← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وأجاب الجمهور بأنه يصح تمليكها بعقد المعاوضة، فتصح الوصية بها كالأعيان. ويُعتبر عند الجمهور خروجها من ثلث المال؛ فإن لم تخرج من الثلث؛ أُجيز منها بقدر الثلث، وبهذا قال الشافعي، وأحمد. وقال مالك: إذا أوصى بخدمة عبده سنة؛ فلم يخرج من الثلث، فالورثة بالخيار: بين تسليم خدمته سنة، وبين تسليم ثلث المال. وقال أصحاب الرأي، وأبو ثور: إذا أوصى بخدمة عبده سنة؛ فإنَّ العبد يخدم الموصى له يومًا، والورثة يومين، حتى يستكمل الموصى له سنة؛ فإن أراد الورثة بَيع العبد بِيْعَ على هذا. وأجاب الجمهور بأنها وصية صحيحة؛ فوجب تنفيذها على صفتها إن خرجت من الثلث، أو بقدر ما يخرج من الثلث منها كسائر الوصايا. وقول أحمد، والشافعي هو الأقرب، والله أعلم. مسألة [٢٩]: كيفية تقويم المنفعة . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٥٩ - ٤٦٠): إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى أُرِيدَ تَقْوِيمُهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِمُدَّةٍ؛ قُوِّمَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الْمَنْفَعَةُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَيُنْظَرُ كَمْ قِيمَتُهَا. وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ، فَقَدْ قِيلَ: تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ بِمَنْفَعَتِهَا جَمِيعًا، وَيُعْتَبَرُ

стр. 3957

خُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ عَبْدًا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ، وَشَجَرًا لَا ثَمَرَ لَهُ، لَا قِيمَةَ لَهُ غَالِبًا. وَقِيلَ: تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَالْمَنْفَعَةُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ. وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَوَّمَ الْعَبْدُ بِمَنْفَعَتِهِ، فَإِذَا قِيلَ: قِيمَتُهُ مِائَةٌ. قِيلَ: كَمْ قِيمَتُهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ؟ فَإِذَا قِيلَ: عَشَرَةٌ. عَلِمْنَا أَنَّ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ تِسْعُونَ. اهـ (١) تنبيه: إذا أراد الموصى له إجارة العبد، والدار في المدة التي أوصي له بنفعها؛ جاز، وبه قال الشافعي، وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إجارة المنفعة المستحقة بالوصية؛ لأنه إنما أوصى له باستيفائها. وأجاب الجمهور بأنه يملك منفعته ملكًا تامًّا؛ فجاز أخذ العوض عنها بالأعيان كما لو ملكها بالإجارة. (٢) مسألة [٣٠]: النفقة على العبد والحيوان الموصى بنفعه . • من أهل العلم من قال: النفقة على مالك الرقبة، وهو قول جماعة من الحنابلة، وأبي ثور، والأظهر عند الشافعية؛ لأنه ملك لهم، فوجبت النفقة عليهم كالعبد الذي لا ينفع. • وذهب بعض الشافعية والحنابلة، وأصحاب الرأي إلى أنَّ النفقة على مالك المنفعة.

стр. 3958

ورجَح ابن قدامة ﵀ هذا القول، فقال: وَهَذَا أَصَحُّ إنْ شَاءَ الله تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَفْعَهُ عَلَى التَّأْبِيدِ؛ فَكَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ، كَالزَّوْجِ، وَلِأَنَّ نَفْعَهُ لَهُ، فَكَانَ عَلَيْهِ ضُرُّهُ، كَالْمَالِكِ لَهُمَا جَمِيعًا، يُحَقِّقُهُ أَنَّ إيجَابَ النَّفَقَةِ عَلَى مَنْ لَا نَفْعَ لَهُ ضَرَرٌ مُجَرَّدٌ، فَيَصِيرُ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ: أَوْصَيْت لَك بِنَفْعِ عَبْدِي، وَأَبْقَيْت عَلَى وَرَثَتِي ضُرَّهُ. وَإِنْ وَصَّى بِنَفْعِهِ لَإِنْسَانٍ، وَلِآخَرَ بِرَقَبَتِهِ، كَانَ مَعْنَاهُ: أَوْصَيْت لِهَذَا بِنَفْعِهِ، وَلِهَذَا بِضُرِّهِ. وَالشَّرْعُ يَنْفِي هَذَا بِقَوْلِهِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». وَلِذَلِكَ جَعَلَ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ؛ لِيَكُونَ ضُرُّهُ عَلَى مَنْ لَهُ نَفْعُهُ. وَفَارَقَ الْمُسْتَأْجَرَ؛ فَإِنَّ نَفْعَهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْمُؤَجِّرِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْأَجْرَ عِوَضًا عَنْ مَنَافِعِهِ. وَقِيلَ: تَجِبُ نَفَقَتُهُ فِي كَسْبِهِ. وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى إيجَابِهَا عَلَى صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ مِنْ مَنَافِعِهِ، فَإِذَا صُرِفَ فِي نَفَقَتِهِ، فَقَدْ صُرِفَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمُوصَى بِهَا إلَى النَّفَقَةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ صُرِفَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ سِوَاهُ. اهـ قلتُ: وما صححه ابن قدامة هو الصواب، وهو المتعارف عليه عند الناس. (١) مسألة [٣١]: إذا أراد الورثة إعتاق العبد أو بيعه ؟ قال أبو محمد المقدسي ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٦١ - ٤٦٢): وَإِذَا أَعْتَقَ الْوَرَثَةُ الْعَبْدَ؛ عَتَقَ، وَمَنْفَعَتُهُ بَاقِيَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُعْتِقِ بِشَيْءٍ. وَإِنْ أَعْتَقَهُ صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ؛ لَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لِلرَّقَبَةِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا. وَإِنْ وَهَبَ صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ مَنَافِعَهُ لِلْعَبْدِ، وَأَسْقَطَهَا عَنْهُ؛ فَلِلْوَرَثَةِ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا

стр. 3959

يُوهَبُ لِلْعَبْدِ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ بَيْعَ الْعَبْدِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ، وَيُبَاعُ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ، وَيَقُومُ الْمُشْتَرِي مَقَامَ الْبَائِعِ، فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ. قال: لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ؛ فَصَحَّ بَيْعُهُ كَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إعْتَاقُهُ وَتَحْصِيلُ وَلَائِهِ، وَجَرُّ وَلَاءِ مَنْ يَنْجَرُّ وَلَاؤُهُ بِعِتْقِهِ، بِخِلَافِ الْحَشَرَاتِ. انتهى بتصرف. قال ذلك ردًّا على من منع من بيعه؛ لأنه مسلوب المنفعة، فأشبه الحشرات. مسألة [٣٢]: إذا أوصى بوصايا متعددة تجاوزت الثلث ؟ • عامَّةُ أهل العلم على أنهم يتحاصون فيها، ويدخل النقص عليهم جميعًا، كلٌّ بقدر ما أُوصي له، وذلك لأنَّ الوصايا عطايا معلقة بالموت، فكانت كلها في وقت واحد؛ فلا يقدم واحد، ويؤخر آخر. • وقال ابن حزم: يبدأ بالأول فالأول، فمن أوصي له أولًا؛ أُعطي، ثم الثاني، حتى يستكمل الثلث. وهذا القول غير صحيح؛ لما ذكرناه قريبًا، والله أعلم. • واختلف أهل العلم إذا كان في الوصايا عتق، هل يقدم العتق والباقي بالحصص، أم أن العتق يعمل كسائر الوصايا بالحصة؟ فقال بالأول بعض أهل العلم، منهم: شريح، ومسروق، وقتادة، والزهري، ومالك، وأحمد في رواية، والثوري، وإسحاق، والشافعي في قول؛ لأنَّ الله عز وجل

стр. 3960

حثَّ على العتق، ورغَّب فيه؛ فيقدم لتأكده. وقال بالثاني ابن سيرين، والشعبي، وأبو ثور، وأحمد في رواية، والشافعي في قول؛ لأنهم تساووا في سبب الاستحقاق، فتساووا فيه كسائر الوصايا، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٣٣]: إذا كان في الموصى لهم رجلٌ تجاوز وصيته الثلث منفردًا ؟ • مذهب الجمهور أنهم يتحاصون، ويُعطى بقدر ما أُوصي له، وإن تجاوز الثلث؛ لأنه فاضل بالوصية بذلك القدر، فاعتبرت تلك المفاضلة من الثلث، وكما اعتبرنا الزيادة على الثلث متفرقة؛ اعتبرناها إن كانت عند واحد. • وقال أبو ثور، وابن ا لمنذر، وأبو حنيفة: لا يضرب الموصى له في حال الرد بأكثر من الثلث؛ لأنَّ ما جاوز الثلث باطلٌ، فكيف يضرب له به. وهذا القول قريب، والله أعلم. (٢) مسألة [٣٤]: إذا أوصى لولد فلان، فهل يدخل فيهم الإناث ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٤٨): أَمَّا إذَا أَوْصَى لِوَلَدِهِ، أَوْ لِوَلَدِ فُلَانٍ؛ فَإِنَّهُ لِلذُّكُورِ، وَالْإِنَاثِ، وَالْخَنَاثَى. لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، نَفَى الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى

стр. 3961

جَمِيعًا، وَإِنْ قَالَ: لِبَنِيَّ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ. فَهُوَ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْخَنَاثَى. هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: هُوَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ وَهُمْ قَبِيلَةٌ؛ دَخَلَ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا؛ فَهُوَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ كُنَّ بَنَاتٍ لَا ذَكَرَ مَعَهُنَّ، فَلَا شَيْءَ لَهُنَّ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ غَلَبَ لَفْظُ التَّذْكِيرِ، وَدَخَلَ فِيهِ الْإِنَاثُ، كَلَفْظِ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ. قال: وَلَنَا أَنَّ لَفْظَ الْبَنِينَ يَخْتَصُّ الذُّكُورَ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات:١٥٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف:١٦]، وَقَالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران:١٤]، وَقَالَ: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَشْتَهُونَ الْبَنَاتِ، فَقَالَ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ [النحل: ٥٧ - ٥٨] الْآيَةَ، وَإِنَّمَا دَخَلُوا فِي الِاسْمِ إذَا صَارُوا قَبِيلَةً؛ لِأَنَّ الِاسْمَ نُقِلَ فِيهِمْ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْعُرْفِ، وَلِهَذَا تَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَنَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ. إذَا انْتَسَبَتْ إلَى الْقَبِيلَةِ، وَلَا تَقُولُ ذَلِكَ إذَا انْتَسَبَتْ إلَى أَبِيهَا. مسألة [٣٥]: إذا أوصى لبنات فلان هل يدخل فيه الذكور ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٥٠): دَخَلَ فِيهِ الْإِنَاثُ دُونَ غَيْرِهِنَّ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ كَوْنَهُ أُنْثَى. اهـ

стр. 3962

مسألة [٣٦]: إذا أوصى لولد فلان، فهل يدخل أولاد أولاده ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٥٠): وَإِنْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ، أَوْ لِبَنِي فُلَانٍ، وَلَمْ يَكُونُوا قَبِيلَةً؛ فَهُوَ لِوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ، وَأَمَّا أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِمْ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ لِوَلَدِ فُلَانٍ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ، أَوْ قَالَ: وَلَا يُعْطَى وَلَدُ الْبَنَاتِ شَيْئًا. أَوْ قَالَ: إلَّا وَلَدَ فُلَانٍ. أَوْ فَضَّلُوا وَلَدَ فُلَانٍ عَلَى غَيْرِهِمْ. وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ دَخَلُوا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُمْ، وَالْقَرِينَةَ صَارِفَةٌ لَهُ إلَيْهِمْ، فَصَارَ كَالتَّصْرِيحِ بِهِمْ. وَإِنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى إخْرَاجِهِمْ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ. وَإِنْ انْتَفَتْ الْقَرَائِنُ؛ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ حَقِيقَةً عِبَارَةٌ عَنْ وَلَدِ الصُّلْبِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ دَخَلُوا فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]. قُلْنَا: إنَّمَا دَخَلُوا فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ابْنٌ مِنْ وَلَدِ الصُّلْبِ، وَدَخَلُوا مَعَ الْإِنَاثِ عَلَى أَنَّهُمْ إنَّمَا يَرِثُونَ مَا فَضَلَ عَنْ الْبَنَاتِ، عَلَى مَا ذُكِرَ تَفْصِيلُهُ فِي الْفَرَائِضِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ هَا هُنَا، فَانْتَفَى دُخُولُهُمْ. وقال ﵀ (٨/ ٤٥٠): وَإِنْ وَصَّى لِوَلَدِ فُلَانٍ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ، وَهُمْ قَبِيلَةٌ، كَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي تَمِيمٍ؛ دَخَلَ فِيهِمْ الذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى، وَالْخُنْثَى، وَيَدْخُلُ وَلَدُ الرَّجُلِ مَعَهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ بَنَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ ذَكَرِهَا وَأُنْثَاهَا، قَالَ الله تَعَالَى:

стр. 3963

﴿يَابَنِي آدَمَ﴾، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] يُرِيدُ الْجَمِيعَ. وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ [الجاثية:١٦]. قال: وَلَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَسِبُونَ إلَى الْقَبِيلَةِ. اهـ تنبيه مهم: ألفاظ الموصي، والواقف، يُراعَى فيها عرفهما؛ فإن كان لهما عرف في اللفظ المذكور؛ قُدِّم على حقيقته اللغوية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»؛ فإن كان عرفهم لا يخالف معناه اللغوي؛ فلا إشكال، والله أعلم. وهذا التنبيه يغنينا عن مسائل كثيرة ذكروها في هذا الباب. مسألة [٣٧]: إذا أوصى لجماعة لا يمكن حصرهم واستيعابهم ؟ كأن يوصي لقبيلة عظيمة، كبني هاشم، أو للفقراء، أو للمساكين. • فمذهب أحمد، والشافعي أنه يصح، ويجزئ عند أحمد أن تصرف، ولو لواحد منهم، وعند الشافعي لا تجزئ لأقل من الثلاثة؛ لأنه أقل الجمع. • وقال أبو حنيفة، والشافعي في قول: لا تصح الوصية للقبيلة؛ لأنه لا يمكن حصرهم، ولا عُرْفَ لما يُعطى لهم في الشرع، بخلاف الفقراء، كذا علَّل الشافعية، وعلل الحنفية بدخول الأغنياء معهم؛ فلا تكون قربة. وأُجيب: بأنه لا يشترط أن يستوعبهم، ولا حدَّ في إعطائهم؛ فيُعطى قليلًا أو كثيرًا على حسب ما يراه الموصى إليه، كما يصنع ذلك مع الفقراء، والله أعلم. (١)

стр. 3964

مسألة [٣٨]: هل للموصي أن يرجع عن الوصية ؟ أجمع أهل العلم على أنَّ للموصي أن يرجع عن الوصية؛ إلا الوصية بالعتق، نقل الإجماع على ذلك ابن حزم، وابن قدامة وغيرهما، ووجه ذلك أنها لم تخرج من ملكه وهي عطية معلقة بالموت؛ فلم تقع. واختلفوا في الوصية بالإعتاق: • فذهب الأكثر إلى أن له الرجوع، وهو قول عطاء، وجابر بن زيد، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وذلك لأنها وصية كغيرها، وهي عطية تنجز بالموت؛ فجاز له الرجوع عنها قبل تنجيزها. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس له الرجوع في ذلك، وهو قول الشعبي، وابن سيرين، وابن شبرمة، والنخعي؛ لأنَّه إعتاق بعد الموت، فلم يملك تغييره كالتدبير. وأُجيب: بأنَّ التدبير تعليق بشرطٍ؛ فلم يملك تغييره كتعليقه على صفة في الحياة، ففارق ما نحن فيه من الوصية بالعتق؛ فإنه لم يعتقه بشرط مستقبل كالتدبير، والله أعلم. وقول الجمهور هو الصواب، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٣٩]: إذا أوصى ببيت لزيد، ثم أوصى به لبكر ؟ • قال الجمهور: لا يكون رجوعًا في الوصية الأولى، ويكون البيت بينهما،

стр. 3965

وهو قول ربيعة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ اللفظ ليس بظاهر في الرجوع عن الوصية للأول، بل يحتمل أنه أراد التشريك بينهما، فلا يترك أمر متيقن بأمر مشكوك فيه. • وقال بعض أهل العلم: هو للآخر منهما. وهو قول أبي الشعثاء، والحسن، وعطاء، وطاوس، وداود، وجعلوا هذا اللفظ منه رجوعًا. والراجح قول الجمهور؛ ما لم تظهر قرينة على أنه أراد الرجوع عن الوصية للأول. (١) مسألة [٤٠]: إذا قال: ما أوصيت به لفلان، فهو لفلان ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٦٧): هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا -يعني أنه للآخر منهما- وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَهُوَ أَيْضًا عَلَى مَذْهَبِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْأَوَّلِ بِذِكْرِهِ أَنَّ مَا أَوْصَى بِهِ مَرْدُودٌ إلَى الثَّانِي. اهـ وقال العمراني ﵀ في «البيان» (٨/ ٢٩٧): وحكى الشيخ أبو إسحاق وجهًا آخر أنه يكون بينهما والأول أصح. اهـ

стр. 3966

مسألة [٤١]: بم يحصل الرجوع في الوصية ؟ يَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، كَأَنْ يَقُولَ: رَجَعْت فِي وَصِيَّتِي، أَوْ أَبْطَلْتهَا، أَوْ غَيَّرْتهَا. أَوْ مَا أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ فَهُوَ لِفُلَانٍ. أَوْ فَهُوَ لِوَرَثَتِي. أَوْ فِي مِيرَاثِي. وَإِنْ أَكَلَهُ، أَوْ أَطْعَمَهُ، أَوْ أَتْلَفَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ كَانَ ثَوْبًا غَيْرَ مُفَصَّلٍ فَفَصَّلَهُ وَلَبِسَهُ، أَوْ جَارِيَةً فَأَحْبَلَهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا؛ فَهُوَ رُجُوعٌ. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِطَعَامٍ فَأَكَلَهُ، أَوْ بِشَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ بِجَارِيَةٍ فَأَحْبَلَهَا، أَوْ أَوْلَدَهَا، أَنَّهُ يَكُونُ رُجُوعًا. وَحُكِي عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْي أَنَّ بَيْعَهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بَدَلَهُ بِخِلَافِ الْهِبَةِ، وَأُجِيْبَ بِأَنَّهُ أَزَالَ مُلْكَهُ عَنْهَ؛ فَكَانَ رُجُوعًا، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ. وَإِنْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ، أَوْ وَصَّى بِبَيْعِهِ، أَوْ أَوْجَبَ الْهِبَةَ؛ فَلَمْ يَقْبَلْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ وَصَّى بِإِعْتَاقِهِ، أَوْ دَبَّرَهُ، كَانَ رُجُوعًا؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ لِلرُّجُوعِ بِعَرْضِهِ عَلَى الْبَيْعِ، وَإِيجَابِهِ لِلْهِبَةِ، وَوَصِيَّتِهِ بِبَيْعِهِ أَوْ إعْتَاقِهِ؛ لِكَوْنِهِ وَصَّى بِمَا يُنَافِي الْوَصِيَّةَ الْأُولَى، وَالْكِتَابَةُ بَيْعٌ، وَالتَّدْبِيرُ أَقْوَى مِنْ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُنْجَزُ بِالْمَوْتِ، فَيَسْبِقُ أَخْذَ الْمُوصَى لَهُ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: قوله: (أَوْ بِجَارِيَةٍ فَأَحْبَلَهَا) مبني على القول بعتقها بموت سيدها أو بالولادة، والصحيح في كلا المسألتين عدم عتقها بذلك كما سيأتي

стр. 3967

بيانه إن شاء الله في كتاب العتق. (١) مسألة [٤٢]: إن وصَّى بشيء، ثم استعمله بما يغيره عن حاله ؟ • مثل أن يوصي بِحَبٍّ ثم يطحنه، أو بدقيق فيعجنه، أو بخبزٍ فيفتّه؛ فيكون ذلك رجوعًا؛ لأنه أزال اسمه، وعرضه للاستعمال؛ فدلَّ على رجوعه، وهو قول الحنابلة والشافعية. • وإن وصَّى بكتان، أو قطن فغزله، أو بغزل فنسجه، أو بثوب فقطعه، أو شاة فذبحها؛ كان رجوعًا، وهو قول الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي. • وقال بعض الحنابلة، والشافعية: ليس برجوعٍ، وهو قول أبي ثور؛ لأنه لا يزيل الاسم. قال ابن قدامة ﵀: ولنا أنه عرضه للاستعمال؛ فكان رجوعًا كالتي قبلها، ولا يصح قوله: إنه لا يزيل الاسم؛ فإنَّ الثوب لا يسمى غزلًا، والغزل لا يسمى كتانًا. اهـ (٢) مسألة [٤٣]: إذا أوصى بجزء مشاع من ماله، فهل يعتبر به عند الوصية، أو عند الموت ؟ مثل أن يقول: (أوصيت بثلث مالي للفقراء والمساكين)، فهل يخرج ثلث ماله الموجود عند الوصية، أم ثلث ماله الموجود حال موته، وإن كان قد زاد؟.

стр. 3968

• مذهب الجمهور أنه يعتبر بالمال الذي هو موجود في حال الموت؛ لأنها عطية منجزة عند الموت، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. • وقال بعض الشافعية: المعتبر عند الوصية؛ لأنه وقت العقد، وهو قول ابن حزم، فعندهم إذا استفاد مالًا بعد الوصية لم تتعلق به الوصية، وأما إن نقص المال، فقال ابن حزم: يخرج ثلث ما آل إليه المال، ولم يعتبره في حال الوصية. والصحيح هو قول الجمهور؛ لأنها عطية مؤخرة، وكل إنسان يعلم أنَّ ماله سيزيد أو سينقص، فلما لم يحدد، ويعين الموصَى به؛ دلَّ على أنه قصد ثلث ما سيكون عليه ماله، والله أعلم. (١) مسألة [٤٤]: هل تخرج الوصية من دية الموصي مع أصل ماله إن مات مقتولا ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الوصية تشمل المال كاملًا، وفيه الدية، فيخرج المسمى من ذلك كله، وهو قول الحسن، والنخعي، والأوزاعي، وأحمد، ومالك، وذلك لأنَّ الدية عوض لنفسه؛ فكانت ملكه؛ ولهذا فإنها تقسم بين الورثة على حسب الميراث؛ فدل على أنها من ضمن تركته. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الوصية تخرج من غير الدية، وهو قول مكحول، وشريك، وأبي ثور، وداود، وإسحاق، وأحمد في رواية، وقال به مالك

стр. 3969

في قتل العمد؛ لأنَّ الدية إنما تجب للورثة بعد موت الموصي؛ بدليل أن سببها الموت فلا يجوز وجوبها قبله؛ لأنَّ الحكم لا يتقدم سببه وقد زال ملكه بالموت. وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ القول الأول، وهو أظهر؛ لما ذكرناه. وقد مال إلى ذلك ابن قدامة ﵀ فقال: لِأَنَّهَا بَدَلُ نَفْسِهِ، وَنَفْسُهُ لَهُ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا، وَلِأَنَّ بَدَلَ أَطْرَافِهِ فِي حَالَ حَيَاتِهِ لَهُ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ؛ وَلِهَذَا نَقْضِي مِنْهَا دُيُونَهُ، وَيُجَهَّزُ مِنْهَا إنْ كَانَ قَبْلَ تَجْهِيزِهِ، وَإِنَّمَا يَزُولُ مِنْ أَمْلَاكِهِ مَا اسْتَغْنَى عَنْهُ، فَأَمَّا مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ فَلَا. وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ مِلْكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَنْ نَصَبَ شَبَكَةً فَسَقَطَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ فَإِنَّهُ يُمْلَكُ بِحَيْثُ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْهُ، وَيُجَهَّزُ، فَكَذَلِكَ دَينُهُ؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَ وَصِيَّتِهِ مِنْ حَاجَتِهِ، فَأَشْبَهَتْ قَضَاءَ دَينِهِ. اهـ (١) مسألة [٤٥]: هل تدخل الوصية فيما لم يعلم به من ماله ؟ • مذهب الجمهور أنها تدخل فيما لم يعلم به -إذا كان الموصى به مشاعًا- لأنه من ماله، فيدخل كالمعلوم، وهذا قول أحمد، والشافعي وأصحابهما. • وذهب مالك ﵀ إلى أنه لا يدخل في الوصية ما لا يعلم به من ماله، إلا إن كان هناك شيءٌ يتوقعه ويرجوه؛ فيدخل. • وحُكي عن أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة أنه لا يدخل، واختاره ابن حزم ونصره، قال: لأنه أطلق ثلث ماله ولم يعلم بذلك المال؛ فيؤاخذ بعلمه.

стр. 3970

والصحيح القول الأول؛ لأنه عطية مؤخرة ناجزة بالموت، وكل إنسان يعلم أنَّ ماله ربما يزيد وربما يقل، ومع ذلك إطلاقه بغير تحديد وتعيين يدل على دخوله، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٤٦]: كتابة الوصية والإشهاد عليها ؟ استحبَّ أهل العلم كتابةَ الوصية، والإشهاد عليها حتى لا تهمل، أو لا يمضيها الورثة، ويدل على الاستحباب حديث ابن عمر الذي في أول الكتاب. قلتُ: ويمكن أن يقال بوجوب ذلك عليه إن كانت الوصية بحقوق واجبة عليه ليس فيها بينات، وهو يعلم أنَّ ورثته لن يبالوا بها؛ فينبغي له الكتابة، والإشهاد، وبالله التوفيق. مسألة [٤٧]: هل يعتمد على الوصية المكتوبة بدون إشهاد ؟ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٢٧٣٨): وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: «وَوَصِيَّتُه مَكْتُوبَة عِنْده» عَلَى جَوَاز الِاعْتِمَاد عَلَى الْكِتَابَة وَالْخَطّ، وَلَوْ لَمْ يَقْتَرِن ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ، وَخَصَّ أَحْمَد وَمُحَمَّد ابْن نَصْر مِنْ الشَّافِعِيَّة ذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ؛ لِثُبُوتِ الْخَبَر فِيهَا دُون غَيْرهَا مِنْ الْأَحْكَام، وَأَجَابَ الْجُمْهُور بِأَنَّ الْكِتَابَة ذُكِرَتْ لِمَا فِيهَا مِنْ ضَبْط الْمَشْهُود بِهِ، قَالُوا: وَمَعْنَى «وَوَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده»، أَيْ: بِشَرْطِهَا. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ: إِضْمَار الْإِشْهَاد فِيهِ بُعْد. اهـ

стр. 3971

قال أبو عبد الله غفر الله له: قول أحمد، وابن نصر هو الصواب، ولكن إذا انتفت التهمة بأن تكون عند الميت بخطه المعلوم، وأما إذا حصلت ريبة؛ فلا يعمل بها، والله أعلم. (١) مسألة [٤٨]: إذا كتب وصيةً، ثم قال: اشهدوا عليَّ بما في هذه الورقة ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها لا تصح حتى يسمعوا من فيه، أو يقرؤوها عليه، ويقرها، وهو قول الحسن، وأبي قلابة، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية. • وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى صحتها، وهو قول مكحول، ومالك، والليث، والأوزاعي، وأبي عبيد، وإسحاق، وبعض الحنابلة، وهذا هو الصحيح، وينبغي إزالة ما يتطرق إلى الورقة من الاشتباه حيث أمكن بقراءتها عليه. (٢) مسألة [٤٩]: وصية الصبي ؟ الطفل الذي دون السبع لا تجوز وصيته، ولا تصح في قول عامة أهل العلم، ونقل خلافٌ عن إياس أنه قال فيما إذا وافقت الحق جازت. بمعنى إذا تصرف تصرفًا يتصرفه الرشيد. • واختلف أهل العلم في الصبي الذي فوق ذلك، فمنهم من صححها، وقيَّد ذلك بأن يعقل ما يوصي، وهو قول مالك، والشافعي في قول، وعن مالك

стр. 3972

التقييد بتسع. وعن أحمد بسبع، وعنه بعشر وهو الأشهر في مذهبه، وعن إسحاق: إذا بلغ اثنتي عشرة. • وذهب بعض أهل العلم إلى عدم صحة وصيته حتى يبلغ، وهو قول الحسن، ومجاهد، وأصحاب الرأي، والشافعي في قولٍ، والظاهرية، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنَّ الصبي محجور عليه كما تقدم في باب الحجر، ولا ينفك عنه الحجر حتى يبلغ، ويُؤنس منه الرشد؛ فالوصية هي من سائر التصرفات التي مُنع منها الصبي، وكما لا يصح وقفه، وبيعه، وشراؤه بما لم يأذن وليه؛ فكذلك الوصية، والله أعلم. (١) مسألة [٥٠]: المحجور عليه لِسَفَهٍ . • نُقِل عن الأكثرين صحة وصيته؛ لأنَّ الوصية تصرفٌ رشيد؛ فَقُبِلَ منه. • وذهب بعض الحنابلة -وهو قولٌ للشافعي- إلى أنها لا تصح؛ لأنَّه محجور عليه لا يصح تصرفه بالبيع والهبة؛ فلا يصح تصرفه بالوصية. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢) مسألة [٥١]: وصية الأخرس . وصية الأخرس تصح بالإشارة إذا فُهِمت منه عند أهل العلم.

стр. 3973

• فأما الناطق إذا اعتقل لسانه؛ فمنع بعضهم وصيته بالإشارة؛ لأنه غير مأيوس من نطقه، وهذا قول جماعة من الحنابلة، به قال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة. • وقال الشافعي، وابن المنذر: تصح وصيته؛ لأنه غير قادر على الكلام؛ فأشبه الأخرس، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (١) مسألة [٥٢]: وصية العبد . قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٥١١): وَإِنْ وَصَّى عَبْدٌ، أَوْ مُكَاتَبٌ، أَوْ مُدَبَّرٌ، أَوْ أُمُّ وَلَدٍ وَصِيَّةً، ثُمَّ مَاتُوا عَلَى الرِّقِّ، فَلَا وَصِيَّةَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُمْ. وَإِنْ أَعْتَقُوهُمْ، ثُمَّ مَاتُوا وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَصِيَّتَهُمْ؛ صَحَّتْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ قَوْلًا صَحِيحًا وَأَهْلِيَّةً تَامَّةً، وَإِنَّمَا فَارَقُوا الْحُرَّ بِأَنَّهُمْ لَا مَالَ لَهُمْ، وَالْوَصِيَّةُ تَصِحُّ مَعَ عَدَمِ الْمَالِ، كَمَا لَوْ وَصَّى الْفَقِيرُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَغْنَى. وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمْ: مَتَى عَتَقْت ثُمَّ مِتّ، فَثُلُثِي لِفُلَانٍ وَصِيَّةً. فَعَتَقَ وَمَاتَ؛ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ • وخالف ابن حزم، فلم يصحح وصية العبد؛ لأنَّ ماله إذا مات لسيده؛ فلا مال له يورث، فالوصية كذلك، والصحيح قول الجمهور. (٢)

стр. 3974

مسألة [٥٣]: وصية المسلم للذمي . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٥١٢): وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ، وَالذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِ، وَالذِّمِّيِّ لِلذِّمِّيِّ. رُوِيَ إجَازَةُ وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ عَنْ شُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ وقال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (١٧٥٦): والوصية للذمي جائزةٌ، ولا نعلم في هذا خلافًا، وقد قال رسول الله ﷺ : «في كل كبدٍ رطبة أجر» (١). اهـ مسألة [٥٤]: وصية المسلم للكافر الحربي ؟ • مذهب أحمد، ومالك، والشافعي صحة ذلك؛ لأنَّ عمر كسا أخًا له مشركًا بحلة أعطاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «الصحيحين» فلم ينكر ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأسماء بنت أبي بكر قالت: يا رسول الله، أتتني أمي وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: «نعم» متفق عليهما، ففي هذين الحديثين (٢) صلة أهل الحرب وبرهم. وكما تصح الهبة لهم؛ تصح الوصية، واستدلوا بعموم الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]. • ومنع الحنفية، وبعض الشافعية من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

стр. 3975

الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩]. وأُجيب عليهم: بأن الآية حجة عليهم في الذين لم يقاتلوا من أهل الحرب، وأما المقاتل فإنما نهى عن توليه، ولم ينه عن بره وصلته، وإن احتجوا بالمفهوم، فالحنفية لا يحتجون به، والمنطوق من الأحاديث التي أوردناها مقدم على ذلك، والله أعلم. (١) تنبيه: لا تصح الوصية للكافر بسلاح، ولا مصحف، ولا عبد مسلم. (٢) فائدة: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٥١٢): وَإِذَا صَحَّتْ وَصِيَّةُ المُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ؛ فَوَصِيَّةُ الذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ لِلذِّمِّيِّ أَوْلَى. وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِمَا تَصِحُّ بِهِ وَصِيَّةُ المُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ، وَلَوْ أَوْصَى لِوَارِثِهِ، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ؛ وَقَفَ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، كَالمُسْلِمِ سَوَاء. اهـ مسألة [٥٥]: الوصية بمعصية وفعل محرم . قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٥١٤): وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَعْصِيَةٍ وَفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، مُسْلِمًا كَانَ الْمُوصِي أَوْ ذِمِّيًّا، فَلَوْ وَصَّى بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ، أَوْ بَيْتِ نَارٍ، أَوْ عِمَارَتِهِمَا، أَوْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا؛ كَانَ بَاطِلًا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَصِحُّ. وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوَصِيَّةَ بِأَرْضِهِ تُبْنَى كَنِيسَةً.

стр. 3976

وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ. وَأَجَازَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَنْ يُوصِيَ بِشِرَاءِ خَمْرٍ، أَوْ خَنَازِيرَ، وَيَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَهَذِهِ وَصَايَا بَاطِلَةٌ، وَأَفْعَالٌ مُحَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِهَا، كَمَا لَوْ وَصَّى بِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ لِلْفُجُورِ. اهـ مسألة [٥٦]: إذا أوصى لعبده بجزء مشاع من ماله ؟ • قال جماعة من أهل العلم: تصح الوصية؛ فإن خرج العبد من الوصية؛ عتق، واستحق باقيها، وإن لم يخرج؛ عتق منه بقدر الوصية، وهو قول الحسن، وابن سيرين، والحنابلة، وقال به أصحاب الرأي؛ إلا أنهم قالوا: إن لم يخرج من الثلث استسعي في باقيه. • وقال الشافعي: لا تصح الوصية إلا أن يوصي بعتقه؛ لأنها تصبح وصية للورثة. • وقال ابن حزم: تصح، ويملك العبد ذلك المال، ولا يعتق إلا أن يوصي بعتقه. قلتُ: وقول الشافعي هو أقرب الأقوال، إلا أن يقصد الموصي بالوصية عتقه من الثلث، أو ما وصى به، والله أعلم. (١) مسألة [٥٧]: إذا أوصى لعبده بشيء معين من ماله ؟ • أكثر أهل العلم على أنها لا تصح؛ لأنَّه يصبح كأنه أوصى للورثة، وهو قول

стр. 3977

الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأصحاب الرأي، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. • وقال بعضهم: تصح، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد في رواية. • وقال الحسن، وابن سيرين: إن شاء الورثة أجازوا، وإن شاءوا رَدُّوا. (١) مسألة [٥٨]: إذا أوصى للعبد برقبته ؟ • قال أكثر أهل العلم هو تدبير؛ فيعتق إن حمله الثلث، وهو قول مالك، والحنابلة، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ معنى الوصية له برقبته عتقه؛ لعلمه بأنه لا يملك رقبته؛ فصارت الوصية به كناية عن إعتاقه بعد موته. • وقال أبو ثور: الوصية باطلة؛ لأنه لا يملك رقبته، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (٢) مسألة [٥٩]: الوصية للمكاتَب . قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٥١٩): وَإِنْ وَصَّى لِمُكَاتَبِهِ، أَوْ مُكَاتَبِ وَارِثِهِ، أَوْ مُكَاتَبِ أَجْنَبِيٍّ؛ صَحَّ، سَوَاءٌ أَوْصَى لَهُ بِجُزْءٍ شَائِعٍ أَوْ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ وَرَثَتَهُ لَا يَسْتَحِقُّونَ المُكَاتَبَ، وَلَا يَمْلِكُونَ مَالَهُ. اهـ مسألة [٦٠]: إذا أوصى لعبد غيره، ممن لا يرثه ؟ • تصح الوصية لعبد غيره، وتكون وصية للسيد، والقبول في ذلك إلى العبد؛ لأنَّ العقد مضاف إليه، فأشبه ما لو وهبه شيئًا، فإذا قبل؛ ثبت لسيده؛ لأنه من

стр. 3978

كسب عبده، وكسب العبد للسيد، ولا تفتقر في القبول إلى إذن السيد؛ لأنه كسب؛ فصحَّ من غير إذن سيده كالاحتطاب، هذا قول الحنابلة، وأصحاب الرأي، والشافعي. • ولأصحاب الشافعي وجهٌ أنه يفتقر إلى إذن السيد؛ لأنه تصرف من العبد، فأشبه بيعه، وشراءه. وأُجيب: بأنه تحصيل مالٍ بغير عوض؛ فلم يفتقر إلى الإذن، كقبول الهبة وتحصيل المباح. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٦١]: الوصية لعبد وارثه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٥٢٠): وَإِنْ وَصَّى لِعَبْدِ وَارِثِهِ، فَهِيَ كَالْوَصِيَّةِ لِوَارِثِهِ، يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ يَسِيرًا؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ، وَإِنَّمَا لِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ مِنْ يَدِهِ، فَإِذَا وَصَّى لَهُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ؛ عُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ الْعَبْدَ دُونَ سَيِّدِهِ. وَلَنَا أَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِعَبْدِ وَارِثِهِ؛ فَأَشْبَهَتْ الْوَصِيَّةَ بِالْكَثِيرِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ مِلْكِ الْعَبْدِ مَمْنُوعٌ، وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ؛ فَإِنَّهُ مَعَ هَذَا الْقَصْدِ يَسْتَحِقُّ سَيِّدُهُ أَخْذَهُ، فَهُوَ كَالْكَثِيرِ. اهـ مسألة [٦٢]: إذا أوصى بثلثه أن يُحَجَّ عنه به ؟ • ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أن ثلثه يصرف له في الحج؛ فإن كان واجبًا نظرنا: إن كان الثلث يكفي للحجة الواجبة؛ فلا بأس، ولا إشكال، وإن كان

стр. 3979

الثلث يكفي لأكثر من حجة؛ حُجَّ عنه تطوعًا بعد الفريضة، وإن كان الثلث أقل من مؤنة الحجة الواجبة؛ فيتمم القدر الكافي من رأس المال؛ لأنه دين لله، ودين الله أحق أن يُقضَى، وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]، وهذا قول عطاء، وطاوس، والحسن، وسعيد بن المسيب، والزهري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. • وقال بعض أهل العلم: إن وصَّى بالحج؛ فمن ثلثه، وإلا فليس على ورثته شيءٌ وهذا قول ابن سيرين، والنخعي، والشعبي، وحماد، والثوري، وأبي حنيفة. والقول الأول هو الصواب؛ لما ذكرناه، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في [كتاب الحج]. • وإن كان الحج تطوعًا؛ فإن كان الثلث يكفي حجَّه؛ صرف فيها، وإن كان يكفي أكثر؛ صرف فيها، وإن كان لا يكفي حجةً كاملة؛ يحج عنه من حيث يبلغ. قاله أحمد، والعنبري، وهو الصحيح. • وقال بعضهم: يُعان به في الحج، وهو قول سوَّار، وبعض الحنابلة. (١) مسألة [٦٣]: هل تستأذن المرأة في وصيتها زوجها، أو أباها ؟ قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (١٧٦٠): ووصية المرأة البكر ذات الأب، وذات الزوج، البالغة، والثيب ذات الزوج جائزة كوصية الرجل، أحبَّ الأب أو

стр. 3980

الزوج، أو كرها، ولا معنى لإذنهما في ذلك؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالوصية أمرًا عامًّا للمؤمنين، وهو لفظ يعم الرجال والنساء، ولم يخص الله فيه أحدًا من أحد، وما كان ربك نسيًّا، وما نعلم في ذلك خلافًا من أحد، وبالله تعالى التوفيق. اهـ مسألة [٦٤]: الوصية للقاتل . • قال بعض أهل العلم: تصح الوصية. وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وأظهر قولي الشافعي، وابن المنذر؛ لأنَّ الهبة له تصح؛ فصحت الوصية. • وقال بعضهم: لا تصح الوصية له، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ القتل يمنع الميراث، وهو آكد من الوصية؛ فالوصية أولى. • وقال بعضهم: إن وصَّى له بعد جَرحه؛ صحَّ، وإن وصَّى له قبله، ثم طرأ القتل على الوصية؛ أبطلها، قاله أبو الخطاب الحنبلي جمعًا بين قولي أحمد، وهو قول الحسن بن صالح، واستحسنه ابن قدامة؛ لأنَّ الوصية بعد الجرح صدرت من أهلها في محلها، ولم يطرأ عليها ما يبطلها بخلاف ما إذا تقدمت؛ فإنَّ القتل طرأ عليها، فأبطلها؛ لأنه يبطل ما هو آكد منها. (١) مسألة [٦٥]: من أُوصِي له بشيء فهلك ذلك الشيء، أو هلك المال ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٥٧١): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِمَّنْ عَلِمْنَا قَوْلَهُ، عَلَى أَنَّ المُوصَى بِهِ إذَا تَلِفَ قَبْلَ مَوْتِ المُوصِي أَوْ بَعْدَهُ؛ فَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ. كَذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ المُنْذِرِ، فَقَالَ: أَجْمَعَ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ

стр. 3981

الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أُوصِيَ لَهُ بِشَيْءٍ، فَهَلَكَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فِي سَائِرِ مَالِ المَيِّتِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ المُوصَى لَهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْوَصِيَّةِ لَا غَيْرُ، وَقَدْ تَعَلَّقَتْ بِمُعَيَّنٍ، وَقَدْ ذَهَبَ؛ فَذَهَبَ حَقُّهُ، كَمَا لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ. انتهى المراد. وإن هلك المال غير الموصى به؛ فإن كان ذلك بعد الموت؛ فلا شيء للورثة، والوصية نافذة، وإن كان قبل الموت؛ استحق الموصى له ثلث الوصية، والباقي للورثة، والله أعلم. (١) مسألة [٦٦]: من أُوصِي له بشيء، فلم يأخذه زمانًا، فتغيرت قيمته، وأصبح أكثر من الثلث ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٥٧٢): الِاعْتِبَارَ فِي قِيمَةِ الْمُوصَى بِهِ وَخُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ عَدَمِ خُرُوجِهَا، بِحَالَةِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهَا حَالُ لُزُومِ الْوَصِيَّةِ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمَالِ فِيهَا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. فَيُنْظَرُ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ وَقْتَ الْمَوْتِ ثُلُثَ التَّرِكَةِ، أَوْ دُونَهُ؛ نَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ، وَاسْتَحَقَّهُ الْمُوصَى لَهُ كُلَّهُ. فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ حَتَّى صَارَ مُعَادِلًا لِسَائِرِ المَالِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ هَلَكَ المَالُ كُلُّهُ سِوَاهُ، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ، لَا شَيْءَ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ؛ فَإِنْ كَانَ حِينَ الْمَوْتِ زَائِدًا عَنْ الثُّلُثِ؛ فَلِلْمُوصَى لَهُ مِنْهُ قَدْرُ ثُلُثِ المَالِ؛ فَإِنْ كَانَ نِصْفَ المَالِ؛ فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَاهُ. وَإِنْ كَانَ ثُلُثَيْهِ؛ فَلِلْمُوصَى لَهُ نِصْفُهُ. وَإِنْ كَانَ نِصْفَ المَالِ وَثُلُثَهُ؛ فَلِلْمُوصَى لَهُ خُمُسَاهُ؛ فَإِنْ نَقَصَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ زَادَ، أَوْ نَقَصَ سَائِرُ المَالِ أَوْ زَادَ؛ فَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ سِوَى مَا كَانَ لَهُ حِينَ الْمَوْتِ. اهـ

стр. 3982

مسألة [٦٧]: من أعتق عبيده في مرض موته وليس له سواهم ؟ • حكم العتق في مرض الموت حكم الوصية، لا يجوز منه إلا ثلث المال؛ إلا أن يجيزه الورثة، وهذا قول جمهور الفقهاء؛ لحديث عمران بن حصين أنَّ رجلًا من الأنصار أعتق ستة أَعْبُد عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا. أخرجه مسلم (١٦٦٨). • وقال مسروق فيمن أعتق عبده في مرض موته، ولا مال له غيره: أجيزه برمته، شيء جعله لله لا أرده. ولعله لم يبلغه الحديث المتقدم، والله أعلم. (١) مسألة [٦٨]: إذا أوصى إنسانٌ بشيء غير معين كعبدٍ من عبيده، أو شاة من غنمه ؟ • قال بعض أهل العلم: تصح، ويقرع، فيأخذ الموصى له ما خرجت به القرعة، وهذا قول إسحاق، وأحمد. • وقال بعضهم: يعطيه الورثة ما أحبوا، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية. • وقال مالك: له جزء مشاع بقدره؛ فإن كان له عشر شياه، شارك الورثة بالعشر، وهكذا. والصحيح هو القول الأول، ويدل عليه حديث عمران المتقدم. «المغني» (٨/ ٥٦٥).

стр. 3983

مسألة [٦٩]: الوصية إلى رجل بالتصرف والولاية على من له عليه ولاية . الْوَصِيَّةُ إِلَى رَجُلٍ هِيَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ التَّصَرُّفَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فِيمَا كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، مِنْ قَضَاءِ دُيُونِهِ، وَاقْتِضَائِهَا، وَرَدِّ الْوَدَائِعِ، وَاسْتِرْدَادِهَا، وَتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ، وَالْوِلَايَةِ عَلَى أَوْلَادِهِ الَّذِينَ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ، وَمَنْ لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ، وَالنَّظَرُ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ بِحِفْظِهَا، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِمَا لَهُمْ الْحَظُّ فِيهِ. فَأَمَّا مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، كَالْعُقَلَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَغَيْرِ أَوْلَادِهِ مِنْ الْإِخْوَةِ، وَالْأَعْمَامِ، وَسَائِرِ مَنْ عَدَا الْأَوْلَادَ؛ فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْمُوصِي عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِنَائِبِهِ بَعْدَ الْمَمَاتِ. قاله ابن قدامة، ثم قال: وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا. اهـ «المغني» (٨/ ٥٥٠). مسألة [٧٠]: تبعيض الوصية . بأن يجعل لرجل تصرفًا بشيء، ولآخر بشيء آخر، مثل أن يوصي إلى إنسان بتفريق وصيته، وإلى آخر بقضاء دينه، وإلى آخر بحفظ أولاده. • فمذهب الحنابلة، والشافعية صحة ذلك. • وقال أبو حنيفة: من أُوصِي له بشيء يصير وصيًّا في كل ما يملكه الوصيُّ؛ لأنَّ هذه ولاية تنتقل من الأب بموته؛ فلا تتبعض كولاية الجد. وأُجيب عنه: بأنه استفاد التصرف بالإذن من جهة الموصي؛ فكان مقصورًا على ما أذن فيه، كالوكيل، وولاية الجد استفادها بقرابته، وهي لا تتبعض، والإذن

стр. 3984

يتبعض، فافترقا. (١) مسألة [٧١]: الوصية إلى رجلين . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٥٥١): وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى رَجُلَيْنِ مَعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَيَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ مُنْفَرِدًا، فَيَقُولَ: أَوْصَيْت إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ. لِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا مُنْفَرِدًا، وَهَذَا يَقْتَضِي تَصَرُّفَهُ عَلَى الِانْفِرَادِ. وَلَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَيْهِمَا لِيَتَصَرَّفَا مُجْتَمِعَيْنِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلَيْهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِنَظَرِهِ وَحْدَهُ. وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ لَا أَعْلَمُ فِيهِمَا خِلَافًا. وَإِنْ أَطْلَقَ فَقَالَ: أَوْصَيْت إلَيْكُمَا فِي كَذَا. فَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وَالْوِلَايَةَ لَا تَتَبَعَّضُ، فَمَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادَ بِهَا كَالْأَخَوَيْنِ فِي تَزْوِيجِ أُخْتِهِمَا. قال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّهُ شَرَكَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ، كَالْوَكِيلَيْنِ. وَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ نَقُولُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْوِلَايَةَ إلَيْهِمَا بِاجْتِمَاعِهِمَا فَلَيْسَتْ مُتَبَعِّضَةً، كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ، أَوْ صَرَّحَ لِلْوَصِيَّيْنِ بِأَنْ لَا يَتَصَرَّفَا إلَّا مُجْتَمِعَيْنِ، ثُمَّ يَبْطُلُ مَا قَالَهُ بِهَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ. اهـ

стр. 3985

مسألة [٧٢]: الأوصاف التي تنبغي في الموصى إليه . قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٥٥٢): تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى الرَّجُلِ الْعَاقِلِ، الْمُسْلِمِ، الْحُرِّ، الْعَدْلِ إجْمَاعًا. وَلَا تَصِحُّ إلَى مَجْنُونٍ، وَلَا طِفْلٍ، وَلَا وَصِيَّةُ مُسْلِمٍ إلَى كَافِرٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ وَالطِّفْلَ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمَا، فَلَا يَلِيَانِ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَالْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ عَلَى مُسْلِمٍ. اهـ مسألة [٧٣]: الوصية إلى الفاسق . • قال جماعةٌ من أهل العلم: لا تصح. وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنه غير عدل؛ فليس بمأمون. • وقال أحمد في رواية: تصح. قال أصحابه: ويجعل عليه أمين. وقال أبو حنيفة: تصح، وينفذ تصرفه، وعلى الحاكم عزله. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٤/ ٦٧٤ - ٦٧٥): قد يوجد فاسقٌ، لكنه أمين من جهة المال، ولنفرض أنه يشرب الدخان، فشرب الدخان إصرار على صغيرة، إذًا هو فاسق، إذا كان هذا الشارب للدخان رجلًا عاقلًا، أمينًا، رشيدًا، فهل نقول: لا تصح الوصية إليه؟ في هذا نظر لا شك، ولهذا نقول: إنَّ اشتراط العدالة فيه تفصيل؛ فإن كانت العدالة تخدش في تصرفه؛ فهي شرطٌ، وإن كانت لا تخدش في تصرفه، وهو قد تصرف تصرُّفًا تامًّا ليس فيه أي إشكال؛ فإنها

стр. 3986

لا تشترط، هذا هو الصحيح. اهـ (١) مسألة [٧٤]: إذا طرأ عليه الفسق ؟ • قال بعضهم: تزول ولايته، ويقيم الحاكم مقامه أمينًا. وهو قول بعض الحنابلة، والثوري، والشافعي، وإسحاق. • وقال بعضهم: يضم إليه أمين. وهو قول الحسن، وابن سيرين، وبعض الحنابلة. قال أبو عبد الله غفر الله له: أيهما رآه القاضي أصلح؛ فعله، وبالله التوفيق. (٢) مسألة [٧٥]: الوصية إلى العبد . • في هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تصح، وهو قول مالك، وبعض الحنابلة، سواء كان عبد نفسه، أو عبد غيره. الثاني: لا تصح، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد؛ لأنَّ العبد مملوك لغيره؛ فلا تكون له ولاية. الثالث: تصح إلى عبد نفسه دون عبد غيره، وهذا قول النخعي، وابن شبرمة، والأوزاعي، وقال به أبو حنيفة إذا لم يكن من ورثته رشيد. والصواب في هذه المسألة هو القول الأول، ولكن تعتبر بإذن السيد؛ فإن لم

стр. 3987

يأذن فلا تصح الوصية؛ لأنَّ العبد سيشغل وقتًا غير قصير لتصريف هذه الوصية، فيقطع جزءًا من الوصية يفوته على سيده، فلابد من إذن السيد. (١) مسألة [٧٦]: الوصية إلى المرأة ؟ • أكثر أهل العلم على صحة الوصية إليها، وهو قول شُريح، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وأبي ثور وأصحاب الرأي. • وقال عطاء: لا تصح؛ لأنها لا تكون قاضية، فلا تكون وصية كالمجنون. وأُجيب: بأنَّ هذا القياس فاسد؛ لأنَّ القضاء يُعتبر له الكمال في الخلقة، والولاية فيها عامة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة» بخلاف مسألتنا؛ فالصواب قول الجمهور، ويُعتبر عندهم أنْ تكون رشيدة. (٢) مسألة [٧٧]: الوصية إلى الصبي العاقل . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٥٥٣): وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ، فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ إلَّا بِإِذْنٍ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَلِأَنَّهُ مَوْلًى عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ وَالِيًا، كَالطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ الله. وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ وَكَالَتِهِ. وَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَاوَزَ الْعَشْرَ. اهـ

стр. 3988

قال أبو عبد الله غفر الله له: تصح الوصية إلى الصبي، ولكنه لا يُمَكَّنُ من التصرف فيها حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد، وقبل ذلك يجعل على الوصية رجلًا أمينًا بتعيين الحاكم، والله أعلم. مسألة [٧٨]: وصية الكافر إلى المسلم . الذي عليه أهل العلم أنها تصح إذا لم تكن تركته خمرًا، أو خنزيرًا، أو نحوه مما حرم بعينه. (١) مسألة [٧٩]: وصية الكافر إلى الكافر . • قال بعض أهل العلم: تصح إن كان عدلًا في دينه. وهو قول بعض الشافعية، والحنابلة، وقال به أصحاب الرأي؛ لأنه يلي بالنسب، فيلي بالوصية. • وقال بعضهم: لا تصح؛ لأنه أبعد حالًا من الفاسق، وهو قول أبي ثور، ووجهٌ للحنابلة، والشافعية. والذي يظهر هو صحتها، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀. (٢) مسألة [٨٠]: هل للموصى إليه أن يرد الوصية إليه ولا يقبلها ؟ • له أن يردها وله أن يقبلها في مذهب أحمد، والشافعي، وله أن يعزل نفسه متى شاء مع القدرة والعجز في حياة الموصي وبعد موته. • وقال أبو حنيفة، وأحمد في رواية: ليس له عزل نفسه بعد الموت، وزاد أبو حنيفة: وليس له أيضًا في حياته بدون إعلام الموصي؛ لأنه يغره بذلك.

стр. 3989

قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنَّ له أن يعزل نفسه ولو بعد الموت، ولكن إذا فعل ذلك بعد الموت يجب عليه أن لا يضيع ما أُوصي إليه به، وذلك بأن يطلب من الحاكم أن يقيم بدله أمينًا، أو من له شأن في ذلك، والله أعلم. (١) مسألة [٨١]: إذا أوصى رجلٌ إلى رجلٍ وأذن له أن يوصي إلى من يشاء ؟ • تصح الوصية، وله أن يوصي إلى من يشاء؛ لأنه رضي باجتهاده، وهذا قول أكثر أهل العلم. • وحُكي عن الشافعي أنه قال في أحد القولين: ليس له أن يوصي؛ لأنه يلي بتوليه، فلا يصح أن يوصي كالوكيل. وأُجيب: بأنه مأذون له في التصرف؛ فجاز له أن يأذن لغيره كالوكيل إذا أمر بالتوكيل، والوكيل حجة عليه من الوجه المذكور. • وأما إذا أوصى إليه وأطلق، ولم يأذن له في الإيصاء ففيه قولان: الأول: له أن يوصي إلى غيره، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والثوري، وأبي يوسف، وأحمد في رواية؛ لأنه جعل التصرف إليه، ومن التصرف أن يجعل وصيًّا يقوم مقامه إذا خاف الموت، أو خشي من نفسه التقصير. الثاني: ليس له ذلك، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية؛ لأنه أذن له ولم يأذن لغيره، كالوكيل. والذي يظهر أن القول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)

стр. 3990

مسألة [٨٢]: إذا اختلف الوصيان عند من يجعل المال ؟ • من أهل العلم من قال: يجعل في مكان تحت أيديهما جميعًا؛ لأنَّ الموصي لم يأمن أحدهما على حفظه، ولا التصرف فيه، وهذا مذهب الحنابلة. • وقال مالك: يجعل عند أعدلهما. • وقال أصحاب الرأي: يقسم بينهما. وهو المنصوص عن الشافعي. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١) فائدة: إذا مات الرجل، ولا وصي له، فينصب الحاكم رجلًا يتولى ذلك وإن كان في بلد نائية، وليس هناك حاكم؛ فيجوز لرجل من المسلمين أن يتولى ذلك، بل يجب وجوبًا كفائيًّا على من علم بالحال، وكان على الميت ما يستحق أن يولى عليه. (٢) تنبيه: إن وصَّى إنسان وعليه ديون تستغرق ماله؛ بطلت الوصية، وقُضيت الديون. «المحلى» (١٧٦٨). مسألة [٨٣]: إذا أُوصي إليه بتفريق مال على أبواب البر، أو على بعض المستحقين، فهل له الأخذ منه ؟ • قال أحمد، ومالك، والشافعي: ليس له ذلك؛ لأنه أُمر بتوزيعه، فلا يبقي عنده شيئًا. • وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي -وهو احتمالٌ للحنابلة-: له أن يأخذ منه إذا

стр. 3991

تناوله لفظ الموصي. • وذكر ابن قدامة احتمالًا آخر: أن ينظر إلى قرائن الأحوال؛ فإن دلت على أنه أراد أخذه منه، مثل أن يكون من جملة المستحقين الذين يصرف إليهم ذلك، أو عادته الأخذ من مثله؛ فله الأخذ منه، وإلا فلا. قلتُ: هذا القول جيد، وهو النظر إلى قرائن الأحوال، وإذا عدمت القرائن؛ فالصحيح قول أبي ثور، ومن معه، والورع الترك، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٨٤]: التبرعات المنجزة هل تحسب من الثلث، أم من رأس المال ؟ مثل العتق، والهبة المقبوضة، والصدقة، والوقف، والإبراء، والمحاباة، والعفو عن الجناية الموجبة للمال إذا كانت هذه التبرعات في الصحة؛ فهي من رأس المال بلا خلاف. • وإن كانت في مرضٍ مخوفٍ اتصل به الموت؛ فهي من ثلث المال عند الجمهور، واستدلوا بحديث عمران بن حصين الذي في «مسلم»، وقد تقدم. • وذهب ابن حزم إلى أنَّ سائر تبرعات المريض صحيحة من رأس المال، ونقل ابن قدامة عن أهل الظاهر أنهم قالوا ذلك في الهبة المقبوضة، وظاهر نقله أنهم خصُّوا ذلك بها. والصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (٢)

стр. 3992

مسألة [٨٥]: بِمَ توافق العطايا في مرض الموت الوصية، وبم تخالفها ؟ توافقها بأمور، منها: ١) يقف نفوذها على خروجها من الثلث، أو إجازة الورثة. ٢) أنها لا تصح لوارث؛ إلا بإجازة الورثة. ٣) فضيلتها ناقصة عن فضيلة الصدقة في الصحة. ٤) خروجها من الثلث معتبرٌ حال الموت لا قبله، ولا بعده. وتخالف الوصايا بأمور، وهي: ١) أنَّ العطية لازمة في حق المعطي ليس له الرجوع فيها. ٢) قبولها على الفور في حال حياة المعطي، وكذلك ردها، والوصايا لا حكم لقبولها ولا ردها إلا بعد الموت. ٣) العطية تقدم على الوصية على الصحيح، وهو قول أحمد، والشافعي، والجمهور، واستثنى أبو حنيفة، وأبو يوسف، وزُفر العتق. ٤) العطايا إذا عجز الثلث عن جميعها بدئ بالأول فالأول، سواء كان الأول عتقًا أو غيره، وهو قول أحمد، والشافعي، وهو الصحيح. وقال أبو حنيفة: الجميع سواء إذا كانت من جنس واحد، وإن كانت من أجناس، وكانت المحاباة متقدمة؛ قُدِّمت، وإن تأخرت؛ سوى بينها وبين العتق. وقال أبو يوسف: يقدم العتق؛ تقدم أو تأخر.

стр. 3993

قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو قول أحمد، والشافعي، والله أعلم. (١) مسألة [٨٦]: ما لزم المريض من حقوق في مرضه، ولا يمكنه دفعها وإسقاطها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٨٧): وَمَا لَزِمَ الْمَرِيضَ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ وَإِسْقَاطُهُ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَجِنَايَةِ عَبْدِهِ، وَمَا عَاوَضَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ؛ فَهُوَ مِنْ رَأْسِ المَالِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. اهـ مسألة [٨٧]: ضابط المرض المخوف . • هو المرض الذي يسبب الموت، ولا يستغرب الناس الموت بسببه، ويرجع في معرفته إلى قول أهل المعرفة بذلك، وهم الأطباء، واشترط بعض الفقهاء أن يكونوا اثنين، والصحيح قبوله من الواحد كما هو قول بعضهم، واشترط بعضهم أن يكون عدلًا. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لا يُشترط ذلك، بل يقبل قول الحاذق الماهر في هذا الشأن وإن لم يكن مسلمًا. اهـ (٢) مسألة [٨٨]: هل عطية الحامل من الثلث، أم رأس المال ؟ • من أهل العلم من قال: عطيتها من الثلث إذا صار لها ستة أشهر، وهو قول مالك، والحنابلة. وعن أحمد، وإسحاق إذا أثقلت.

стр. 3994

• وقال جماعةٌ من أهل العلم: إذا ضربها المخاض؛ فعطيتها من الثلث؛ لأنها في ذلك الحين في مرض مخوف، وهذا قول النخعي، ومكحول، ويحيى الأنصاري، والأوزاعي، والعنبري، وبعض الحنابلة، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وصححه ابن قدامة. • وقال بعضهم: عطيتها كعطية الصحيح من رأس المال، وإن ضربها المخاض، وهو قول الحسن، والزهري، والشافعي في قول، وابن حزم. قلتُ: والقول الثاني أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٨٩]: عطية المقاتل في أرض المعركة من الثلث، أم من رأس المال ؟ • ألحق طائفة من أهل العلم في المرض المخوف إذا التحم الحرب، واختلطت الطائفتان للقتال، وكانت كل طائفة مكافئة للأخرى، أو مقهورة، فأما القاهرة بعد ظهورها فليست خائفة. وكذلك إذا لم يختلطوا، بل كانت كل واحدة منهما متميزة، سواء كان بينهما رميٌ بالسهام، أو لم يكن؛ فليست حالة خوف، ولا فرق عندهم بين كون الطائفتين متفقتين في الدين، أو مفترقتين، وهذا قول أحمد، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وقولٌ للشافعي. • وللشافعي قولٌ أنه ليس بمخوف؛ لأنه ليس بمريض، وقال ابن حزم: عطيته كعطية الصحيح.

стр. 3995

وأُجيب: بأنَّ توقع التلف ههنا كتوقع المرض، أو أكثر؛ فيلحق به. (١) مسألة [٩٠]: هل يلتحق به إذا قدم ليقتل ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعي في قولٍ أنه يلحق بالمرض المخوف، وهو الصحيح، وذهب ابن حزم إلى أن عطيته كعطية الصحيح، وهو قولٌ للشافعي. (٢) مسألة [٩١]: هل يلتحق بذلك إذا تموج البحر واضطرب عليهم وهم في سفينة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٩٣): إذَا رَكِبَ الْبَحْرَ؛ فَإِنْ كَانَ سَاكِنًا؛ فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ، وَإِنْ تَمَوَّجَ وَاضْطَرَبَ وَهَبَّتْ الرِّيحُ الْعَاصِفُ؛ فَهُوَ مَخُوفٌ؛ فَإِنَّ الله تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢].اهـ مسألة [٩٢]: هل الأسير والمحبوس عطيته من الثلث ؟ • قال جماعةٌ من أهل العلم: إذا كان من العادة قتله؛ فهو خائف، عطيته من الثلث، وإلا فلا، وهذا قول أحمد، ومالك، وابن أبي ليلى، والحسن، والشافعي في قولٍ، وأبي حنيفة، وهو الصحيح.
следующие страницы →