• وقال بعض أهل العلم: ليس له أن يزوجها بغير إذنها، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، والثوري، وأبي عبيد، وابن حزم وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأنَّ الأصل اعتبار إذن البكر، فخصَّ حديث عائشة تزويج الأب لابنته الصغيرة، فبقي غير الأب على الاستئذان؛ إلا أنَّ الشافعي استثنى الجد فجعله كالأب.
• وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يزوجها بإذنها إذا بلغت التاسعة، ولا خيار لها إذا بلغت، وهو قول أحمد في رواية، وجماعة من أصحابه، واختاره شيخ الإسلام، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة، وأبي موسى ﵄، وكلاهما في «الصحيح المسند»: «اليتيمة تُستأمر في نفسها؛ فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت؛ فلا جواز عليها». (١)
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الصحيح أنه يجوز تزويج اليتيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] الآية.
وأما اعتبار الإذن فالذي يظهر أنه يُعتبر إذا بلغت سِنًّا تعقل فيه أمور النكاح، وإن لم تكن قد بلغت؛ للحديث المتقدم.
стр. 4097
وأما قبل ذلك فالذي يظهر أنه ليس للولي تزويجها إلا أن يرى لها في الزواج مصلحة ظاهرة، كما أنه لا يجوز له أن ينفق مالها إلا فيما لها فيه مصلحة ظاهرة، فإذا زوجها كذلك فلا خيار لها إذا بلغت كتزويج الأب، والله أعلم.
ولكن لها أن تفسخ إذا كرهت ذلك الزواج، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٤]: هل للأب إجبار البكر البالغة على النكاح، وتزويجها من غير إذنها ؟
• اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الأب يجوز له تزويجها بغير إذنها وإن كرهت، واستدلوا على ذلك بحديث: «الثيب أحق بنفسها من وليها»، فمفهومه أنَّ الأب أحق بالبكر من نفسها، وأما حديث: «لا تنكح البكر حتى تُستأذن» فبعضهم حمله على الاستحباب، وبعضهم حمله على اليتيمة، وقالوا: يبينه الحديث الآخر «لا تنكح اليتيمة حتى تُستأمر»، وهذا القول قال به ابن أبي ليلى، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية.
• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه لا يجوز للأب أن يزوجها بغير إذنها، وهذا قول الأوزاعي، والثوري وأحمد في رواية، وأبي عبيد، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر، والبخاري، وأصحاب الرأي، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم ﵏، وعزا ابن القيم هذا القول لجمهور السلف.
واستدل أصحاب هذا القول بحديث: «لا تنكح البكر حتى تُستأذن»،
стр. 4098
وبحديث ابن عباس ﵄ في «صحيح مسلم»: «والبكر يستأمرها أبوها ... » الحديث، وبحديث ابن عباس وبريدة وغيرهما، وهو حسن بمجموع طرقه: أنَّ فتاة زوجها أبوها، وهي كارهة، فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فخيَّرها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (١)
وقد تكلم شيخ الإسلام، وابن القيم على هذه المسألة كلامًا جيدًا، فأجادا، ومما ذكراه أنَّ المخالف يقول: (ليس للأب أن يأخذ دينارًا واحدًا من مال ابنته وهي كارهة بدون حاجة)، فكيف يحرم ذلك، ويجوز له أن يجعلها مع بضعها تحت إنسان تبغضه، ولا تريده طوال حياتها؟!
وأيضًا الحديث الذي استدل به المخالف إنما أفاده بالمفهوم، والمنطوق مُقَدَّمٌ عليه، بل قد ذكر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في نفس الحديث أنَّ البكر تُستأذن، وأمر بذلك، فكيف يُقال: إنَّ أوَّل الحديث يدل على جواز التزويج بغير استئذان، وقد دلَّ آخر الحديث على وجوب الاستئذان، فدلَّ على أنَّ التخصيص بأنَّ الثيب أحق بنفسها أراد به أمرًا آخر غير الاستئذان، وهو أنَّ البكر لكونها تستحيي لا تُطالب بالزواج، بل تخطب عند أبيها، فكان هو أحق بها من هذا الوجه، وأمَّا الثيب فلا تستحيي كاستحياء البكر، فقد تخطب إلى نفسها، وتوافق؛ فيجب على الأب أن يزوجها إذا كان خاطبها كفؤًا، وإن لم يكن راضيًا بذلك، والله أعلم.
والقول الثاني هو الصواب، وبالله التوفيق. (٢)
стр. 4099
مسألة [٥]: هل لغير الأب إجبار البكر البالغة وتزويجها بغير إذنها ؟
لا يجوز لغير الأب تزويج البكر البالغة بغير إذنها عند عامة أهل العلم، ونقل على ذلك الإجماع؛ للأدلة المتقدمة. (١)
مسألة [٦]: هل يجوز تزويج الثيب بغير استئذانها ؟
عامة أهل العلم على أنه لا يجوز تزويج الثيب إلا بإذنها، سواء كان الولي أبًا أو غيره؛ لحديث ابن عباس، وأبي هريرة ﵃ الَّلذين في الباب، وكذا يدل على ذلك حديث الخنساء بنت خدام في «صحيح البخاري» أنَّ أباها زَوَّجَها وهي ثيب كارهة، فردَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نكاحه.
وجاء عن الحسن، والنخعي تجويز ذلك، وقولهم لا دليل عليه، وهو مخالف لقول عامة أهل العلم. (٢)
مسألة [٧]: إذا كانت الثيب صغيرة لم تبلغ، فهل يجوز للأب تزويجها بغير إذنها ؟
• ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنه لا يجوز تزويجها بغير إذنها؛ لعموم حديث أبي هريرة، وابن عباس ﵃ الَّلذين في الباب، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد، وبعض الحنابلة، وابن حزم.
стр. 4100
• وقال جماعةٌ من أهل العلم: يجوز له تزويجها بغير إذنها؛ لحديث عائشة ﵂ أنها زوجت وهي بنت ست سنين بغير إذنها، ولم يعتبر إذنها لا لأنها بكر، بل لأنها لا تعقل معنى ذلك الأمر، فكذلك الثيب، وهذا قول مالك، وداود، وأبي حنيفة، وبعض الحنابلة.
قال ابن قدامة ﵀: ويتخرج وجهٌ ثالث للحنابلة أنَّ ابنة تسع سنين يزوجها بإذنها، ومن دون ذلك فعلى ما ذُكر من الخلاف.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: قول مالك ومن معه أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: ما هو المعتبر في إذن الثيب ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٤٠٧): أما الثيب فلا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنَّ إذنها الكلام للخبر، ولأنَّ اللسان هو المعبر عمَّا في القلب، وهو المعتبر في كل موضع اعتبر فيه الإذن، غير أشياء يسيرة أقيم فيها الصمت مقامه لعارض. اهـ
مسألة [٩]: ما هو المعتبر في إذن البكر ؟
عامة أهل العلم على أنَّ المعتبر في إذن البكر هو السكوت، لا فرق في ذلك بين كون الولي أبًا، أو غيره؛ لعموم حديث الباب، وقال بعض أصحاب الشافعي: في صمتها في حق غير الأب وجهان.
стр. 4101
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٤٠٨): وهذا شذوذٌ عن أهل العلم، وترك للسنة الصحيحة الصريحة، يُصان الشافعي عن إضافته إليه، وجعله مذهبًا له مع كونه من أتبع الناس لسنة رسول الله ﷺ ولا يعرج منصف على هذا القول. اهـ
مسألة [١٠]: إذا أذنت البكر بالنطق ؟
عامة أهل العلم على أنها إذا أذنت بالكلام؛ جاز أيضًا، واعتبر منها الإذن؛ لأنَّ المقصود من الحديث هو معرفة إذنها، فإذا تكلمت به حصل المقصود، وخالف ابن حزم الظاهري، فلم يعد ذلك إذنًا، وهذا من جموده الممقوت. (١)
مسألة [١١]: إذا ضحكت البكر أو بكت، فهل يعتبر إذنًا ؟
• الراجح من أقوال أهل العلم أنَّ ذلك يُعتبر إذنًا ما لم تظهر قرينة تدل على أنَّ البكاء، أو الضحك حاصل لعدم الرغبة في ذلك، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٢]: من صارت ثيبًا بوطءٍ حرام، فهل يُعتبر الإذن بالسكوت أو الكلام ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ المعتبر هو نطقها، وهو قول أحمد، والشافعي، ومحمد، وأبي يوسف؛ لأنها صارت ثيبًا فيشملها عموم الحديث المذكور في الباب.
• وذهب جماعةٌ آخرون إلى أنَّ حكمها حكم البكر، وهو قول مالك، وأبي
стр. 4102
حنيفة، واختاره ابن حزم، وابن القيم كما أن حكمها حكم البكر في الحدود، ولأنَّ الاستحياء حاصل فيها، وقال ابن القيم: بل الاستحياء عندها أشد بسبب الجريمة التي وقعت فيها. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣]: إذا ذهبت بكارتها بغير جماع ؟
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن حكمها كحكم البكر عند الأئمة الأربعة، وهذا هو الصحيح، ولا ينبغي الخلاف في ذلك؛ فإنَّ المرأة قد تذهب بكارتها بسبب وثبة، أو بسبب الكِبَر، وكثرة الحيض، أو بسبب سقوط، أو ما أشبه ذلك، فلا تزال المرأة تستحيي كغيرها من الأبكار، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٤]: هل يُشترط أن يُشْهِدَ الوليُّ على إذن المرأة ؟
• قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٤١): ليس ذلك شرطًا في صحة العقد عند جماهير العلماء، وإنما فيه خلاف شاذ في مذهب الشافعي، وأحمد، والمشهور في المذهبين كقول الجمهور أنَّ ذلك لا يُشترط؛ فإن أنكرت الزوجة؛ كان القول قولها مع يمينها، ولم يثبت النكاح. اهـ
قلتُ: القول قولها فيما إذا أنكرت قبل دخول الزوج بها، وأما بعد ذلك؛ فلا، ولعل الخلاف الذي ذكره شيخ الإسلام هو فيما إذا كان قبل الدخول، والله أعلم.
стр. 4103
مسألة [١٥]: إذا اختلف الزوج والمرأة في إذنها للولي، فالزوج يدعيه والمرأة تنكره ؟
• أما إذا كان هذا الخلاف واقعًا قبل الدخول، فأكثر الفقهاء على أنَّ القول قول المرأة مع يمينها، خلافًا لزُفَر.
• وأما إذا كان الخلاف واقعًا بعد الدخول، فذكر بعض الحنابلة أنَّ القول قول الزوج. والأشهر عند الحنابلة أنَّ المرأة لا تستحلف، بل القول قولها بدون يمين، والأظهر أنها تستحلف، وهو مقتضى مذهب الجمهور. (١)
تنبيه: إذا أبت المرأة أن تحلف؛ فلا يثبت النكاح عند الحنابلة، ويثبت عند أبي يوسف، ومحمد، وكذلك عند الشافعي بعد أن يحلف الزوج أيضًا. (٢)
مسألة [١٦]: هل لولي المجنونة أن يزوجها بغير إذنها ؟
أمَّا إن كانت ممن تزوج بغير إذنها لو كانت عاقلة؛ فيجوز تزويجها لو كانت مجنونة بغير إذنٍ عند أهل العلم كالمجنونة الصغيرة، وعند من يقول: إنَّ البكر البالغة يجوز للأب أن يزوجها بغير إذنها، فعندهم أيضًا يجوز ذلك في المجنونة من باب أولى.
• وأمَّا إن كانت ممن لا تزوج إلا بإذنها لو كانت عاقلة، كالثيب الكبيرة، أو البكر البالغة عند من يقول بذلك.
стр. 4104
فإما أن يكون وليها الأب:
• فيجوز له عند الشافعي، وأبي حنيفة، وبعض الحنابلة؛ لأنها لا تعقل الإذن فحكمها حكم الصغيرة.
• وقال بعض الحنابلة: ليس له تزويجها؛ لأنها ولاية إجبار، وليس على الثيب ولاية إجبار، وهو قول ابن حزم، والصحيح هو القول الأول.
وإما إن يكون وليها الحاكم:
• فمنهم من قال: له تزويجها إذا رأى منها حاجة إلى الزواج، ورأى لها المصلحة في ذلك، وهو قول بعض الحنابلة، والحنفية، والشافعية، إلا أنَّ الشافعية استثنوا الصغيرة.
• ومنهم من قال: ليس له تزويجها مطلقًا؛ لأنَّ هذه ولاية إجبار، فلا تثبت لغير الأب، ولأنها لا تزوج إلا بإذنها وإذنها متعذر، وهذا قول جماعة من الحنابلة، وابن حزم.
والصواب هو القول الأول، والله أعلم.
وأما إذا كان وليها غير الأب والحاكم، كالإخوة والأعمام:
• فقال بعض أهل العلم: لا يزوجها غير الحاكم، وهو قول القاضي، والشافعي وأصحابه.
• ومنهم من قال: له تزويجها إذا رأوا منها الرغبة، وكان لها في ذلك مصلحة،
стр. 4105
وهو قول الحنفية، وبعض الحنابلة.
وهذا أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٧]: إذا زوجت المرأة بغير إذنها، وهي ممن يُعتبر إذنها، فهل يصح العقد ؟
• منهم من يقول: العقد باطلٌ؛ لأنه زواج منهي عنه. وهذا مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد، وهو قول أبي عبيد، وأبي ثور، وهو ظاهر اختيار البخاري، واستدلوا على ذلك بحديث خنساء بنت خدام عند البخاري أنَّ أباها زوَّجها وهي كارهة، فأتت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فردَّ نكاحها، ولأنَّ النهي يقتضي الفساد، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تنكح البكر حتى تُستأذن، ولا تنكح الأيم حتى تُستأمر ... » الحديث.
• وذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنَّ العقد موقوف على إجازتها؛ فإنْ أجازته فهو صحيح، وإن لم تجزه؛ فهو باطل، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس ﵄، أنَّ جارية بكرًا أتت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فذكرت أنَّ أباها زوجها وهي كارهة، فخيَّرها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. أخرجه أحمد وغيره، وقد أعلَّه بعض الحفاظ بالإرسال كما سيأتي، وجاء عن بريدة أنَّ فتاة أتت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقالت: يا رسول الله، إن أبي زوجني من ابن أخيه؛ ليرفع بي خسيسته. فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء إن ليس للآباء من الأمر
стр. 4106
شيء. أخرجه ابن ماجه وغيره (١)، وظاهره الصحة؛ إلا أنه قد أُعِلَّ بالإرسال أيضًا، أعله بذلك الدارقطني.
وقد يُستدل لهم أيضًا بحديث ابن عمر ﵄ -وهو حديث صحيح- أنَّ قدامة ابن مظعون زوَّجه من ابنة أخيه عثمان بن مظعون، وذهب المغيرة فأرغب أمها بالمال، فرغبت في تزويجه، ورغبت البنت بما رغبت فيه الأم، فاختلفوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها»، قال: فانتزعت مني بعد أن ملكتها، وزوجوها المغيرة بن شعبة.
وهذا القول رجحه الشوكاني ﵀ في «السيل»، وهو الراجح، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٨]: هل يجوز تزويج الغلام الصغير ؟
• عامة أهل العلم على أنه يجوز للأب أن يزوج غلامه الصغير، ونقل ابن المنذر، وابن قدامة عدم الخلاف في ذلك، وجاء عن ابن عمر بإسناد صحيح كما في «سنن البيهقي» (٧/ ١٤٣) أنه زوَّج غلامه الصغير.
• وخالف ابن حزمٍ، فلم يُجِزْ تزويج الصغير؛ لأنَّ الدليل جاء بالصغيرة، ولم يأتِ في الصغير.
• وقال الجمهور: إذا كان ذلك جائزًا في الصغيرة فمن باب أولى في الصغير؛
стр. 4107
لأنَّ الصغير يملك الخروج من ذلك بالطلاق، وليس عليه في ذلك نقص بخلاف المرأة.
وقول الجمهور هو الصواب، وابن حزم محجوج بعدم الخلاف قبله، والله أعلم. (١)
مسألة [١٩]: إذا كان الصغير معتوهًا، فهل للأب تزويجه ؟
• أجاز ذلك الحنابلة؛ لأنه إذا جاز له ذلك وهو عاقل فمن باب أولى وهو معتوه، وقال الشافعي: لا يجوز؛ لأنه يلزم عليه بالزواج حقوق مع عدم حاجته، فلم يجزئه كبقية الأولياء.
ومذهب الحنابلة أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٠]: إذا كان المجنون كبيرًا بالغًا، فهل يزوجه بغير إذنه ؟
• يجوز تزويجه في مذهب أحمد، ومالك.
• وقال الشافعي، وبعض الحنابلة: لا يزوجه إلا إذا ظهرت منه الرغبة في النساء.
• وقال أبو بكر الحنبلي: لا يزوج مطلقًا؛ لأنه رجل، فلا يُجبر على النكاح كالعاقل.
стр. 4108
• وقال زُفَر: إن طرأ عليه الجنون بعد البلوغ؛ لم يجز تزويجه، وإن كان مستدامًا؛ جاز.
• وقال مالك، والحنابلة: ليس ذلك لغير الأب؛ لأنه أشفق بولده، وأعلم بمصلحته. وقال ابن حامد الحنبلي، والشافعية: للحاكم أيضًا تزويجه.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الصحيح أنَّ لولي المجنون أن يزوجه إذا رأى له مصلحة في ذلك، سواء كان أبًا، أو غيره، والله أعلم. (١)
مسألة [٢١]: إذا تزوج لصغير، أو مجنون فمن يقبل النكاح ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٤١٧): وَإِنْ تَزَوَّجَ لِصَغِيرٍ، أَوْ مَجْنُونٍ؛ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ لَهُمَا النِّكَاحَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمَا فِي قَبُولِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ. وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرٍ، وَهُوَ مُمَيِّزٌ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ تَفْوِيضِ الْقَبُولِ إلَيْهِ، حَتَّى يَتَوَلَّاهُ لِنَفْسِهِ، كَمَا يُفَوَّضُ أَمْرُ الْبَيْعِ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِنَفْسِهِ. وَإِنْ تَزَوَّجَ لَهُ الْوَلِيُّ؛ جَازَ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ، وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ وَوُقُوعِ طَلَاقِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ؛ فَهَذَا أَوْلَى. اهـ
مسألة [٢٢]: هل يجوز للولي أن يتزوج له بزيادة على مهر المثل ؟
• مذهب الشافعي عدم جواز ذلك، وقال به القاضي من الحنابلة.
• ومذهب الحنابلة الجواز، ورجحه ابن قدامة، فقال: الغالب أنَّ المرأة لا
стр. 4109
ترضى بتزويج مجنون إلا أن ترغب بزيادة على مهر مثلها، فيتعذر الوصول إليه بدون ذلك. اهـ (١)
مسألة [٢٣]: المحجور عليه لسفه، هل يزوجه وليه بغير إذنه ؟
على ولي السَّفِيه أن يزوجه إذا علم حاجته إلى النكاح؛ لأنه نصب لمصلحته، وهذا من مصالحه؛ لأنه يصون به دينه، وعرضه، ونفسه؛ فإنه ربما تعرض بترك التزويج للإثم بالزنى، والحد، وهتك العرض، وسواء علم حاجته بقوله، أو بغير قوله، وسواء كانت حاجته إلى الاستمتاع أو إلى الخدمة، فيزوجه امرأة لتحل له؛ لأنه يحتاج إلى الخلوة بها.
وإن لم يكن للسفيه حاجة إلى الزواج؛ لم يجز تزويجه؛ لأنه يلزمه بالنكاح حقوقًا، من المهر، والنفقة، والعِشْرَة، والمبيت، والسكنى؛ فيكون تضييعًا لماله، ونفسه من غير فائدة؛ فلم يجز، كتبذير ماله. (٢)
مسألة [٢٤]: وإذا أراد تزويجه، فهل يشترط أن يستأذنه ؟
• الأشهر عند الحنابلة عدم اشتراط ذلك، فيصح التزويج إذا زوجه من غير إذنه، وهو وجهٌ للشافعية.
• وللحنابلة وجهٌ في اشتراط ذلك، وهو وجهٌ للشافعية، وهو الصواب، والله أعلم؛ لأنه يملك الطلاق، فلم يجبر على النكاح كالرشيد، وكالعبد الكبير،
стр. 4110
وذلك لأنَّ إجباره على النكاح مع ملك الطلاق مجرد إضرار؛ فإنه يطلق، فيلزمه الصداق مع فوات النكاح، ولأنه قد يكون له غرض في امرأة ولا يكون له في أخرى، فإذا أُجبر على من يكرهها؛ لم تحصل له المصلحة منها، وفات عليه غرضه من الأخرى، فيحصل مجرد ضرر مستغنى عنه، وإنما جاز ذلك في حق المجنون، والطفل؛ لعدم إمكان الوصول إلى ذلك من قولهما، ولم يتعذر ذلك ههنا؛ فوجب أن لا يفوت ذلك عليه. (١)
تنبيه: إذا تزوج السفيه بغير إذن، فيصح زواجه على الأصح، وقد تقدمت المسألة في باب الحجر. (٢)
مسألة [٢٥]: إذا زوج السيد أمته، فهل يشترط أن يستأذنها ؟
• نقل ابن قدامة ﵀ عدم الخلاف على أنه لا يشترط استئذانها، وأنه إذا زوجها بغير إذنٍ؛ لزمها النكاح؛ لأنَّ منافعها مملوكة له، والنكاح عقد على منفعتها، فأشبه عقد الإجارة، ولذلك ملك الاستمتاع بها، وبهذا فارقت العبد، ولأنه ينتفع بتزويجها لما يحصل له من مهرها، وولدها، ويسقط عنه من نفقتها، وكسوتها، بخلاف العبد.
قلتُ: وقد خالف ابن حزمٍ في ذلك، فأدخل الأمة في عموم الأحاديث، والراجح قول الجمهور. (٣)
стр. 4111
مسألة [٢٦]: العبد الصغير الذي لم يبلغ هل لسيده تزويجه ؟
• عامة أهل العلم على أنَّ للسيد تزويج عبده الصغير؛ لأنه إذا ملك تزويج ابنه الصغير فعبده مع ملكه له وتمام ولايته عليه أولى، وكذلك الحكم في عبده المجنون، وهذا هو الصحيح، وخالف بعض الشافعية فلم يجيزوا ذلك. (١)
مسألة [٢٧]: هل للسيد تزويج عبده البالغ العاقل بغير إذنه ؟
• مذهب أحمد، والشافعي في قولٍ أنَّ السيد لا يملك إجبار عبده؛ لأنه مكلف يملك الطلاق، فلا يجبر على النكاح كالحر، ولأنَّ النكاح خالص حقه، ونفعه له، فأشبه الحر.
• وذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في قولٍ إلى أنَّ له إجبار عبده على الزواج؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، ولأنه يملك رقبته، فملك إجباره على النكاح كالأمة، ولأنه يملك إجارته، فأشبه الأمة.
وأُجيب: بأن الأمر بإنكاحه مختصٌّ بحال طلبه؛ بدليل عطفه على الأيامى، وإنما يزوجن عند الطلب، ومقتضى الأمر الوجوب، وإنما يجب تزويجه عند طلبه، وأما الأمة؛ فإنه يملك منافع بضعها والاستمتاع بها بخلاف العبد، ويفارق النكاح الإجارة؛ لأنها عقد على منافع بدنه، وهو يملك استيفاءها.
والراجح القول الأول. (٢)
стр. 4112
مسألة [٢٨]: إذا طلبت الأمة من سيدها تزويجها، فهل يجبر على ذلك ؟
لا يُجبر على تزويجها؛ لأنَّ عليه ضررًا في تزويجها إذا كان يطؤها لأنَّ وطأها يدفع حاجتها؛ فإن كان لا يطؤها لكونها محرمة عليه، أو لا يرغب في وطئها؛ أُجبر على تزويجها، أو وطئها إن كانت محللة له، أو إزالة ملكه عنها؛ لأنه وليها، فأجبر على تزويجها. (١)
مسألة [٢٩]: هل للسيد أن يزوج أمته بمعيب ؟
إذا كان العيب عيبًا يرد به النكاح، ويؤثر في الاستمتاع؛ فليس له ذلك؛ لأنَّ ذلك حق لها، ولذلك ملكت الفسخ بالجَبِّ، والعُنَّةِ، والامتناعِ من العبد دون السيد -يعني في الإيلاء-، وفارق بيعها من المعيب؛ لأنه لا يُراد للاستمتاع، ولهذا ملك شراء الأمة المحرمة عليه ولم تملك الأمة الفسخ لعيبه ولا عُنَّيته، ولا إيلائه.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٤٢٤): وَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْ مَعِيبٍ فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ. فَلَهَا الْفَسْخُ. وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَهَلْ لَهُ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ، أَوْ يَنْتَظِرُ بُلُوغَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ هَكَذَا. اهـ
تنبيه: مما تقدم يُستفاد:
الشرط الثاني: وهو: أنه يُشترط رضى الزوجين حيث يعتبر ذلك.
الشرط الثالث من شروط النكاح: تعيين الزوجين.
يُشترط لصحة النكاح تعيين الزوجين؛ لأنَّ كل عاقد ومعقود عليه يجب
стр. 4113
تعيينهما كالمشتَرَى، والْمَبيع، وعلى هذا فعليه تمييز المرأة المنكوحة بإشارة، أو تسمية، أو صفة، أو غير ذلك. (١)
مسألة [٣٠]: إذا خطب امرأة فَزُوِّجَ بغيرها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٤٨١): لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ انْصَرَفَ إلَى غَيْرِ مَنْ وُجِدَ الْإِيجَابُ فِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ سَاوَمَهُ بِثَوْبٍ وَأَوْجَبَ الْعَقْدَ فِي غَيْرِهِ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ عَلِمَ الْحَالَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَرَضِيَ؛ لَمْ يَصِحَّ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ خَطَبَ جَارِيَةً، فَزَوَّجُوهُ أُخْتَهَا، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ الصَّدَاقُ عَلَى وَلِيِّهَا؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَيُجَهِّزُ إلَيْهِ أُخْتَهَا الَّتِي خَطَبَهَا بِالصَّدَاقِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ قَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ، يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ. وَقَوْلُهُ: (يُجَهِّزُ إلَيْهِ أُخْتَهَا) يَعْنِي وَاَللهُ أَعْلَمُ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ هَذِهِ إنْ كَانَ أَصَابَهَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي عَقَدَهُ لَمْ يَصِحَّ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ صَدَرَ فِي إحْدَاهُمَا وَالْقَبُولَ فِي الْأُخْرَى فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِي هَذِهِ وَلَا فِي تِلْكَ؛ فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ فِي إحْدَاهُمَا أَيَّتَهُمَا كَانَ؛ جَازَ. اهـ
مسألة [٣١]: إذا تزوج امرأة فبانت من محارمه ؟
الذي عليه أهل العلم انفساخ النكاح بدون طلاق، واختلفوا فيما يتعلق بالمهر:
• فذهب النخعي، ومكحول، والقاسم، وسالم، والأوزاعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبو عبيد، وابن المنذر إلى أن لها المهر كاملًا بما استحل
стр. 4114
من فرجها.
وقال طاوس: لها نصف المهر. وقال الشعبي: لا شيء لها. وقال أصحاب الرأي: لها الأقل من صداق مثلها، أو ما سمي لها من المهر.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الصحيح أنَّ لها ما سمَّى لها من المهر كاملًا، إن كان سمَّى لها، أو مهر أمثالها؛ إن لم يكن سمَّى لها، ويدل على ذلك حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» أخرجه أحمد، وأبو داود، وهو حديث صحيح. (١)
مسألة [٣٢]: إذا تزوج امرأة فَزُفَّت إليه غيرها ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٤٨١): وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا: لَهَا الْمَهْرُ بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، وَلِأُخْتِهَا الْمَهْرُ. قِيلَ: يَلْزَمُهُ مَهْرَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَرْجِعُ عَلَى وَلِيِّهَا، هَذِهِ مِثْلُ الَّتِي بِهَا بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ. عَلِيٌّ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ. (٢) وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي امْرَأَةٍ جَاهِلَةٍ بِالْحَالِ أَوْ بِالتَّحْرِيمِ، أَمَّا إذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً، وَأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لَهَا صَدَاقٌ؛ لِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ، فَأَمَّا إنْ جَهِلَتْ الْحَالَ؛ فَلَهَا الْمَهْرُ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي رَجُلَيْنِ
стр. 4115
تَزَوَّجَا امْرَأَتَيْنِ، فَزُفَّتْ كُلُّ امْرَأَةٍ إلَى زَوْجِ الْأُخْرَى: لَهُمَا الصَّدَاقُ، وَيَعْتَزِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا امْرَأَتَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. اهـ
قلتُ: أثر علي أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٠٤) من طريق: خلاس عن علي، وقد قيل: إنه لم يسمع منه، وإنما هي صحيفة. وأخرجه ابن المنذر (٨/ ٣٩٩) من طريق محمد بن سالم، عن الشعبي، عن علي ﵁، به. ومحمد بن سالم متروك.
٩٨٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
استدل أهل العلم بهذا الحديث على أنَّ المرأة لا يجوز لها أن تزوج نفسها وإن كانت رشيدة خلافًا لأبي حنيفة وعلى أنَّ المرأة لا تصلح لولاية النكاح، وإنما هي خاصة بالرجال، وقد تقدم ذكر هذه المسألة سابقًا، فراجعها.
стр. 4116
٩٨١ - وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَاتَّفَقَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: سبب تسمية هذا النكاح شغارًا .
قيل: مأخوذٌ من الفراغ، فيقال: مكان شاغر، أي: فارغ. وسُمِّي به هذا النكاح؛ لأنه فارغ من المهر.
وقيل: مأخوذٌ من الرفع، يقال: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول، وسُمِّي به هذا النكاح؛ لرفع المهر، وتشبيهًا له بفعل الكلب؛ لقبحه. وقيل غير ذلك. (٢)
مسألة [٢]: ما حكم هذا النكاح إذا خلا من الصداق ؟
هذه الصورة متفق على أنها شغار، ومحرم.
• واختلفوا في صحة العقد، فأكثر أهل العلم على فساد، وبطلان هذا النكاح إذا خلا من الصداق بأن يجعل بضع إحداهما مهرًا للأخرى، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي وإسحاق وغيرهم؛ لأنه محرمٌ منهيٌ عنه والنهي يقتضي الفساد.
стр. 4117
• وقال بعض أهل العلم: يصح النكاح، وعلى كل واحد أن يدفع مهر المثل. وهو قول عطاء، وعمرو بن دينار، ومكحول، والزهري، والثوري، والحنفية، والليث، وأحمد في رواية؛ لأنَّ التحريم بسبب عدم وجود المهر، فإذا فرض مهر المثل انتفت علة التحريم.
• وعن مالك رواية أنَّ النكاح يفسخ قبل الدخول؛ فإن دخل بها فلا فسخ، ولها مهر المثل، وهو قول الأوزاعي.
والذي يظهر أنَّ القول الأول هو الصواب، وعليه فإذا حصل ذلك؛ دفع لها المهر، وجدد العقد، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إذا جعلا صداقًا، فهل يدخل في التحريم ؟
• مذهب الجمهور، ومنهم: أحمد في المشهور، والشافعي وغيرهما أنه لا يُعَدُّ شِغَارًا، وإن اشترط ذلك؛ طالما قد جعلوا لكل واحدة الصداق، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر ﵄ في الباب، وفيه: «وليس بينهما صداق».
وأُجيب: بأنَّ التفسير من كلام نافع، وأُجيب بأنه أعلم بمعنى ما روى، ولعله أخذه عن ابن عمر.
واستدل الجمهور بحديث أنس ﵁ عند عبد الرزاق (٦/ ١٨٤)، وبحديث جابر ﵁ عند البيهقي (٧/ ٢٠٠)، وإسناد الأول ضعيف؛ لأنه من رواية: معمر
стр. 4118
عن ثابت، وإسناد الثاني صحيح، وفي كل منهما ظهور في اللفظ، أنَّ المقصود من ذلك بضع إحداهما عوض ومهر للأخرى، بل حديث جابر ﵁ نصٌّ في ذلك، فلفظ حديث أنس: «والشغار أن يزوج الرجلُ الرجلَ أختَه بأخته»، ولفظ حديث جابر: «والشغار أن ينكح هذه بهذه بغير صداق، بضع هذه صداق هذه، وبضع هذه صداق هذه».
وقالوا أيضًا: هذا هوالشغار الذي كان في الجاهلية وحرَّمه الشرع، ولأنَّ هذه الصورة هي التي تتفق مع المعنى الُّلغوي، وهي الصورة المجمع عليها، وما عداها مختلف فيه؛ فلا تدخل في التحريم إلا بدليل صحيح صريح.
• وقال بعض أهل العلم: إنَّ هذه الصورة تدخل في نكاح الشغار. وهو قول مالك، والخِرَقِي، والظاهرية، وهو رواية عن أحمد، واختارها بعض أصحابه، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة ﵁ في «صحيح مسلم» (١٤١٦): «نهى النبي ﷺ عن الشِّغار، وهو أن يقول الرجلُ للرجل: أزوجك ابنتي وتزوجني ابنتك. أو: أزوجك أختي وتزوجني أختك».
وقالوا: ليس في هذا الحديث ذكر (ليس بينهما صداق). وأُجيب بأنَّ هذه الزيادة أيضًا من تفسير بعض الرواة، فقد جاء في «سنن النسائي» (٦/ ١١٢) التصريح بأنَّ التفسير من كلام عبيد الله بن عمر القواريري، وقد بيَّن ذلك الحافظ في «الفتح».
وعدم ذكره لها لا يدل على أنه لا يرى ذلك شرطًا؛ لأنه قد يكون أراد بكلامه
стр. 4119
الأول اشتراط ذلك، أعني أن يكون بضع إحداهما صداقًا للأخرى.
واستدلوا أيضًا بحديث معاوية بن أبي سفيان في «مسند أحمد» (٤/ ٩٤)، و «سنن أبي داود» (٢٠٧٥): أنَّ العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته على أن ينكحه ابنته، وكانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية يأمر بالتفريق بينهما، وقال: لهذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ .
وأُجيب عن هذا الحديث: بأنَّ المقصود منه جعلا ذلك الزواج صداقًا، أعني المبادلة، وذلك بأنَّ المفعول الثاني محذوف، والتقدير: (وكانا جعلاه صداقًا)، ويؤيده أنَّ أبا يعلى أخرج الحديث بهذا اللفظ في «مسنده» (٧٣٧٠).
وعلى التسليم بأنَّ مراد معاوية أنَّ هذا محرم، وإن كان قد جعلا صداقًا، فهذا فَهْمٌ منه ﵁ قد خالفه جمهور أهل العلم، بل لم ينقل عن أحد من الصحابة الإنكار، وقد كانوا متوافرين في المدينة في عهد معاوية ﵁.
وقد رجَّح الإمام ابن باز ﵀ القول الثاني، ورجَّح الإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين القول الأول، وهو أقرب، وبالله التوفيق.
وقد اشترط الإمام ابن عثيمين ﵀ في جواز ذلك أن يزوجها من كُفءٍ بمهر مثلها، وأن يراعي مصلحتها. (١)
стр. 4120
مسألة [٤]: إذا قلنا بصحة العقد، فهل يُعتبر المهر المسمى ؟
أما إذا كان المهر المسمى هو مهر مثلها؛ فيُعتبر.
• وإن كان دون ذلك، فقال بعضهم: يفسد المسمى، ويجب لها مهر المثل. وهو مذهب الشافعي، ووجهٌ للحنابلة. وللحنابلة وجهٌ أنه يثبت لها المسمى.
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: إذا جعلا واحدة بأخرى، ولم يسميا صداقًا، ولم يقولا: هذه بصداق هذه ؟
• مذهب الحنابلة، والمنصوص عن الشافعي أنه يُعَدُّ شغارًا، ولا يصح.
• والأصح عند الشافعية صحته، ويكون لكل واحدة مهر المثل، والصحيح القول الأول. (٢)
مسألة [٦]: إذا شرَّك البضع مع شيء من المال، فجعل ذلك صداقًا ؟
• مذهب الحنابلة فساد النكاح، وهو وجهٌ للشافعية، وهو الصحيح.
• وللشافعية وجهٌ أنه صحيح، ولها مهر المثل، والأول أقرب. (٣)
стр. 4121
٩٨٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ: أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
استدل بهذا الحديث من قال: إنَّ المرأة إذا زوجت بغير إذنها أنَّ نكاحها موقوف على إجازتها. وهو مذهب مالك، وأحمد في رواية، وهو الصحيح؛ لحديث الباب، وقد تقدم ذكر الخلاف ودراسته في هذه المسألة تحت حديث (٩٧٨).
стр. 4122
٩٨٣ - وَعَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إذا زوج المرأةَ وليان قد أذنت لكل واحد منهما ؟
دلَّ الحديث المتقدم على أنها للأول منهما، والحديث وإن كان ضعيفًا؛ إلا أنَّ العمل عليه، فقد قال الترمذي ﵀ عقب الحديث: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في هذا.
قلتُ: خالف مالك، وعطاء فيما إذا كان الثاني قد دخل بها، فقالا: هو أولى. وخالفهم عامة العلماء، فقالوا: هي للأول مطلقًا؛ لأنَّ عقد الثاني صادف امرأة متزوجة؛ فهو عقد باطل، والله أعلم. (٢)
تنبيه: ذكر بعض العلماء أنَّ الثاني إذا دخل بها فلها عليه مهر المثل، وتُردُّ على الأول، ولا يحل له وطؤها حتى تنقضي عدتها ممن وطئها، والمقصود بالعدة الاستبراء. (٣)
стр. 4123
مسألة [٢]: إذا جهل الأول منهما ؟
• قال جماعةٌ من العلماء: يفسخ الحاكمُ النكاحين جميعًا، ثم تتزوج من شاءت منهما، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي حنيفة.
• وعن أحمد رواية أخرى أنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة أمر صاحبه بالطلاق، ثم يجدد العقد.
• وقال الثوري، وأبو ثور: يجبرهما السلطان على أن يطلق كل واحد منهما طلقة؛ فإن أبيا فرَّق بينهما. وهذا قريب من القول الأول؛ لأنه تعذر إمضاء العقد الصحيح؛ فوجب إزالة الضرر بالتفريق.
• وقال الشافعي، وابن المنذر: النكاح مفسوخٌ؛ لأنه تعذر إمضاؤه.
وهذا لا يصح؛ لأنَّ العقد الصحيح لا يبطل بمجرد تعذر تعيينه.
• ورُوي عن شُريح، وعمر بن عبد العزيز، وحماد بن أبي سليمان أنها تُخَيَّر، فأيهما اختارته فهو زوجها.
وهذا ليس بصحيح؛ فإنَّ أحدهما ليس بزوج لها إلا أن يريدوا بقولهم: إنها إذا اختارت أحدهما فرَّق الحاكم بينها وبين الآخر، ثم عَقَدَ للمختار نكاحها؛ فهذا حسن، وعليه فهو راجع إلى القول الأول.
والصحيح في هذه المسألة أنه يجب على المرأة الخروج من النكاحين، ثم
стр. 4124
تختار من شاءت، فيعقد لها به. (١)
مسألة [٣]: إذا ادَّعى كل واحد منهما أنه السابق بالعقد ؟
• لا يُقبل قول من ادَّعى ذلك إلا ببينة عند أهل العلم، ولا يقبل إقرار المرأة لأحدهما عند الحنابلة، وأما الشافعية فيرون قبول إقرارها، والأظهر قول الحنابلة؛ إلا أن تُظهِر بينة على ذلك. (٢)
مسألة [٤]: إذا وقع العقدان في وقت واحد ؟
هذه مسألة افتراضية يبعد وقوعها ولو فرض وقوع ذلك؛ فالعقدان باطلان، والله أعلم. (٣)
стр. 4125
٩٨٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ أَوْ أَهْلِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل يجوز للعبد أن ينكح بغير إذن سيده ؟
يحرم على العبد أن ينكح بغير إذن سيده، ولا يجوز له ذلك بالإجماع، نقله ابن المنذر وغيره؛ لأنه مملوك لغيره، وتصرفه بذلك تصرف في ملك الغير بغير إذن.
مسألة [٢]: وهل يصح النكاح إذا تزوج بغير إذن ؟
• مذهب أحمد، والشافعي عدم صحته؛ لأنه نكاح محرم.
• ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية أنه موقوف على إجازة سيده.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: هذا القول أقرب؛ لأنَّ في ذلك شبها بالمرأة التي تزوج بغير إذنها، وتقدم أنَّ الراجح صحة النكاح بالإجازة، والله أعلم. (٢)
стр. 4126
٩٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها في الزواج .
دلَّ حديث الباب على تحريم ذلك.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٥٢٢): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ. وَلَيْسَ فِيهِ بِحَمْدِ الله اخْتِلَافٌ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبِدَعِ مِمَّنْ لَا تُعَدُّ مُخَالَفَتُهُ خِلَافًا، وَهُمْ الرَّافِضَةُ وَالْخَوَارِجُ لَمْ يُحَرِّمُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ النبي ﷺ .
ثم قال ﵀: ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ، حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، كَعَمَّاتِ آبَائِهَا وَخَالَاتِهِمْ، وَعَمَّاتِ أُمَّهَاتِهَا وَخَالَاتِهِنَّ، وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ، مِنْ نَسَبٍ كَانَ ذَلِكَ أَوْ مِنْ رَضَاعٍ، فَكُلُّ شَخْصَيْنِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَ الْآخَرَ، لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى لِأَجْلِ الْقَرَابَةِ، لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ، لِمَا فِي الطِّبَاعِ مِنْ التَّنَافُسِ وَالْغَيْرَةِ بَيْنَ الضَّرَائِرِ، وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُمِّهَا فِي الْعَقْدِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ الْأُمَّ إلَى ابْنَتِهَا أَقْرَبُ مِنْ الْأُخْتَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يُجْمَعْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ؛ فَالْمَرْأَةُ وَبِنْتُهَا أَوْلَى. اهـ.
стр. 4127
مسألة [٢]: الجمع بين المرأة وبنت عمها، أو بنت خالها .
ذكر أهل العلم أنَّ ذلك جائز، وأكثرهم على أنه لا كراهة في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤].
• وكره ذلك جابر بن زيد، وعطاء، والحسن، وسعيد بن عبد العزيز، وأحمد في رواية؛ لوجود القطيعة بينهما، وهما ذوا رحم.
والقول الأول أظهر، والله أعلم. (١)
стр. 4128
فَصْل فِي ذِكْرِ المُحَرَّمِ نِكَاحُهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ
يقول ربُّنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * ... وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٢ - ٢٤].
في هذه الآيات تنصيص على تحريم خمس عشرة امرأة، وهنّ سبع بالنسب:
١) الأمهات: وهُنَّ كل من انتسبت إليها بولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة، وهي التي ولدتك، أو مجازًا، وهي التي ولدت من ولدتك وإن علت من قبل الأم، أو من قبل الأب، وارثات كُنَّ أو غير وارثات.
стр. 4129
٢) البنات: وهُنَّ كل أنثى انتسبت إليك بولادة، كابنة الصُّلب، وبنات البنين والبنات، وإن نزلت درجتهن، وراثات، أو غير وارثات.
٣) الأخوات: من الجهات الثلاث، من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، ولا تفريع عليهن.
٤) العمات: أخوات الأب من الجهات الثلاث، وأخوات الأجداد من قِبَل الأب، ومن قِبَل الأم، قريبًا كان الجد أو بعيدًا، وراثًا أو غير وارث.
٥) الخالات: أخوات الأم من الجهات الثلاث، وأخوات الجدات وإن علون، وقد ذكرنا أنَّ كلَّ جدةٍ أُمٌّ، فكذلك كل أخت لجدة خالة محرَّمة.
٦) بنات الأخ: كل امرأة انتسبت إلى أخ بولادة؛ فهي بنت أخ محرمة، من أي جهة كان الأخ.
٧) بنات الأخت: كل امرأة انتسبت إلى أخت بولادة؛ فهي بنت أخت محرمة من أي جهة كانت الأخت.
ومنهن من حُرِّمت بسبب الرضاع، وهنّ اثنتان:
٨) الأمهات المرضعات: وهُنَّ اللاتي أرضعنك، وأمهاتهن، وجداتهن وإن علت درجتهن على ما ذكر في النسب.
стр. 4130
٩) الأخوات من الرضاعة: وهي كل امرأة أرضعتك أُمُّهَا، أو أرضعتها أُمُّك، أو أرضعتك وأرضعتها امرأة أخرى؛ فهي أختك محرمة عليك. (١)
ومنهن من حرمت بسبب المصاهرة، وهُنّ أربع:
١٠) أمهات النساء، فمن تزوج امرأة حرم عليه كل أم لها، قريبة أو بعيدة، بمجرد العقد، هذا قول جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، والمعقود عليها من نسائه؛ فتدخل في عموم الآية.
وقد جاء عن علي ﵁ من طريق: خِلاس بن عمرو عنه أنه قال: لا تحرم إلا بالدخول بابنتها، كما لا تحرم ابنتها إلا بالدخول بالأم، وجاء أيضًا عن زيد بن ثابت أنها لا تحرم إلا بالدخول بها، أو بموتها، وهو من طريق: قتادة عن سعيد بن المسيب.
فهذان الأثران فيهما نظر؛ لأنَّ خِلاس بن عمرو لم يسمع من علي، وقتادة شديد التدليس عن سعيد، وقد ضعف روايته عنه ابن المديني بسبب ذلك كما في «التهذيب» ولو صحَّ الأثران عنهما فهذا اجتهاد منهما، والصحيح قول الجمهور. (٢)
١١) بنت امرأته التي دخل بها: وهي الربيبة، وهي كل بنت للزوجة قريبة أو بعيدة، ولا تحرم إلا بالدخول بها في قول عامة أهل العلم؛ إلا أن زيد بن ثابت
стр. 4131
رُوي عنه بالإسناد المتقدم أنها تحرم عليه أيضًا إذا ماتت الأم، وإن لم يدخل بها، وهو رواية عن أحمد، والصحيح قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾
١٢) بنت الربيبة، وبنت الربيب وإن نزلن، بالاتفاق، قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٦٥): وتحرم عليه بنت امرأته، وهي الربيبة، وبنت بنتها وإن سفلت، وبنت الربيب أيضا حرام؛ كما نص عليه الأئمة المشهورون: الشافعي وأحمد وغيرهما ولا أعلم فيه نزاعا. اهـ
مسألة [١]: هل تحرم عليه الربيبة إذا لم تكن في حجره ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تحرم عليه إذا لم تكن في حجره؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، فقالوا: هذا قيد في الآية، فلا تحرم عليه إلا إذا كانت في حجره، وهذا القول صحَّ عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو قول الظاهرية، واستدلوا عليه أيضًا بحديث: «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّت لي». (١)
• وذهب جمهور العلماء إلى أنها تحرم عليه وإن لم تكن في حجره، وقالوا: القيد في الآية خرج مخرج الغالب، ولا مفهوم له. واستدلوا على التحريم المطلق بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في نفس الحديث السابق: «فلا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن».
стр. 4132
وأُجِيب: بأنه نهى عن ذلك؛ لأنه لا يجوز الجمع بين الأختين، وبين المرأة وبنتها، واستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «أيما رجل نكح امرأة، فدخل بها؛ فلا يحل له نكاح ابنتها» (١)،
فقالوا: مفهومه أنه إن كان قد دخل بها؛ لم تحل له ربيبته، ولم يذكر قيد كونها في الحجر.
وقالوا: حديث أم حبيبة قد جاء بلفظ: «لو لم تكن ربيبتي ما حلَّت لي»، وبلفظ: «لو لم أنكح أم سلمة؛ ما حلَّت لي». (٢)
وأُجيب بأنَّ الحديث واحدٌ، والقصة واحدة، وأكثر الطرق بلفظ: «لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّت لي»؛ فدلَّ على أنَّ الروايات الأخرى اختصار من بعض الرواة.
وقد اعترف الحافظ ابن حجر بأنَّ هذا القيد يشبه أن يكون معتبرًا، قال: ولولا الإجماع الحادث في المسألة، وندرة المخالف لكان الأخذ به أولى؛ لأنَّ التحريم جاء مشروطًا بأمرين: أن تكون في الحجر، وأن يكون الذي يريد التزويج قد دخل بالأم. اهـ
وقد اعترف الإمام العثيمين ﵀ أنَّ قولهم (خرج مخرج الغالب) ليس بصحيح؛ لأنَّ الغالب أنَّ البنت لا تكون في حجر زوج أمها.
стр. 4133
ثم استدل على أنَّ القيد غير معتبر بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فذكر انتفاء قيد الدخول، ولم ينبه على انتفاء قيد الحجر؛ فدلَّ على عدم اعتباره.
ثم ظهر لي أن القيد المعتبر هو الدخول على الأم فقط، وأما كونها في حجره فليس شرطًا في التحريم؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فدل على أن هذا القيد هو المعتبر، لإعادته، دون إعادة القيد الثاني، ولأنه حتى وإن كانت في حجره؛ فكيف سيراها في أول ليلة يدخل على أمها، وهي في أول الأمر ليست في حجره؛ فيلزم من ذلك أنها تحتجب منه أيامًا حتى تصير في حجره، ولا أعلم قائلا بذلك، والله أعلم.
وقد رجَّح شيخنا مقبل الوادعي، والإمام الألباني رحمهما الله القول الأول، ورجَّح القول الثاني العثيمين، واللجنة الدائمة رحمة الله عليهم. (١)
مسألة [٢]: ضابط الدخول الْمُحَرِّم .
• صَحَّ عن ابن عباس ﵄ أنَّ المراد بقوله ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الجماع (٢)، وهو قول طاوس، وعمرو بن دينار، وعبد الكريم الجزري، وبعض الحنابلة، والشافعي في قولٍ، وهو اختيار البخاري، وهذا هو الصواب.
• وقد ذهب الجمهور إلى أنه إن باشرها بشهوةٍ، بتقبيلٍ، أو مسٍّ، أو كشفٍ؛
стр. 4134
حرمت عليه ابنتها. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
١٣) حلائل الأبناء: يعني زوجة ابنه، وابن ابنته، وابن ابنه وإن نزلوا، وتحرم بمجرد العقد عليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا. «المغني» (٩/ ٥١٨).
١٤) زوجات الأب: يحرم على الرجل امرأة أبيه قريبًا كان أو بعيدًا، وارثًا أو غير وارث، من نسبٍ، أو رضاع؛ للآية المتقدمة ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء:٢٢]، وسواء في هذا امرأة أبيه، أو امرأة جده لأبيه، أو جده لأمه، قَرُبَ أو بَعُدَ، وليس في هذا بين أهل العلم خلاف يُعلم، قال ذلك ابن قدامة.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٥١٨): وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْ وَطِئَهَا أَبُوهُ، أَوْ ابْنُهُ، بِمِلْكِ يَمِينٍ أَوْ شُبْهَةٍ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْ وَطِئَهَا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْمِلْكُ فِي هَذَا وَالرَّضَاعُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمَكْحُولٌ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُمْ. اهـ
ومنهنّ من حرمت بسبب الجمع:
١٥) وهي أخت الزوجة، فتحرم على زوج أختها ما دامت أختها زوجة له،
стр. 4135
فإذا ماتت، أو طلقت وانتهت عدتها؛ حلَّت له؛ فإن تزوجهما في عقد واحد فسد؛ لأنه لا مزية لأحداهما على الأخرى، وسواء علم بذلك حال العقد أو بعده؛ فإن تزوج إحداهما بعد الأخرى؛ فنكاح الأولى صحيح؛ لأنه لم يحصل فيه جمع، ونكاح الثانية باطل؛ لأنَّ به يحصل الجمع، وليس في هذا اختلاف، قاله ابن قدامة. «المغني» (٩/ ٥١٩).
١٦) والمرأة الخامسة عشرة هي المتزوجة، فهي حرام؛ لكونها زوجة لإنسان آخر، فإذا خرجت من عصمته حلَّت؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤] الآية.
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٦٦):
بنات المحرمات محرمات؛ إلا بنات العمات والخالات، وأمهات النساء، وحلائل الآباء والأبناء، وهذا مما لا أعلم فيه نزاعا. اهـ (١)
مسألة [٣]: هل الوطء بنكاح شبهة تحصل فيه حرمة المصاهرة ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٦٦): من وطئَ امرأة بما يعتقده نكاحًا؛ فإنه يلحق به النسب، ويثبت فيه حرمة المصاهرة باتفاق العلماء فيما أعلم. اهـ
وقد نقل الاتفاق أيضًا ابن المنذر، وابن قدامة كما في «المغني» (٩/ ٥٢٨).