رُوي عنه بالإسناد المتقدم أنها تحرم عليه أيضًا إذا ماتت الأم، وإن لم يدخل بها، وهو رواية عن أحمد، والصحيح قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾
١٢) بنت الربيبة، وبنت الربيب وإن نزلن، بالاتفاق، قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٦٥): وتحرم عليه بنت امرأته، وهي الربيبة، وبنت بنتها وإن سفلت، وبنت الربيب أيضا حرام؛ كما نص عليه الأئمة المشهورون: الشافعي وأحمد وغيرهما ولا أعلم فيه نزاعا. اهـ
مسألة [١]: هل تحرم عليه الربيبة إذا لم تكن في حجره ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تحرم عليه إذا لم تكن في حجره؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، فقالوا: هذا قيد في الآية، فلا تحرم عليه إلا إذا كانت في حجره، وهذا القول صحَّ عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو قول الظاهرية، واستدلوا عليه أيضًا بحديث: «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّت لي». (١)
• وذهب جمهور العلماء إلى أنها تحرم عليه وإن لم تكن في حجره، وقالوا: القيد في الآية خرج مخرج الغالب، ولا مفهوم له. واستدلوا على التحريم المطلق بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في نفس الحديث السابق: «فلا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن».
стр. 4132
وأُجِيب: بأنه نهى عن ذلك؛ لأنه لا يجوز الجمع بين الأختين، وبين المرأة وبنتها، واستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «أيما رجل نكح امرأة، فدخل بها؛ فلا يحل له نكاح ابنتها» (١)،
فقالوا: مفهومه أنه إن كان قد دخل بها؛ لم تحل له ربيبته، ولم يذكر قيد كونها في الحجر.
وقالوا: حديث أم حبيبة قد جاء بلفظ: «لو لم تكن ربيبتي ما حلَّت لي»، وبلفظ: «لو لم أنكح أم سلمة؛ ما حلَّت لي». (٢)
وأُجيب بأنَّ الحديث واحدٌ، والقصة واحدة، وأكثر الطرق بلفظ: «لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّت لي»؛ فدلَّ على أنَّ الروايات الأخرى اختصار من بعض الرواة.
وقد اعترف الحافظ ابن حجر بأنَّ هذا القيد يشبه أن يكون معتبرًا، قال: ولولا الإجماع الحادث في المسألة، وندرة المخالف لكان الأخذ به أولى؛ لأنَّ التحريم جاء مشروطًا بأمرين: أن تكون في الحجر، وأن يكون الذي يريد التزويج قد دخل بالأم. اهـ
وقد اعترف الإمام العثيمين ﵀ أنَّ قولهم (خرج مخرج الغالب) ليس بصحيح؛ لأنَّ الغالب أنَّ البنت لا تكون في حجر زوج أمها.
стр. 4133
ثم استدل على أنَّ القيد غير معتبر بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فذكر انتفاء قيد الدخول، ولم ينبه على انتفاء قيد الحجر؛ فدلَّ على عدم اعتباره.
ثم ظهر لي أن القيد المعتبر هو الدخول على الأم فقط، وأما كونها في حجره فليس شرطًا في التحريم؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فدل على أن هذا القيد هو المعتبر، لإعادته، دون إعادة القيد الثاني، ولأنه حتى وإن كانت في حجره؛ فكيف سيراها في أول ليلة يدخل على أمها، وهي في أول الأمر ليست في حجره؛ فيلزم من ذلك أنها تحتجب منه أيامًا حتى تصير في حجره، ولا أعلم قائلا بذلك، والله أعلم.
وقد رجَّح شيخنا مقبل الوادعي، والإمام الألباني رحمهما الله القول الأول، ورجَّح القول الثاني العثيمين، واللجنة الدائمة رحمة الله عليهم. (١)
مسألة [٢]: ضابط الدخول الْمُحَرِّم .
• صَحَّ عن ابن عباس ﵄ أنَّ المراد بقوله ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الجماع (٢)، وهو قول طاوس، وعمرو بن دينار، وعبد الكريم الجزري، وبعض الحنابلة، والشافعي في قولٍ، وهو اختيار البخاري، وهذا هو الصواب.
• وقد ذهب الجمهور إلى أنه إن باشرها بشهوةٍ، بتقبيلٍ، أو مسٍّ، أو كشفٍ؛
стр. 4134
حرمت عليه ابنتها. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
١٣) حلائل الأبناء: يعني زوجة ابنه، وابن ابنته، وابن ابنه وإن نزلوا، وتحرم بمجرد العقد عليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا. «المغني» (٩/ ٥١٨).
١٤) زوجات الأب: يحرم على الرجل امرأة أبيه قريبًا كان أو بعيدًا، وارثًا أو غير وارث، من نسبٍ، أو رضاع؛ للآية المتقدمة ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء:٢٢]، وسواء في هذا امرأة أبيه، أو امرأة جده لأبيه، أو جده لأمه، قَرُبَ أو بَعُدَ، وليس في هذا بين أهل العلم خلاف يُعلم، قال ذلك ابن قدامة.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٥١٨): وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْ وَطِئَهَا أَبُوهُ، أَوْ ابْنُهُ، بِمِلْكِ يَمِينٍ أَوْ شُبْهَةٍ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْ وَطِئَهَا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْمِلْكُ فِي هَذَا وَالرَّضَاعُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمَكْحُولٌ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُمْ. اهـ
ومنهنّ من حرمت بسبب الجمع:
١٥) وهي أخت الزوجة، فتحرم على زوج أختها ما دامت أختها زوجة له،
стр. 4135
فإذا ماتت، أو طلقت وانتهت عدتها؛ حلَّت له؛ فإن تزوجهما في عقد واحد فسد؛ لأنه لا مزية لأحداهما على الأخرى، وسواء علم بذلك حال العقد أو بعده؛ فإن تزوج إحداهما بعد الأخرى؛ فنكاح الأولى صحيح؛ لأنه لم يحصل فيه جمع، ونكاح الثانية باطل؛ لأنَّ به يحصل الجمع، وليس في هذا اختلاف، قاله ابن قدامة. «المغني» (٩/ ٥١٩).
١٦) والمرأة الخامسة عشرة هي المتزوجة، فهي حرام؛ لكونها زوجة لإنسان آخر، فإذا خرجت من عصمته حلَّت؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤] الآية.
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٦٦):
بنات المحرمات محرمات؛ إلا بنات العمات والخالات، وأمهات النساء، وحلائل الآباء والأبناء، وهذا مما لا أعلم فيه نزاعا. اهـ (١)
مسألة [٣]: هل الوطء بنكاح شبهة تحصل فيه حرمة المصاهرة ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٦٦): من وطئَ امرأة بما يعتقده نكاحًا؛ فإنه يلحق به النسب، ويثبت فيه حرمة المصاهرة باتفاق العلماء فيما أعلم. اهـ
وقد نقل الاتفاق أيضًا ابن المنذر، وابن قدامة كما في «المغني» (٩/ ٥٢٨).
стр. 4136
مسألة [٤]: إذا زنى رجلٌ بامرأة، فهل تحرم هذه المرأة على أبيه، وابنه، وهل تحرم عليه أمها وبنتها ؟
• من أهل العلم من يقول: تثبت حرمة المصاهرة بذلك، وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وجاء عن ابن مسعود، وعمران بن حصين ما يدل على هذا القول، وفي الإسنادين ضعفٌ.
واستدلوا بحديث ضعيف، وهو حديث ابن مسعود عند الدارقطني (٣/ ٢٦٩): «لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها»، ولا يثبت لا مرفوعًا، ولا موقوفًا، ولهم في ذلك بعض القياسات كما في «المغني» (٩/ ٥٢٧).
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ ذلك لا يحرم، صحَّ ذلك عن ابن عباس ﵄، وهو قول سعيد بن المسيب، ويحيى بن يعمر، وعروة، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وعزاه الحافظ للجمهور.
واستدلوا على ذلك بأنَّ سياق الآيات يدل على تحريمٍ انعَقَدَ بمصاهرة، وبنكاح؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، وهذه ليست حليلة له، وقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وهذه ليست من نسائه، وقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وهذه ليست من نسائه.
وهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀.
стр. 4137
قال ابن عبد البر ﵀: قد أجمع أهل الفتوى من الأمصار على أنه لا يحرم على الزاني تزوج من زنى بها؛ فنكاح أمها وابنتها أجوز. اهـ (١)
مسألة [٥]: اللواط بالغلام هل يحرم ؟
• العجب أن بعض أهل العلم يقول: إذا لاط الرجل بالغلام -والعياذ بالله- حرمت عليه أمه وابنته، ونُقل هذا القول عن الثوري، والأوزاعي، وأحمد. وعامة أهل العلم، وجمهورهم يقولون بعدم التحريم، وهذا هو الصواب. (٢)
مسألة [٦]: هل تحرم البنت من الزنى والأخت من الزنى ؟
• عامة أهل العلم على التحريم؛ لأنَّ الآية تشمل ذلك، أعني قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
• ونُقل عن الشافعي عدم التحريم؛ لأنها لا تنسب إليه شرعًا، ولا يجري التوارث بينهما، ولا تلزمه نفقتها. وقد دافع بعض أهل العلم عن الشافعي، وبينوا أنه لا يرى الجواز، وإنما أطلق الكراهة، وأراد بذلك التحريم. (٣)
مسألة [٧]: إذا باشر أجنبية بدون الفرج ؟
إن كانت المباشرة لغير شهوة؛ لم تنتشر حرمة المصاهرة بلا خلاف.
стр. 4138
• وإن كانت المباشرة لشهوة؛ ففيه خلاف، وعن أحمد: لا يحرم. وهو قول من يقول: الزنى لا يحرم. وهو الصواب. (١)
مسألة [٨]: إذا خلا بالأجنبية بدون مباشرة ؟
نقل ابن قدامة عدم الخلاف على أنها لا تحرم، ولا تنتشر حرمة بذلك. (٢)
تنبيه: إذا خلا بامرأة تزوجها بغير شهوة؛ فلا تنتشر حرمة المصاهرة من جهة ابنتها عند أكثر أهل العلم. (٣)
مسألة [٩]: إذا تزوج امرأةً مع خالتها، أو عمتها ؟
إن تزوجهما معًا في وقت واحد؛ فالعقدان باطلان، وإن تقدمت إحداهما؛ فالعقد على المتقدمة صحيح، وعلى الأخرى باطل. (٤)
مسألة [١٠]: هل يجوز أن يجمع بين امرأة وبنت زوجها الأول من غيرها ؟
• ذكر أهل العلم أنَّ ذلك جائز، ولا مانع بدليل صحيح من ذلك، وصح عن عبدالله بن جعفر أنه تزوج بنت علي وزوجته كما في «البخاري» معلقًا، ووصله البغوي، وابن منصور، وابن سعد كما في «الفتح»، وجاء عن بعضهم أنه كره ذلك، رُوي ذلك عن الحسن، وعكرمة، وابن أبي ليلى، والصحيح الجواز بدون
стр. 4139
كراهة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]. (١)
مسألة [١١]: الجمع بين الأختين بملك اليمين .
أما مجرد التملك فيجوز أن يتملك الأختين، والأم وابنتها، والمرأة وخالتها بغير خلاف.
واختلفوا هل يجوز له الجمع بينهما في الوطء؟
• فذهب جمعٌ من أهل العلم إلى عدم الجواز، وهو قول جابر بن زيد، وطاوس، والحكم، وحماد، والشعبي، وابن سيرين، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وأبي حنيفة. ومنع من ذلك من الصحابة علي، وابن مسعود ﵄، وكره ذلك عمر، وعائشة ﵄، وهو ثابت عنهم.
• وقال عثمان بن عفان ﵁: أحلته آية، وحرمته آية، وما أحب أن أفعل ذلك. وهو ثابت عنه أيضًا.
واستدل القائلون بالتحريم بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٣].
• وذهب إلى جواز ذلك الظاهرية، وصحَّ عن ابن عباس ﵄، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٦/المعارج:٣٠]، وقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، وعن أحمد رواية بالكراهة، فقد
стр. 4140
تعارض عمومان كما هو ظاهر، والمحققون من أهل العلم على الترجيح بين العمومين في مثل هذه الحالة، وإبقاء العموم الراجح على عمومه، وتخصيص العموم المرجوح.
وقد تكلم الشنقيطي ﵀ على ذلك بكلام جيد في «دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب»، ورجَّح عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ لأمور، منها: أنها سيقت في محل بيان المحرمات، والآية الأخرى سيقت في معرض وصف المتقين المفلحين. ومنها: أنَّ الأصل في الفروج التحريم، فلا يحل فرج إلا بدليل صحيح لا معارض له. ومنها: أنَّ عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قد خُصَّ بالإجماع إذا ملك أختين من الرضاع، أو أمًا وابنتها من الرضاع، أو المرأة وخالتها من الرضاع ... ؛ فضعف عمومه، بخلاف عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾؛ فإنه لم يخص، وعلى هذا فالقول بالمنع هو الأقرب، والله أعلم. (١)
تنبيه: ذهب الحكم، وحماد، والنخعي إلى أنه إن كان يملك أختين؛ فلا يقرب واحدة منهما، وهو قول ابن حزم، وأكثر أهل العلم على أنَّ له أن يطأ واحدة منهما دون الأخرى؛ لأنه في هذه الحالة لم يجمع بينهما بالفراش. وهذا هو
стр. 4141
الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [١٢]: إذا وطئ إحداهما، ثم أراد أن يطأ الأخرى ؟
• ليس له ذلك حتى يحرم الأولى على نفسه بتزويجها، أو إخراجها عن ملكه ببيع، أو هبة، وهو قول علي، وابن عمر ﵃، وقال به الحسن، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ولا تحل له برهنها.
• وقال قتادة: إن استبرأها؛ حلَّت له أختها.
والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٣]: إذا كاتب إحداهما، فهل تحل له الأخرى ؟
• الحنابلة على أنَّ ذلك لا يُحِلُّ له الأخرى إن كان وطئ الأولى التي كاتبها؛ لأنَّ الكتابة لا تخرجها من ملكه إلا بعد الأداء، ولاحتمال رجوعها إليه، فأشبهت المرهونة.
• ومذهب الشافعية أنَّ الثانية تحل له؛ لأنه أصبح ممنوعًا من الأولى بسبب لا يقدر على دفعه، فأشبه تزويجها.
والصحيح القول الأول، والله أعلم. (٣)
стр. 4142
مسألة [١٤]: إذا أخرج من وطئها من ملكه، فهل يُشترط استبراء رحمها حتى تحل أختها ؟
• اشترط ذلك جماعةٌ من الفقهاء من الحنابلة وغيرهم، ولم يشترط ذلك أبو يوسف، ومحمد، وهو الصواب؛ لعدم وجود دليل على اشتراط ذلك. (١)
مسألة [١٥]: إن وطئ أَمَتَيْهِ (الأختين)، فما الحكم ؟
الوطء الثاني محرم عليه، ولا حدَّ عليه؛ لأنَّ وطأه في ملكه، ولأنه مختلف في حكمها، وله سبيل إلى استباحتها.
• ثم إنَّ الحنابلة يرون أنه لا يحل له واحدة منهما حتى يحرم الأخرى على نفسه ويستبرئها.
• وأما الشافعية، وبعض الحنابلة فيقولون: الأولى باقية على حِلِّها؛ لأن الوطء الحرام لا يحرم الحلال إلا أنَّ القاضي قال: لا يطؤها حتى يستبرئ الثانية.
والصحيح قول الشافعية، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٦]: إذا زال ملكه عن الموطوءة، فوطئ أختها، ثم عادت الأولى إلى ملكه ؟
• مذهب الحنابلة أنه ليس له أن يطأ إحداهما حتى يُحَرِّمَ الأخرى على نفسه بإخراجها من ملكه، أو تزويجها.
стр. 4143
• وقال أصحاب الشافعي: لا تحرم عليه واحدة منهما؛ لأنَّ الأولى لم تبق فراشَا؛ فأشبه ما لو وطئ أمةً، ثم اشترى أختها، فعلى هذا فالأُولَى ما زالت تحل له، فإذا أراد أن يطأ الذي رجعت إلى ملكه؛ حرَّم الأولى على نفسه.
قلتُ: قول الشافعية أقرب، والله أعلم. (١)
تنبيه: التحريم يحصل بالجماع على الصحيح. (٢)
مسألة [١٧]: إذا وطئ أمةً، ثم أراد أن يتزوج بأختها ؟
• لا يصح النكاح عند بعض أهل العلم، وهو قول مالك في رواية، ونقل عن أحمد؛ لأنَّ النكاح تصير به المرأة فراشًا، فلم يجز أن ترد على فراش الأخت كالوطء، ولأنه فعلٌ في الأخت ينافي إباحة أختها المفترشة؛ فلم يَجُزْ كالوطء.
• وقال بعضهم: يصح النكاح، ولا تُباح له حتى يُحرِّم أختها. وهو مذهب أبي حنيفة، ونقل عن أحمد؛ لأنه سبب يُستباح به الوطء، فجاز أن يرد على وطء الأخت، ولا يبيح كالشراء.
• وقال الشافعي: يصح النكاح، وتحل له المنكوحة، وتحرم عليه أختها؛ لأنَّ النكاح أقوى. (٣)
стр. 4144
مسألة [١٨]: نكاح حرائر أهل الكتاب .
قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥].
فعامة أهل العلم على جواز نكاح حرائر أهل الكتاب؛ لهذه الآية، بشرط أن تكون عفيفة، وقد نقل الإجماع على ذلك، ولكن قد صح عن ابن عمر ﵄ كما في «صحيح البخاري» (٥٢٨٥) أنه كان يمنع من ذلك، ويقول: قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة:٢٢١] قال: ولا أعلم من الشرك أعظم من أن تقول المرأة: (ربها عيسى).
وحمل بعضهم قول ابن عمر أنه كان يأمر بالتنزه عن ذلك. قال أبو عبيد: المسلمون اليوم على الرخصة. (١)
مسألة [١٩]: من هم أهل الكتاب ؟
هم أهل التوراة، والإنجيل، وإن كان ذلك بعد التبديل، والتحريف، والنسخ، فقد كان التحريف والتبديل والنسخ حاصل في عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومع ذلك أُبيحت نساؤهم. (٢)
قال: وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً، وَضَعَّفَ أَحْمَدُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً. وَقَالَ: أَبُو وَائِلٍ يَقُول: تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً. وَهُوَ أَوْثَقُ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً.
قال: وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ؛ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مَعَ مُخَالِفَتِهِ الْكِتَابَ، وَقَوْلَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا إقْرَارُهُمْ بِالْجِزْيَةِ؛ فَلِأَنَّنَا غَلَّبْنَا حُكْمَ التَّحْرِيمِ لِدِمَائِهِمْ، فَيَجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ. اهـ
مسألة [٢١]: نساء الصابئين .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٥٤٦ - ): وَأَمَّا الصَّابِئُونَ فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ السَّلَفُ كَثِيرًا، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ جِنْسٌ مِنْ النَّصَارَى. وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَعَلَّقَ الْقَوْلَ فِيهِمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يَسْبِتُونَ. فَهَؤُلَاءِ إذَا يُشْبِهُونَ الْيَهُودَ. وَالصَّحِيحُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ النَّصَارَى أَوْ الْيَهُودَ فِي أَصِلْ دِينِهِمْ، وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي فُرُوعِهِ، فَهُمْ مِمَّنْ وَافَقُوهُ، وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي أَصِلْ الدِّينِ؛ فَلَيْسَ هُمْ مِنْهُمْ. اهـ
مسألة [٢٢]: سائر الكفار غير أهل الكتاب .
لا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم، وذبائحهم، قاله ابن قدامة ﵀ كما في «المغني» (٩/ ٥٤٨).
стр. 4147
مسألة [٢٣]: إذا كان أحد أبوي المرأة ليس كتابيا ؟
• جاء عن بعض أهل العلم أنها لا تحل، وقال به أحمد في رواية، وقال بذلك أيضًا الشافعي فيما إذا كان الأب غير كتابي، وقال بعض الحنابلة: تحل؛ لأنها تدخل في عموم الآية، وهذا أقرب. (١)
مسألة [٢٤]: إذا تركت الكتابية دينها بعد الزواج وانتقلت إلى دين كفر آخر ؟
أولًا الكتابي إذا انتقل إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر عليه بلا خلاف، وهل يقر إذا انتقل إلى دين أهل الكتاب الآخر؟
• قال بعضهم: لا يقر. وهو قولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد.
• وقال بعضهم: يقر. وهو قولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد، والحنفية.
وعلى القول الأول قال بعضهم: لا يقبل منه بعد ذلك إلا الإسلام. قاله أحمد، والشافعي في قول. وقال بعضهم: يقبل منه الإسلام، وكل دين يقر أهله عليه.
والترجيح بين هذه الأقوال يحتاج إلى تحرير، وعلى كُلٍّ فالكتابية إذا فارقت دين أهل الكتاب إلى غير دين أهل الكتاب فتحرم على زوجها، وينفسخ نكاحها، ولا مهر لها. (٢)
стр. 4148
مسألة [٢٥]: هل تحل الأمة الكتابية للمسلم ؟
• كرهه الحسن، وأباح ذلك عامة العلماء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٦/المعارج:٣٠]. (١)
مسألة [٢٦]: هل تحل الإماء المشركات للمسلمين ؟
• منع من ذلك كثير من العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:٢٢١].
• وذهب بعضهم إلى الجواز، وهو قول طاوس، وآخرين، واستدلوا على الجواز بعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦/المعارج:٣٠]، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- متواتر عنه أنه قاتل مشركي العرب وأسر منهم، وسبى نساءهم، وكان الصحابة يتسرون بهن، وهذا القول هو الصواب، والعجب من كثرة المخالف، والآية التي استدلوا بها المراد بها الزواج؛ جمعًا بين الأدلة، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (٢)
مسألة [٢٧]: ما حكم التزوج بأمة كتابية ؟
• جمهور العلماء على المنع من ذلك، وهو ظاهر مذهب أحمد، وقال بذلك الحسن، والزهري، ومكحول، ومالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي،
стр. 4149
والليث، وإسحاق، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥].
• وأجاز ذلك أبو حنيفة، وأبو ميسرة، وأحمد في رواية، وردَّ الخلال هذه الرواية، واستدلوا على ذلك بأنها كما تحل بملك اليمين؛ فتحل له بالنكاح كالمسلمة.
وأُجيب عن ذلك بالفارق، بأنَّ المسلمة لا يؤدي ذلك إلى استرقاق الكافر ولدها؛ لأنَّ الكافر لا يقر ملكه على مسلمة، والكافرة تكون ملكًا للكافر، ويقر ملكه عليها، وولدها مملوك لسيدها، ولو لم يحصل هذا الفارق كأن تكون مملوكة لرجل مسلم؛ لما حلت أيضًا لظاهر الآية المتقدمة، ولا يجوز معارضتها بالقياس. (١)
مسألة [٢٨]: وهل يجوز للعبد المسلم التزوج بالأمة الكتابية ؟
• أجاز ذلك الحنفية، وبعض الشافعية؛ لأنَّ الآية ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المخاطب بها الأحرار.
• ومذهب الحنابلة، وجماعة من الشافعية وغيرهم المنع من ذلك أيضًا؛ لعموم الدليل، ولأنَّ ما حُرِّم على الحر تزويجه لأجل دينه؛ حُرِّم على العبد كالمجوسية. وهذا أقرب، والله أعلم. (٢)
стр. 4150
مسألة [٢٩]: نكاح الحر المسلم الأمة المسلمة .
• جمهور أهل العلم على جواز ذلك إذا وجد الشرطان اللذان ذكرهما الله في كتابه، وهما عدم القدرة على نكاح الحرة، والثاني خوف العنت. والصبر أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء:٢٥]، فإذا عدم أحد هذين الشرطين لم يحل له نكاحها، وهو قول عطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، والزهري، وعمرو بن دينار، ومكحول، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
• وذهب مجاهد إلى جواز نكاح الأمة وإن كان موسرًا، وقال به أبو حنيفة إذا لم يكن تحته حرة.
• وأجاز ذلك قتادة، والثوري لمن خاف العنت، وإن وجد الطَّوْل.
والصحيح هو قول الجمهور؛ لظاهر الآية، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٠]: إذا أيسر بعد الزواج بأمة ؟
• مذهب الشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه أنَّ النكاح لا ينفسخ؛ لأنه قد انعقد على وجهٍ صحيح، فلا يفسخ إلا بدليل صحيح.
• وذهب بعض الحنابلة، والشافعية، منهم: المزني إلى أنَّ النكاح ينفسخ؛ لأنَّ
стр. 4151
الشرط فقد، كأكل الميتة للمضطر إذا وجد الأكل الحلال.
وأُجيب: بأنَّ فَقْدَ الطَّول أحد شرطَي إباحة نكاح الأمة، فلم تعتبر استدامته، كخوف العنت، ويفارق أكل الميتة؛ فإنَّ أكلها بعد القدرة ابتداءٌ للأكل، وهذا لا يبتدئ النكاح إنما يستديمه، والاستدامة للنكاح تخالف ابتداءه، بدليل أنَّ العدة، والردة، وأمن العنت يمنعن ابتداءه دون استدامته. (١)
مسألة [٣١]: إذا تزوج الحر بحرة على أمة قد تزوجها قبلُ ؟
• قال بعضهم: يبطل نكاحه بالأمة. نُقل عن ابن عباس ﵄ (٢)، وهو قول مسروق، وإسحاق، والمزني، وأحمد في رواية.
• وقال آخرون: لا يبطل نكاحه بالأمة ولا ينفسخ. وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والشافعي، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي، وثبت هذا القول عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، عند الدارقطني (٣/ ٢٨٥)، والبيهقي (٧/ ١٧٥) من طرق يحسن بها، وهذا أرجح، ووجهُ القولين ما تقدم في المسألة السابقة. (٣)
стр. 4152
مسألة [٣٢]: هل له أن ينكح أكثر من أمة مع وجود الشرطين ؟
• قال بعض أهل العلم: له ذلك. وهو قول الزهري، ومالك، وأحمد، وأصحاب الرأي؛ لعموم الآية.
• وقال بعضهم: ليس له ذلك. وهو قول قتادة، والشافعي، وابن المنذر؛ لأنَّ من له زوجة يمكنه وطؤها لا يخشى العنت.
وأُجيب بأنَّ المسألة موضوعة فيمن يخشى العنت، فإذا حصل ذلك أُبيح له؛ لعموم الآية، فالصواب هو القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٣]: نكاح العبد الأمة المسلمة .
أجاز ذلك أهل العلم؛ لأنَّ كليهما رقيق، ولأنَّ ظاهر الآية أنها خطاب للأحرار.
مسألة [٣٤]: وهل له أن ينكحها على الحرة ؟
• منع من ذلك أصحاب الرأي، وأحمد في رواية، وأجازه الأكثر. (٢)
مسألة [٣٥]: نكاح العبد مولاته ؟
أجمع أهل العلم على أنَّ نكاح العبد لسيدته باطل، نقل ذلك ابن المنذر وغيره؛ لتفاوت القيومية، وصح عن عمر ﵁ أنه همَّ أن يقيم الحد على من
стр. 4153
نكحت عبدها. (١)
مسألة [٣٦]: إذا تزوج العبد بحرة ثم ملكته ؟
ذكر أهل العلم أنَّ نكاحها ينفسخ، وجمهورهم على أنه لا يعد طلاقًا، وهو الصحيح، وقال الحسن، والزهري، وقتادة، والأوزاعي: تحتسب تطليقة؛ فلو تزوجها بعد ذلك يبقى له تطليقتان. (٢)
مسألة [٣٧]: نكاح الرجل أمته ؟
لا يصح النكاح عند أهل العلم؛ إلا أن يعتقها، ثم يتزوجها؛ لأنَّ كونها أمة تحته أعظم من كونها زوجة. (٣)
مسألة [٣٨]: إذا تزوج أمة ثم ملكها ؟
• ينفسخ النكاح عند أكثر أهل العلم؛ إلا أنَّ الحسن قال: إذا اشترى امرأته للعتق، فأعتقها حين ملكها؛ فهما على نكاحهما.
• وأجاب الجمهور بأنَّ الفسخ أسبق؛ لأنه يحصل بمجرد انتقالها إلى ملكه، والعتق حاصل بعد ذلك في غير ملك.
والراجح قول الجمهور. (٤)
стр. 4154
مسألة [٣٩]: تزوج الرجل أمة ولده، وولد ولده .
• منع من ذلك الشافعية، والحنابلة؛ لشبهة حديث: «أنت ومالك لأبيك».
• وأجاز أهل العراق ذلك؛ لأنها ليست ملكًا له، وحديث: «أنت ومالك لأبيك» (١) محمول على أنه يُباح للوالد أن يأخذ من مال ولده بدون إجحاف فيما لا يحتاجه الولد. وهذا القول أقرب، والمراد بذلك فيما إذا لم يطأ الولد أمته؛ فإن كان قد وطئها؛ صارت حرامًا على والده؛ لأنها حليلة الولد، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤٠]: نكاح الرجل أمة أبيه .
أجاز أهل العلم للولد أن يتزوج بأمة أبيه التي لم يمسها أبوه، وللأب أيضًا أن يزوج مملوكه بابنته، فإذا مات الأب وورث الابنُ الأمةَ، أو البنتُ العبدَ؛ انفسخ النكاح كما تقدم. (٣)
مسألة [٤١]: متى تحرم أمة الرجل على والده وولده ؟
أما إذا وطئها حرمت على والده، وولده بلا خلاف.
وأما إذا لم يطأها؛ فللوالد والولد تملكها، وهل له وطؤها؟ فيه خلاف.
• منهم من قال: إن جردها؛ فليس لهما ذلك. وهو قول الحسن، ورُوي عن
стр. 4155
عمر ﵁ بسند منقطع.
• ومنهم من قال: إذا لمسها، ونظر إليها؛ حرمت. وهو قول مسروق.
• ومنهم من قال: إذا باشر، أو قبَّل؛ حرمت عليهما. وهو قول مجاهد، والنخعي، وابن أبي ليلى، والشافعي.
• ومنهم من قال: إذا نظر إلى عورتها؛ حرمت. وهو مروي عن عامر بن ربيعة، وقال به أبو حنيفة، والثوري.
• ومنهم من قال: إذا نظر إلى شيء من محاسنها كالساق، والشعر، والصدر. وهو قول مالك.
• ومنهم من قال: تحرم بمجرد تملكها. وهو قول ابن حزم.
• ومنهم من قال: يحرمها الوطء. وهو قول الحسن، وقتادة.
ويظهر أنَّ الأخير أقرب الأقوال، والله أعلم. (١)
مسألة [٤٢]: الزواج بأكثر من أربع .
لا يجوز الزواج بأكثر من أربع عند أهل السنة، خلافًا لطائفة من الشيعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]، فأباح الله الأربع في سياق الامتنان، فأفاد الحصر بأربع، ولو جاز بأكثر؛ لذكره الله عزوجل، وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ عند البيهقي (٧/ ١٨٣) وغيره: أنَّ غيلان بن
стр. 4156
سلمة أسلم وتحته تسع نسوة، فأمره رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يختار منهن أربعًا. وهو حديث صحيح. (١)
مسألة [٤٣]: هل للعبد أن يتزوج بأربع ؟
• ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنه لا يجوز له الزواج بأكثر من اثنتين، صحَّ ذلك عن عمر ﵁، وجاء عن علي، وعبد الرحمن بن عوف، ولم يثبت عنهما، وهو قول عطاء، والحسن، والشعبي، وقتادة، والثوري، والشافعية، وأحمد، وأصحاب الرأي، واستدلوا على ذلك بفتوى عمر ومن معه، قالوا: ولا يُعلم لهم مخالف.
• وقال بعض أهل العلم: له أن ينكح أربع زوجات كالحر؛ لعموم الدليل، ولا دليل صحيحًا يخصه، وهو قول القاسم، وسالم، وطاوس، ومجاهد، والزهري، وربيعة، ومالك، وأبي ثور، وداود، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤٤]: هل للعبد أن يتسرى ؟
• للعبد أن يتسرى بإذن سيده، صحَّ ذلك عن ابن عمر، وعن ابن عباس ﵄، وهو قول الشعبي، والنخعي، والزهري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي في قول، وأحمد.
стр. 4157
• وكره ذلك ابن سيرين، وحماد، والثوري، والشافعي في قول، وأصحاب الرأي.
والصحيح هو القول الأول؛ لأنَّ العبد يملك بتمليك سيده له؛ فإذن سيده له تمليك له تلك الأمة فيدخل في عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦/المعارج:٣٠]. (١)
مسألة [٤٥]: هل له أن يتسرى بأكثر من أمة ؟
• الصحيح أنَّ له أن يتسرى بما شاء إذا أذن له السيد، وإذا أذن السيد وأطلق؛ لم يزد على واحدة عند الحنابلة، وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور: له أن يزيد.
وأُجيب: بأنَّ الإذن المطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم يقينًا، وما زاد مشكوك فيه، فيبقى على الأصل، وقول الحنابلة أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤٦]: إذا أباحت الأم، أو الأخت للرجل أن يطأ جاريتهما ؟
أكثر أهل العلم على أنه لا يحل له ذلك، وأنها حرام عليه، وصح ذلك عن ابن عمر ﵄، وهو قول الزهري، وعمرو بن دينار، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وابن المنذر.
وقال بعض أهل العلم: تصير له رقبتها، وتباح له، وهو قول الحسن، والشعبي، والحكم، وحماد، وطاوس. وثبت عن ابن عباس ﵄ الفتوى بذلك،
стр. 4158
وجعل الرقبة لصاحبتها.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الصحيح التحريم، وهو قول الشافعي، وأحمد أيضًا؛ لأنها ليست ملك يمينه فهو متعد، وملوم؛ لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. (١)
مسألة [٤٧]: ما حُرِّم نكاحها لأجل الجمع، هل يستمر النكاح إذا طلق الأولى ؟
كزواج أخت زوجته، أو خالتها، أو عمتها، أو الزواج بخامسة.
فإذا كان الطلاق رجعيًّا؛ استمر التحريم عند أهل العلم. وأما إذا كان الطلاق بائنًا، أو فسخًا، فقولان:
• الأول: ما زال التحريم باقيًا، ولا يجوز له نكاحها، رُوي عن علي، وابن عباس، وزيد بن ثابت (٢)، وهو قول سعيد بن المسيب، ومجاهد، والنخعي، والثوري، وأحمد، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ هذا مروي عن الصحابة، ولأنَّ العدة
стр. 4159
من حقوق الزوج.
• الثاني: يجوز له الزواج، وهو قول القاسم، وعروة، وعطاء، وابن أبي ليلى، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأبي عبيد، وابن المنذر، ورُوي عن زيد بن ثابت (١)؛ لأنها لم تبق في عصمته.
وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٢)
стр. 4160
٩٨٦ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «وَلَا يَخْطُبُ». وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ: «وَلَا يُخْطَبُ عَلَيْهِ» (٢).
٩٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣)
٩٨٨ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ. (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم نكاح المحرم .
تقدم الكلام على هذه المسألة في [كتاب الحج] تحت حديث (٧١٦)، ورجحنا تحريم ذلك، وبطلان ذلك النكاح، وبالله التوفيق.
تنبيه: يُستفاد من المسائل المتقدمة شرط من شروط صحة النكاح، وهو:
الشرط الرابع: يُشترط لصحة العقد أن تكون المرأة التي يُراد التزوج بها مباحة للرجل المتزوج.
стр. 4161
٩٨٩ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الشروط في النكاح .
الشروط في النكاح تخالف شروط النكاح؛ فإنَّ شروط النكاح من وضع الشارع، والشروط في النكاح من وضع العاقد.
وشروط النكاح يتوقف عليها صحة النكاح، وأما الشروط فيه فلا تتوقف عليها صحته، إنما يتوقف عليها لزومه، فلمن فات شرطه فسخ النكاح.
وشروط النكاح لا يمكن إسقاطها، والشروط في النكاح يمكن إسقاطها ممن هي له من المتعاقدين. (٢)
ومن الشروط في النكاح ما يجب الوفاء به عند أهل العلم بلا خلاف، وهي اشتراط ما يقتضيه العقد بنفسه، كأن تشترط المرأة على الرجل أن ينفق عليها، أو يعاشرها بالمعروف، أو يشترط الرجل على المرأة أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، وما أشبه ذلك.
ومن الشروط في النكاح ما هي باطلة عند أهل العلم، ولا اعتبار فيها، كاشتراط زواج المرأة بزواج أخرى بدون مهر، أو اشتراط الزواج إلى أجل، أو
стр. 4162
اشتراط الزواج للتحليل فقط. ومن الشروط ما هي مختلف فيها، هل تلزم أم لا؟ وسيأتي إن شاء الله ذكر صور من ذلك. (١)
مسألة [٢]: اشتراط المرأة طلاق أختها .
جاء الحديث عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتحريم هذا الشرط كما في «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁: «لا تسأل المرأة طلاق أختها؛ لتستفرغ صحفتها، ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها»، وفي رواية عندهما: «نهى أن تشترط المرأة طلاق أختها». (٢)
فعامة أهل العلم على أنَّ هذا الشرط باطل، وقال أبو الخطاب الحنبلي: يصح الشرط؛ لأنَّ لها فيه فائدة. وهو قول ضعيف؛ لأنه معارض للنص والنهي يقتضي الفساد. (٣)
مسألة [٣]: اشتراط المرأة أن لا يسافر بها من بلدها، أو يتزوج عليها، أو يتسرى عليها ؟
• من أهل العلم من قال: يوفى لها بشرطها ولها الفسخ إن لم يف. وهو قول شُريح، وعمر بن عبد العزيز، وطاوس، وجابر بن زيد، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ومالك، وصحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سئل عن رجل تزوج امرأة وشرط لها دارها، ثم أراد الانتقال، فقال عمر: لها شرطها، مقاطع
стр. 4163
الحقوق عند الشروط. وصحَّ أيضًا عن عمرو بن العاص بنحو ذلك، وجاء عن سعد، ومعاوية ﵃.
وحجَّةُ أصحاب هذا القول حديث عقبة بن عامر ﵁ الذي في الباب، وحديث: «المسلمون على شروطهم». (١)
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الشرط باطل، وهو قول الزهري، وقتادة، وهشام، والليث، والثوري، والشافعي، وأبي حنيفة، ومالك في رواية وغيرهم. وعند الشافعي، وأبي حنيفة أنَّ هذا الشرط يؤثر على المهر المسمى، فيفسد المسمى، ويثبت مهر المثل، وجاء القول بالبطلان عن علي بسند ضعيف.
واستدل هؤلاء بحديث: «ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله؛ فهو باطل» (٢)، وبحديث: «إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا». (٣)
وأُجيب عن الأول: بأنَّ المقصود (ليس في كتاب الله حِلّه، وإباحته)، ولا يوجد دليل في تحريم الشروط المذكورة من كتاب الله، أو سنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديث: «أو حرَّم حلالًا»، فقد أجاب عنه شيخ الإسلام في «القواعد النورانية» بجواب نفيس جيد.
فقال ﵀ (ص ٢٢٠ - ٢٢١): إِنَّ المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله، ولا
стр. 4164
يحرم ما أباحه الله؛ فإنَّ شرطَه حينئذٍ يكون مبطلًا لحكم الله، و كذلك ليس له أن يسقط ما أوجبه الله، و إنما المشترط له أن يوجب بالشرط مالم يكن واجبًا بدونه، فمقصود الشروط وجوب مالم يكن واجبًا، ولا حرامًا، وعدم الإيجاب ليس نفيًا للإيجاب حتى يكون المشترط مناقضًا للشرع، وكل شرط صحيح فلابد أن يفيد وجوب؛ مالم يكن واجبًا؛ فإنَّ المتبايعين يجب لكل منهما على الآخر من الإقباض مالم يكن واجبًا، و يباح أيضًا لكل منهما مالم يكن مباحًا، ويحرم على كل منهما مالم يكن حرامًا، وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين، وكذلك إذا اشترط صفة في المبيع، أو رهنًا، أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مثلها؛ فإنه يجب، ويحرم، ويُباح بهذا الشرط مالم يكن كذلك.
قال: وقد توهم بعض الناس أنَّ هذا الحديث متناقض، وليس كذلك، بل كل ما كان حرامًا بدون الشرط فالشرط لا يبيحه، كالربا، وكالوطء في ملك الغير، وكثبوت الولاء لغير المعتق.
قال: وأما ما كان مُباحًا بدون الشرط؛ فالشرط يوجبه، كالزيادة في المهر، والثمن، والرهن، وتأخير الاستيفاء؛ فإن الرجل له أن يعطي المرأة، وله أن يتبرع بالرهن، وبالإنظار ونحو ذلك، فإذًا شرطه صار واجبًا، وإذا وجب؛ فقد حرمت المطالبة التي كانت حلالًا بدونه؛ لأن المطالبة لم تكن حلالًا مع عدم الشرط؛ فإن الشارع لم يبح مطالبة المدين مطلقًا، فما كان حلالًا وحرامًا مطلقًا؛ فالشرط لا يغيره. اهـ
стр. 4165
فالصواب في هذه المسألة هو القول الأول، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، ثم الإمام ابن عثيمين وغيرهم، والله الموفق للصواب. (١)
مسألة [٤]: إذا اشترط الرجل أنْ لا مهر للمرأة ؟
• مذهب الشافعية، والحنفية، وظاهر مذهب الحنابلة أنَّ الشرط لا يصح، ولها المهر، ولا يبطل العقد؛ لأنَّ العقد يصح إذا لم يسمِّ المهر، فكذلك إذا شرط نفيه.
• وذهب بعض العلماء إلى أنَّ الشرط باطل، والنكاح باطل؛ لأنَّ الزواج بلا مهر لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء:٢٤]، وهذا قول جماعة من الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام.
قال صاحب «الإنصاف» ﵀ (٨/ ١٦٣): واختار -يعني شيخ الإسلام فيما إذا شرط أنْ لا مهر- فساد العقد، وأنه قول أكثر السلف، وقد استدل لهذا القول ببطلان نكاح الشغار بسبب عدم المهر.
وقد اختار هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الصواب، والله أعلم. (٢)
стр. 4166
مسألة [٥]: إذا شرط الزوج أنْ لا نفقة لها عليه، وكذا عدم الوطء ؟
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ١٠٦): وقد اتفق على وجوب الوفاء بتعجيل المهر، أو تأجيله، والضمين، والرهن به، ونحو ذلك، وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء، والإنفاق، والخلو عن المهر، ونحو ذلك. اهـ
قلتُ: قد خالف شيخه شيخ الإسلام، فاختار صحة الشرط بذلك؛ لأنه حق أسقط برضى مستحقه، وقد رجَّح هذا القول الشيخ ابن عثيمين، وهو الراجح.
وأما الخلو عن المهر فلم يجز؛ لأنَّ الشرع حرَّم النكاح بدونه، والله أعلم، ومثل ما تقدم ما إذا شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها. (١)
مسألة [٦]: إذا شرط أحدهما الخيار ؟
• أكثر العلماء على عدم صحة الشرط؛ لأنَّ النكاح لا يحصل إلا بعد الاستخبار، ولأنه لم يأت دليل في شرعيته في النكاح، بل جاء في البيع.
• وذهب بعض أهل العلم إلى صحة الشرط وشرعيته، وهو قول أبي ثور، وشيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين.
واستدلوا بعموم حديث: «المسلمون على شروطهم»، وبعموم حديث عقبة الذي في الباب. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
стр. 4167
مسألة [٧]: إذا شرط على الرجل: إذا أتيت بالمهر إلى وقت كذا، وإلا فلا نكاح بيننا ؟
• أكثر العلماء أيضًا على عدم صحة الشرط؛ لأنه تعليق للعقد، وهذه العقود ينبغي أن تكون لازمة نافذة.
• وذهب بعضهم إلى صحة ذلك، وهو مقتضى قول من تقدم ذكرهم في المسألة السابقة، ورواية عن أحمد، واستدلوا بما تقدم.
واختلف القائلون بعدم صحة الشرط هل يبطل العقد، أم لا؟
• فمنهم من قال: يبطل العقد. وهو رواية عن أحمد، وقال به الشافعي، وأبو عبيد، ونحوه عن مالك.
• ومنهم من قال: لا يبطل العقد. وهو رواية عن أحمد، وقال به إسحاق، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وهو قول عطاء، والزهري.
قلتُ: وهذا الخلاف في صحة العقد وفساده يصلح ذكره في المسألة التي قبلها، والتي بعدها، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: تعليق العقد بشرط مستقبل .
مثل قوله: (زوجتك إذا جاء رأس الشهر) إذا قصد به الإنشاء مع التعليق، لا مجرد الوعد، أو قوله: (زوجتك إن رَضِيَتْ أُمُّها)، أو ما أشبه ذلك.
стр. 4168
• فمذهب الجمهور أنه لا يصح؛ لأنَّ العقد يكون لازمًا، وبتعليقه بشرط مستقبل لا يكون كذلك.
• وعن أحمد رواية بصحة العقد، واختارها شيخ الإسلام، وقوَّاها ابن رجب، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، وهو الصواب؛ لحديث: «المسلمون على شروطهم»، ولحديث عقبة الذي في الباب، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: إذا شرط الرجل في المرأة وصفًا معتبرًا، فبانت بخلافه ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «القواعد النورانية» (ص ٢٣٨): ثم لو شرط أحد الزوجين في الآخر صفة مقصودة كالمال، و الجمال، و البكارة، ونحو ذلك؛ صح ذلك، وملك المشترط الفسخ عند فواته في أصح الروايتين عند أحمد، وهو أصح وجهي أصحاب الشافعي، و ظاهر مذهب مالك.
قال: والرواية الأخرى لا يملك الفسخ إلا في شرط الحرية و الدين، وفي شرط النسب على هذه الرواية وجهان.
قال: وسواء كان المشترط هو المرأة في الرجل، أو الرجل في المرأة، بل اشتراط المرأة في الرجل أوكد باتفاق الفقهاء من أصحاب أحمد و غيرهم، وما ذكره بعض أصحاب أحمد بخلاف ذلك لا أصل له. اهـ
وقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ١٨٤ - ١٨٥): وأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ السَّلَامَةَ، أَوْ شَرَطَ الْجَمَالَ، فَبَانَتْ شَوْهَاءَ، أَوْ شَرْطَهَا شَابّةً حَدِيثَةَ السّنّ، فَبَانَتْ
مسألة [١٠]: إذا تزوج امرأة على أن يحج بها ؟
قال الإمام ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٠٩ - ): وقالت الحنابلة والشافعية: لو تزوجها على أن يحج بها لم تصح التسمية، ووجب مهر المثل، وقاسوا هذه التسمية على ما إذا تزوجها على شيء لا يدرى ما هو.
ثم قالت الشافعية: لو تزوج الكتابية على أن يعلمها القرآن جاز، وقاسوه على جواز إسماعها إياه، فقاسوا أبعد قياس، وتركوا محض القياس، فإنهم صرحوا بأنه لو استأجرها ليحملها إلى الحج جاز، ونزلت الإجارة على العرف، فكيف صح أن يكون مورد العقد الإجارة ولا يصح أن يكون صداقا؟
ثم ناقضتم أبين مناقضة، فقلتم: لو تزوجها على أن يرد عبدها الآبق من مكان كذا وكذا صح مع أنه قد يقدر على رده وقد يعجز عنه؟ فالغرر الذي في هذا الأمر أعظم من الغرر الذي في حملها إلى الحج بكثير.
وقلتم: لو تزوجها على أن يعلمها القرآن أو بعضه صح. وقد تقبل التعليم وقد لا تقبله، وقد يطاوعها لسانها وقد يأبى عليها.
وقلتم: لو تزوجها على مهر المثل صحت التسمية مع اختلافه لامتناع من يساويها من كل وجه أو لقربه وإن اتفق من يساويها في النسب فنادر جدا من يساويها في الصفات والأحوال التي يقل المهر بسببها ويكثر فالجهالة التي في حجه بها دون هذا بكثير.