مسألة [٥]: إذا شرط الزوج أنْ لا نفقة لها عليه، وكذا عدم الوطء ؟
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ١٠٦): وقد اتفق على وجوب الوفاء بتعجيل المهر، أو تأجيله، والضمين، والرهن به، ونحو ذلك، وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء، والإنفاق، والخلو عن المهر، ونحو ذلك. اهـ
قلتُ: قد خالف شيخه شيخ الإسلام، فاختار صحة الشرط بذلك؛ لأنه حق أسقط برضى مستحقه، وقد رجَّح هذا القول الشيخ ابن عثيمين، وهو الراجح.
وأما الخلو عن المهر فلم يجز؛ لأنَّ الشرع حرَّم النكاح بدونه، والله أعلم، ومثل ما تقدم ما إذا شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها. (١)
مسألة [٦]: إذا شرط أحدهما الخيار ؟
• أكثر العلماء على عدم صحة الشرط؛ لأنَّ النكاح لا يحصل إلا بعد الاستخبار، ولأنه لم يأت دليل في شرعيته في النكاح، بل جاء في البيع.
• وذهب بعض أهل العلم إلى صحة الشرط وشرعيته، وهو قول أبي ثور، وشيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين.
واستدلوا بعموم حديث: «المسلمون على شروطهم»، وبعموم حديث عقبة الذي في الباب. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
стр. 4167
مسألة [٧]: إذا شرط على الرجل: إذا أتيت بالمهر إلى وقت كذا، وإلا فلا نكاح بيننا ؟
• أكثر العلماء أيضًا على عدم صحة الشرط؛ لأنه تعليق للعقد، وهذه العقود ينبغي أن تكون لازمة نافذة.
• وذهب بعضهم إلى صحة ذلك، وهو مقتضى قول من تقدم ذكرهم في المسألة السابقة، ورواية عن أحمد، واستدلوا بما تقدم.
واختلف القائلون بعدم صحة الشرط هل يبطل العقد، أم لا؟
• فمنهم من قال: يبطل العقد. وهو رواية عن أحمد، وقال به الشافعي، وأبو عبيد، ونحوه عن مالك.
• ومنهم من قال: لا يبطل العقد. وهو رواية عن أحمد، وقال به إسحاق، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وهو قول عطاء، والزهري.
قلتُ: وهذا الخلاف في صحة العقد وفساده يصلح ذكره في المسألة التي قبلها، والتي بعدها، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: تعليق العقد بشرط مستقبل .
مثل قوله: (زوجتك إذا جاء رأس الشهر) إذا قصد به الإنشاء مع التعليق، لا مجرد الوعد، أو قوله: (زوجتك إن رَضِيَتْ أُمُّها)، أو ما أشبه ذلك.
стр. 4168
• فمذهب الجمهور أنه لا يصح؛ لأنَّ العقد يكون لازمًا، وبتعليقه بشرط مستقبل لا يكون كذلك.
• وعن أحمد رواية بصحة العقد، واختارها شيخ الإسلام، وقوَّاها ابن رجب، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، وهو الصواب؛ لحديث: «المسلمون على شروطهم»، ولحديث عقبة الذي في الباب، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: إذا شرط الرجل في المرأة وصفًا معتبرًا، فبانت بخلافه ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «القواعد النورانية» (ص ٢٣٨): ثم لو شرط أحد الزوجين في الآخر صفة مقصودة كالمال، و الجمال، و البكارة، ونحو ذلك؛ صح ذلك، وملك المشترط الفسخ عند فواته في أصح الروايتين عند أحمد، وهو أصح وجهي أصحاب الشافعي، و ظاهر مذهب مالك.
قال: والرواية الأخرى لا يملك الفسخ إلا في شرط الحرية و الدين، وفي شرط النسب على هذه الرواية وجهان.
قال: وسواء كان المشترط هو المرأة في الرجل، أو الرجل في المرأة، بل اشتراط المرأة في الرجل أوكد باتفاق الفقهاء من أصحاب أحمد و غيرهم، وما ذكره بعض أصحاب أحمد بخلاف ذلك لا أصل له. اهـ
وقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ١٨٤ - ١٨٥): وأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ السَّلَامَةَ، أَوْ شَرَطَ الْجَمَالَ، فَبَانَتْ شَوْهَاءَ، أَوْ شَرْطَهَا شَابّةً حَدِيثَةَ السّنّ، فَبَانَتْ
مسألة [١٠]: إذا تزوج امرأة على أن يحج بها ؟
قال الإمام ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٠٩ - ): وقالت الحنابلة والشافعية: لو تزوجها على أن يحج بها لم تصح التسمية، ووجب مهر المثل، وقاسوا هذه التسمية على ما إذا تزوجها على شيء لا يدرى ما هو.
ثم قالت الشافعية: لو تزوج الكتابية على أن يعلمها القرآن جاز، وقاسوه على جواز إسماعها إياه، فقاسوا أبعد قياس، وتركوا محض القياس، فإنهم صرحوا بأنه لو استأجرها ليحملها إلى الحج جاز، ونزلت الإجارة على العرف، فكيف صح أن يكون مورد العقد الإجارة ولا يصح أن يكون صداقا؟
ثم ناقضتم أبين مناقضة، فقلتم: لو تزوجها على أن يرد عبدها الآبق من مكان كذا وكذا صح مع أنه قد يقدر على رده وقد يعجز عنه؟ فالغرر الذي في هذا الأمر أعظم من الغرر الذي في حملها إلى الحج بكثير.
وقلتم: لو تزوجها على أن يعلمها القرآن أو بعضه صح. وقد تقبل التعليم وقد لا تقبله، وقد يطاوعها لسانها وقد يأبى عليها.
وقلتم: لو تزوجها على مهر المثل صحت التسمية مع اختلافه لامتناع من يساويها من كل وجه أو لقربه وإن اتفق من يساويها في النسب فنادر جدا من يساويها في الصفات والأحوال التي يقل المهر بسببها ويكثر فالجهالة التي في حجه بها دون هذا بكثير.
стр. 4171
وقلتم: لو تزوجها على عبد مطلق صح ولها الوسط. ومعلوم أن في الوسط من التفاوت ما فيه.
وقلتم: لو تزوجها. على أن يشتري لها عبد زيد صحت التسمية، مع أنه غرر ظاهر، إذ تسليم المهر موقوف على أمر غير مقدور له، وهو رضى زيد ببيعه، ففيه من الخطر ما في رد عبدها الآبق، وكلاهما أعظم خطرا من الحج بها.
وقلتم: لو تزوجها على أن يرعى غنمها مدة صح، وليس جهالة حملانها إلى الحج بأعظم من جهالة أوقات الرعي ومكانه.
على أن هذه المسألة بعيدة من أصول أحمد ونصوصه ولا تعرف منصوصة عنه، بل نصوصه على خلافها، قال في رواية منها، فيمن تزوج على عبد من عبيده جاز، وإن كانوا عشرة عبيد يعطي من أوسطهم، فإن تشاحا أقرع بينهما، قلت: وتستقيم القرعة في هذا؟ قال: نعم، وقلتم: لو خالعها على كفالة ولدها عشر سنين صح، وإن لم يذكر قدر الطعام والإدام والكسوة، فيا للعجب، أين جهالة هذا من جهالة حملانها إلى الحج؟ اهـ.
مسألة [١١]: لو اشترطت المرأة أن يقيم ولدها معها، وينفق عليه ؟
قال شيخ الإسلام ﵀: ولو اشترطت مقام ولدها عندها، ونفقته على الزوج كان مثل اشتراط الزيادة في الصداق، ويرجع ذلك إلى العُرف، كالأجير بطعامه
стр. 4172
وكسوته. اهـ (١)
مسألة [١٢]: لو اشترطت المرأة أن لا تسلم نفسها إلا بعد مدة معينة ؟
قال شيخ الإسلام ﵀: قياس المذهب صحته، كاشتراط تأخير التسليم في البيع والإجارة، وكما لو اشترطت أن لا يخرجها من دارها. اهـ (٢)
مسألة [١٣]: هل الوفاء بالشروط على سبيل الاستحباب، أم الوجوب ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ ذلك على سبيل الاستحباب، وهو الأشهر عند الحنابلة، وأشار إلى ذلك الحافظ في «الفتح».
• وذهب بعضهم إلى الوجوب كسائر العقود، وهو اختيار جماعةٍ من الحنابلة، منهم: شيخ الإسلام، ورجَّحه الشيخ ابن عثيمين، وهو الصواب؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء:٣٤]. (٣)
مسألة [١٤]: الوقت المعتبر في ذكر الشروط .
سئل شيخ الإسلام ﵀: هل الشروط التي قبل العقد تكون صحيحة لازمة كالمقارِنة للعقد؟
فأجاب قائلا: الحمد لله، نعم تكون صحيحة لازمة إذا لم يبطلاها حتى قارنت
стр. 4173
عقد العقد، هذا ظاهر مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، وغيرهما في جميع العقود، وهو وجهٌ في مذهب الشافعي.
قال: وهكذا يطرده مالك، وأحمد في العبادات.
قال: وفي مذهب أحمد قول ثانٍ، أنَّ الشروط المتقدمة لا تؤثر.
قال: وأما عامة نصوص أحمد، وقدماء أصحابه، ومحققي المتأخرين على أنَّ الشروط المواطأة التي تجري بين المتعاقدين قبل العقد إذا لم يفسخاها حتى عقد العقد؛ فإنَّ العقد يقع مقيدًا بها، وعلى هذا جواب أحمد في مسائل الحيل في البيع، والإجارة، والرهن، والقرض، وغير ذلك، وهذا كثير موجود في كلامه، وكلام أصحابه. اهـ، وانظر بقية كلامه.
وأما الشروط بعد العقد فلا تلزم عند أهل العلم. (١)
مسألة [١٥]: هل ما اعتاده الناس شرطًا في النكاح يقوم مقام التلفظ به ؟
للحافظ ابن القيم ﵀ بحثٌ نفيس في «زاد المعاد» (٥/ ١١٨) يقرر أنَّ المشروط عرفًا كالمشروط لفظًا، ومما استدل به حديث المسور بن مخرمة في «الصحيحين» أنَّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في أن ينكحوا ابنتهم عليًّا، فقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، فإنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها»، وفي رواية في «البخاري»: ثم ذكر صهرًا له، فأثنى عليه، فقال: «حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي». (٢)
стр. 4174
قال ﵀: فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَشْرُوطَ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا، وَأَنَّ عَدَمَهُ يُمَلِّكُ الْفَسْخَ لِمُشْتَرِطِهِ، فَلَوْ فُرِضَ مِنْ عَادَةِ قَوْمٍ أَنَّهُمْ لَا يُخْرِجُونَ نِسَاءَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَلَا يُمَكِّنُونَ أَزْوَاجَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْبَتَّةَ وَاسْتَمَرَّتْ عَادَتُهُمْ بِذَلِكَ كَانَ كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا، وَهُوَ مُطَّرِدٌ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَوَاعِدِ أحمد ﵀ أَنَّ الشَّرْطَ الْعُرْفِيَّ كَاللَّفْظِيِّ سَوَاءٌ، وَلِهَذَا أَوْجَبُوا الْأُجْرَةَ عَلَى مَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى غَسَّالٍ أَوْ قَصَّارٍ، أَوْ عَجِينَهُ إِلَى خَبَّازٍ، أَوْ طَعَامَهُ إِلَى طَبَّاخٍ يَعْمَلُونَ بِالْأُجْرَةِ، أَوْ دَخَلَ الْحَمَّامَ أَوِ اسْتَخْدَمَ مَنْ يَغْسِلُهُ مِمَّنْ عَادَتُهُ يَغْسِلُ بِالْأُجْرَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَشْرُطْ لَهُمْ أُجْرَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. وَعَلَى هَذَا، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ بَيْتٍ لَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَى نِسَائِهِمْ ضَرَّةً وَلَا يُمَكِّنُونَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَعَادَتُهُمْ مُسْتَمِرَّةٌ بِذَلِكَ، كَانَ كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تُمَكِّنُ إِدْخَالَ الضَّرَّةِ عَلَيْهَا عَادَةً لِشَرَفِهَا وَحَسَبِهَا وَجَلَالَتِهَا، كَانَ تَرْكُ التَّزَوُّجِ عَلَيْهَا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا سَوَاءٌ.
وَعَلَى هَذَا فَسَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَابْنَةُ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ أَحَقُّ النِّسَاءِ بِهَذَا، فَلَوْ شَرَطَهُ عَلِيٌّ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ كَانَ تَأْكِيدًا لَا تَأْسِيسًا. اهـ
ووجه تضمن الحديث لذلك أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخبر أنَّ ذلك يؤذي فاطمة، ويريبها، وأنه يؤذيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويريبه، ومعلومٌ قطعًا أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما زوَّجَه فاطمة ﵂ على أن لا يؤذيها، ولا يريبها، ولا يؤذي أباها ولا يريبه، وإن لم يكن هذا مشترطًا في صلب العقد؛ فإنه من المعلوم بالضرورة أنه إنما دخل عليه، وفي ذكره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صهره
стр. 4175
الآخر، وثناءه عليه بأنه حدثه فصدقه، ووعده فوفى له تعريضٌ بعلي ﵁، وتهييج له على الاقتداء به، وهذا يُشعر بأنه في حكم من جرى منه وعدٌ له بأن لا يريبها، ولا يؤذيها، فهيجه على الوفاء له كما وفى له صهره الآخر.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: والعبرة بالمعنى لا بمجرد اللفظ، فإذا حصل المعنى بما تعارف عليه الناس كفى ذلك، والله أعلم.
مسألة [١٦]: إذا تخلف الشرط، فهل يفسخ على الفور أم هو على التراخي ؟
ذكر أهل العلم أنه يستحق الفسخ إلا أن يسقط حقه من الفسخ بقولٍ، أو فعلٍ يدل عليه، والله أعلم. (١)
مسألة [١٧]: إذا شرط وصفًا فبانت بوصف مخالف، ولكنه أفضل ؟
مثل لو شرطها أمةً، فبانت حرَّة، أو شرطها كتابية، فبانت مسلمة.
• فأكثر الحنابلة على أنَّ النكاح صحيح نافذٌ، ولا فسخ له، وقال أبو بكر الحنبلي: له الخيار؛ لأنه قد يكون له غرض في ذلك. (٢)
خيبر، وفي بعضها عام أوطاس، وفي بعضها عام الفتح، ولا إشكال في ذلك؛ فقد جمع أهل العلم بينها بأنَّ تحريم المتعة حصل يوم خيبر بعد أن كانت مباحة، ثم رُخِّص فيها عام الفتح ثلاثة أيام كما في حديث سبرة، ثم نهى عنها إلى يوم القيامة، وأما حديث سلمة: «عام أوطاس» فلا يُعارض حديث سبرة؛ لأنَّ «عام أوطاس» هو نفسه عام الفتح؛ لأنَّ الوقعتين ليس بينهما إلا فترة يسيرة. (١)
مسألة [١]: معنى نكاح المتعة وحكمه .
نكاح المتعة هو الزواج بامرأة إلى أجل معين، وقد كان مباحًا ثم حرَّمه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى يوم القيامة؛ فهو نكاح محرم عند أهل العلم، ونقل عن ابن عباس ﵄ أنه كان يفتي بجواز ذلك، وهو ثابت عنه كما في «الصحيحين» (٢) وغيرهما، وقد أنكر عليه الصحابة، منهم: علي، وابن عمر، وابن الزبير ﵃ (٣)، وقد جاء في بعض الروايات أنه إنما أباحها للضرورة كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، فتوسع الناس في أخذهم بهذه الفتوى، فرجع عن ذلك، فقد أخرج أبو عوانة (٤٠٥٧) بإسناد صحيح عن الربيع بن سبرة قال: ما مات ابن عباس حتى رجع عن هذه الفُتيا.
وقد جاء عن ابن جريج أيضًا ﵀ أنه كان يرى المتعة، ثم ثبت عنه الرجوع
стр. 4178
كما في «مستخرج أبي عوانة» أيضًا (٤٠٨٧).
وقد جاء من حديث جابر ﵁ في «صحيح مسلم» (١٤٠٥): «تمتعنا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر، حتى نهى عنها عمر ... »، فهذا محمول على أنَّ بعض الصحابة لم يبلغهم النهي، فاستمروا على ذلك حتى أظهر النهي عمر بن الخطاب ﵁.
وقد ذهب بعض أهل البدع إلى القول بنكاح المتعة، وهم الشيعة، والرافضة، وليس معهم على ذلك إلا اتباع الهوى، وخلافهم لا يُعتد به.
أما قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء:٢٤]، فالمقصود به عند أكثر المفسرين عقد النكاح المعروف، أي: إذا تزوج بامرأة فليُعْطها مهرها، وسياق الآية التي قبلها يدل على ذلك، وبعضهم فسَّرها بنكاح المتعة، ولكن نصوا على أنه منسوخ بالأحاديث المشهورة في تحريم المتعة، والله أعلم. (١)
تنبيه: لا يصح النكاح إذا حصل عند عامة أهل العلم، إلا زُفر فقال: يبطل الشرط، ويصح النكاح. وقوله باطل. (٢)
مسألة [٢]: إذا تزوجها بغير شرط، ولكن في نيته تطليقها بعد أجل معين ؟
• جمهور العلماء على جواز ذلك، وأنه ليس بنكاح متعة؛ لأنه ليس نكاحًا
стр. 4179
مؤجَّلًا، ولأنه قد يستمر معها بعد الزواج إذا وجد الراحة معها، ولأنَّ نكاح المتعة الذي جاء تحريمه كان نكاحًا مؤجلًا، وكما أنَّ الرجل ينوي طلاق المرأة إذا لم توافقه على ما يريده، فكذلك يجوز هذا.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى تحريم ذلك؛ لأنَّ فيه معنى المتعة من التأجيل، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «إنما الأعمال بالنيات»، وهذا القول قال به الزهري، وأكثر الحنابلة، وأفتت به اللجنة الدائمة، وفيهم الإمام ابن باز ﵀، والفوزان، وغيرهما، وأشار إلى ترجيحه ابن عثيمين في «قواعده الفقهية» ﵀، بينما اختار ﵀ في «الشرح الممتع» أنه ليس بنكاح متعة، بل يحرم لأجل الغش والخيانة، وهذا قريب، واختار شيخ الإسلام قول الجمهور، وصححه كما في «مجموع الفتاوى». (١)
مسألة [٣]: نكاحٌ شَرَطَ فيه طلاقها في وقت معين ؟
• مذهب أحمد بطلانه؛ لأنه في معنى نكاح المتعة، وقال الشافعي، وأبو حنيفة: يصح النكاح، ويبطل الشرط. والصحيح قول أحمد، والله أعلم. (٢)
فائدة: قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٩/ ١٨١): قال القاضي: واتفق العلماء على أنَّ هذه المتعة كانت نكاحًا إلى أجل لا ميراث فيها، وفراقها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق. اهـ
стр. 4180
٩٩٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُحل وَالمُحَلَّلَ لَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (١)
٩٩٥ - وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: نكاح التحليل وحكمه .
هو أن يشترط عليه عند الزواج، أو يشترط هو بنفسه أن يتزوجها حتى يحلها لفلان، وهو زوجها الأول الذي قد بتَّ طلاقها، فهذا الزواج محرم، وباطل عند عامة أهل العلم. وقال أبو حنيفة: يصح النكاح، ويبطل الشرط.
والصحيح قول الجمهور، وقد صحَّ عن ابن عمر ﵄، أنه قال: سِفاح. وقال عمر ﵁: لا أُوتَى بِمُحَلِّلٍ، ولا مُحَلَّلٍ له إلا رجمتهما. وهو ثابت عنه أيضًا. (٣)
стр. 4181
مسألة [٢]: إذا نوى التحليل في نفسه من غير شرط في العقد ؟
• أكثر أهل العلم على التحريم أيضًا والبطلان، وهو قول الحسن، والنخعي، والشعبي، وقتادة، والليث، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وهو ظاهر قول ابن عمر، وعثمان، وابن عباس ﵃، ويشمله عموم الحديث الذي في الباب.
• ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة صحة العقد، واستدلوا على ذلك بأثر عمر أنه أقرَّ نكاحًا حصل فيه ذلك، وهو أثر ضعيفٌ؛ لأنه منقطع؛ فإنَّ ابن سيرين لم يدرك عمر، وحمله أهل العلم على أنَّ الرجل لم يقصد التحليل كما يظهر من سياق القصة، وهي في «البيهقي» (٧/ ٢٠٩). (١)
مسألة [٣]: إذا شرط عليه التحليل قبل العقد، فنوى بالعقد غير ما شرطوا ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٥٣): فإن شرط عليه أن يحلها قبل العقد، فنوى بالعقد غير ما شرطوا عليه، وقصد نكاح رغبة؛ صحَّ العقد؛ لأنه خلا عن نية التحليل وشرطه، فصحَّ كما لو لم يذكر ذلك. اهـ
مسألة [٤]: إذا قصدت المرأة التحليل، ولم يقصد ذلك الزوج ؟
• أكثر أهل العلم على أنه لا عبرة بقصد المرأة، ولا بقصد وليها؛ لأنَّ الذي يقع منه الطلاق هو الزوج، وفي الحديث: «لعن المحلل»، وفي الحديث:
стр. 4182
«أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟». (١)
• وجاء عن الحسن، والنخعي أنَّ النكاح فاسد إذا قصد ذلك المرأة، أو وليها.
والقول الأول أرجح. (٢)
وقد مال إليه شيخ الإسلام ﵀ ببحث طويل، وكلام سديد في كتابه المفيد «بيان الدليل في بطلان التحليل» (ص ٤٩٣ - ٥٢٩)، ثم بيَّن ﵀ أنَّ المرأة لها مراتب في النية:
الأولى: أنْ تنوي أنَّ هذا الزوج الثاني إنْ طلقها، أو مات عنها، أو فارقها بغير ذلك؛ تزوجت بالأول، أو ينوي المطلق ذلك أيضًا يعني الزوج الأول
قال: فهذا قصدٌ محض لنفس ما أباحه الله.
الثانية: أن تتسبب إلى أن يفارقها من غير معصية، ولا خديعة توجب فراقها، كأن تطلب منه الطلاق، أو الاختلاع؛ فإن كانت المرأة تخاف ألا تقيم حدود الله جاز لها ذلك؛ فإن كانت لم تنو هذا الفعل إلا بعد العقد فهي كسائر المختلعات، وإن كانت حين العقد تنوي ذلك فهي غارة للرجل، مدلسة عليه، وهذا نوع من الخلابة، بل من أقبح الخلابة.
ثم بيَّن ﵀ أن العقد صحيح مع تحريم ذلك الفعل من المرأة.
стр. 4183
الثالثة: أن تتسبب إلى فرقته بمعصية مثل أن تنشز عليه، أو تسيء العِشْرَة، أو غير ذلك.
قال: وتحريم هذا لا ريب فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠]، وهذه تنوي أن لا تقيم حدود الله.
ثم بيَّن أن الحال في هذه الصورة أنَّ العقد صحيح من جهة الرجل، فاسد من جهة المرأة؛ فيحرم عليها الانتفاع بما حصل لها في هذا العقد مع حل الانتفاع للزوج.
الرابعة: أن تفعل ما يوجب فرقتها، مثل أن ترضع امرأة له صغيرة، أو تباشر أباه، أو ابنه، فإذا كانت قد قصدت ذلك حين العقد؛ فإنَّ هذه بمنزلة المحلل، وذلك لا يقدح في صحة العقد بالنسبة للزوج.
الخامسة: أن تقصد وقت العقد الفرقة بسبب تملكه بغير رضا الزوج، مثل أن تتزوج بفقير تنوي طلب فرقته بعد الدخول بها بسبب الإعسار؛ فهذه إلى المحلل أقرب من التي قبلها؛ إذ السبب هنا مملوك لها شرعًا.
ثم قال ﵀: فهذه المراتب التي ذكرناها في نية المرأة لابدَّ من ملاحظتها، ولا تحسبن أنَّ كلام الإمام أحمد أو غيره من الأئمة أنَّ (نية المرأة ليست بشيء) يعم ما إذا نوت أن تفارقه بطريق تملكه؛ فإنهم عللوا ذلك بأنها لا تملك الفرقة، وهذه العلة منتفية في هذه الصورة. انتهى بتصرف واختصار.
بأس، وأما إذا استمرت على نيتها فلا يجوز للزوج أن يستمتع بها بعد أن يعلم حالتها، وله حق الفسخ بهذا العيب العظيم.
وأما إذا علم الزوج بحال المرأة حين العقد؛ فالعقد باطل، والله أعلم.
стр. 4186
٩٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الزَّانِي المَجْلُودُ إلَّا مِثْلَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم الزواج بمن تبين زناها، وكذا العكس .
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يحرم على العفيف أن يتزوج بزانية لم تتب من هذه الجريمة، وكذا العكس، واستدلوا بحديث الباب، وبقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣]، وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد وغيرهم.
• وذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، وبعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢]، وقالوا: الآية المذكورة ليس فيها دليل على المنع من النكاح، فمنهم من قال: هي منسوخة بالآية: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، ومنهم من قال: ليس المراد بذلك النكاح، بقرينة أنَّ المشركة لا يجوز للزاني تزوجها، والزانية لا يجوز لها تزوج المشرك، قالوا: فالمقصود بقوله ﴿لَا يَنْكِحُ﴾، أي: لا يزني؛ فالمعنى (الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة) وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة وغيرهم.
فِي فِطَرِ الْخَلْقِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ غَايَةُ المَسَبّةِ. وَأَيْضًا: فَإِنّ الْبَغِيّ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تُفْسِدَ عَلَى الرّجُلِ فِرَاشَهُ وَتُعَلّقَ عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ، وَالتّحْرِيمُ يَثْبُتُ بِدُونِ هَذَا.
وَأَيْضًا: فَإِنّ النّبِيّ ﷺ فَرّقَ بَيْنَ الرّجُلِ وَبَيْنَ المَرْأَةِ الّتِي وَجَدَهَا حُبْلَى مِنْ الزّنَى (١).
وَأَيْضًا: فَإِنّ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ اسْتَأْذَنَ النّبِيّ ﷺ أَنْ يَتَزَوّجَ عَنَاقَ وَكَانَتْ بَغِيّا، فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ آيَةَ النّورِ، وَقَالَ: لَا تَنْكِحْهَا (٢). اهـ
فهذا بحثٌ مفيدٌ، مختصرٌ فيه الكفاية في هذه المسألة إن شاء الله تعالى، وما رجحه ابن القيم هو الصواب.
وقد استفاد بعض كلامه من شيخه شيخ الإسلام، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما، وبالله التوفيق.
وكما يحرم على الرجل الزواج بالزانية؛ فيحرم أيضًا على المرأة أن تتزوج بزاني. (٣)
стр. 4189
مسألة [٢]: هل يُشترط أن تعتد بعد الزنى مع التوبة ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١١٠): لكن مالك يشترط الاستبراء، وأبو حنيفة يجوز العقد قبل الاستبراء إذا كانت حاملًا، لكن إذا كانت حاملًا لا يجوز وطأها حتى تضع، والشافعي يبيح العقد والوطء مطلقًا؛ لأن ماء الزاني غير محترم، وحكمه لا يلحقه نسبه، هذا مأخذه، وأبوحنيفة يفرق بين الحامل وغير الحامل؛ فإن الحامل إذا وطئها استلحق ولدًا ليس منه قطعًا، بخلاف غير الحامل، ومالك وأحمد يشترطان الاستبراء، وهو الصواب، لكن مالك وأحمد في رواية يشترطان الاستبراء بحيضة، والرواية الأخرى عن أحمد هي التي عليها كثير من أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه: أنه لابدَّ من ثلاث حيض. والصحيح أنه لا يجب إلا الاستبراء فقط؛ فإن هذه ليست زوجة يجب عليها عدة، وليست أعظم من المستبرأة التي يلحق ولدها سيدها، وتلك لا يجب عليها إلا الاستبراء، فهذه أولى، وإن قدر أنها حرة كالتي أعتقت بعد وطء سيدها وأريد تزويجها إما من المعتق وإما من غيره؛ فإن هذه عليها استبراء عند الجمهور، ولا عدة عليها، وهذه الزانية ليست كالموطوءة بشبهة التي يلحق ولدها بالواطئ مع أن في إيجاب العدة على تلك نزاعًا. اهـ
وقال ﵀ (٣٢/ ١١٢): ومن قال: (لا حرمة لماء الزاني) يقال له: الإستبراء لم يكن لحرمة ماء الأول، بل لحرمة ماء الثاني؛ فإن الإنسان ليس له أن يستلحق ولدًا ليس منه، وكذلك إذا لم يستبرئها وكانت قد علقت من الزاني. اهـ
стр. 4190
قلتُ: وفي الحديث «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره» (١)، وفي حديث أبي الدرداء ﵁ في «صحيح مسلم» (١٤٤١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ، فَقَالَ: «لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا؟» فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟»
وقد كان شيخنا مقبل الوادعي ﵀ يفتي بأنَّ العقد إذا حصل صحيح، ولكن لا يقربها حتى يستبرئها، وإن كانت حاملًا فلا يقربها حتى تضع، وهو قولٌ قريب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: إذا حصلت التوبة من الرجل والمرأة، فهل تحل للذي زنى بها ؟
• أكثر أهل العلم على الحل والجواز؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، وكما تحل لغيره تحل له، وصحَّ هذا القول عن عمر، وابن عباس، وجابر، وجاء عن غيرهم.
• وجاء عن ابن مسعود، وعائشة ﵄ أنهما لا يزالان زانيين ما اجتمعا.
والذي يظهر أنهما أرادا قبل التوبة كما جاء ما يدل على ذلك في أثر ابن مسعود، والله أعلم. (٣)
стр. 4191
مسألة [٤]: إذا زنت امرأةُ رجلٍ، أو زنى زوجها، فهل ينفسخ النكاح ؟
• عامة أهل العلم على أنَّ النكاح لا ينفسخ، وجاء عن مكحول أنه لا يحل له الاجتماع معها، وقال جابر ﵁: يفرَّق بينهما، وليس لها شيء. وجاء عن علي ﵁ أنه فرَّق بينهما، وصحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه أمر الرجل بفراقها، وقال ابن عمر ﵄: لا يقربها.
• قال أحمد: لا أرى أن يمسك مثل هذه. قال ابن المنذر: لعل من كره هذه المرأة إنما كرهها على غير وجه التحريم؛ فيكون مثل قول أحمد هذا. قال أحمد: ولا يطؤها حتى يستبرئها بثلاث حِيَض.
قال ابن قدامة ﵀: والأَوْلَى أنه يكفي استبراؤها بحيضة واحدة؛ لأنها تكفي في استبراء الإماء، وفي أم الولد إذا عتقت بموت سيدها، أو بإعتاق سيدها، فيكفي ههنا، والمقصود ههنا مجرد الاستبراء، وقد حصل بحيضة، فتكفي. اهـ (١)
مسألة [٥]: إذا علم الرجل من جاريته الفُجُور ؟
• قال أحمد: لا يطؤها؛ لعلها تلحق به ولدًا ليس منه. وهو قول الحسن، وابن سيرين.
• ومذهب الجمهور أنه له أن يطأها بعد أن يستبرئها، وصحَّ فعل ذلك عن ابن عباس ﵄، وسعيد بن المسيب. (٢)
стр. 4192
مسألة [٦]: إذا زنى بأخت امرأته، أو أمها، فهل تحرم عليه امرأته ؟
• جاء عن بعض أهل العلم أنهم قالوا: تحرم عليه امرأته، جاء عن الحسن، وجاء عن ابن مسعود، وعمران.
ولا يثبت عنهما، ففي كلا الإسنادين ضعف؛ فالأول فيه: ليث بن أبي سليم. والآخر من طريق: قتادة عن عمران، ولم يسمع منه.
• وصحَّ عن ابن عباس ﵄ أنَّ ذلك لا يحرم عليه امرأته، وهو الصحيح، وهو قول طائفة من أهل العلم. (١)
стр. 4193
٩٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَا، حَتَّى يَذُوقَ الآخَرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الأَوَّلُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إذا طلَّق الرجل امرأته ثلاثًا، فمتى يحل له تزوجها ؟
قال الله في كتابه الكريم: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٣٠].
• وجمهور العلماء وعامتهم يبيحون للزوج الأول الزواج بها إن تزوجها رجل آخر ودخل بها، ويستدلون على اشتراط الدخول بها بحديث عائشة ﵂ المذكور في الكتاب، فتبين أنَّ المراد بالنكاح المذكور في الآية هو العقد مع الوطء.
• وقد اشترط الحسن حصول الإنزال، ولا دليل على هذا الشرط؛ فإنَّ ذوق العسيلة المراد به حلاوة الجماع، وقد يحصل الإنزال من غير جماع، وقد يحصل الجماع بغير إنزال.
• وذهب سعيد بن المسيب إلى أنَّ العقد بزوج آخر نكاح رغبة يكفي في
стр. 4194
إحلالها للأول؛ لظاهر الآية، وكأنه لم يبلغه حديث عائشة ﵂، والصحيح قول الجمهور. (١)
يُستفاد من الآية والحديث أنها تحل للأول بثلاثة شروط:
الأول: أن تنكح زوجًا غيره، فلا يحلها وطء السيد إن كانت أمة.
الثاني: أن يكون النكاح صحيحًا، فلا يحلها نكاحٌ محرمٌ كنكاح الشِّغار، والتحليل وغيرهما عند جمهور العلماء، خلافًا للحكم، والشافعي في القول القديم.
الثالث: أن يدخل بها، ويطأها في فرجها، وهو قول عامة العلماء كما تقدم. (٢)
اختلف أهل العلم في شرطٍ رابعٍ، وهو: هل يُشترط أن يكون الوطء حلالًا؟ بمعنى أنه لو جامعها في رمضان وهو صائم، أو في حال إحرامه، فلا تحل للأول؟
اشترط ذلك مالك، وأكثر الحنابلة، ولم يشترطه الشافعي، وأبو حنيفة، وبعض الحنابلة، وصححه ابن قدامة؛ لأنه قد حصل جماع في عقد صحيح، والإثم عليه بمباشرة الجماع في غير وقت حِلِّه، وهو الأقرب، والله أعلم. (٣)
مُثْبِتٌ لِلْفَسْخِ كُفْئًا لِلسّلِيمَةِ مِنْهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْفَسْخُ، وَكَانَ مُنَفّرًا كَالْعَمَى، وَالْقَطْعِ، وَتَشْوِيهِ الْخِلْقَةِ، فَوَجْهَانِ. وَاخْتَارَ الرّويَانِيّ أَنّ صَاحِبَهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ، وَلَا الْحَجّامُ، وَالْحَائِكُ، وَالْحَارِسُ كُفْئًا لِبِنْتِ التّاجِرِ، وَالْخَيّاطِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا المُحْتَرِفُ لِبِنْتِ الْعَالِمِ، وَلَا الْفَاسِقُ كُفْئًا لِلْعَفِيفَةِ، وَلَا الْمُبْتَدِعُ لِلسّنّيّةِ، وَلَكِنْ الْكَفَاءَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هِيَ حَقّ لِلْمَرْأَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ.
ثُمّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ أَصْحَابُ الشّافِعِيّ: هِيَ لِمَنْ لَهُ وِلَايَةٌ فِي الْحَالِ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: حَقّ لِجَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ، فَمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ؛ فَلَهُ الْفَسْخُ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ: إنّهَا حَقّ الله، فَلَا يَصِحّ رِضَاهُمْ بِإِسْقَاطِهِ، وَلَكِنْ عَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ لَا تُعْتَبَرُ الْحُرّيّةُ، وَلَا الْيَسَارُ، وَلَا الصّنَاعَةُ، وَلَا النّسَبُ، إنّمَا يُعْتَبَرُ الدّينُ فَقَطْ؛ فَإِنّهُ لَمْ يَقُلْ أَحْمَدُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ العُلَمَاءِ إِنَّ نِكَاحَ الْفَقِيرِ لِلْمُوسِرَةِ بَاطِلٌ، وَإِنْ رَضِيَت، وَلَا يَقُولُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ: إنّ نِكَاحَ الْهَاشِمِيّةِ لِغَيْرِ الْهَاشِمِيّ، وَالْقُرَشِيّةِ لِغَيْرِ الْقُرَشِيّ بَاطِلٌ. وَإِنّمَا نَبّهْنَا عَلَى هَذَا؛ لِأَنّ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَحْكُونَ الْخِلَافَ فِي الْكِفَاءَةِ: هَلْ هِيَ حَقّ لله أَوْ لِلْآدَمِيّ؟ وَيُطْلِقُونَ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنّ الْكَفَاءَةَ هِيَ الْخِصَالُ الْمَذْكُورَةُ. وَفِي هَذَا مِنْ التّسَاهُلِ وَعَدَمِ التّحْقِيقِ مَا فِيهِ. انتهى كلامه ﵀ بنِصِّه.
وخلاصة ما تقدم: أنَّ الصحيح أنَّ المعتبر بالكفاءة هو الدين، أما أصلًا فمجمع عليه؛ فلا تزوج المسلمة بكافر، وأما كمالًا؛ فعامة أهل العلم على اعتباره إلا أنَّ محمد بن الحسن لم يعتبر الدين إلا أن يكون ممن يسكر، ويخرج، ويسخر
стр. 4200
منه الصبيان.
وجمهور أهل العلم لا يعدون الكفاءة شرطًا للنكاح، بل شرطًا للزومه، وعن أحمد رواية أنَّ ذلك شرطًا لصحته، وقد أشار إلى ذلك ابن القيم كما تقدم.
وحق الفسخ عند الجمهور للمرأة والأولياء، ولكن عند الشافعي، ومالك أنَّ الفسخ للأولياء الذين يستحقون العقد حالًا، وعند أحمد: جميع الأولياء من قَرُبَ منهم، ومن بَعُدَ.
وقال أبو حنيفة: إذا رضيت المرأة، وبعض الأولياء لم يكن للباقين الفسخ.
وقد نبَّه الإمام ابن عثيمين ﵀ على أنَّ الفسخ بكل فسق محل نظر، وأشار إلى أنَّ الفسق الذي يفسخ فيه ما فيه ضرر على المرأة في دينها، ومثَّل على ذلك بشرب الخمر.
قلتُ: وتقدم اعتبار أن يكون عفيفًا، وبالله التوفيق. (١)
стр. 4201
١٠٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خُيِّرَتْ بَرِيرَةُ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. (١)
وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا ﵂: أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا (٢)، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: كَانَ حُرًّا (٣).
وَالأَوَّلُ أَثْبَتُ.
١٠٠٣ - وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، عِنْدَ البُخَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا. (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: خيار الأَمَةِ إذا عتقت تحت عبد .
دلَّ حديثُ الباب على أنَّ لها الخيار، وقد نُقِل على ذلك الإجماع، نقله ابن
стр. 4202
المنذر، وابن عبد البر، وابن قدامة، وابن بطال، وابن القيم وغيرهم. (١)
مسألة [٢]: إذا عتقت الأمة تحت حُرٍّ ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا خيار لها، وهو قول سعيد، والحسن، وعطاء، وسليمان بن يسار وغيرهم، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وحجَّتُهم أنَّ الحديث الوراد جاء فيما إذا كانت أمة تحت عبد؛ فإنها حين عتقت زالت الكفاءة، وأصبح لا يُكافئها؛ لأنه عبدٌ، وأما إذا كان زوجها حُرًّا؛ فإنه يكافئها، فلا خيار لها.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ لها الخيار، وهو قول طاوس، وابن سيرين، ومجاهد، والثوري، وهو قول أصحاب الرأي، ورواية عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وقالا: إنَّ سبب تخيير الأمة هو كونها ملكت نفسها؛ فإنها في حال كونها أمة ملك لغيرها، ولا عبرة بإذنها، فلما ملكت نفسها اعتبر إذنها، ولا فرق في ذلك بين أن تكون تحت عبد، أو حُرٍّ.
قال ابن القيم ﵀: قَوْلُهم: (كَمُلَتْ تَحْتَ نَاقِصٍ)، هَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنّ الْكَفَاءَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الدّوَامِ كَمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ، فَإِذَا زَالَتْ خُيّرَتْ الْمَرْأَةُ كَمَا تُخَيّرُ إذَا بَانَ الزّوْجُ غَيْرَ كُفْءٍ لَهَا، وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنّ شُرُوطَ النّكَاحِ لَا يُعْتَبَرُ دَوَامُهَا وَاسْتِمْرَارُهَا، وَكَذَلِكَ تَوَابِعُهُ الْمُقَارِنَةُ لِعَقْدِهِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ تَوَابِعَ فِي الدّوَامِ؛ فَإِنَّ رِضَى الزّوْجَةِ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الدّوَامِ،
стр. 4203
وَكَذَلِكَ الْوَلِيّ، وَالشّاهِدَانِ، وَكَذَلِكَ مَانِعُ الْإِحْرَامِ، وَالْعِدّةِ، وَالزّنَى عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُ نِكَاحَ الزّانِيَةِ، إنّمَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْكَفَاءَةِ ابْتِدَاءَ اشْتِرَاطٍ اسْتِمْرَارُهَا وَدَوَامُهَا. الثّانِي: أَنّهُ لَوْ زَالَتْ الْكَفَاءَةُ فِي أَثْنَاءِ النّكَاحِ بِفِسْقِ الزّوْجِ، أَوْ حُدُوثِ عَيْبٍ مُوجِبٍ لِلْفَسْخِ؛ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ. وَأَثْبَتَ الْقَاضِي الْخِيَارَ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ، وَيَلْزَمُهُ إثْبَاتُهُ بِحُدُوثِ فِسْقِ الزّوْجِ، وَقَالَ الشّافِعِيّ: إنْ حَدَثَ بِالزّوْجِ؛ ثَبَتَ الْخِيَارُ، وَإِنْ حَدَث بِالزّوْجَةِ؛ فَعَلَى قَوْلَيْنِ. اهـ المراد، وانظر بقية بحثه في هذه المسألة؛ فإنه مفيد.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وقد يُقال: إنْ كان سيدها قد أكرهها على الزواج؛ خُيِّرت، وإن كانت لم تُكره ورضيت به؛ فلا خيار لها. اهـ
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: لم يسأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بريرة هل كانت راضية بزوجها حين العقد، أم أُكرهت عليه؟ فدلَّ على عدم اعتبار ذلك، وما رجَّحه شيخ الإسلام، وابن القيم هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إذا اختارت المرأة الفراق، فهل هو فسخ، أو طلاق ؟
• أكثر أهل العلم على أنه يُعَدُّ فسخًا لا طلاقًا، وجاء عن مالك، والأوزاعي، والليث أنه يُعَدُّ طلقة بائنة، وليس لهم على ذلك دليل صحيح، وظاهر حديث
стр. 4204
بريرة يدل على أنه فسخ، والطلاق بيد الرجل والأمر ههنا بيد المرأة، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: هل خيار المرأة على الفور، أم على التراخي ؟
• قال أصحاب الرأي: خيار المرأة ما دامت في مجلس الحكم؛ فإنْ فارقته فلا خيار لها.
• وعن الشافعي أنَّ خيارها يمتد ثلاثة أيام. وعنه قول آخر أنه على الفور. وعنه قول ثالث أنه على التراخي. وهذا القول قال به مالك، والأوزاعي، وأحمد، وقال به من التابعين: نافع، وسليمان بن يسار، والزهري، وقتادة وغيرهم. وصحَّ عن ابن عمر، وحفصة ﵃ ما يدل عليه كما في «موطإ مالك» وغيره.
وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خيَّرها ولم يحدد لها أجلًا، ولأنه حق لها، فلا يزول هذا الحق في وقت معين إلا بدليل، ولأنَّ ابن عمر، وحفصة ﵃ ثبت عنهما القول به، قال ابن عبد البر: لا أعلم لهما مخالفًا من الصحابة. والله أعلم. (٢)
مسألة [٥]: إذا أمكنته من نفسها، فهل يسقط خيارها ؟
إن كانت تعلم أنَّ لها الخيار شرعًا؛ فيسقط خيارها.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: اتفقوا على أنها إن أمكنته من وطئها؛ سقط خيارها. اهـ
وصحَّ عن ابن عمر، وحفصة القول به كما في «الموطإ».
стр. 4205
• وأما إن كانت لا تعلم أنَّ لها الخيار، فالأكثر على أنَّ لها الخيار، ولا يسقط بذلك، وهو قول الأوزاعي، والثوري، وحماد، وعطاء، وإسحاق، والشافعي، وجماعة من الحنابلة.
• وقال جماعةٌ من الحنابلة، وبعض الشافعية: يسقط خيارها وإن لم تعلم، ولا دليل على ذلك، والصواب هو القول الأول، وهو ترجيح ابن القيم، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: إذا كانت الأمة لنفسين، وأعتق أحدهما وهو معسر ؟
• مذهب الشافعي، وأحمد في رواية أنْ لا خيار لها؛ لأنها ليست حرة كاملة الحرية، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أثبت الخيار لمن كمل لها الحرية.
• وعن أحمد رواية أنَّ لها الخيار؛ لأنها أكمل من العبد؛ فإنها ترث وتورث، وتحجب بقدر ما فيها من الحرية.
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٧]: إذا طلقها طلاقًا رجعيًّا، ثم عتقت، فهل لها الفسخ ؟
• جماعةٌ من الحنابلة على أنَّ لها الفسخ؛ لأنها ما زالت في عصمته، وله حق إرجاعها؛ فإنِ اختارت الفسخ بطلت الرجعة، وإن اختارت البقاء معه؛ صحَّ، وسقط الخيار، وتبقى على عدتها.