← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: خطبة المعتدة . قال القرطبي ﵀ في «تفسيره» (٣/ ١٨٨): قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أنَّ الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزوجها، وتنبيه عليه لا يجوز. اهـ قلتُ: أما قوله (وتنبيه) يشمل التعريض، وفيه تفصيلٌ يأتي ذِكْرُه. مسألة [٢]: التعريض بالخِطبة للمعتدة . قال ابن قدامة ﵀: التَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ: إنِّي فِي مِثْلِك لَرَاغِبٌ. وَرُبَّ رَاغِبٍ فِيك. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: التَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ: إنَّك عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ. وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ. وَإِنَّ اللهَ لَسَائِقٌ إلَيْك خَيْرًا، أَوْ رِزْقًا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَنْتِ جَمِيلَةٌ. وَأَنْتِ مَرْغُوبٌ فِيك. وَإِنْ قَالَ: لَا تَسْبِقِينَا بِنَفْسِك. أَوْ لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِك. أَوْ إذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي. وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ جَازَ. اهـ قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: مشروعية التعريض للمعتدة إنما هو في عدة الوفاة، أو المطلقة البائن، وأما المطلقة الرجعية؛ فلا يشرع في حقها التعريض؛ لأنها لا تزال زوجة للغير. (١)

стр. 4062

مسألة [٣]: إذا خطبها في عدتها، أو عرَّض حيث لا يجوز له، ثم نكحها بعد العدة . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٥٧٤): فَإِنْ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ، أَوْ عَرَّضَ فِي مَوْضِعٍ يَحْرُمُ التَّعْرِيضُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ حِلِّهَا؛ صَحَّ نِكَاحُهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُطَلِّقُهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُحَرَّمَ لَمْ يُقَارِنْ الْعَقْدَ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ، كَمَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي، أَوْ كَمَا لَوْ رَآهَا مُتَجَرِّدَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا. اهـ

стр. 4063

٩٧٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ جِئْت أَهَبُ لَك نَفْسِي، فَنَظَرَ إلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنْ لَمْ تَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، قَالَ: «فَهَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ؟» فَقَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «اذْهَبْ إلَى أَهْلِك، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟» فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْت شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «انْظُرْ، وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إزَارِي قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِك؟ إنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ». فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «مَاذَا مَعَك مِنَ القُرْآنِ؟» قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا فَقَالَ: «تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِك؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «اذْهَبْ؛ فَقَدْ مَلَّكْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنَ القُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ القُرْآنِ». (٢) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَك مِنَ القُرْآنِ». (٣)

стр. 4064

٩٧٣ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «مَا تَحْفَظُ؟» قَالَ: سُورَةَ البَقَرَةِ، وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: «قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً». (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: أركان العقد . ذكر أهل العلم أنَّ العقد أعني عقد النكاح لا ينعقد إلا بالإيجاب والقبول؛ لأنَّ ماهية العقد مركبة منهما. (٢) مسألة [٢]: هل للإيجاب صيغة معينة ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ العقد لا ينعقد إلا بلفظ النكاح، أو التزويج، وهذان اللفظان مُجمع على انعقاد النكاح بهما؛ لأنَّ هذين اللفظين هما اللذان وردا في القرآن ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٢]، وهذا قول جماعة من التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، وقال به ربيعة، والشافعي، وأحمد، وابن حزم وآخرون. • وذهب جماعةٌ آخرون من أهل العلم إلى أنَّ النكاح ينعقد بكل لفظ يدل عليه، ويعده الناس نكاحًا، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وقال به

стр. 4065

الثوري، وداود، وأبو عبيد، وعزاه ابن القيم للجمهور، ورجحه شيخ الإسلام، وابن القيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «الإنصاف» (٨/ ٤٣): الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ (الْإِنْكَاحِ)، وَ (التَّزْوِيجِ). قَالَ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ وَقِيَاسُ مَذْهَبِهِ وَعَلَيْهِ قُدَمَاءُ أَصْحَابِهِ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵀ نَصَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: (جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك)، وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ إنْكَاحٌ وَلَا تَزْوِيجٌ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّهُ خَصَّهُ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ. وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ فِيمَا عَلِمْت أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِلَفْظِ (الْإِنْكَاحِ) وَ (التَّزْوِيجِ) ابْنُ حَامِدٍ. وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ؛ لِسَبَبِ انْتِشَارِ كُتُبِهِ، وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ. اهـ وقد استدل أصحاب هذا القول بحديث الباب، فقد جاء بلفظ: «أملكناكها»، وبلفظ: «ملكتكها». وقد ردَّ أصحاب القول الأول على ذلك بأنَّ أكثر طرق الحديث بلفظ التزويج، فأعلُّوا الألفاظ الأخرى. ويُجاب عن ذلك بأنها ثابتة في «الصحيحين»، ولا معارضة بينهما حتى يرجح أحدهما على الأخرى. والعبرة بالعقود بالمعاني التي تدل على الإيجاب والقبول، وليس العبرة

стр. 4066

بمجرد اللفظ، فالقول الثاني هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) تنبيه: وكذلك القبول ينعقد بكل لفظ يدل عليه أيضًا على الصحيح، وهو قول الجمهور كما في المصارد السابقة. مسألة [٣]: إذا قال الخاطب للولي: أزوجت؟ قال: نعم، أقبلت؟ فقال الخاطب: نعم ؟ • ينعقد النكاح عند الجمهور، وهو مذهب الحنابلة أيضًا، وقال الشافعي: لا ينعقد حتى يقول معه: زوجتك ابنتي. ويقول الزوج: قبلت هذا التزويج. والصحيح قول الجمهور؛ لأنَّ العبرة بالمعنى، وقد دلَّ اللفظ المذكور على الإيجاب والقبول، وقال بعض الحنابلة: السؤال يكون مضمرًا في الجواب، مُعادًا فيه، فيكون معنى (نعم) من الولي: (زوجته ابنتي)، ومعنى (نعم) من المتزوج: (قبلت هذا التزويج)، ولا احتمال فيه؛ فيجب أن ينعقد به. (٢) مسألة [٤]: لو قال: زوجتك ابنتي. فقال: قبلت ؟ • يصح النكاح عند أكثر أهل العلم. • وعن الشافعي قولٌ: لا يصح حتى يقول: قبلت هذا التزويج. وقوله الثاني كقول الجمهور، وهو الصواب. (٣)

стр. 4067

مسألة [٥]: إذا قال الخاطب: زوجني ابنتك. فقال الولي: زوجتك ؟ وكذا لو قال: تَزوجت ابنتك. فيقول: زوجتك. • فمذهب الحنابلة عدم صحة ذلك؛ لأنَّ القبول إنما يكون للإيجاب، فمتى وجد قبله لم يكن قبولًا؛ لعدم معناه. • ومذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة صحة ذلك، واستدلوا عليه بقصة الواهبة الذي في الباب، وقد بوَّب عليه البخاري [باب إذا قال الخاطب للولي: زوجني فلانة. فقال: قد زوجتك بكذا وكذا. جاز النكاح، وإن لم يقل للزوج: أرضيت أو قبلت].اهـ وهذا القول هو الصحيح، والأحوط إعادة القبول. (١) مسألة [٦]: هل ينعقد النكاح بغير العربية لمن يقدر على العربية ؟ • الأشهر في مذهب الحنابلة عدم صحة العقد بغير العربية لمن يحسنها، وهو الأشهر عند الشافعية أيضًا. • والقول الثاني هو الصحة، وهو قول جماعة من الحنابلة، منهم: ابن قدامة، وصاحب «الشرح الكبير» وهو قول بعض الشافعية، وهو مقتضى قول الجمهور، ورجحه شيخ الإسلام، وابن القيم، وهو الصواب، والله أعلم. (٢)

стр. 4068

مسألة [٧]: إذا تراخى القبول عن الإيجاب ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٤٦٣): إِذَا تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ؛ صَحَّ، مَا دَامَا فِي المَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا عَنْهُ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ المَجْلِسِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهِ، وَثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي عُقُودِ المُعَاوَضَاتِ؛ فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبُولِ، بَطَلَ الْإِيجَابُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ مَعْنَاهُ؛ فَإِنَّ الْإِعْرَاضَ قَدْ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهِ بِالتَّفَرُّقِ، فَلَا يَكُونُ قَبُولًا. وَكَذَلِكَ إنْ تَشَاغَلَا عَنْهُ بِمَا يَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْ الْعَقْدِ أَيْضًا بِالِاشْتِغَالِ عَنْ قَبُولِهِ. اهـ (١) مسألة [٨]: هل في عقد النكاح خيار ؟ قال أبو محمد ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٤٦٤): وَلَا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ خِيَارٌ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَاجَةَ غَيْرُ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بَعْدَ تَرَوٍّ، وَفِكْرٍ، وَمَسْأَلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَنْ صَاحِبِهِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِحَالِهِ. اهـ (٢)

стр. 4069

٩٧٤ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: إعلان النكاح . قال أبو محمد بن قدامة ﵀ (٩/ ٤٦٧): ويُستحبُّ إعلان النكاح، والضرب فيه بالدف. قال أحمد: يُستحبُّ أن يظهر النكاح، ويضرب فيه بالدف حتى يشتهر، ويُعرف ... اهـ وقد اشترط بعضهم لصحة النكاح إعلانه، وهو قول مالك، وبعض الحنابلة، ومذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة عدم اشتراط ذلك، وإنما يُكره عندهم كتمانه، وهذا أظهر، والحديث المذكور لا يفيد الشرطية، والله أعلم. (٢) تنبيه: ضرب الدف خاصٌّ بالنساء إذا وجد فرح، أو سرور، كالنكاح، والعيد، وما أشبهها، وأما الرجال؛ فيحرم عليهم استعماله؛ لأنه تشبه بالنساء، ولأنَّ الرخصة جاءت فيه للنساء فقط. (٣)

стр. 4070

٩٧٥ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ المَدِينِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ. وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. (١)

стр. 4071

٩٧٦ - وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ مَرْفُوعًا: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ (١)». (٢)

стр. 4072

٩٧٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ،، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: هل يشترط أن يكون للمرأة ولي يلي تزويجها بكرًا كانت، أو ثَيِّبًا، صغيرةً، أو كبيرة ؟ • هذا شرطٌ عند الجمهور، واستدلوا عليه بحديث أبي موسى، وعائشة ﵄، المذكورين في الباب. وقال ابن المنذر: لا أعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. اهـ قال الجمهور: فإن زوجت نفسها؛ فزواجها باطل. وجاء عن بعضهم أنهم قالوا: تأثم، والزواج موقوف على إجازة الولي، وهو قول ابن سيرين، والقاسم، والحسن بن صالح، وأبي يوسف، والأوزاعي.

стр. 4073

• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ لها أن تزوج نفسها، كما أنَّ لها أن تبيع وتشتري، وهذا فيما إذا كانت رشيدة بالغة. • وعن مالك رواية أنَّ لها أن تزوج نفسها إذا كانت غير شريفة. • وذهب داود الظاهري إلى أنه يشترط في البكر دون الثيب؛ لحديث: «الثيب أحق بنفسها من وليها» أخرجه مسلم (١٤٢١). والصحيح قول الجمهور؛ للأحاديث الصريحة في ذلك، وقياس أبي حنيفة فاسد؛ لمعارضته النصوص الصحيحة وحديث: «الثيب أحق بنفسها»، أي: في الإذن لا في الولاية عند عامة أهل العلم، وقد خالفه ابن حزم الظاهري ووافق الجمهور. (١) تنبيه: يستفاد من أحاديث الباب بيانُ شرطٍ من شروط صحة النكاح، وهو: الشرط الأول: أن يكون للمرأة وليٌّ يتولى تزويجها صغيرة كانت أو كبيرة، بكرًا، أو ثيبًا. مسألة [٢]: إذا تزوجت المرأة تزويجًا فاسدًا فهل تطلق إذا أرادوا تزويجها لآخر ؟ • مذهب أحمد أنها لا تزوج من آخر حتى يطلقها الأول، أو يفسخ نكاحها، وإذا امتنع من طلاقها فسخ عليه الحاكم؛ لأنه نكاح وجد الاختلاف في صحته. • ومذهب الشافعي أنه لا حاجة إلى فسخ، ولا طلاق؛ لأنه نكاح غير منعقد،

стр. 4074

كالنكاح في العدة. وأُجيب: بأنَّ النكاح في العدة مجمع على عدم انعقاده. والصحيح هو مذهب الشافعي، والأحوط العمل على مذهب أحمد، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: هل للمرأة شيء إذا دخل بها الرجل في الزواج الفاسد ؟ • المنصوص عن أحمد ﵀ أنَّ لها المهر المسمى؛ لأنَّ في بعض ألفاظ حديث عائشة ﵂: «ولها الذي أعطاها بما أصاب منها» «فلها المهر بما استحل من فرجها». • وقال بعضهم: لها مهر المثل. وهو مذهب الشافعي، ووجهٌ للحنابلة، وخُرِّجَ رواية عن أحمد؛ لأنَّ العقد باطلٌ، فلا عبرة بما سُمِّيَ به، وتُعطَى مقابل الاستحلال. • وقال أبو حنيفة: لها الأقل من المسمَّى، أو مهر المثل؛ لأنها رضيت به إن كان المسمى هو الأقل. والأقرب إلى ظاهر الحديث هو القول الأول، والله أعلم. ثم وجدتُ ابن القيم قد صحح هذا القول كما في «الزاد» (٥/ ١٠٥). (٢)

стр. 4075

مسألة [٤]: إذا خلا بها ولم يدخل بها، فهل لها شيء ؟ • أكثر أهل العلم على أنه ليس لها شيء إلا بالدخول بها، وعن أحمد رواية أنَّ المهر يستقر لها بالخلوة قياسًا على العقد الصحيح، والصحيح قول الجمهور. (١) مسألة [٥]: ترتيب ولاية الأولياء على المرأة في النكاح . • أكثر أهل العلم على أنَّ ترتيبها على النحو الآتي، وهو: الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الابن، ثم ابن الابن وإن نزل، ثم الإخوة، ثم أبناؤهم -عدا الأخ لأم وابنه- ثم العمومة، ثم أبناؤهم. وهناك خلافٌ في بعض الصور: منها: أن بعض أهل العلم قدَّم ولاية الابن على الأب. • وهذا الأشهر عن مالك، وقال به إسحاق، والعنبري، وابن المنذر، وأبو يوسف، وأبو حنيفة، كما هو مقدم عليه في العصبة في المواريث. واستثنى بعض المالكية البنت التي تربت بحجر أبيها؛ فقدموا الأب فيها على الابن. • وأجاب الجمهور بأنَّ الأب أعلم بمصلحة ابنته من ولدها، وأكمل نظرًا، وأشد شفقة، ويمكن أن يُقال أيضًا: إنَّ ولاية الأب ثابتة على المرأة قبل أن تأتي بولد، فنقلها إلى الولد يحتاج إلى دليل صحيح، والله أعلم. ورجح الإمام ابن عثيمين ﵀ أنَّ ولاية الأب مقدمة على ولاية الابن، وهو الأقرب عندي، والله أعلم.

стр. 4076

وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الفتاوى الكبرى» (٥/ ٤٥٢): وَلَوْ قِيلَ: إنَّ الِابْنَ وَالْأَبَ سَوَاءٌ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ كَمَا إذَا أَوْصَى لِأَقْرَبِ قَرَابَتِهِ لَكَانَ مُتَوَجِّهًا. اهـ ومنها: هل الابن مقدم على الجد؟ • فمذهب أحمد، والشافعي وغيرهما أنَّ الجد مقدم؛ لأنه في حكم الأب. وعن أحمد رواية بتقديم الابن وهو مقتضى قول مالك ومن معه في المسألة التي قبلها. ومنها: هل الجد مقدم على الأخ؟ • فالأكثر على أنَّ الجد مقدم عليه؛ لأنه أبٌ، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وبعض المالكية. • وعن أحمد رواية أنَّ الأخ مقدم على الجد، وهو قول مالك. • وعن أحمد رواية ثالثة: أنَّ الأخ، والجد سواء؛ لاستوائهما في الميراث بالتعصيب، وهو قول محمد بن الحسن، وأبي يوسف. والصحيح قول الجمهور. ومنها: أنَّ الشافعي، وابن حزم يريان أنْ لا ولاية للأبناء. إلا أن يكونوا جمعوا مع البنوة عصبة أخرى، كأن يكون مولى، أو ابن عم، أو ما أشبهه؛ بحجة أنه ليس من قبيلة المرأة وعاقلتها. • وخالفهم الجمهور، فقالوا: له الولاية على خلاف بينهم كما تقدم هل ولايته مقدمة على الأب، أم لا؟ لأنه يرث بالتعصيب، ويرث الولاء، وفرعهم الذي قاسوا عليه مختلف فيه؛ فإنه يُعتبر من عاقلتها عند بعض أهل العلم، وقد وافق المزني من الشافعية قول الجمهور.

стр. 4077

ومنها: أنهم اختلفوا في تقديم الشقيق من الإخوة، والأعمام، وأبنائهم على من أدلى بالأب فقط. • فأكثر أهل العلم على تقديم الشقيق، وهو مذهب مالك، والشافعي في الجديد، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وصححه ابن قدامة؛ لأنَّ الشقيق أقرب إلى المرأة؛ لأنه مقدم على الآخر بالميراث، وبالولاء. • وقال بعضهم: هما سواء في الولاية. وهو قول أبي ثور، وأحمد في رواية، والشافعي في القديم. قلتُ: الشقيق لا شك أنه أولى بالولاية، ولكن لو زوجها وليها من الأب مع وجود الشقيق؛ فلا تطمئن النفس إلى إبطال هذا النكاح، لأن الجهة واحدة، ولأن تقديمهم ليس مجمعًا عليه، ولا نعلم دليلًا على الاشتراط، والله أعلم. ومنها: أنهم اختلفوا في الولاية لمن، إذا لم يكن للمرأة عصبة؟ • فمذهب الجمهور أنَّ المرأة إذا لم يكن لها عصبة لا من جهة النسب، ولا من جهة الولاء؛ فإنَّ وليها الحاكم، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي، ورواية عن أبي حنيفة. • وعن أبي حنيفة رواية أنَّ كل من يرث بفرض، أو تعصيب يليها. فدخل في كلامه هذا الأخ لأم. • وذهب الشوكاني ﵀ إلى أنَّ الولاية لكل من له قرابة بالمرأة، ويلي أمرها أشدُّ من عليه الغضاضة إذا تزوجت بغير كفء، فعنده الأخ لأم أولى من ابن

стр. 4078

العم، وكذا الخال أولى من ابن ابن العم، وما أشبه ذلك. قلتُ: وعامة أهل العلم كما تقدم قاسوا الولاية في النكاح على مسألة ميراث الولاء والعصوبة؛ إلا في حق الأب، وقولهم أقرب، والله أعلم. فإذا لم يكن للمرأة عصبة؛ فوليها السلطان؛ لحديث: «فالسلطان ولي من لا ولي له». (١) مسألة [٦]: إن لم يوجد للمرأة ولي، ولا ذو سلطان ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٣٦٢): فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِلْمَرْأَةِ وَلِيٌّ وَلَا ذُو سُلْطَانٍ، فَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُزَوِّجُهَا رَجُلٌ عَدْلٌ بِإِذْنِهَا. ثم قال ﵀: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْوَلِيِّ هَاهُنَا يَمْنَعُ النِّكَاحَ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَجُزْ، كَاشْتِرَاطِ المُنَاسِبِ فِي حَقِّ مَنْ لَا مُنَاسِبَ لَهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ إلَّا بِوَلِيٍّ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: وبقول الإمام أحمد نقول، وبذلك أفتى شيخنا الإمام الوادعي، واللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة ابن باز ﵀. مسألة [٧]: الوكالة في هذه الولاية . يجوز التوكيل في النكاح كما يجوز في غيره من العقود عند أهل العلم؛ لأنه عقد معاوضة؛ فجاز التوكيل فيه كالبيع. • وقال بعض الشافعية: لا يجوز توكيل غير الأب والجد؛ لأنَّ ولايته بالإذن،

стр. 4079

فلم يَجُزْ التوكيل له كالوكيل. وأُجيب عن ذلك: بأنَّ ولايته ثابتة قبل إذنها، وإنما إذنها شرط لصحة تصرفه، فأشبه ولاية الحاكم، ولا خلاف في أنَّ للحاكم أن يستنيب في التزويج من غير إذن المرأة، ولأنَّها لا ولاية لها على نفسها، فكيف يصح لنائبها من قبلها. (١) ووكيل الولي يقوم مقامه عند أهل العلم، فوكيل الأب أحق من الأخ، وله أحكام الأب في هذا الباب. (٢) مسألة [٨]: التوكيل المطلق والمقيد . يجوز التوكيل عند أهل العلم مطلقًا، ومُقيدًا، فالمقيد التوكيل في تزويج رجل بعينه، والمطلق التوكيل في تزويج من يرضاه، أو من شاء. • ومنع بعض الشافعية التوكيل المطلق، وقالوا بعدم صحته. والتفصيل بين المطلق والمقيد لا دليل عليه، والصحيح جواز ذلك مطلقًا. (٣) مسألة [٩]: هل يفتقر صحة التوكيل في الولاية إلى إذن المرأة ؟ • اشترط بعض الشافعية في التوكيل أن تأذن المرأة، وذلك في حالة تزويج غير المجبرة عندهم، وهي الثيب، والبكر إذا كان وليها غير أبيها وجدِّها. والصحيح عند أهل العلم أنَّ ذلك ليس بشرطٍ، سواء كان الموكل أبًا، أو غيره؛

стр. 4080

لأنه إذن من الولي في حق من حقوقه؛ فجاز بغير إذن المرأة، كإذن الحاكم. (١) مسألة [١٠]: هل تستفاد ولاية النكاح بالوصية ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ ولاية النكاح تُستفاد بالوصية كما تُستفاد بالتوكيل، وهو قول الحسن، وحماد، ومالك، وأحمد في رواية، وربيعة، وقالوا: كما يجوز له الوصية بولاية المال؛ فكذلك يجوز له الوصية بولاية التزويج. • وذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ ولاية النكاح لا تُستفاد بالوصية، بل هي ثابتةٌ بالشرع، فإذا مات الأول، أو عضل؛ انتقلت إلى الآخر، وهذا قول الشعبي، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وابن المنذر، وأحمد، وبعض المالكية، والظاهرية. • وقال بعض الحنابلة: يجوز؛ إن لم يكن لها عصبة. وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ القول الثاني، وهو قول الجمهور، وهو الذي يظهر، والله أعلم. (٢) مسألة [١١]: صفات الولي . لا خلاف في اعتبار أن يكون عاقلًا، فلا تصح الولاية من الصغير الذي لا يعقل، وكذا المجنون، وكذا الشيخ الذي قد خرَّف لكبره، وكذا السفيه على الصحيح من قولي العلماء.

стр. 4081

وأما الإغماء فلا يزيل الولاية؛ لأنه يزول عن قرب، فأشبه النوم. (١) مسألة [١٢]: هل يشترط أن يكون الولي مسلمًا ؟ الذي عليه أهل العلم أنه ليس للكافر ولاية على المسلمة؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، ونقل أبو الخطاب عن الحنابلة وجهًا أنَّ للذمي ولاية على أم ولده إذا أسلمت، وهو قول غير صحيح. (٢) مسألة [١٣]: هل يُشترط أن يكون بالغًا ؟ • جمهور العلماء على اشتراط ذلك؛ لأنَّ الله حجر على الصبي التصرف في ماله حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد؛ فولاية النكاح أولى بذلك من ولايته على المال. • وعن أحمد رواية أنَّ له الولاية إذا بلغ عشرًا؛ لأنه في هذا السن يميز. والأقرب قول الجمهور، والله أعلم. (٣) مسألة [١٤]: هل تُشترط العدالة ؟ • ذهب بعضُ أهل العلم إلى اشتراط أن يكون عدلًا، فلا ولاية عندهم للفاسق، وهذا قول أحمد في رواية، والشافعي في قولٍ؛ لأنه إذا كان فاسقًا؛ فإنه

стр. 4082

ربما زوجها بمن لا عدالة له. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك، بل يصح عندهم للفاسق أن يزوج وليته؛ لأنَّ الله نفى الولاية عن الكافر، ففهم منه أنَّ ولاية الفاسق ثابتة. وقد اختار الإمام ابن عثيمين أنَّ الفاسق إذا كان فسقه يحمله على عدم المبالاة بوليته وتزويجها من الفساق، وبمن لا تريد؛ فلا تصح منه الولاية، وأما إن كان فاسقًا فسقًا لا يحمله على التساهل في مثل هذه الأمور؛ فتصح ولايته، والله أعلم. قلتُ: والصحيح أن ولاية الفاسق على ابنته صحيحة ثابتة، ولا يجوز له أن يزوجها بكافر، أو قاطع صلاة، أو بمن يكون سببًا في ضياعها وفسقها؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، والمرأة لها أن ترفض، فعند ذلك لا يصح تزويجه إياها بمن لا تريده. وقد رجح الإمام ابن القيم ﵀ عدم اشتراط العدالة في ولاية الحضانة والنكاح؛ فقال ﵀ كما في «زاد المعاد» (٥/ ٤٦١): الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعًا، وإن شرطها أصحاب أحمد، والشافعي وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد، ولو اشترط في الحاضن العدالة؛ لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمة، واشتد العنتُ، ولم يزل من حين قام الإِسلام إلى أن

стр. 4083

تقومَ الساعة أطفال الفساق بينهم لا يتعرض لهم أحدٌ في الدنيا، مع كونهم الأكثرين، ومتى وقع في الإِسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسر، واستمرارُ العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح؛ فإنه دائمُ الوقوع في الأمصار والأعصار، والقرى والبوادي، مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق، ولم يزل الفسقُ في الناس، ولم يمنع النبيِ ﷺ ، ولا أحدٌ من الصحابة فاسقًا من تربية ابنه وحضانته له، ولا مِن تزويجه مولِّيته، والعادةُ شاهدة بأن الرجل ولو كان من الفساق؛ فإنه يحتاط لابنته، ولا يُضيعها، ويحرص على الخير لها بجهده، وإن قُدِّرَ خلاف ذلك، فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد، والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعي، ولو كان الفاسق مسلوبَ الحضانة، وولاية النكاح؛ لكان بيانُ هذا للأمة من أهم الأمور، واعتناء الأمة بنقله، وتوارث العملِ به مقدّمًا على كثير مما نقلوه، وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعُه واتصالُ العمل بخلافه، ولو كان الفِسق ينافي الحضانة؛ لكان من زنى أو شرب خمرًا، أو أتى كبيرةً، فرق بينه وبين أولاده الصغار، والتمس لهم غيره، والله أعلم. اهـ (١) مسألة [١٥]: هل يُشترط أن يكون وليها حُرًّا ؟ • اشترط جماعةٌ من أهل العلم أن يكون الولي حُرًّا، ولا تجوز عندهم ولاية العبد؛ لأنه مملوكٌ لا يتصرف إلا بإذن سيده؛ فلا ولاية له.

стр. 4084

• وقال بعض أهل العلم -وهو قول بعض الحنابلة، وهو الصواب-: لا يُشترط أن يكون حُرًّا، بل يجوز للعبد أن يزوج وليته؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، وكونه لا يتصرف إلا بإذن سيده فهذا في الأمور المتعلقة به، وأما هذا الأمر فمتعلق بوليته، وإنما هو يلي العقد فقط ولا ضرر على السيد يلحقه بذلك، والله أعلم. (١) مسألة [١٦]: من يلي تزويج الأمة ؟ أما إن كانت مملوكة لرجل، فهو الذي يلي تزويجها بلا خلاف عند أهل العلم؛ لأنه هو الذي يملكها، فكما يملك بيعها وهبتها؛ فيملك تزويجها. • وأما إن كانت مملوكة لامرأة، فقال بعضهم: يلي تزويجها ولي سيدتها بإذن سيدتها. وهو قول أحمد، والشافعي، وقال به ابن حزم، وذلك لأنَّ المرأة لا تزوج نفسها ولا غيرها، وفي الحديث الثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تزوج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوج المرأة نفسها» (٢)، فبقي أن يكون وليها ولي سيدتها؛ لأنه هو الذي يزوج السيدة، ويلي عقد النكاح لها، فكذلك لأمتها. واستدل ابن حزم على ذلك بالآية: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، فأمر الله بإنكاح العبيد والإماء، والأمر متوجهٌ إلى من ينكح الأحرار أيضًا؛ لأنَّ الأمر واحد، ولا يصفو له هذا الاستدلال. • ومنهم من قال: تُولِّي أمر أمتها رجلًا يزوجها، وهو قول أحمد في رواية.

стр. 4085

• وقال أبو حنيفة: تزوجها سيدتها. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [١٧]: إذا كانت المرأة عتيقة لامرأة ؟ • يلي نكاحها أولياؤها؛ لأنها حُرَّة؛ فإن لم يكن لها ولي من النسب، فيزوجها من يزوج مولاتها، وهو قول أحمد في رواية، وذلك لأنهم هم الذين يعقلون عنها، ويرثونها بالتعصيب عند عدم سيدتها. • وعن أحمد رواية أخرى أنَّ لمولاتها التوكيل في التزويج. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢) مسألة [١٨]: إن كان للأمة سيدان ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٣٧٣): وَإِذَا كَانَ لِلْأَمَةِ مَوْلًى؛ فَهُوَ وَلِيُّهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَوْلَيَانِ، فَالْوِلَايَةُ لَهُمَا، وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاسْتِقْلَالُ بِالْوِلَايَةِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا نِصْفَهَا، وَإِنْ اشْتَجَرَا لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ؛ فَإِنَّ نِكَاحَهَا حَقٌّ لَهَا، وَنَفْعَهُ عَائِدٌ إلَيْهَا، وَنِكَاحُ الْأَمَةِ حَقٌّ لِسَيِّدِهَا، وَنَفْعُهُ عَائِدٌ إلَيْهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لِلسُّلْطَانِ عَنْهُ فِيهِ. اهـ

стр. 4086

قلتُ: ولكن للسلطان إلزامهما بتزويجها إذا طالبت الأمة بالزواج؛ ل ٥ حاجتها الشرعية له، ويمهلهما فترة، لا ضرر فيها عليهما، ولا على الأمة. مسألة [١٩]: إذا كانت المعتقة لها موليان ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٣٧٣): فَإِنْ أَعْتَقَاهَا وَلَهَا عَصَبَةٌ مُنَاسِبٌ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَةٌ، فَهُمَا وَلِيَّاهَا، وَلَا يَسْتَقِلُّ أَحَدُهُمَا بِالتَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى نِصْفِهَا؛ فَإِنْ اشْتَجَرَا أَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ حُرَّةً، وَصَارَ نِكَاحُهَا حَقًّا لَهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ أَوْ الْمُعْتِقَةُ وَاحِدًا، وَلَهُ عَصَبَتَانِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالِابْنَيْنِ، أَوْ الْأَخَوَيْنِ، فَلِأَحَدِهِمَا الِاسْتِقْلَالُ بِتَزْوِيجِهَا، كَمَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ سَيِّدَتِهَا. اهـ مسألة [٢٠]: هل للمسلم ولاية على الكافرة ؟ • عامة أهل العلم على أنه لا ولاية للمسلم على الكافرة؛ إلا أن يكون سلطانًا، أو سيدًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]، ولأنَّ مختلفي الدين لا يرث أحدهما الآخر، ولا يعقل عنه؛ فلم يل عليه. • ونقل ابن حزم عن ابن وهب صاحب مالك أنَّه أجاز ولاية المسلم على ابنته الكافرة، واختار هذا القول الإمام ابن عثيمين؛ لأنَّ الضرر الحاصل من ولاية الكافر على المسلمة ليس موجودًا فيما إذا كان المسلم هو الولي على الكافرة، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)

стр. 4087

مسألة [٢١]: إذا تزوج المسلم ذمية، فمن يكون وليها ؟ • الأكثر على أن وليها هم عصبتها، وإن كانوا كافرين، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وبعض الحنابلة. • وقال بعض الحنابلة: يزوجها الحاكم. والصحيح القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [٢٢]: إذا زوَّج الولي الأبعد من غير عذرٍ مع وجود الأقرب ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعية عدم صحة ذلك الزواج، وهو قول أبي عبيد، وأبي ثور، وهو رواية عن مالك، واختاره ابن حزم، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة ﵂: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل»، ووليها هو الأقرب. وقال ابن حزم ما معناه: الناس كلهم ينتهي نسبهم إلى آدم، فلو قيل بجواز تزويج الأبعد مع وجود الأقرب؛ لكان يجوز لكل رجل أن يزوج أي امرأة. قال: فَعُلِم أنه لا يجوز أن يزوج الأبعد، ولو بدرجة واحدة مع وجود من هو أقرب منه. • وعن الإمام مالك أنَّ الزواج صحيح، ويقف على إجازة الولي، وعنه: إن كان كفؤًا أمر الحاكم الولي بالإجازة؛ فإنْ أبى صار عاضلًا، وأجاز عليه الحاكم. والصحيح القول الأول، والله أعلم. (٢)

стр. 4088

مسألة [٢٣]: إذا عضل الولي وليته عن الزواج ؟ إذا لم يكن لها عصبة آخرون؛ زوَّجها الحاكم بالاتفاق، واختلفوا إذا كان لها عصبة من يزوجها؟ • فمنهم من قال: يقدم الحاكم على العصبة الآخرين، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، وقال به شريح؛ لحديث: «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له»، ولأنَّ ذلك حقٌّ عليه امتنع من أدائه؛ فقام الحاكم مقامه، كما لو كان عليه دين فامتنع من قضائه. • وذهب جماعةٌ آخرون إلى أنَّ وليها العصبة الذي يليه، وهو مذهب أحمد، والمشهور عن أبي حنيفة؛ لأنَّ التزويج تعذر من جهة الأقرب، فملكه الأبعد، كما لو جُنَّ، ولأنه يفسق بالعضل، فتنتقل الولاية عنه كما لو شرب الخمر؛ فإن عضل الأولياء كلهم؛ زوَّج الحاكم، والحديث المذكور حجة لهؤلاء؛ لقوله: «السلطان ولي من لا ولي له»، وهذه لها ولي، ويمكن حمله على ما إذا عضل الكل؛ لأن قوله: «فإن اشتجروا» ضمير جمع يتناول الكل. قال ابن قدامة ﵀: وَالْوِلَايَةُ تُخَالِفُ الدَّيْنَ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا حَقٌّ لِلْوَلِيِّ، وَالدَّيْنُ حَقٌّ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ، وَالْوِلَايَةُ تَنْتَقِلُ لِعَارِضٍ مِنْ جُنُونِ الْوَلِيِّ، أَوْ فِسْقِهِ، أَوْ مَوْتِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُعْتَبَرُ فِي بَقَائِهِ الْعَدَالَةُ، وَالْوِلَايَةُ يُعْتَبَرُ لَهَا ذَلِكَ. اهـ، يعني عند جماعة من أهل العلم.

стр. 4089

قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول الثاني أقرب، والأحوط أن يستأذنوا الحاكم في نقل الولاية إلى الثاني، فيزوجها الثاني بإذن الحاكم؛ خروجًا من الخلاف، والله أعلم. (١) مسألة [٢٤]: معنى العضل . هو منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحد منهما في صاحبه. روى البخاري ﵀ (٥١٣٠) من حديث معقل بن يسار ﵁ قال: زوجت أختًا لي من رجل، فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك، وأفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله، لا تعود إليك أبدًا. وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢]، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: «فزوجها إياه». (٢) مسألة [٢٥]: إذا غاب الأقرب من أوليائها وتعذر الوصول إليه ؟ • للأبعد أن يزوجها عند أكثر أهل العلم، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة. • وقال الشافعي: يزوجها الحاكم. والصحيح قول الجمهور. (٣)

стр. 4090

مسألة [٢٦]: إذا اجتمع أكثر من ولي في درجة واحدة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٤٣٠): إذَا اسْتَوَى الْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّرَجَةِ، كَالْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ، وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ، فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ أَكْبَرِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَقَدَّمَ إلَيْهِ مُحَيِّصَةُ، وَحُوَيِّصَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كَبِّرْ كَبِّرْ» (١)، أَيْ: قَدِّمْ الْأَكْبَرَ، قَدِّمْ الْأَكْبَرَ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ. وَإِنْ تَشَاحُّوا وَلَمْ يُقَدِّمُوا الْأَكْبَرَ؛ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ اسْتَوَى فِي الْقَرَابَةِ. قال: فَإِنْ بَدَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَزَوَّجَ كُفُؤًا بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ، صَحَّ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْغَرَ الْمَفْضُولَ الَّذِي وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ صَدَرَ مِنْ وَلِيٍّ كَامِلِ الْوِلَايَةِ بِإِذْنِ مُوَلِّيَتِهِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ. وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِإِزَالَةِ الْمُشَاحَّةِ. اهـ قلتُ: وهو قول بعض الشافعية، وقال بعضهم: لا تصح؛ لأنَّ القرعة إذا خرجت له تعينت له الولاية. ومذهب الحنابلة هو الصحيح، والله أعلم. (٢) مسألة [٢٧]: هل لولي المرأة أن يزوجها من نفسه إن كانت ممن تُباح له ؟ أجاز أهل العلم لولي المرأة أن يزوجها من نفسه إن كان ممن تباح له، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]، وعُلِمَ أنه إذا أقسط في صداقها جاز له الزواج منها.

стр. 4091

واختلف أهل العلم هل له أن يلي طرفي العقد بنفسه، أم يوكل غيره بذلك؟ • فذهب الأكثر إلى أنه يجوز له أن يلي طرفي العقد بنفسه، وفعل ذلك عبدالرحمن بن عوف، وهو ثابتٌ عنه (١)، وهو قول الحسن، وابن سيرين، وربيعة، والثوري، وإسحاق، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والبخاري، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن حزم وآخرين؛ لأنه هو وليها، فصحَّ أن يزوج نفسه منها، ولا مانع من ذلك. • وذهب بعضهم إلى أنه لا يصح تزويجه لنفسه، وهو قول الشافعي، وداود، وزُفر، وأحمد في رواية، وصحَّ عن المغيرة بن شعبة كما في «المحلى» أنه وكَّل إنسانًا يزوجه من موليته. وحجتهم أنَّ النكاح لا يصح إلا بخاطب وولي، وههنا الخاطب هو الولي؛ فلا يصح ذلك. قلتُ: والصواب هو القول الأول، وفعل المغيرة بن شعبة لا يدل على اشتراط ذلك، والوكيل إنما هو قائمٌ مقام الموكل، فلا فرق، ولذلك فإن بعضهم يقول: إنما يزوجها إياه الحاكم. وهذا مخالف لفعل الصحابة. (٢) مسألة [٢٨]: إذا زوَّج نفسه، فكيف يقول في العقد ؟ • ذهب بعض الحنابلة إلى أنَّ عليه أن يوجب، ثم يقبل، فيقول: (زوجت نفسي من فلانة)، ثم يقول: (وقبلت هذا التزويج).

стр. 4092

• وذهب مالك، وأبو حنيفة، وبعض الحنابلة إلى أنه يكفيه أن يقول: (زوجت نفسي فلانة، أو تزوجت فلانة). وهذا هو الصحيح؛ لأنه لفظ يتضمن الإيجاب والقبول، وقد فعل ذلك عبد الرحمن بن عوف كما تقدم. (١) مسألة [٢٩]: هل يُشترط للنكاح شاهدان ؟ • اشترط ذلك بعض أهل العلم، واستدلوا بالأحاديث الواردة في الباب، وقد تقدم أنها ضعيفة، وهذا قول سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، وجابر بن زيد، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأحمد. • وعن أحمد ﵀ رواية أنه يصح بغير شهود، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، والعنبري، وأبي ثور، وابن المنذر، وذلك لعدم صحة الأحاديث الواردة بذلك، واستدل بعضهم بقصة الواهبة، وردَّ ذلك الحافظ بأنه كان في المجلس رجال كما في بعض طرق الحديث. • وقال الزهري، ومالك، وشيخ الإسلام: إذا أعلن النكاح؛ فلا يُشترط. وإذا لم يشهد؛ فلابد عندهم من إعلان النكاح، ولا يصح بدونه. والذي يظهر أنَّ القول الثاني هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا مقبل، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (٢)

стр. 4093

فروع على اشتراط الشاهدين: الذين اشترطوا الشاهدين اشترطوا أن يكونا مسلمين؛ إلا أنَّ أبا حنيفة يقول: إذا كانت المرأة ذمية؛ صحَّ شهادة ذميين. ولا ينعقد النكاح بشهادة الفاسق عند الشافعي، وأحمد في رواية. وعن أحمد رواية بانعقاده، وهو قول أبي حنيفة. ولا ينعقد بشهادة رجل وامرأتين عند أكثرهم، وينعقد عند أصحاب الرأي. وينعقد بشهادة العبدين عند الحنابلة، ولا ينعقد عند الشافعي، وأبي حنيفة. وينعقد بشهادة الأعمى عند الحنابلة، وبعض الشافعية، خلافًا لبعضهم. ولا ينعقد عندهم بشهادة الصبيان، وأجازه بعض الحنابلة للمراهق العاقل. (١)

стр. 4094

٩٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُت» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ٩٧٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢) وَفِي لَفْظٍ: «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ، وَاليَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: تزويج الرجل ابنته البكر الصغيرة، هل يفتقر إلى إذنها ؟ نقل بعض أهل العلم الإجماع على أنَّ له أن يزوجها من الكُفء بغير إذنٍ، واستدلوا على ذلك بأنَّ أبا بكر الصديق ﵁ زوَّج ابنته عائشة ﵂ من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهي صغيرة في السادسة من عمرها، وهي في هذا السن لا يعتبر إذنها؛ لأنها لا تعلم معنى الزواج، ولا تعقل ذلك. وقد نقل ابن حزم، والطحاوي الخلاف عن ابن شبرمة بأنه لم يُجَوِّز للأب تزويج الصغيرة، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (٤)

стр. 4095

تنبيه: لا خيار للصغيرة إذا بلغت عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة. (١) مسألة [٢]: إذا كانت الصغيرة قد بلغت التاسعة، فهل يُشترط إذنها ؟ • جمهور العلماء على أنَّ حكمها حكم التي لم تبلغ التاسعة، فيجوز للأب أن يزوجها بغير إذنها حتى تبلغ. واستدلوا بحديث عائشة المتقدم، وألحقوا بها من جاوزت التاسعة بجامع عدم البلوغ. • وقال بعضهم: لا يجوز تزويجها إذا بلغت التاسعة بدون إذنها، وهو قول أحمد في رواية، وبعض أصحابه، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذلك أنَّ الصغيرة لم يُعتبر إذنها؛ لكونها ممن لا يُعتبر لها إذن؛ لصغرها، فأما إذا بلغت التاسعة فمثلها يُعتبر منها الإذن. قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: إذا كانت البنت قد بلغت سِنًّا تعقل هذه الأمور فيُعتبر إذنها كالبالغة لعموم الحديث: «والبكر تُستأذن، وإذنها صماتها» والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: الصغيرة اليتيمة هل يُعتبر إذنها ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ ولي الصغيرة اليتيمة له أن يزوجها بغير إذنها، وهو قول أبي حنيفة، وابن شبرمة، والأوزاعي، وقال به بعض التابعين، ولكن لها الخيار عندهم إذا بلغت، وهو رواية عن أحمد، وقال به أبو يوسف، ولا خيار لها عنده.

стр. 4096

• وقال بعض أهل العلم: ليس له أن يزوجها بغير إذنها، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، والثوري، وأبي عبيد، وابن حزم وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأنَّ الأصل اعتبار إذن البكر، فخصَّ حديث عائشة تزويج الأب لابنته الصغيرة، فبقي غير الأب على الاستئذان؛ إلا أنَّ الشافعي استثنى الجد فجعله كالأب. • وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يزوجها بإذنها إذا بلغت التاسعة، ولا خيار لها إذا بلغت، وهو قول أحمد في رواية، وجماعة من أصحابه، واختاره شيخ الإسلام، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة، وأبي موسى ﵄، وكلاهما في «الصحيح المسند»: «اليتيمة تُستأمر في نفسها؛ فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت؛ فلا جواز عليها». (١) قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الصحيح أنه يجوز تزويج اليتيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] الآية. وأما اعتبار الإذن فالذي يظهر أنه يُعتبر إذا بلغت سِنًّا تعقل فيه أمور النكاح، وإن لم تكن قد بلغت؛ للحديث المتقدم.

стр. 4097

وأما قبل ذلك فالذي يظهر أنه ليس للولي تزويجها إلا أن يرى لها في الزواج مصلحة ظاهرة، كما أنه لا يجوز له أن ينفق مالها إلا فيما لها فيه مصلحة ظاهرة، فإذا زوجها كذلك فلا خيار لها إذا بلغت كتزويج الأب، والله أعلم. ولكن لها أن تفسخ إذا كرهت ذلك الزواج، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٤]: هل للأب إجبار البكر البالغة على النكاح، وتزويجها من غير إذنها ؟ • اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الأب يجوز له تزويجها بغير إذنها وإن كرهت، واستدلوا على ذلك بحديث: «الثيب أحق بنفسها من وليها»، فمفهومه أنَّ الأب أحق بالبكر من نفسها، وأما حديث: «لا تنكح البكر حتى تُستأذن» فبعضهم حمله على الاستحباب، وبعضهم حمله على اليتيمة، وقالوا: يبينه الحديث الآخر «لا تنكح اليتيمة حتى تُستأمر»، وهذا القول قال به ابن أبي ليلى، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية. • وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه لا يجوز للأب أن يزوجها بغير إذنها، وهذا قول الأوزاعي، والثوري وأحمد في رواية، وأبي عبيد، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر، والبخاري، وأصحاب الرأي، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم ﵏، وعزا ابن القيم هذا القول لجمهور السلف. واستدل أصحاب هذا القول بحديث: «لا تنكح البكر حتى تُستأذن»،

стр. 4098

وبحديث ابن عباس ﵄ في «صحيح مسلم»: «والبكر يستأمرها أبوها ... » الحديث، وبحديث ابن عباس وبريدة وغيرهما، وهو حسن بمجموع طرقه: أنَّ فتاة زوجها أبوها، وهي كارهة، فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فخيَّرها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (١) وقد تكلم شيخ الإسلام، وابن القيم على هذه المسألة كلامًا جيدًا، فأجادا، ومما ذكراه أنَّ المخالف يقول: (ليس للأب أن يأخذ دينارًا واحدًا من مال ابنته وهي كارهة بدون حاجة)، فكيف يحرم ذلك، ويجوز له أن يجعلها مع بضعها تحت إنسان تبغضه، ولا تريده طوال حياتها؟! وأيضًا الحديث الذي استدل به المخالف إنما أفاده بالمفهوم، والمنطوق مُقَدَّمٌ عليه، بل قد ذكر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في نفس الحديث أنَّ البكر تُستأذن، وأمر بذلك، فكيف يُقال: إنَّ أوَّل الحديث يدل على جواز التزويج بغير استئذان، وقد دلَّ آخر الحديث على وجوب الاستئذان، فدلَّ على أنَّ التخصيص بأنَّ الثيب أحق بنفسها أراد به أمرًا آخر غير الاستئذان، وهو أنَّ البكر لكونها تستحيي لا تُطالب بالزواج، بل تخطب عند أبيها، فكان هو أحق بها من هذا الوجه، وأمَّا الثيب فلا تستحيي كاستحياء البكر، فقد تخطب إلى نفسها، وتوافق؛ فيجب على الأب أن يزوجها إذا كان خاطبها كفؤًا، وإن لم يكن راضيًا بذلك، والله أعلم. والقول الثاني هو الصواب، وبالله التوفيق. (٢)

стр. 4099

مسألة [٥]: هل لغير الأب إجبار البكر البالغة وتزويجها بغير إذنها ؟ لا يجوز لغير الأب تزويج البكر البالغة بغير إذنها عند عامة أهل العلم، ونقل على ذلك الإجماع؛ للأدلة المتقدمة. (١) مسألة [٦]: هل يجوز تزويج الثيب بغير استئذانها ؟ عامة أهل العلم على أنه لا يجوز تزويج الثيب إلا بإذنها، سواء كان الولي أبًا أو غيره؛ لحديث ابن عباس، وأبي هريرة ﵃ الَّلذين في الباب، وكذا يدل على ذلك حديث الخنساء بنت خدام في «صحيح البخاري» أنَّ أباها زَوَّجَها وهي ثيب كارهة، فردَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نكاحه. وجاء عن الحسن، والنخعي تجويز ذلك، وقولهم لا دليل عليه، وهو مخالف لقول عامة أهل العلم. (٢) مسألة [٧]: إذا كانت الثيب صغيرة لم تبلغ، فهل يجوز للأب تزويجها بغير إذنها ؟ • ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنه لا يجوز تزويجها بغير إذنها؛ لعموم حديث أبي هريرة، وابن عباس ﵃ الَّلذين في الباب، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد، وبعض الحنابلة، وابن حزم.

стр. 4100

• وقال جماعةٌ من أهل العلم: يجوز له تزويجها بغير إذنها؛ لحديث عائشة ﵂ أنها زوجت وهي بنت ست سنين بغير إذنها، ولم يعتبر إذنها لا لأنها بكر، بل لأنها لا تعقل معنى ذلك الأمر، فكذلك الثيب، وهذا قول مالك، وداود، وأبي حنيفة، وبعض الحنابلة. قال ابن قدامة ﵀: ويتخرج وجهٌ ثالث للحنابلة أنَّ ابنة تسع سنين يزوجها بإذنها، ومن دون ذلك فعلى ما ذُكر من الخلاف. قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: قول مالك ومن معه أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: ما هو المعتبر في إذن الثيب ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٤٠٧): أما الثيب فلا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنَّ إذنها الكلام للخبر، ولأنَّ اللسان هو المعبر عمَّا في القلب، وهو المعتبر في كل موضع اعتبر فيه الإذن، غير أشياء يسيرة أقيم فيها الصمت مقامه لعارض. اهـ مسألة [٩]: ما هو المعتبر في إذن البكر ؟ عامة أهل العلم على أنَّ المعتبر في إذن البكر هو السكوت، لا فرق في ذلك بين كون الولي أبًا، أو غيره؛ لعموم حديث الباب، وقال بعض أصحاب الشافعي: في صمتها في حق غير الأب وجهان.
следующие страницы →