تناوله لفظ الموصي.
• وذكر ابن قدامة احتمالًا آخر: أن ينظر إلى قرائن الأحوال؛ فإن دلت على أنه أراد أخذه منه، مثل أن يكون من جملة المستحقين الذين يصرف إليهم ذلك، أو عادته الأخذ من مثله؛ فله الأخذ منه، وإلا فلا.
قلتُ: هذا القول جيد، وهو النظر إلى قرائن الأحوال، وإذا عدمت القرائن؛ فالصحيح قول أبي ثور، ومن معه، والورع الترك، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٨٤]: التبرعات المنجزة هل تحسب من الثلث، أم من رأس المال ؟
مثل العتق، والهبة المقبوضة، والصدقة، والوقف، والإبراء، والمحاباة، والعفو عن الجناية الموجبة للمال إذا كانت هذه التبرعات في الصحة؛ فهي من رأس المال بلا خلاف.
• وإن كانت في مرضٍ مخوفٍ اتصل به الموت؛ فهي من ثلث المال عند الجمهور، واستدلوا بحديث عمران بن حصين الذي في «مسلم»، وقد تقدم.
• وذهب ابن حزم إلى أنَّ سائر تبرعات المريض صحيحة من رأس المال، ونقل ابن قدامة عن أهل الظاهر أنهم قالوا ذلك في الهبة المقبوضة، وظاهر نقله أنهم خصُّوا ذلك بها.
والصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
стр. 3992
مسألة [٨٥]: بِمَ توافق العطايا في مرض الموت الوصية، وبم تخالفها ؟
توافقها بأمور، منها:
١) يقف نفوذها على خروجها من الثلث، أو إجازة الورثة.
٢) أنها لا تصح لوارث؛ إلا بإجازة الورثة.
٣) فضيلتها ناقصة عن فضيلة الصدقة في الصحة.
٤) خروجها من الثلث معتبرٌ حال الموت لا قبله، ولا بعده.
وتخالف الوصايا بأمور، وهي:
١) أنَّ العطية لازمة في حق المعطي ليس له الرجوع فيها.
٢) قبولها على الفور في حال حياة المعطي، وكذلك ردها، والوصايا لا حكم لقبولها ولا ردها إلا بعد الموت.
٣) العطية تقدم على الوصية على الصحيح، وهو قول أحمد، والشافعي، والجمهور، واستثنى أبو حنيفة، وأبو يوسف، وزُفر العتق.
٤) العطايا إذا عجز الثلث عن جميعها بدئ بالأول فالأول، سواء كان الأول عتقًا أو غيره، وهو قول أحمد، والشافعي، وهو الصحيح.
وقال أبو حنيفة: الجميع سواء إذا كانت من جنس واحد، وإن كانت من أجناس، وكانت المحاباة متقدمة؛ قُدِّمت، وإن تأخرت؛ سوى بينها وبين العتق. وقال أبو يوسف: يقدم العتق؛ تقدم أو تأخر.
стр. 3993
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو قول أحمد، والشافعي، والله أعلم. (١)
مسألة [٨٦]: ما لزم المريض من حقوق في مرضه، ولا يمكنه دفعها وإسقاطها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٨٧): وَمَا لَزِمَ الْمَرِيضَ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ وَإِسْقَاطُهُ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَجِنَايَةِ عَبْدِهِ، وَمَا عَاوَضَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ؛ فَهُوَ مِنْ رَأْسِ المَالِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. اهـ
مسألة [٨٧]: ضابط المرض المخوف .
• هو المرض الذي يسبب الموت، ولا يستغرب الناس الموت بسببه، ويرجع في معرفته إلى قول أهل المعرفة بذلك، وهم الأطباء، واشترط بعض الفقهاء أن يكونوا اثنين، والصحيح قبوله من الواحد كما هو قول بعضهم، واشترط بعضهم أن يكون عدلًا.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لا يُشترط ذلك، بل يقبل قول الحاذق الماهر في هذا الشأن وإن لم يكن مسلمًا. اهـ (٢)
مسألة [٨٨]: هل عطية الحامل من الثلث، أم رأس المال ؟
• من أهل العلم من قال: عطيتها من الثلث إذا صار لها ستة أشهر، وهو قول مالك، والحنابلة. وعن أحمد، وإسحاق إذا أثقلت.
стр. 3994
• وقال جماعةٌ من أهل العلم: إذا ضربها المخاض؛ فعطيتها من الثلث؛ لأنها في ذلك الحين في مرض مخوف، وهذا قول النخعي، ومكحول، ويحيى الأنصاري، والأوزاعي، والعنبري، وبعض الحنابلة، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وصححه ابن قدامة.
• وقال بعضهم: عطيتها كعطية الصحيح من رأس المال، وإن ضربها المخاض، وهو قول الحسن، والزهري، والشافعي في قول، وابن حزم.
قلتُ: والقول الثاني أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٨٩]: عطية المقاتل في أرض المعركة من الثلث، أم من رأس المال ؟
• ألحق طائفة من أهل العلم في المرض المخوف إذا التحم الحرب، واختلطت الطائفتان للقتال، وكانت كل طائفة مكافئة للأخرى، أو مقهورة، فأما القاهرة بعد ظهورها فليست خائفة.
وكذلك إذا لم يختلطوا، بل كانت كل واحدة منهما متميزة، سواء كان بينهما رميٌ بالسهام، أو لم يكن؛ فليست حالة خوف، ولا فرق عندهم بين كون الطائفتين متفقتين في الدين، أو مفترقتين، وهذا قول أحمد، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وقولٌ للشافعي.
• وللشافعي قولٌ أنه ليس بمخوف؛ لأنه ليس بمريض، وقال ابن حزم: عطيته كعطية الصحيح.
стр. 3995
وأُجيب: بأنَّ توقع التلف ههنا كتوقع المرض، أو أكثر؛ فيلحق به. (١)
مسألة [٩٠]: هل يلتحق به إذا قدم ليقتل ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعي في قولٍ أنه يلحق بالمرض المخوف، وهو الصحيح، وذهب ابن حزم إلى أن عطيته كعطية الصحيح، وهو قولٌ للشافعي. (٢)
مسألة [٩١]: هل يلتحق بذلك إذا تموج البحر واضطرب عليهم وهم في سفينة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٨/ ٤٩٣): إذَا رَكِبَ الْبَحْرَ؛ فَإِنْ كَانَ سَاكِنًا؛ فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ، وَإِنْ تَمَوَّجَ وَاضْطَرَبَ وَهَبَّتْ الرِّيحُ الْعَاصِفُ؛ فَهُوَ مَخُوفٌ؛ فَإِنَّ الله تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢].اهـ
مسألة [٩٢]: هل الأسير والمحبوس عطيته من الثلث ؟
• قال جماعةٌ من أهل العلم: إذا كان من العادة قتله؛ فهو خائف، عطيته من الثلث، وإلا فلا، وهذا قول أحمد، ومالك، وابن أبي ليلى، والحسن، والشافعي في قولٍ، وأبي حنيفة، وهو الصحيح.
стр. 3996
• ومنهم من قال: عطيته من الثلث مطلقًا، ولم يقيد ذلك بما إذا كان من العادة قتله، هذا قول الزهري، والثوري، وإسحاق، وبعض الحنابلة، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وتأوله القاضي على التفصيل المتقدم.
• وقال مالك، والشعبي: الغازي عطيته من الثلث.
• وقال مسروق: إذا وضع رجله في الغرز؛ فعطيته من الثلث.
• وقال ابن حزم: عطيته من رأس المال. (١)
стр. 3997
بَابُ الوَدِيعَةِ
٩٥٩ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ، جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. (١)
وَبَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الزَّكَاةِ.
وَبَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغَنِيمَةِ يَأْتِي عَقِبَ الجِهَادِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تعريف الوديعة .
هي فعيلة من: ودع الشيء إذا تركه، أي: متروكة عند المودع. اشتقاقها من السكون؛ لأنها ساكنة عند المودَع، ومستقرة عنده. وقيل: مشتقة من الحفظ والدَّعة؛ لأنها في دَعَةٍ عند المودع. (٢)
مسألة [٢]: مشروعيتها .
الوديعة مشروعة، دلَّ عليها الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، وقوله : ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقوله سبحانه:
стр. 3998
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥].
ومن السنة: حديث الباب، وحديث: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك»، وفيه كلام، وقد تقدم، وجرى ذلك في عصره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بدون نكير منه.
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز ذلك.
ويُستحبُّ للرجل قبول الوديعة إذا علم من نفسه حفظ الأمانة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» أخرجه مسلم (٢٦٩٩)، عن أبي هريرة ﵁. (١)
تنبيه: الوديعة إذا أُخذت؛ فلكل واحد منهما أن يرجع عن ذلك، فلصاحبها أخذها متى شاء، وللمودَع أن يردها متى شاء؛ فهي عقد جائز الطرفين. (٢)
مسألة [٣]: إذا تلفت الوديعة من غير تعدي ولا تفريط من المودَع ؟
• عامَّةُ أهل العلم على أنَّ المودع ليس عليه ضمان؛ لأنه مؤتمن محسن في قبول الوديعة؛ فليس لنا أن نضمنه تلفها بغير تعديه وتفريطه، ولا دليل أيضًا على تضمينه.
• وعن أحمد رواية أنها إن تلفت الوديعة من بين ماله؛ ضمن، وإن تلفت مع ماله؛ لم يضمن. وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه ضمَّن أنسًا ﵁ وديعة
стр. 3999
تلفت عليه بسبب أنه لم يفقد معها شيئًا من ماله. أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٤٠١)، بإسناد صحيح.
والصحيح قول الجمهور، وتضمين عمر لأنس ﵄ محمول على أنَّ أنسًا وُجِدَ منه تفريط في حفظها، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: إذا اشترط ا لمودِع على المودَع الضمان ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٢٥٨): إذَا شَرَطَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ عَلَى المُسْتَوْدَعِ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ، فَقَبِلَهُ أَوْ قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ لَهَا. لَمْ يَضْمَنْ. قَالَ أَحْمَدُ فِي المُودَعِ: إذَا قَالَ: (أَنَا ضَامِنٌ لَهَا)، فَسُرِقَتْ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَصْلُهُ الْأَمَانَةُ، كَالمُضَارَبَةِ، وَمَالِ الشَّرِكَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالْوَكَالَةِ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ المُنْذِرِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ شَرْطُ ضَمَانِ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ ضَمَانِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ ضَمَانَ مَا يَتْلَفُ فِي يَدِ مَالِكِهِ. اهـ
قلتُ: وهذا هو الصحيح، وقد نقل ابن رشد عن بعضهم أنه ضمَّنه، والله أعلم. (٢)
مسألة [٥]: إذا أودع رجلٌ وديعة ولم يعين له المودِع مكان حفظها ؟
ذكر أهل العلم أنَّ عليه أن يحفظها في حرز مثلها؛ فإن لم يحفظها في حرز مثلها فإنه يضمن.
• وأما إن عيَّن المودِع مكانًا لحفظها؛ فيلزم المودَع أن يحفظها فيما أمره به،
стр. 4000
سواء كان حرز مثلها، أو لم يكن؛ فإن أحرزها في دونه؛ ضمنه، وإن أحرزها بمثله، أو أعلى؛ لم يضمن عند طائفة من أهل العلم، وهو قول الشافعية، وبعض الحنابلة، وهو الصحيح، وقال بعض الحنابلة: يضمن. (١)
مسألة [٦]: إن عيَّن له مكانًا ونهاه عن إخراجها منه ؟
• إن أخرجها لغشيان شيء الغالب منه الهلاك، كحريق، أو غزو، أو نهب، وما أشبهه؛ فلا يضمن بإخراجها، وإن تركها، فتلفت؛ يضمن في مذهب الحنابلة، وبعض الشافعية؛ لأنه قصَّر في حفظها.
• وقال بعض الشافعية: لا يضمن؛ لأنه ممتثل ما أُمر به، والأول أقرب.
• وإن قال له: لا تخرجها وإن خفت عليها. فوجد ما يخاف عليها منه فأخرجها؛ لم يضمن عند الحنابلة وبعض الشافعية، وقال بعضهم: يضمن. والله أعلم. (٢)
مسألة [٧]: إذا تلفت الوديعة المنهي عن إخراجها بسبب إخراجها ؟
• يضمن المودَع بإخراجها؛ فإنِ ادَّعى أنه أخرجها لغشيان نار، أو سيل، أو ما أشبه ذلك؛ فالقول قوله مع يمينه، ولا ضمان عليه، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم. (٣)
стр. 4001
مسألة [٨]: إذا أودعه بهيمة، فهل يلزم المودَع علفها ؟
• مذهب الشافعي والحنابلة أنه يلزمه علفها؛ لحرمة الحيوان.
• ومذهب أبي حنيفة، وبعض الحنابلة أنه لا يلزمه علفها؛ لأنَّ العلف على المالك؛ فهو المفرط.
والصحيح هو القول الأول؛ لأنَّ من حفظ الوديعة إذا كانت بهيمة أن يسقيها ويعلفها، ولكن للمودَع أن يرجع بالنفقة على صاحبها إذا لم يكن متطوعًا بذلك.
وأما إذا أودعه البهيمة، وأمره بعلفها، فأخذها بذلك فيلزمه؛ لحرمة الحيوان، ولأخذه الوديعة بذلك.
وهل يرجع بالنفقة على المودِع؟ يرجع ذلك على ما يتفقان عليه؛ فإن لم يتفقا؛ فله الرجوع إلا أن يكون محتسبًا متطوعًا بالنفقة.
وأما إذا أودعه البهيمة ونهاه عن علفها؛ لم يجز له ترك علفها وسقيها؛ لأنَّ للحيوان حرمة في نفسه، فيجب إحياؤه لحق الله تعالى؛ فإنْ علفها وسقاها كان كالذي قبله، وإن تركها حتى تلفت؛ لم يضمنها عند الحنابلة، وأكثر الشافعية؛ لأنَ التعدي حصل في حق الله؛ فيأثم، وأما في حق الآدمي فلم يتعد، بل فعل ما أمره به.
• وذهب بعض الشافعية، وابن المنذر إلى أنه يضمن؛ لأنه إضاعة للمال، وتفريط في حفظ الوديعة، والأقرب القول الأول، والله أعلم.
تنبيه: إذا عجز المودَع عن العلف في الصورة المتقدمة؛ فعليه أن يعيد
стр. 4002
الوديعة إلى صاحبها، أو وكيله؛ فإن عجز عنهما؛ رفع الأمر إلى الحاكم فيفعل الحاكم الأحظ لصاحب الوديعة، إما ببيعها وحفظ ثمنها، أو ببيع بعضها لينفق على البعض الآخر، أو يستدين له حتى يرجع، وهذا إذا لم يجد له مالًا لينفق عليها، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: إذا دفع الوديعة إلى إنسان آخر، فهل يضمن ؟
• إن كان ذلك لغير عذر؛ فمذهب الجمهور أنه يضمن؛ لأنه خالف المودِع في مراده، وقصده؛ فإنه دفعها إليه ليحفظها، ولم يرض لها غيره، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي وغيرهم.
• وقال ابن أبي ليلى: لا ضمان عليه؛ لأنَّ عليه حفظها، وإحرازها، وقد أحرزها عند غيره وحفظها به. وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم.
• وأما إن كان ذلك لعذر، مثل أن يكون أراد السفر، أو خاف عليها عند نفسه من حرقٍ، أو غرقٍ، أو غيره؛ فإنْ قدر على صاحبها، أو وكيله في قبضها؛ لم يجز له دفعها إلى غيره؛ فإن فعل؛ ضمنها، وإن لم يقدر على صاحبها، أو وكيله؛ فله دفعها إلى الحاكم، سواء كان به ضرورة إلى السفر، أو لم يكن؛ لأنه متبرع بإمساكها، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته، وإن أودعها مع قدرته على الحاكم؛ ضمنها عند الشافعية، وأكثر الحنابلة.
• وقال بعض الحنابلة: لا يضمنه ويجوز له إيداعها؛ لأنه قد يكون أحفظ وأحب
стр. 4003
إلى صاحبها. وإن لم يقدر على الحاكم، فأودعها ثقة؛ لم يضمنها؛ لوجود الحاجة. (١)
مسألة [١٠]: هل على الثاني الضمان إذا أخذ هذه الوديعة ؟
أما إذا كان الثاني يعلم بالحال؛ فيده يد معتدي؛ فعليه الضمان، وللمودِع الأول -رب الوديعة- أن يضمن الأول أو الثاني، ويستقر الضمان على الثاني كالمغصوب.
• وأما إذا كان الثاني لا يعلم بالحال؛ فليس له تضمين الثاني على الصحيح؛ لأنه دخل في العقد على أنه أمين، وهذا قول أحمد، وأبي حنيفة، ومالك.
• ومذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنَّ له تضمين الثاني؛ لأنها تلفت تحت يده ولكن الثاني يرجع على الأول فيستقر الضمان على الأول، وصوَّب هذا ابن قدامة.
والذي يظهر أنَّ القول الأول هو الصحيح، وهو ترجيح ابن القيم، وقد تقدم نقل كلامه في باب الغصب. (٢)
مسألة [١١]: إذا دفع الوديعة إلى من يحفظ ماله كامرأته وغلامه ؟
• ذهب أحمد، ومالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا يضمن؛ لأنه حفظها بما يحفظ به ماله.
• وقال الشافعي: يضمن؛ لأنه سلم الوديعة إلى من لم يرض به صاحبها،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِذْنِ فِي إمْسَاكِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَضْمَنُ هَذَا الْخَطَرَ، وَلَا يُفَوِّتُ إمْكَانَ رَدِّهَا عَلَى صَاحِبِهَا الْإِذْنُ فِيمَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ، فَأَمَّا مَعَ غَيْبَةِ المَالِكِ وَوَكِيلِهِ، فَلَهُ السَّفَرُ بِهَا إذَا كَانَ أَحْفَظَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَتِهِ، فَيَخْتَارُ فِعْلَ مَا فِيهِ الْحَظُّ. اهـ
قلتُ: والذي يظهر أنَّ قول الشافعي هو الصواب، وهو مذهب مالك؛ لأنَّ السفر بها مظنة لضياعها، فلا يسافر بها إلا إن عجز عن حفظها بغير السفر، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣]: إذا خلط الوديعة بما لا تتميز منه من ماله ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي أنه يضمنها، سواء خلطها بمثلها، أو دونها، أو أجود من جنسها، أو من غير جنسها؛ لأنَّ هذا منه تعدي في الوديعة، وإخراج لها عن حالها، وفوت على نفسه ردها.
• وحُكي عن مالك أنه لا يضمن إلا أن يكون خلطها بدونها؛ لأنه لا يمكنه ردها إلا ناقصة، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٤]: إذا سأل المودِعُ الوديعةَ، فأبى المودَع أن يعطيه بغير عذر ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٢٦٨): لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ رَدِّ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَالِكِهَا، إذَا طَلَبِهَا، فَأَمْكَنَ أَدَاؤُهَا إلَيْهِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
стр. 4006
قال: فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَتَلِفَتْ؛ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا؛ لِكَوْنِهِ أَمْسَكَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ؛ فَأَشْبَهَ الْغَاصِبَ.
قال: فَأَمَّا إنْ طَلَبِهَا فِي وَقْتٍ لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهَا إلَيْهِ؛ لِبُعْدِهَا، أَوْ لِمَخَافَةٍ فِي طَرِيقِهَا، أَوْ لِلْعَجْزِ عَنْ حَمْلِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِتَرْكِ تَسْلِيمِهَا؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. وَإِنْ تَلِفَتْ؛ لَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ.
قال: وَإِنْ قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَقْضِيَ صَلَاتِي، أَوْ آكُلَ؛ فَإِنِّي جَائِعٌ. أَوْ أَنَامَ؛ فَإِنِّي نَاعِسٌ. أَوْ يَنْهَضِمَ عَنِّي الطَّعَامُ؛ فَإِنِّي مُمْتَلِئٌ. أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ. اهـ
مسألة [١٥]: إن مات المودَع وعليه وديعة، ولم توجد بعينها ؟
• مذهب الجمهور أنَّ المودِع يُعطَى وديعته من التركة؛ فإن ازدحمت الديون على التركة؛ فيكون مع بقية الغرماء أسوة؛ لأنَّ كل ذلك حقوق واجبة عليه حلت بموته.
• وقال النخعي: الأمانة قبل الدين، وقال الحارث العُكُلِّي: الدين قبل الأمانة.
والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [١٦]: إذا ادُّعِي على رجل وديعة فأنكر، ثم أقرَّ وادَّعى التلف ؟
إذا ادُّعِي على رجل وديعة، فأنكر؛ فالقول قوله مع يمينه؛ فإن جاء المدعي بالبينة؛ لزم المنكر ضمان الوديعة؛ فإن قال بعد أن أنكر: (نعم، أودعني، ولكن
стр. 4007
تلفت عليَّ بغير تفريط)؛ لم يقبل قوله في ذلك عند أهل العلم. وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي؛ لأنه مُكذَّبٌ؛ لإنكاره الأول، معترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة.
وإن أقرَّ أنها تلفت بعد جحوده؛ لم يسقط عنه الضمان؛ لأنه خرج بالجحود عن الأمانة؛ فصار ضامنًا كمن طُولِبَ بالوديعة، فامتنع من ردها. وإن أقام بينة بتلفها بعد الجحود؛ لم يسقط عنه الضمان لذلك.
وإن أقام البينة بتلفها قبل الجحود من الحرز، فهل تقبل بينته؟
• منهم من قال: لا تقبل منه؛ لأنه مكذب لها بإنكاره الإيداع. ومنهم من قال: يقبل منه، وتسمع بينته؛ لأنَّ المودَع لو اعترف بذلك؛ سقط حقه، فتسمع البينة به، وهذا أرجح، والله أعلم. (١)
مسألة [١٧]: إذا ادَّعى المودَع التلف، فهل يقبل قوله ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٢٧٣): وَالمُودَعُ أَمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ تَلَفِ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ المُودَعَ إذَا أَحْرَزَ الْوَدِيعَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا ضَاعَتْ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ. وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: مَعَ يَمِينِهِ. اهـ
مسألة [١٨]: إذا ادَّعى المودَع رد الوديعة لصاحبها، فأنكر المالك ذلك ؟
• مذهب الجمهور أنَّ القول قول المودَع؛ لأنه مؤتمن، فيقبل قوله في الرد كما
стр. 4008
يقبل قوله في التلف.
• وقال مالك: إن كان دفعها إليه بغير بينة؛ فيقبل قوله، وإن كان دفعها إليه ببينة؛ فعليه البينة في ردها، وإلا فالقول قول المالك مع يمينه.
والصحيح قول الجمهور، وهو اختيار ابن حزمٍ، والشوكاني. (١)
مسألة [١٩]: إذا قال المودَع: دفعتها إلى فلان بأمرك. فأنكر صاحب الوديعة ذلك ؟
• من أهل العلم من قال: القول قول المالك. وهو قول مالك، والثوري، والعنبري، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الأصل عدم الإذن؛ فله تضمينه.
• وقال بعضهم: القول قول المودَع؛ لأنه مؤتمن، فكما يؤخذ بقوله في التلف، وفي ردها إلى صاحبها؛ يقبل قوله ههنا، وهذا قول ابن أبي ليلى، وأحمد، وابن حزم، ورجحه الشوكاني، وهو الذي يظهر؛ لأنَّ الوديعة مبنية على الائتمان، والمؤتمن مُحسنٌ بفعله؛ فيقبل قوله مالم يظهر منه خيانة، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٠]: إذا تعدى على بعض الوديعة، فهل يضمنها كلها أم بعضها ؟
أما إذا كانت الوديعة مما ينقصها تلف بعضها، كالنعل الواحدة، والكتاب الواحد من خمسة أجزاء، وما أشبه ذلك؛ فإنه يضمنها كلها إن لم يستطع أن يأتي بمثل الذي أتلفه.
стр. 4009
وأما إن كانت الوديعة مما لا ينقصها تلف بعضها، كأن يستودع خمس شياه، فيذبح واحدة منها:
• فمذهب أحمد، والشافعي، أنه يضمن ذلك البعض الذي تعدى فيه؛ فتصبح شاة من ضمانه، وإن ردَّ مثلها، وإن لم يفرط بحفظها؛ لتعديه بذبحها، وهو اختيار ابن حزم، والشوكاني.
• وقال مالك: لا ضمان عليه إذا ردَّه، أو مثله. وقال أصحاب الرأي: إن لم ينفق ما أخذه وردَّه؛ لم يضمن، وإن أنفقه ثم رده، أو مثله؛ ضمن.
والصحيح قول أحمد، والشافعي؛ لأنَّ الضمان قد تعلق بذمته بأخذه، بدليل أنه لو تلف في يده قبل رده؛ ضمنه، فلا يزول الضمان إلا برده إلى صاحبه كالمغصوب، أو بإخبار صاحبها بما حصل.
تنبيه: الخلاف المذكور في استمرار الضمان عليه هو حاصل أيضًا فيما إذا أتلف الوديعة كلها، وجاء ببدلها. (١)
مسألة [٢١]: إذا استعمل الوديعة بركوب، أو لبس، أو ما أشبهه، ثم ردها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٢٧٩): وَلَوْ تَعَدَّى فَلَبِسَ الثَّوْبَ، وَرَكِبَ الدَّابَّةَ، أَوْ أَخَذَ الْوَدِيعَةَ لِيَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ لِيُخَزِّنَ فِيهَا، ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ؛ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهُ
стр. 4010
مُمْسِكٌ لَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا؛ فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَ التَّعَدِّي.
قال: وَلَنَا أَنَّهُ ضَمِنَهَا بِعُدْوَانٍ؛ فَبَطَلَ الِاسْتِئْمَانُ، كَمَا لَوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا، وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ. اهـ
مسألة [٢٢]: رجل في يده وديعة ادَّعاها رجلان ؟
إن أقرَّ بها لأحدهما؛ سُلِّمت إليه؛ فإنه لو ادَّعاها لنفسه كان القول قوله، فإذا أقرَّ بها لغيره؛ وجب أن يقبل، ويلزمه أن يحلف للآخر؛ لأنه منكر لحقه؛ فإن حلف؛ برئ، وإن نكل؛ لزمه أن يغرم له قيمتها؛ لأنه فوتها عليه.
وإن أقرَّ بها لهما جميعًا؛ فهي بينهما، ويلزمه اليمين لكل واحد منهما في نصفها. وإن قال: هي لأحدهما لا أعرفه عينًا. فاعترفا له بجهله تعيَّنَ المستحق لها؛ فلا يمين عليه. وإن ادَّعيا معرفته؛ فعليه اليمين أنه لا يعلم ذلك.
• فإذا حلف، فمذهب الحنابلة أنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف أنها له، وتسلم إليه.
• وقال الشافعي: يتحالفان ويوقف الشيء بينهما حتى يصطلحا. وهو قول ابن أبي ليلى.
• وللشافعي قول آخر أنها تقسم بينهما، وحكاه ابن المنذر عن ابن أبي ليلى، وهو قول الحنفية، قالوا: ويضمن المستودَع نصفها لكل واحد منهما؛ لأنه فوَّت ما استودع بجهله، وللمالكية قولان كقول الشافعي، والحنفية.
стр. 4011
قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْحَقِّ فِيمَا لَيْسَ بِأَيْدِيهِمَا؛ فَوَجَبَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، كَالْعَبْدَيْنِ إذَا أَعْتَقَهُمَا فِي مَرَضِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمَا، أَوْ كَمَا لَوْ أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَى نِسَائِهِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ لَمْ تَتْلَفْ، وَلَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي جَهْلِهِ تَفْرِيطٌ؛ إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ لَا يَنْسَى وَلَا يَجْهَلَ. اهـ (١)
مسألة [٢٣]: إذا تعدى المودَع بالوديعة، فاتَّجَرَ بها، فربح ؟
• قال ابن رشد ﵀ في «بداية المجتهد» (٤/ ١١٩): قال مالك، والليث، وأبو يوسف، وجماعةٌ: إذا ردَّ المال؛ طاب له الربح، وإن كان غاصبًا للمال فضلًا عن أن يكون مُسْتَوْدَعًا عنده. وقال أبو حنيفة، وزفر، ومحمد بن الحسن: يؤدي الأصل، ويتصدق بالربح. وقال قوم: لرب الوديعة الأصل والربح. وقال قوم: هو مخير بين الأصل والربح. وقال قوم: البيع الواقع في تلك التجارة فاسد. اهـ
• وقد قال الحنابلة في المغصوب، والوديعة إذا اتجر به؛ فالمال والربح للمالك؛ لأنه نماء ماله، وهو المشهور عن أحمد، وعنه: يتصدق بالربح، وعن أبي حنيفة، والشافعي في قولٍ: الربح للغاصب.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنَّ الربح بينهما كالمضاربة الشرعية، والله أعلم. (٢)
فتح العلام
في دراسة أحاديث بلوغ المرام
حديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة
تأليف
أبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني
في دار الحديث بدماج
الجزء الثامن
كِتابُ النِّكَاح - كِتَابُ الطَّلاقِ
عِشْرَةُ النِّسَاء - الصَّدَاق - الوَلِيمَة - القَسْم - الخُلْع - الرَّجْعَة الإِيلاءُ وَالظِّهَارُ وَالكَفَّارَة - اللِّعَان
стр. 4014
كِتَابُ النِّكَاحِ
كتاب النكاح
تعريفه:
النكاح في اللغة: الضم، والتداخل، ومنه قولهم: نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينه، ونكحت القمح في الأرض إذا حرثتها، وبذرتها فيها.
قال الأزهري: أصل النكاح في لغة العرب: الوطء. وقيل: للتزويج نكاح؛ لأنه سبب الوطء. وبنحوه قال الفَرَّاء.
وقال أبو القاسم الزجاجي: النكاح في كلام العرب بمعنى الوطء، والعقد جميعًا.
وقال الفارسي: (إذا قالوا: نكح فلانة، أو بنت فلان)؛ فالمراد به العقد، وإذا قالوا: (نكح زوجته)؛ فالمراد به الوطء.
قلتُ: فالظاهر أنه في اللغة يُطلق على الأمرين، ويعرف المراد بقرائن الكلام، كما أشار إلى ذلك الفارسي.
وفي الشرع: حقيقة في العقد، مجاز في الوطء. هذا اختيار الأكثر من الحنابلة، والشافعية وغيرهم.
стр. 4015
والحجة في ذلك: كثرة وروده في الكتاب والسنة للعقد حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد، ولا يرد مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]؛ لأنَّ شرط الوطء في التحليل إنما ثبت في السنة، وإلا فالعقد لابد منه.
وقد أفاد أبو الحسين بن فارس أنَّ النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦]؛ فإنَّ المراد به الحُلُمَ.
• وذهب الحنفية، وبعض الشافعية إلى أنَّ النكاح هو حقيقة في الوطء، مجاز في العقد. وهو قول بعض الحنابلة.
• وقيل: هو مشترك بينهما. وهو قول بعض الشافعية والحنابلة.
وهذا هو الأقرب إلا أنَّ الأصل في إطلاقه بالنصوص الشرعية أنَّ المراد به العقد؛ إلا أنْ يأتي دليل يدل على أنه أراد زيادة على ذلك، وهو الوطء، والله أعلم. (١)
стр. 4016
٩٦٠ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
قوله: «البَاءَةَ».
• اختلف العلماء في تفسير (الباءة) في حديث الباب، فقيل: المراد بها الجماع، وصححه النووي، والمازري. وقال بعضهم: المراد به مؤن النكاح. وهو اختيار شيخ الإسلام. قال: لأنَّ الحديث فيه خطابٌ للقادر على الوطء، ولذلك قال: «فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ».
وقال النووي ﵀: انفصل القائلون بالقول الأول بأنْ قالوا: تقدير الحديث: من استطاع منكم الجماع؛ لقدرته على مؤنة النكاح؛ فليتزوج. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: لا مانع من الحمل على المعنى الأعم بأنْ يُراد بالباءة القدرة على الوطء، ومؤن التزويج. اهـ
وأجاب على الإشكال في قوله: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» إلى أنه يجوز أن يرشد من لا يستطيع الجماع إلى ما يهيء له استمرار تلك الحالة بالصوم. (٢)
قوله: «وِجَاء».
الوِجَاء بكسر الواو والمد، أصله الغمز، والمقصود به: رض الأنثيين، حتى تنقطع الشهوة، وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة.
٩٦٢ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِالبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
٩٦٣ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ ابْنِ يَسَارٍ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم الزواج .
قسّمَ العلماءُ أحوالَ الرجلِ في التزويج إلى أقسام:
القسم الأول: التائق إليه، القادر على مُؤَنِهِ، الخائف على نفسه من الوقوع في المعصية.
قال ابن قدامة ﵀: يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح. اهـ
стр. 4019
وقال القرطبي ﵀ كما في «الفتح»: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه، ودينه من العزوبة بحيث لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزويج لا يختلف في وجوب التزويج عليه. اهـ
قلتُ: ليس في المسألة إجماعٌ، بل ظاهر النقل عن الشافعي في كتب مذهبه أنه يرى الاستحباب، وكذا في مذهب المالكية. والقول بالوجوب هو مذهب الظاهرية أيضًا، وقال به أبو عوانة الاسفرائيني من الشافعية.
والقول بالوجوب هو الصحيح؛ للأدلة الآمرة بذلك كما في أحاديث الباب، ولأنه يخاف على نفسه المحرم، ومحل الوجوب فيما إذا لم يمكنه دفع المحرَّم عن نفسه إلا بالزواج، فأمَّا إن كانت له ملك يمين؛ فلا يجب عليه الزواج كما نبه على ذلك ابن حزمٍ، والشوكاني، وابن دقيق العيد كما في «الفتح» (٥٠٦٥).
قال الحافظ ﵀: الذين قالوا بالوجوب قيَّدُوه بما إذا لم يندفع التوقان بالتسري، فإذا لم يندفع؛ تعيَّنَ التزويج. اهـ
ودليله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣]. (١)
القسم الثاني: من له شهوة يأمن معها الوقوع في المحظور.
• فيستحب له النكاح عند الجمهور؛ للأدلة الواردة في الباب، وهو قول
стр. 4020
المالكية، والحنابلة، وأصحاب الرأي.
وقال ابن حزم بوجوبه وهو رواية عن أحمد، وقال الشافعي: التَّخلِّي لعبادة الله عزوجل أفضل؛ لأنَّ الله مدح يحيى ﵇ بقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران:٣٩].
والصحيح قول الجمهور؛ للأدلة الواردة في الحث على الزواج، وقد ذكر بعضها في الباب، ولأنَّ ذلك من سنن المرسلين، قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨]، والنكاح فيه مصالح كثيرة يؤجر عليها الإنسان؛ فإنه يشتمل على تحصين الدين وإحرازه، وتحصين المرأة وحفظها، والقيام بها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وغير ذلك من المصالح الراجح أحدها على نفل العبادة، فمجموعها أولى.
وأما ما ذُكر عن يحيى ﵇؛ فهو شرعه، وشرعنا وارد بخلافه؛ فهو أولى. (١)
القسم الثالث: من لا شهوة له، إما لأنه لم يخلق له شهوة كالعِنِّين، أو كانت له شهوة فذهبت بِكِبَرٍ، أو مرضٍ ونحوه.
• ففيه وجهان للحنابلة:
أحدهما: يستحب له النكاح؛ لعموم الأدلة الحاثَّة على الزواج.
الثاني: التخلي له أفضل؛ لأنه لا يحصل مصالح النكاح، ويمنع زوجته من التحصين بغيره، ويضر بها، ويحبسها على نفسه، ويعرض نفسه لواجبات وحقوق
стр. 4021
لعله لا يتمكن من القيام بها، ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه، والأخبار تحمل على من له شهوة؛ لما فيها من القرائن الدالة على ذلك.
وهذا الوجه للحنابلة أصح، وهو مذهب الشافعية، وقد قال بعض الفقهاء: إذا أضرَّ بامرأته؛ حَرُمَ عليه الزواج، وقد ردَّ ذلك الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» فقال: هذا التحريم لا وجه له، ولا يلزم الإنسان ترك ما أحل الله له، بل ما أمره به ورغَّبَهُ فيه بتجويز وقوع المعصية من غيره يعني عدم قدرته على الوطء يجعل المرأة تعمل المعصية فذنب كل مذنب عليه لا يتعداه إلى غيره، وهذه المرأة قد جعل الله لها فرجًا ومخرجًا، واوجبٌ عليها أن تدع ما حَرَّمَه عليها، وتشكو أمرها الى حُكَّام الشريعة كما وقع ذلك من المرأة التي شكت زوجها الى رسول الله ﷺ ، وقالت: إنما معه كهدبة الثوب. فإذا كان إمساكه لها مع عجزه عن أن يعفها ويكسر سورة شهوتها؛ فذلك من الإمساك لها ضرارًا، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ [البقرة:٢٣١]، وهو أيضًا من المضارة لها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وهذا مضار لها، وفي الشريعة المطهرة ما يدل على جواز الفسخ بمجرد الكراهة كما في حديث: «أتردين عليه حديقته؟»، وفيها أيضا جواز الفسخ للإعواز عن النفقة، وبهذا تعرف أنه لا وجه للحكم بهذا التحريم بادئ بدء، وهكذا لا وجه للحكم بالتحريم على عارف التفريط من نفسه؛ فإنه قد يتحول الحال، وقد ترضى المرأة بتفريطه، وبعد هذا كله فالطلاق بيده إذا استمر على هذا السَجِيَّة المذمومة، والطبيعة الناقصة، وأيضا لها أن تطلب الخلاص منه؛ لِمَا
стр. 4022
قَدَّمْنَا. اهـ (١)
القسم الرابع: من لا شهوة له في الجماع، وهو قادر عليه، فمن الفقهاء من جعل النكاح في حق هذا مُباحًا، والصحيح أنه يُستحَبُّ في حقه، وذلك لأنه يحصل منه النسل، وتحصين امرأة، وتشمله الأدلة التي فيها الحث على النكاح.
وبهذا يقول جماعة من أهل العلم، وهو مذهب الحنفية، وقال به بعض الحنابلة، والمالكية، والشافعية.
قال الشوكاني ﵀ في «السيل» (٢/ ٢٤٥): والحاصل أنَّ النكاح سنة مؤكدة، فلا وجه لجعل بعض أقسامه مُباحًا؛ فإنَّ ذلك دفع في وجه الأدلة، ورد للترغيبات الكثيرة في صحاح الأحاديث وحسانها. نعم من كان فقيرًا لا يستطيع القيام بمؤنة الزوجة؛ فله رخصة في ترك هذه السنة الحسنة؛ لقوله عزوجل: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣].انتهى المراد. (٢)
تنبيه: الظاهرية يوجبون النكاح على كل قادر على الوطء، وعلى مؤن النكاح. (٣)
فائدة: قال الإمام أحمد ﵀: ليست العزبة من أمر الإسلام في شيء. وقال
стр. 4023
أيضًا: من دعاك إلى غير التزويج؛ فقد دعاك إلى غير الإسلام، ولو تزوج بشر كان قد تمَّ أمره. (١)
مسألة [٢]: حكم الاختصاء .
الاختصاء هو طلب الخصاء، والخصاء هو الشق على الأُنثيين وانتزاعهما.
وفي «الصحيحين» عن سعد بن أبي وقاص قال: ردَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على عثمان بن مظعون التَّبتل، ولو أذن له؛ لاختصينا. (٢)
وفي «الصحيحين» أيضًا عن ابن مسعود قال: كُنَّا نغزو مع رسول الله ﷺ ، وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ... الحديث. (٣)
ففي هذين الحديثين النهي عن الخِصاء.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥٠٧٥): وهو نهي تحريم بلا خلاف في بني آدم. اهـ
مسألة [٣]: هل يُستحب التزوج بأكثر من واحدة ؟
• الأشهر عند الحنابلة أن الاقتصار على واحدة أفضل؛ لأنه أقرب إلى العدل.
• وذهب بعضهم إلى أنَّ الزيادة على الواحدة أفضل، ويستحب الزيادة، ويجب
стр. 4024
العدل، وهذا قول بعض الحنابلة، وهو ظاهر تبويب البخاري، فقد بوَّبَ: [باب كثرة النساء]، وأسند تحته قول ابن عباس لسعيد بن جبير: تزوج؛ فإنَّ خير هذه الأمة أكثرها نساء، وهذا القول أصح لمن قدر على كفاية زوجاته، وأمن على نفسه من الجور. (١)
стр. 4025
٩٦٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ بَقِيَّةِ السَّبْعَةِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: قوله: «لِحَسَبِهَا» .
بفتح المهملتين، ثم موحدة، أي: شرفها، والحسب في الأصل الشرف بالآباء، وبالأقارب، مأخوذٌ من الحساب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدُّوا مناقبهم، ومآثر آبائهم، وقومهم، وحسبوها، فَيُحْكَم لمن زاد عدده على غيره.
وقيل: المراد بالحسب هنا الفِعَال الحسنة.
وقيل: المراد المال، وهو مردود؛ لذكر المال قبله، وذكره معطوفًا عليه.
وأما ما أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٣)، والنسائي (٦/ ٦٤)، وصححه ابن حبان (٧٠٠)، والحاكم (٢/ ١٦٣)، من حديث بريدة رفعه: «إنَّ أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال».
فيحتمل أن يكون المراد: أنه حسب من لا حسب له، فيقوم النسب الشريف لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له، أو أنَّ من شأن أهل الدنيا رفعة من كان كثير
стр. 4026
المال، ولو كان وضيعًا، وضعة من كان مُقِلًّا، ولو كان رفيع النسب كما هو موجود مُشاهد. (١)
مسألة [٢]: قوله: «تَرِبَتْ يَدَاك» .
أي: لَصِقَتَا بالتراب، وهي كناية عن الفقر، وهو خبر بمعنى الدعاء، لكن لا يُراد به حقيقته، وذكروا لها معانٍ أخرى هذا أرجحها. (٢)
مسألة [٣]: الصفات المستحسنة في المرأة التي يُراد الزواج بها .
استحبَّ أهل العلم في المرأة أن تكون تقية، ورعة، دَيِّنَة؛ لهذا الحديث «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك».
واستحبوا أيضًا أن تكون ولودًا ليست بعاقر؛ لحديث معقل بن يسار المتقدم، وكذا حديث أنس.
واستحبوا أيضًا أن تكون ودودًا، وهي التي تعمل الأعمال التي تحبب زوجها إليها، وتجتنب الأعمال التي تسخطه.
واستحبوا أيضًا أن تكون بكرًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لجابر: «هلَّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك». (٣)
واستحبوا أيضًا أن تكون ذات نسب؛ لحديث الباب، وذات جمال حتى يكون
стр. 4027
ذلك سببًا في الائتلاف، ودوام العشرة الحسنة.
وأباحوا أن يتزوج الرجل المرأة لمالها حتى تكون عونًا له على الأولاد، وتقل طلبات المرأة لزوجها، ويُكره للمسلم أن يقدم غير ذات الدِّين على المرأة الصالحة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة». (١)
стр. 4028
٩٦٥ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَفَّأَ إنْسَانًا إذَا تَزَوَّجَ قَالَ: «بَارَكَ اللهُ لَك، وَبَارَكَ عَلَيْك، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الدعاء بالرَّفاء للمتزوج .
الرَّفاء: هو الالتئام، والموافقة، وحسن العشرة، وهو من (رفأ الثوب، رفوته رفوًا) وهو دعاء للزوج بالالتئام والائتلاف مع زوجه، ويُستحب أن يُدعى للمتزوج بالدعاء المذكور في حديث أبي هريرة ﵁.
وفي «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دعا لعبد الرحمن بن عوف، ولجابر بن عبد الله بقوله لكل واحد منهما: «بارك الله لك». (٢)
وقد جاء في بعض الأحاديث أنَّ أهل الجاهلية كانوا يقولون: بالرَّفاء والبنين. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تقولوا هكذا، وقولوا: بارك الله لكم، وبارك عليكم»، وهو حديث يحسنه الإمام الألباني ﵀، كما في «آداب الزفاف» (ص ١٧٥ - ١٧٦).
стр. 4029
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥١٥٥): اختلف في علة النهي عن ذلك، فقيل: لأنه لا حمد فيه ولا ثناء، ولا ذكر لله. وقيل: لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات لتخصيص البنين بالذكر. قال ابن المنير: الذي يظهر أنه ﷺ كره اللفظ لما فيه من موافقة الجاهلية؛ لأنهم كانوا يقولونه تفاؤلًا لا دعاءً. اهـ
ويستحبُّ أيضًا للنساء أن يَدعِين بهذا الدعاء للمرأة المتزوجة، وفي «الصحيحين» أنَّ النسوة قُلْن لعائشة عند زفافها: على الخير والبركة، وعلى خير طائر. (١)
فائدة: يُستحَبُّ للمتزوج إذا تزوج امرأة أن يأخذ بناصيتها، ويقول: «اللهم إني أسألك من خيرها، وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها، وشر ما جبلتها عليه» (٢)، ثبت ذلك بإسناد حسن من طريق: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا.
стр. 4030
٩٦٦ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الحَاجَةِ: «إنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الخطبة قبل عقد النكاح .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٤٦٤): وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ الْعَاقِدُ، أَوْ غَيْرُهُ قَبْلَ التَّوَاجُبِ، ثُمَّ يَكُونَ الْعَقْدُ بَعْدَهُ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْمَدَ اللهَ تَعَالَى، وَيَتَشَهَّدَ، وَيُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ بِخُطْبَةِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ يعني التي رواها عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث الباب ... قَالَ الْخَلَّالُ: حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ إمَامُ طَرَسُوسَ، قَالَ: كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إذَا حَضَرَ عَقْدَ نِكَاحٍ لَمْ يُخْطَبْ فِيهِ بِخُطْبَةِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَامَ وَتَرَكَهُمْ. وَهَذَا كَانَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِحْبَابِهَا، لَا عَلَى الْإِيجَابِ؛ فَإِنَّ حَرْبَ بْنَ إسْمَاعِيلَ قَالَ: قُلْت لِأَحْمَدَ: فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ خُطْبَةُ النِّكَاحِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ؟ فَوَسَّعَ فِي