الشوكاني ﵀، والوادعي ﵀.
وأما الآية: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، فهي على ظاهرها، أنَّ الشخص لا يصلي وهو جنب؛ إلا أن يكون عابر سبيل، أي: مسافر، فله أن يتيمم، ويصلي.
وخصص عابر السبيل بالذكر؛ لكونه مظنَّة لعدم وجود الماء.
وهذا التفسير للآية مذكور عن (علي، وابن عباس) (١)، ومجاهد، وقتادة، والحكم، ومقاتل، وابن زيد، وغيرهم، كما في «زاد المسير» (٢/ ٩٠).
وأما حديث: «لا أحل المسجد ... »، فقد تقدم أنه ضعيفٌ، وأما حديث أبي سعيد الذي عند الترمذي، ففي إسناده: سالم بن أبي حفصة، وهو ضعيفٌ، بل أشد، وفيه: عطية العوفي، وهو ضعيفٌ، ومدلس، وقد استغرب الحديث البخاري.
وأما فعل الصحابة، ففعلهم أكثر أحواله أنه يدل على استحباب الوضوء، ولا ينافي ذلك ما رجحناه، والله أعلم. (٢)
стр. 435
١١٧ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ: وَتَلْتَقِي. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تطهر الرجل مع امرأته من إناء واحد .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٤/ ٢٤١): وأما تطهير الرجل والمرأة يعني زوجته من إناء واحد؛ فهو جائزٌ بإجماع المسلمين.
وقد نقل الإجماع أيضًا الطحاوي، والقرطبي.
وتعقبهم الحافظ في «الفتح» (١٩٣)، بأن ابن عبد البر قد حكى عن قوم الخلاف في ذلك.
والصحيح قول عامة أهل العلم، ولا يعول على هذا الخلاف الشاذ.
стр. 436
١١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا البَشَرَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَاهُ. (١)
١١٩ - وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوُهُ وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم غسل ما استرسل من الشعر .
• في المسألة قولان:
الأول: وجوب غسل ما استرسل منه، وهو مذهب الشافعي، وحماد، ومالك، ووجهٌ عند الحنابلة، واستدلوا بحديث أبي هريرة، وعائشة اللَّذَيْنِ في الباب، وبحديث علي بن أبي طالب ﵁ عند أبي داود (٢٤٩) مرفوعًا: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء، فعل به من النار كذا وكذا»، قال علي: فمن ثمَّ عاديت شعري، قال: وكان يجزُّه. وهذا الحديث ضعيفٌ، في إسناده: عطاء بن السائب، رواه عنه حماد بن سلمة، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، وبعده، فيما رجحه ابن المديني، وغيره؛ فالحديث ضعيفٌ، وليس فيه تعرض لغسل الشعر، إنما فيه الأمر بتعميم الغسل للبدن، ومنه بشرة الرأس. وجاء هذا القول عن ابن
стр. 437
عباس بإسناد ضعيف؛ فيه مندل العنزي، وهو ضعيف.
الثاني: عدم وجوب غسل ما استرسل من الشعر، وهو قول الحنفية، ووجهٌ عند الحنابلة، ورواية عن مالك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لأم سلمة: «يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات»، مع إخبارها إياه بشد ضفر رأسها، ومثل هذا لا يبل الشعر المشدود ضَفْرُه بالعادة، ولأنه لو وجب بَلُّهُ؛ لوجب نقضه، ليعلم أنَّ الغسل قد أتى عليه.
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (١)
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣٠٢): وأما الحاجبان؛ فيجب غسلهما؛ لأنَّ من ضرورة غسل بشرتهما غسلهما، وكذا كل شعر من ضرورة غسل بشرته غسله، فيجب غسله ضرورة أنَّ الواجب لا يتم إلا به. اهـ
стр. 438
فَصْل فِي مَسَائِلَ أُخْرى مُلْحَقَةٌ فِي هَذَا البَابِ
مسألة [١]: من موجبات الغسل الحيض، والنفاس .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٤٨): أجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض، وبسبب النفاس، وممن نقل الإجماع فيهما ابن المنذر، وابن جرير الطبري، وآخرون. اهـ
قلتُ: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]. والنفاس، حيض مجتمع. (١)
مسألة [٢]: إذا عريت الولادة من الدم، فهل عليها غسل ؟
• في المسألة قولان، وهما وجهان عند الشافعية، والحنابلة.
قال ابن قدامة ﵀: وعدم وجوب الغسل هو الصحيح؛ فإنَّ الوجوب بالشرع، ولم يَرِدْ بالغسل ههنا، ولا هو في معنى المنصوص؛ فإنه ليس بدم، ولا مني، وإنما ورد الشرع بالإيجاب بهذين الشيئين، وقولهم: (إنه مظنة للنفاس الموجب، فقامت مقامه في الإيجاب)، قلنا: المظان إنما يعلم جعلها مَظَنَّة بنص، أو إجماع، ولا نصَّ في هذا، ولا إجماع. انتهى بتصرف.
وما رجَّحه ابن قدامة هو الراجح، والله أعلم. (٢)
واغتسال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الإغماء ثابتٌ في «الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂.
مسألة [٥]: الجنب إذا أراد أن يأكل .
أخرج مسلم في «صحيحه» (٣٠٥)، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا كان جُنبًا، فأراد أن يأكل، أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة. فهذا الحديث يدل على استحباب الوضوء للجنب إذا أراد أن يأكل، ولا يجب عليه هذا الوضوء.
قال الشوكاني ﵀ في «النيل» (١/ ٣٣٣): وأما من أراد أن يأكل، أو يشرب، فقد اتفق الناس على عدم وجوب الوضوء عليه. اهـ. (٢)
مسألة [٦]: غسل العيدين .
لم يصح في غسل العيدين حديث مرفوعٌ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد جاء من حديث الفاكه بن سعد عند ابن ماجه (١٣١٦)، وأحمد (٤/ ٧٨)، وفي إسناده: يوسف بن خالد السمتي، وهو كذابٌ، وضَّاعٌ، وجاء من حديث ابن عباس عند ابن ماجه (١٣١٥)، وفي إسناده: جبارة بن المغلس، وهو شديد الضعف، بل قد كُذِّب، وكذلك حجاج بن تميم، قال فيه النسائي: ليس بثقة.
وأخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (٦٤٨) من حديث أبي رافع، وفي إسناده: محمد بن عبيدالله، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيفُ
стр. 441
الحديث جدًّا. وقال الدارقطني: منكر الحديث. وفيه أيضًا: مندل العنزي، وهو ضعيفٌ. (١)
قال البزار ﵀: لا أحفظ في الاغتسال في العيدين حديثًا صحيحًا. وقال ابن الملقن في «البدر المنير»: أحاديث غسل العيدين ضعيفةٌ، وفيه آثار عن الصحابة جيدة. اهـ. (٢)
وقد صحَّ عن علي بن أبي طالب بإسناد صحيح عند البيهقي (٣/ ٢٧٨)، أنَّ رجلًا سأله عن الغسل؟ فقال: اغتسل كل يوم، إن شئت. فقال: لا، الغسل الذي هوالغسل؟ فقال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر.
وصحَّ في «موطإِ مالك» عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو. وأخرجه البيهقي (٣/ ٢٧٨)، وأخرج الأثرين أيضًا ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٢٥٦).
• وقد ذهب أهل العلم إلى استحباب الغسل يوم العيد، وممن ذهب إلى ذلك: عروة، والنخعي، والشعبي، وقتادة، وأبو الزناد، وأحمد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، وغيرهم، واستدلوا بما تقدم من الأحاديث، والآثار.
قال ابن قدامة ﵀: ولأنه يوم يجتمع الناس فيه للصلاة، فاستحب الغسل فيه كيوم الجمعة. اهـ. (٣)
стр. 442
مسألة [٧]: غسل الإحرام .
ثبت عند الدارمي، والترمذي، والدارقطني عن زيد بن ثابت، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تجرد لإهلاله، واغتسل. (١)
وثبت عند البزار كما في «كشف الأستار» (١٠٨٤) من حديث ابن عمر، وهو في «الصحيح المسند» أنه قال: «من السنة أن يغتسل المحرم، إذا أراد أن يحرم».
قال النووي ﵀: اتفق العلماء على أنه يستحب الغسل عند إرادة الإحرام بحج، أو عمرة، أو بهما، وسواء كان إحرامه من الميقات الشرعي، أو غيرهن ولا يجب هذا الغسل، وإنما هو سنة متأكدة، يكره تركها، نصَّ عليه الشافعي في «الأم»، واتفق عليه الأصحاب. اهـ
والقول بالاستحباب قول أكثر أهل العلم، وهو الصحيح.
وقد خالف بعضهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله في [كتاب الحج].
مسألة [٨]: غسل دخول مكة .
أخرج البخاري، ومسلم في «صحيحيهما» (٢) عن ابن عمر ﵄، أنه كان لا يدخل مكة حتى يبيت بذي طوى، ثم يصبح، ويغتسل، ويدخل مكة نهارًا، ويذكر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه فعله.
قال ابن المنذر ﵀ كما في «الفتح» (١٥٧٣): الاغتسال عند دخول مكة مستحبٌ عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم: يجزئ الوضوء. اهـ
стр. 443
بَابُ التَّيَمُّمِ
تعريفه:
لغة: القصد، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧].
وقال الشاعر:
وما أدري إذا يممت أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي لا يأتليني
وشرعًا: هو قصد الصعيد الطيب لمسح الوجه، واليدين، بنية التطهر للصلاة، ونحوها. (١)
مشروعيته: هو مشروع بالكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦].
وأما السنة: فالأحاديث فيه كثيرة، سيأتي بعضها في هذا الباب.
وأما الإجماع: فأجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة. (٢)
стр. 444
١٢٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيت خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ»، وَذَكَرَ الحَدِيثَ. (١)
١٢١ - وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدِ المَاءَ». (٢)
١٢٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ [﵁] عِنْدَ أَحْمَدَ: «وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا». (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: التيمم في السفَر .
أجمع العلماء على مشروعية التيمم في السفر في الجملة. «تفسير القرطبي» (٥/ ٢١٨).
مسألة [٢]: التيمم في الحضر .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى مشروعيته؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «التيمم وضوء المسلم ... » الحديث، وقوله: «وجُعِلت لي الأرض مسجدًا، وطهورًا»، وتيممه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند أن سلَّم عليه الرجل، وغيرها من الأدلة.
стр. 445
• وذهب أبو حنيفة إلى عدم مشروعية التيمم في الحضر؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء:٤٣].
وأجاب الجمهور: بأنَّ هذا القيد خرج مخرج الغالب؛ لأنَّ غالب من يعدم الماء هو المسافر، والله أعلم.
فإذا تيمم، وصلَّى، ثم وجد الماء في الوقت، فلا إعادة عليه على الصحيح؛ لأنه صلاها بطهارة كاملة، وهذا قول مالك، ورواية عن أحمد، خلافًا للشافعي، ورواية عن أحمد؛ فإنهم رأوا عليه الإعادة. (١)
مسألة [٣]: هل التيمم رافعٌ للحدث، أم مبيحٌ لما تجب له الطهارة فقط ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ التيمم ليس رافعًا للحدث، وإنما هو مبيح للصلاة، ونحوها، وهو مذهب أحمد في المشهور عنه، وكذلك مالك، والشافعي، وغيرهم، واستدلوا بحديث أبي هريرة، وأبي ذر: «الصعيد وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء، فليتق الله، وليمسه بشرته» (٢)، ومما يستدل لهم به: وقوع الإجماع على أنَّ الماء إذا وُجِدَ لا تصح طهارة التيمم.
قال ابن عبد البر ﵀ في «الاستذكار» (٢/ ١٤): أجمع العلماء على أن طهارة التيمم لا ترفع الحدث إذا وُجِدَ الماء، بل متى وجد أعاد الطهارة، جُنبًا كان، أو مُحدِثًا. اهـ
قالوا: فهذا يدلُّ على أنَّ حدثه لم يرتفع.
стр. 446
• وذهب أبو حنيفة، وداود الظاهري، وبعض المالكية، ورواية عن أحمد إلى أنه يرتفع حدثه، واستدلوا بحديث جابر، وحذيفة، وعلي المتقدمة في الباب؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سمَّى التراب، والأرض طهورًا، والطهور اسم متعدي، أي: يُكسب غيره الطهارة، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، واستدلوا بحديث أبي هريرة، وأبي ذر: «الصعيد الطيب طهور المسلم»، فهذا نَصٌّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه يطهره، وليس لمجرد الاستباحة.
وهذا القول هو الراجح، وقد رجَّحه جمع من الحفاظ، والمحققين، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٣٦)، وابن القيم في «زاد المعاد» (١/ ٢٠٠)، والصنعاني في «سبل السلام» (١/ ١٩٩)، والشيخ عبد الرحمن السعدي في «المختارات الجلية» (ص ٢٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز، كما في «غاية المرام» (٢/ ٣٧٠)، والشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع» (١/ ٣١٤).
وأجاب هؤلاء عن الجمهور: بأنَّ رفع الحدث مؤقت إلى أن يجد الماء، أو يستطيع استعماله، وعلى هذا، فلا تعارض بين هذا القول، وبين أدلة الجمهور، والله أعلم. (١)
فائدة: قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٣١٥): ويترتب
стр. 447
على هذا الخلاف:
أ) إذا قلنا: إنه مبيح، إذا نوى التيمم عن عبادة، لم يستبح به ما فوقها، فإذا تيمم لنافلة، لم يصل به فريضة؛ لأنَّ الفريضة أعلى، وإذا تيمم لِمَسِّ المصحف، لم يُصَلِّ به نافلة؛ إذ الوضوء للنافلة أعلى، فهو مُجْمَعٌ على اشتراطه، بخلاف الوضوء لِمَسِّ المصحف، وهكذا، وإذا قلنا: إنه رافعٌ، فإذا تيمم لنافلة جاز أن يصلي به فريضة، وإذا تيمم لفريضة، جاز أن يصلي به نافلة.
ب) إذا قلنا: إنه مبيحٌ، إذا خرج الوقت بطلَ؛ لأنَّ المبيح يقتصر فيه على قدر الضرورة، فإذا تيمم للظهر مثلًا، ولم يحدث حتى دخل وقت العصر، فعليه أن يعيد التيمم، وعلى القول بأنه رافعٌ، لا يجب عليه إعادة التيمم، ولا يبطل بخروج الوقت.
ج) إذا قلنا: إنه مبيحٌ اشترط أن ينوي ما يتيمم له، فلو نوى رفع الحدث فقط، لم يرتفع، وعلى القول بأنه رافع، لا يشترط ذلك، فإذا تيمم لرفع الحدث فقط، جاز. انتهى.
مسألة [٤]: هل يشترط للتيمم نية ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣٢٩): لا نعلم خلافًا في أنَّ التيمم لا يصلح إلا بنية، غير ما حُكِي عن الأوزاعي، والحسن بن صالح، أنه يصح بغير نية، وسائر أهل العلم على إيجاب النية فيه، وممن قال ذلك: ربيعة، ومالك، والليث، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
стр. 448
والراجح هو قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات».
مسألة [٥]: ماذا يشترط للتيمم ؟
• جاء في حديث حذيفة عند مسلم: «إذا لم نجد الماء»، ويقول الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٤٣/المائدة:٦].
فهذان الدليلان يدلان على اشتراط طلب الماء قبل التيمم، وهو مذهب أحمد، والشافعي.
• وذهب أبو حنيفة، وهو رواية عن أحمد إلى عدم اشتراط طلب الماء؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأبي ذر: «الصعيد الطيب وضوء المسلم مالم يجد الماء»؛ ولأنه غير عالم بوجود الماء قريبًا منه، فأشبه ما لو طلب، فلم يجد.
والقول الأول هو الراجح؛ لدلالة الأدلة المتقدمة على ذلك، وقد دلَّ الدليلان المتقدمان أيضًا على أنه يشترط للتيمم إعواز الماء بعد الطلب.
قال ابن قدامة ﵀: ولا خلاف في اشتراطه. (١)
مسألة [٦]: صفة طلب الماء .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣١٤): وَصِفَةُ الطَّلَبِ أَنْ يَطْلُبَ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ إنْ رَأَى خُضْرَةً، أَوْ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى الْمَاءِ، قَصَدَهُ، فَاسْتَبْرَأَهُ، وَإِنْ كَانَ
стр. 449
بِقُرْبِهِ رَبْوَةٌ، أَوْ شَيْءٌ قَائِمٌ، أَتَاهُ وَطَلَبَ عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَظَرَ أَمَامَهُ وَوَرَاءَهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ رُفْقَةٌ يُدِلُّ عَلَيْهِمْ طَلَبَ مِنْهُمْ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْمَكَانِ سَأَلَهُ عَنْ مِيَاهِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَهُوَ عَادِمٌ، وَإِنْ دُلَّ عَلَى مَاءٍ، لَزِمَهُ قَصْدُهُ إنْ كَانَ قَرِيبًا، مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ يَخْشَى فَوَاتَ رُفْقَتِهِ، وَلَمْ يَفُتْ الْوَقْتُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. انتهى.
وقال الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» (١/ ١٢٨): وأما إيجاب الطلب إلى آخر الوقت، فلم يدل عليه دليل، لا من كتاب، ولا سنة، ولا قياس صحيح، ولا إجماع. انتهى.
مسألة [٧]: هل يشترط لصحة التيمم دخول الوقت ؟
• ذهب أحمد، والشافعي، ومالك إلى اشتراط دخول الوقت؛ لأنه طهارةُ ضرورة، فلم يجز قبل الوقت، كطهارة المستحاضة، قالوا: وإذا كانت نافلة، لم يجز التيمم لها في وقت نهي عن فعلها فيه؛ لأنه ليس بوقتها، وإن كانت فائتة، جاز التيمم له في كل وقت؛ لأن فعلها جائز في كل وقت.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يصح التيمم قبل وقت الصلاة؛ لأنها تبيح الصلاة، فأبيح تقديمها على وقت الصلاة، كسائر الطهارات، وروي عن أحمد أنه قال: القياس أن التيمم بمنزلة الطهارة حتى يجد الماء، أو يحدث؛ فعلى هذا يجوز قبل الوقت.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: وهذا القول هو الراجح.
стр. 450
وقد رجحه شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٥٢، ٤٣٨)، وابن القيم في «زاد المعاد» (١/ ٢٠٠)، وكذا الشوكاني، والصنعاني، والشيخ عبدالرحمن السعدي، والشيخ عبد العزيز بن باز، كما في «غاية المرام» (٢/ ٣٧٣).
قال شيخ الإسلام ﵀: وإذا كان قد جعل المتيمم مطهرًا، كما أن المتوضئ مطهر، ولم يقيد ذلك بوقت، ولم يقل: إنَّ خروج الوقت يبطله، كما ذكر أنه يبطله القدرة على استعمال الماء، دلَّ ذلك على أنه بمنزلة الماء عند عدم الماء، وهو موجب الأصول. اهـ
وقال أيضًا: وعلى هذا القول الصحيح يتيمم قبل الوقت إن شاء، ويصلي، ما لم يحدث، أو يقدر على استعمال الماء. اهـ «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٥٢،٤٣٨).
وقال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» (١/ ٣٩٨): لم يرد دليل على عدم الإجزاء يعني إجزاء التيمم قبل الوقت والمراد بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، إذا أردتم القيام، وإرادة القيام تكون في الوقت، وقبل الوقت، فلم يدل دليل على اشتراط الوقت. (١)
فائدة: إذا تيقن عدم وجود ماء في المنطقة التي هو فيها، فلا يلزمه الطلب، والبحث عن الماء.
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٢٤٩): وقال جماعات من الخراسانيين: إن تحقق عدم الماء حواليه، لم يلزمه الطلب، وبهذا قطع إمام
стр. 451
الحرمين، والغزالي، وغيرهما. قال إمام الحرمين: إنما يجب الطلب إذا توقع وجود الماء توقعًا قريبًا، أو مستبعدًا؛ فان قطع بأن لا ماء هناك، بأن يكون في بعض رمال البوادي، فيعلم بالضرورة استحالة وجود ماء، لم نكلفه التردد لطلبه؛ لأن طلب ما يعلم استحالة وجوده محال. انتهى المراد بتصرف يسير.
стр. 452
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: إذا وجد الماء بثمن .
قال ابن قدامة ﵀: وَإِنْ بُذِلَ لَهُ مَاءٌ لِطَهَارَتِهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، وَلَا مِنَّةَ فِي ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ إلَّا بِثَمَنٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَبُذِلَ لَهُ الثَّمَنُ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ تَلْحَقُ بِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ يُبَاعُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ، يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ، لِقُوتِهِ وَمُؤْنَةِ سَفَرِهِ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ كَثِيرَةً تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً، لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيمَنْ بُذِلَ لَهُ مَاءٌ بِدِينَارٍ، وَمَعَهُ مِائَةٌ.
فَيَحْتَمِلُ إذَنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ، بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي الزِّيَادَةِ الْكَثِيرَةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهَا، كَمَا لَوْ خَافَ لِصًّا يَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ، وَلَا كَثِيرَةٍ لِذَلِكَ. انتهى المراد.
وقول الشافعي عزاه النووي في «المجموع» (٢/ ٢٥٥) للجمهور.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٣١٨): والصواب أنه إذا كان واجدًا لثمنه، قادرًا عليه، أنه يجب عليه أن يشتريه، والدليل على ذلك قوله
стр. 453
تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، فالله اشترط للتيمم عدم الماء، والماء هنا موجود، ولا ضرر عليه في شرائه؛ لقدرته عليه. اهـ. (١)
قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (١/ ٢٠٨): وألحقت الأمةُ وَاجِدَ ثمن الماء بِوَاجِدِهِ. اهـ
مسألة [٢]: إذا وهب له الماء، أو ثمنه ؟
تقدم كلام ابن قدامة ﵀ في المسألة السابقة.
وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٢٥٣): إذا وهب له الماء، لزمه قبوله، هذا هو الصحيح، المنصوص؛ لأنَّ الماء لا يُمَنُّ به في العادة، ولو وهب له ثمن الماء، لم يلزمه قبوله بالاتفاق يعني اتفاق الشافعية ونقل إمام الحرمين الإجماع فيه. اهـ
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٢٥٣): وأما هبة آلة الاستسقاء، فكهبة ثمن الماء، ذكره القاضي حسين، وإمام الحرمين، والغزالي، والمتولي، والبغوي، وآخرون، وأما إعارتها، فقطع الجمهور بوجوب قبولها مطلقًا، وهو الصحيح. اهـ
مسألة [٣]: لو وجد من يبيعه الماء بثمن مؤجل .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٢٥٥): ولو وجد من يبيعه الماء بثمن مؤجل؛ فإن لم يكن له مالٌ غائب، لم يلزمه شراؤه بلا خلاف يعني عند الشافعية، وإن كان، فوجهان، الصحيح: يلزمه شراؤه. اهـ
стр. 454
وهذا الوجهان هما وجهان أيضًا عند الحنابلة. (١)
مسألة [٤]: من يلتحق بعادم الماء .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣١٥): وَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَبُعٌ، أَوْ عَدُوٌّ، أَوْ حَرِيقٌ، أَوْ لِصٌّ؛ فَهُوَ كَالْعَادِمِ، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ بِمَجْمَعِ الْفُسَّاقِ، تَخَافُ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْهُمْ؛ فَهِيَ عَادِمَتُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ عِنْدَ رَحْلِهِ، فَخَافَ إنْ ذَهَبَ إلَى الْمَاءِ ذَهَبَ شَيْءٌ مِنْ رَحْلِهِ، أَوْ شَرَدَتْ دَابَّتُهُ، أَوْ سُرِقَتْ، أَوْ خَافَ عَلَى أَهْلِهِ لِصًّا، أَوْ سَبُعًا، خَوْفًا شَدِيدًا؛ فَهُوَ كَالْعَادِمِ، وَمَنْ كَانَ خَوْفُهُ جُبْنًا، لَا عَنْ سَبَبٍ يُخَافُ مِنْ مِثْلِهِ، لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ. انتهى المراد بتصرف يسير.
قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (١/ ٢٠٨): وألحقت الأمة من خاف على نفسه، أو بهائمه من العطش إذا توضأ بالعادم؛ فجوزت له التيمم وهو واجد للماء، وألحقت من خشي المرض من شدة برد الماء بالمريض في العدول عنه إلى البدل. اهـ
مسألة [٥]: إذا وجد الجنب ما يكفي بعض أعضائه، ومثله المحدِث حدثًا أصغر ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣١٤): وَإِذَا وَجَدَ الْجُنُبُ مَا يَكْفِي بَعْضَ أَعْضَائِهِ، لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَيَتَيَمَّمُ لِلْبَاقِي. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، وَمَعْمَرٌ، وَنَحْوَهُ قَالَ عَطَاءٌ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ،
стр. 455
وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي: يَتَيَمَّمُ، وَيَتْرُكُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ لَا يُطَهِّرُهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِعْمَالُهُ، كَالْمُسْتَعْمَلِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وَخَبَرُ أَبِي ذَرٍّ شَرَطَ فِي التَّيَمُّمِ عَدَمَ الْمَاءِ، وَهَذَا وَاجِدٌ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». انتهى بتصرف.
والراجح هو القول الأول، وهو الذي رجَّحه ابن قدامة، ورجحه الشوكاني في «النيل»، ونقله عن المجد ابن تيمية، وهو ترجيح النووي في «شرح المهذب» (٢/ ٢٦٨)، ورجحه الإمام ابن باز ﵀ كما في «فتاوى اللجنة» (٥/ ٣٣٧)، والشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع» (١/ ٣٢٢)، وقد عزا القول الآخر النووي في «شرح المهذب» (٢/ ٢٦٨) للجمهور، والخلاف في المحدث حدثًا أصغر كالخلاف السابق، كما ذكر ذلك النووي في المصدر المذكور.
مسألة [٦]: إذا كان معه ماء قبل الوقت، ففرط فيه ؟
قال ابن قدامة ﵀: إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ، فَأَرَاقَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ، أَوْ مَرَّ بِمَاءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَتَجَاوَزَهُ، وَعَدِمَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَلَا إِعَادَة، وَإِلَّا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ. وَلَنَا: أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ. والرَّاجح قول أحمد، والشافعي. (١)
стр. 456
قال ابن قدامة ﵀: وَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، أَوْ مَرَّ بِهِ فِي الْوَقْتِ، فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ، ثُمَّ عَدِمَ الْمَاءَ، يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ. اهـ
وهذان الوجهان عند الشافعية أيضًا، والصحيح أنه لا إعادة عليه، وعليه الإثم إذا فعل ذلك لغير غرض شرعي، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: لو وَهَبَ الماءَ بعد دخول الوقت .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣١٨): وَإِنْ وَهَبَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ، وَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَوْ تَيَمَّمَ مَعَ بَقَاءِ الْمَاءِ، لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ الْمَوْهُوبُ لَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَرَاقَهُ. اهـ
والذي رجَّحه ابن قدامة هو الأصح عند الشافعية فيما ذكره النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٣٠٨).
стр. 457
١٢٣ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْت، فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: «إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك هَكَذَا»، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: التيمم عن الحدث الأصغر .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٢٠٧): يجوز التيمم عن الحدث الأصغر بالكتاب، والسنة، والإجماع. اهـ
قلتُ: ووجه الدلالة على ذلك من حديث الباب أنه إن شرع التيمم لرفع الحدث الأكبر؛ كان ذلك تنبيهًا على شرعيته لرفع الحدث الأصغر؛ لأنه أخف، فهو أولى، والله أعلم.
مسألة [٢]: التيمم عن الحدث الأكبر .
• دلَّ حديثُ عمار الذي في هذا الباب على جواز التيمم من الحدث الأكبر،
стр. 458
ويؤيده الآية التي في المائدة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:٦].
وقد ذهب إلى ذلك كافة العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم؛ إلا عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وإبراهيم النخعي؛ فإنهم منعوه. (١)
والأثران عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود ثابتان في «الصحيحين». (٢)
وقد احتج عمار بن ياسر على عمر بن الخطاب بهذا الحديث، فلم يتذكره عمر، وقال لعمار: نولك ما توليت.
واحتج أبو موسى على عبد الله بن مسعود بالآية، والحديث عن عمار، فاحتج ابن مسعود بأن عمر لم يقنع بقول عمار، وأجاب عن الآية بقوله: لو رخص لهم؛ لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا.
والصحيح قول الجمهور، وبالله التوفيق.
مسألة [٣]: بمَ يسوغُ التيمم ؟
• في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنه لا يجوز إلا بالتراب، وهذا قول الشافعي، وأحمد، وابن المنذر، وداود.
وقال النووي ﵀ في «المجموع»: قال الأزهري، والقاضي أبو الطيب: هو
стр. 459
قول أكثر الفقهاء. واستدل هؤلاء بحديث حذيفة الذي تقدم: «وجُعِلت تربتها لنا طهورًا»، وبحديث علي ﵁: «وجعل التراب لي طهورًا»، فخَصَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه.
واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦]، وهذا يقتضي أن يمسح بماله غبار يعلق بعضه بالعضو؛ لأن (من) تبعيضية، ويدل على ذلك حديث عمار؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّمَهُ التيمم أن يضرب بيديه الأرض، وفي الحديث أنه نفضهما، وفي رواية: «نفخ فيهما».
القول الثاني: أنه يجوز بكل ما صَعُدَ على ظهر الأرض من تراب، أو رمل، أو حجر.
وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام، وابن القيم.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:٦]، والصعيد كل ما ظهر على وجه الأرض.
وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وجُعِلَت لِيَ الأرض مسجدًا، وطهورًا».
وجاء في حديث أبي أمامة ﵁: «حيثما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة، فعنده طهوره، ومسجده»، وفي إسناده: سيار الأموي، مجهول حال، والحديث عند أحمد (٥/ ٢٥٦)، وغيره.
стр. 460
قالوا: وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسافر في الأرض الرملية كما في غزوة تبوك، ولم ينقل أنه حُمِلَ معه ترابٌ، أو صلى بغير طهور.
وقالوا: حديث عمار يدل على عدم اشتراط التراب؛ لأنه نفضهما، ونفخ التراب، ولو كان يشترط لم يفعل ذلك، وأما الآية التي استدل بها الجمهور؛ فإنَّ (من) ليست للتبعيض، وإنما لابتداء الغاية، وقد رجَّح هذا القول الشيخ السعدي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما.
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول، وهو ترجيح النووي، والشيرازي، والخِرَقِي، وابن قدامة، وابن رجب الحنبلي، وابن عبدالبر، والشوكاني، وشمس الحق العظيم آبادي، ثم الشيخ يحيى الحجوري عافاه الله. (١)
وأما أدلتهم فهي عامة مخصوصة بأدلة الجمهور، كحديث حذيفة، وحديث علي ﵄.
وأما نفخ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للغبار؛ فإنما هو لتخفيفه، لا لإزالته؛ لأنه لا يزول بمجرد النفخ، أو النفض اليسير، كما هو ظاهرُ الحديث، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤]: إذا خالط الترابَ غيرُه من الطاهرات ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣٢٧): إذَا خَالَطَ التُّرَابُ مَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، كَالنُّورَةِ، وَالزِّرْنِيخِ، وَالْجِصِّ، فَقَالَ الْقَاضِي: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ إذَا