١٠٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خُيِّرَتْ بَرِيرَةُ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. (١)
وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا ﵂: أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا (٢)، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: كَانَ حُرًّا (٣).
وَالأَوَّلُ أَثْبَتُ.
١٠٠٣ - وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، عِنْدَ البُخَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا. (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: خيار الأَمَةِ إذا عتقت تحت عبد .
دلَّ حديثُ الباب على أنَّ لها الخيار، وقد نُقِل على ذلك الإجماع، نقله ابن
стр. 4202
المنذر، وابن عبد البر، وابن قدامة، وابن بطال، وابن القيم وغيرهم. (١)
مسألة [٢]: إذا عتقت الأمة تحت حُرٍّ ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا خيار لها، وهو قول سعيد، والحسن، وعطاء، وسليمان بن يسار وغيرهم، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وحجَّتُهم أنَّ الحديث الوراد جاء فيما إذا كانت أمة تحت عبد؛ فإنها حين عتقت زالت الكفاءة، وأصبح لا يُكافئها؛ لأنه عبدٌ، وأما إذا كان زوجها حُرًّا؛ فإنه يكافئها، فلا خيار لها.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ لها الخيار، وهو قول طاوس، وابن سيرين، ومجاهد، والثوري، وهو قول أصحاب الرأي، ورواية عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وقالا: إنَّ سبب تخيير الأمة هو كونها ملكت نفسها؛ فإنها في حال كونها أمة ملك لغيرها، ولا عبرة بإذنها، فلما ملكت نفسها اعتبر إذنها، ولا فرق في ذلك بين أن تكون تحت عبد، أو حُرٍّ.
قال ابن القيم ﵀: قَوْلُهم: (كَمُلَتْ تَحْتَ نَاقِصٍ)، هَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنّ الْكَفَاءَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الدّوَامِ كَمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ، فَإِذَا زَالَتْ خُيّرَتْ الْمَرْأَةُ كَمَا تُخَيّرُ إذَا بَانَ الزّوْجُ غَيْرَ كُفْءٍ لَهَا، وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنّ شُرُوطَ النّكَاحِ لَا يُعْتَبَرُ دَوَامُهَا وَاسْتِمْرَارُهَا، وَكَذَلِكَ تَوَابِعُهُ الْمُقَارِنَةُ لِعَقْدِهِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ تَوَابِعَ فِي الدّوَامِ؛ فَإِنَّ رِضَى الزّوْجَةِ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الدّوَامِ،
стр. 4203
وَكَذَلِكَ الْوَلِيّ، وَالشّاهِدَانِ، وَكَذَلِكَ مَانِعُ الْإِحْرَامِ، وَالْعِدّةِ، وَالزّنَى عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُ نِكَاحَ الزّانِيَةِ، إنّمَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْكَفَاءَةِ ابْتِدَاءَ اشْتِرَاطٍ اسْتِمْرَارُهَا وَدَوَامُهَا. الثّانِي: أَنّهُ لَوْ زَالَتْ الْكَفَاءَةُ فِي أَثْنَاءِ النّكَاحِ بِفِسْقِ الزّوْجِ، أَوْ حُدُوثِ عَيْبٍ مُوجِبٍ لِلْفَسْخِ؛ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ. وَأَثْبَتَ الْقَاضِي الْخِيَارَ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ، وَيَلْزَمُهُ إثْبَاتُهُ بِحُدُوثِ فِسْقِ الزّوْجِ، وَقَالَ الشّافِعِيّ: إنْ حَدَثَ بِالزّوْجِ؛ ثَبَتَ الْخِيَارُ، وَإِنْ حَدَث بِالزّوْجَةِ؛ فَعَلَى قَوْلَيْنِ. اهـ المراد، وانظر بقية بحثه في هذه المسألة؛ فإنه مفيد.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وقد يُقال: إنْ كان سيدها قد أكرهها على الزواج؛ خُيِّرت، وإن كانت لم تُكره ورضيت به؛ فلا خيار لها. اهـ
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: لم يسأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بريرة هل كانت راضية بزوجها حين العقد، أم أُكرهت عليه؟ فدلَّ على عدم اعتبار ذلك، وما رجَّحه شيخ الإسلام، وابن القيم هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إذا اختارت المرأة الفراق، فهل هو فسخ، أو طلاق ؟
• أكثر أهل العلم على أنه يُعَدُّ فسخًا لا طلاقًا، وجاء عن مالك، والأوزاعي، والليث أنه يُعَدُّ طلقة بائنة، وليس لهم على ذلك دليل صحيح، وظاهر حديث
стр. 4204
بريرة يدل على أنه فسخ، والطلاق بيد الرجل والأمر ههنا بيد المرأة، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: هل خيار المرأة على الفور، أم على التراخي ؟
• قال أصحاب الرأي: خيار المرأة ما دامت في مجلس الحكم؛ فإنْ فارقته فلا خيار لها.
• وعن الشافعي أنَّ خيارها يمتد ثلاثة أيام. وعنه قول آخر أنه على الفور. وعنه قول ثالث أنه على التراخي. وهذا القول قال به مالك، والأوزاعي، وأحمد، وقال به من التابعين: نافع، وسليمان بن يسار، والزهري، وقتادة وغيرهم. وصحَّ عن ابن عمر، وحفصة ﵃ ما يدل عليه كما في «موطإ مالك» وغيره.
وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خيَّرها ولم يحدد لها أجلًا، ولأنه حق لها، فلا يزول هذا الحق في وقت معين إلا بدليل، ولأنَّ ابن عمر، وحفصة ﵃ ثبت عنهما القول به، قال ابن عبد البر: لا أعلم لهما مخالفًا من الصحابة. والله أعلم. (٢)
مسألة [٥]: إذا أمكنته من نفسها، فهل يسقط خيارها ؟
إن كانت تعلم أنَّ لها الخيار شرعًا؛ فيسقط خيارها.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: اتفقوا على أنها إن أمكنته من وطئها؛ سقط خيارها. اهـ
وصحَّ عن ابن عمر، وحفصة القول به كما في «الموطإ».
стр. 4205
• وأما إن كانت لا تعلم أنَّ لها الخيار، فالأكثر على أنَّ لها الخيار، ولا يسقط بذلك، وهو قول الأوزاعي، والثوري، وحماد، وعطاء، وإسحاق، والشافعي، وجماعة من الحنابلة.
• وقال جماعةٌ من الحنابلة، وبعض الشافعية: يسقط خيارها وإن لم تعلم، ولا دليل على ذلك، والصواب هو القول الأول، وهو ترجيح ابن القيم، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: إذا كانت الأمة لنفسين، وأعتق أحدهما وهو معسر ؟
• مذهب الشافعي، وأحمد في رواية أنْ لا خيار لها؛ لأنها ليست حرة كاملة الحرية، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أثبت الخيار لمن كمل لها الحرية.
• وعن أحمد رواية أنَّ لها الخيار؛ لأنها أكمل من العبد؛ فإنها ترث وتورث، وتحجب بقدر ما فيها من الحرية.
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٧]: إذا طلقها طلاقًا رجعيًّا، ثم عتقت، فهل لها الفسخ ؟
• جماعةٌ من الحنابلة على أنَّ لها الفسخ؛ لأنها ما زالت في عصمته، وله حق إرجاعها؛ فإنِ اختارت الفسخ بطلت الرجعة، وإن اختارت البقاء معه؛ صحَّ، وسقط الخيار، وتبقى على عدتها.
стр. 4206
• وذهب الشافعي، وجماعةٌ من الحنابلة إلى أنه لا عبرة بالاختيار في زمن العدة؛ لأنه زمن هي صائرة فيه إلى بينونة؛ فالاختيار ممتنع، قالوا: فإن اختارت البقاء؛ فلا يسقط خيارها، وما زال لها الخيار إذا ارتجعها.
والقول الأول هو الصحيح، وهو اختيار ابن القيم، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: إذا عتقت أمة فطلقها زوجها قبل أن تفسخ ؟
• مذهب جماعة من الحنابلة، والشافعية وقوع الطلاق؛ لأنها قبل الفسخ ما زالت امرأة له، وهو اختيار ابن القيم، وقال جماعة من الحنابلة، والشافعية: يوقف الطلاق؛ فإن لم تفسخ وقع، وإن فسخت تبَيَنَّا أنَّ الطلاق وقع على غير امرأة له؛ فلا يقع. والصحيح القول الأول. (٢)
مسألة [٩]: ماذا عن المهر إذا فسخت ؟
إذا كان الفسخ بعد الدخول بها؛ فالمهر ثابت، وهو للسيد، إن شاء أقره بيدها، وإن شاء أخذه. وهل الواجب المهر المسمَّى، أم مهر المثل؟
• الواجب هو المهر المسمى؛ لأنه نكاح صحيح، وهذا مذهب الحنابلة، وقال أصحاب الشافعي: إن كان دخل بها قبل العتق؛ فالواجب المهر المسمى، وإن كان دخل بها بعد العتق؛ فالواجب مهر المثل، وهذا التفصيل لا دليل عليه.
• وإذا كان الفسخ قبل الدخول بها؛ فلا مهر لها ولا للسيد، وهو مذهب أحمد،
стр. 4207
والشافعي، وعن أحمد رواية أنَّ للسيد نصفه.
والصحيح القول الأول؛ لأنه لم يدخل بها، ولم يطلقها، بل كان الفسخ من قبلها، والله أعلم. (١)
تنبيه: إذا اختارت المعتقة زوجها بشرط أن يزيد في المهر؛ صح شرطها، والزيادة لها، وليست للسيد. (٢)
فائدة: فسخ المعتقة لا يحتاج إلى حكم حاكم؛ لأنه أمرٌ مجمع عليه غير مجتهد فيه، هذا إذا كانت تحت عبد؛ فإن كانت تحت حُرٍّ احتاج إلى ذلك. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
الأحاديث المتقدمة متعلقة بأنكحة المشركين، وفي ذلك مسائل:
مسألة [١]: هل تُقَرُّ أنكحة المشركين إذا أسلموا ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٧٤ - ١٧٥): كانت مناكحهم في الجاهلية على أنحاء متعددة، منها: نكاح الناس اليوم، وذلك النكاح في الجاهلية صحيح عند جمهور العلماء، وكذلك سائر مناكح أهل الشرك التي لا تحرم في الإسلام، ويلحقها أحكام النكاح الصحيح من الإرث، والإيلاء، واللعان، والظهار، وغير ذلك. وحُكي عن مالك أنه قال: نكاح أهل الشرك ليس بصحيح. ومعنى هذا عنده أنه لو طلق الكافر ثلاثًا لم يقع به طلاق، ولو طلق المسلم زوجته الذمية ثلاثًا، فتزوجها ذمي ووطئها؛ لم يحلها عنده، ولو وطئ ذمي ذمية بنكاح؛ لم يصر بذلك محصنًا.
قال: وأكثر العلماء يخالفونه في هذا، وأما كونه صحيحًا في لحوق النسب، وثبوت الفراش؛ فلا خلاف فيه بين المسلمين، فليس هو بمنزلة وطء الشبهة، بل لو أسلم الزوجان الكافران أُقِرَّا على نكاحهما بالإجماع، وإن كانا لا يُقَرَّان على وطء شبهة.
стр. 4211
وقد احتُجَّ بهذا الحديث (١) على أنَّ نكاح الجاهلية صحيح.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤]، وقوله: ﴿امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص:٩/التحريم:١١]، وقالوا: قد سماها الله (امرأة)، والأصل في الإطلاق الحقيقة، والله أعلم. اهـ
وقال ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٢٢٤): والصواب أنَّ أنكحتهم المحرمة في دين الإسلام حرام مطلقًا، إذا لم يسلموا عوقبوا عليها، وإن أسلموا عُفِي لهم عن ذلك؛ لعدم اعتقادهم تحريمه.
واختُلِف في الصحة والفساد، والصواب أنها صحيحة من وجهين؛ فإن أُريد بالصحة إباحة التصرف، فإنما يُباح لهم بشرط الإسلام، وإن أُريد نفوذه وترتيب أحكام الزوجية عليه من حصول الحل به للمطلق ثلاثًا، ووقوع الطلاق فيه، وثبوت الإحصان به؛ فصحيح. انتهى المراد.
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٥): أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ، يُقَرُّونَ عَلَيْهَا إذَا أَسْلَمُوا أَوْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا، إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا فِي
стр. 4212
الْحَالِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى صِفَةِ عَقْدِهِمْ وَكَيْفِيَّتِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطُ أَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ الْوَلِيِّ، وَالشُّهُودِ، وَصِيغَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا، فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، أَنَّ لَهُمَا الْمُقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا؛ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ وَلَا رَضَاعٌ، وَقَدْ أَسْلَمَ خَلْقٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأَسْلَمَ نِسَاؤُهُمْ، وَأُقِرُّوا عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ، وَلَا كَيْفِيَّتِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ وَالضَّرُورَةِ، فَكَانَ يَقِينًا، وَلَكِنْ يُنْظَرُ فِي الْحَالِ، فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى صِفَةٍ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا؛ أُقِرَّ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، كَأَحَدِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالنَّسَبِ أَوْ السَّبَبِ، أَوْ الْمُعْتَدَّةِ، وَالْمُرْتَدَّةِ، وَالْوَثَنِيَّةِ، وَالْمَجُوسِيَّةِ، وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا؛ لَمْ يُقَرَّ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَأَسْلَمَا بَعْدَ انْقِضَائِهَا، أُقِرَّا؛ لِأَنَّهَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا. اهـ
مسألة [٢]: إذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع نسوة أسلمن معه ؟
ليس له إمساك أكثر من أربع نسوة بلا خلاف عند أهل العلم.
• ومذهب الجمهور أنه يختار منهن أربعًا، ويفارق سائرهن سواء تزوجهُنَّ في عقد واحد أو في عقود، وسواء اختار الأوائل أو الأواخر، واستدلوا على ذلك بحديث غيلان ابن سلمة الذي في الباب، ولأنَّ كل عدد جاز له ابتداء العقد عليه؛ جاز له إمساكه بنكاح مطلق في حال الشرك، كما لو تزوجهن بغير شهود. وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والليث، والأوزاعي،
стр. 4213
والثوري وغيرهم.
• وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: إن كان تزوجهن في عقد؛ انفسخ نكاح جميعهن، وإن كان في عقود؛ فنكاح الأوائل صحيح، ونكاح ما زاد على أربع باطل؛ لأنَّ العقد إذا تناول أكثر من أربع فتحريمه من طريق الجمع؛ فلا يكون فيه مُخيَّرًا بعد الإسلام كما لو تزوجت المرأة زوجين في حال الكفر ثم أسلموا.
وأُجيب: بأنَّ قياسهم مخالف للحديث الوارد، ولأنَّ أنكحة الكفار لا يُشترط فيها أن تكون على شروط العقد عند المسلمين كما تقدم تقريره، وأما تزوج المرأة بزوجين؛ فإنَّ نكاح الثاني باطل؛ لأنها ملكته ملك غيرها، وإن جمعت بينهما؛ لم يصح؛ لأنها لم تملكه جميع بضعها، ولأنَّ ذلك ليس بشائع عند أحد من أهل الأديان، ولأنَّ المرأة ليس لها اختيار النكاح وفسخه، بخلاف الرجل. انتهى ملخصًا من «المغني» (١٠/ ١٤ - ١٥). (١)
مسألة [٣]: إذا أبى أن يختار منهن أربعًا ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٥): فَإِنْ أَبَى؛ أُجْبِرَ بِالْحَبْسِ، وَالتَّعْزِيرِ إلَى أَنْ يَخْتَارَ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ عَلَيْهِ يُمْكِنُهُ إيفَاؤُهُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، كَإِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَخْتَارَ عَنْهُ، كَمَا يُطَلِّقُ عَلَى الْمُولِي إذَا امْتَنَعَ مِنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ هَاهُنَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا تَتَعَيَّنُ الزَّوْجَاتُ بِاخْتِيَارِهِ وَشَهْوَتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَعْرِفُهُ الْحَاكِمُ؛ فَيَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْمُولِي؛ فَإِنَّ الْحَقَّ
стр. 4214
الْمُعَيَّنَ يُمْكِنُ الْحَاكِمُ إيفَاءَهُ. اهـ (١)
مسألة [٤]: إذا مات قبل أن يختار ؟
لا يقوم الوارث مقامه في الاختيار؛ لما ذكرناه قريبًا، وعلى جميعهن العدة؛ لأنَّ الزوجات لم يتعين منهن، فمن كانت حاملًا فعدتها بوضعه، ومن كانت آيسة، أو صغيرة فعدتها أربعة أشهر وعشر، ومن كانت من ذوات القُروء فعدتها أطول الأجلين، من ثلاثة قروء، أو أربعة أشهر وعشر؛ لتقضي العدة بيقين، هذا مذهب الحنابلة، والشافعية. (٢)
مسألة [٥]: إذا كان الذي أسلم صغيرًا، وتحته أكثر من أربع نسوة ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٢٢٦): وإن أسلم الكافر، وله ولد صغير؛ تبعه في الإسلام، فإذا كان تحت الصغير أكثر من أربع نسوة، فقال القاضي: ليس لوليه الاختيار منهن؛ لأنه راجع إلى الشهوة، والإرادة. ثم قال في «الجامع»: يوقف الأمر حتى يبلغ فيختار. وقال في «المجرد»: حتى يبلغ عشر سنين. وقال ابن عقيل: حتى يُراهق، ويبلغ أربع عشرة سنة.
قال شيخ الإسلام: الوقف هنا ضعيف؛ لأنَّ الفسخ واجب، فيقوم الولي مقامه في التعيين، كما يقوم مقامه في تعيين الواجب عليه من المال في الزكاة وغيرها. اهـ (٣)
стр. 4215
مسألة [٦]: بِمَ يحصل الاختيار ؟
يحصل الاختيار بما يدل عليه من الكلام بأن يقول: (اخترت نكاح هؤلاء)، أو (اخترت هؤلاء)، أو (أمسكتهن)، أو (اخترت حبسهن)، أو (إمساكهن)، أو (أمسكت نكاحهنَّ)، أو (ثَبَّتُّ نكاحهنَّ) وما أشبه ذلك.
وإن قال لما زاد على الأربع: (فسخت نكاحهن) فسخ، وكان اختيارًا للأربع.
وأما إذا طلق إحداهن، أو بعضهن، فمذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ ذلك يُعَدُّ اختيارًا لها؛ لأنَّ الطلاق لا يكون إلا في زوجة.
قال صاحب «الإنصاف» ﵀: وقيل: ليس اختيارًا لها. اهـ
وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الصواب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات». (١)
وإن قال: (فارقت هؤلاء) فيقع الفسخ فيهن عند جماعة من الحنابلة، والشافعية، وهو الصحيح خلافًا لطائفة منهم. (٢)
وإن وطئ إحداهن، فهل يُعَدُّ اختيارًا لها؟
• أكثر الحنابلة، والشافعية على أنه يعد اختيارًا لها، وهو الصحيح خلافًا لطائفة منهم. (٣)
стр. 4216
مسألة [٧]: إذا اختار أربعًا، فهل على الباقيات عدة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٨): وَإِذَا اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارَقَ الْبَوَاقِيَ؛ فَعِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينِ اخْتَارَ؛ لِأَنَّهُنَّ بِنَّ مِنْهُ بِالِاخْتِيَارِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينِ أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُنَّ بِنَّ بِإِسْلَامِهِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ، كَمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَلَمْ يُسْلِمْ الْآخَرُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَفُرْقَتُهُنَّ فَسْخٌ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ فِيهِنَّ، وَعِدَّتُهُنَّ كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ مِنْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا كَذَلِكَ. اهـ
قلتُ: قرر شيخ الإسلام ﵀، وكذا ابن حزم أنَّ الفسوخ ليس فيها عدة، إنما العدة في الطلاق، والمتوفى عنها زوجها، وإنما عليها أن تستبرئ بحيضة؛ إلا أنَّ ابن حزمٍ استثنى المختلعة، وردَّ عليه شيخ الإسلام. (١)
تفريعات:
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٩): إذَا أَسْلَمَ قَبْلَهُنَّ، وَقُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ؛ فَلَا كَلَامَ. وَإِنْ قُلْنَا: يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. وَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّهُنَّ بِنَّ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهُنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِنَّ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذَا أَسْلَمْنَ، وَإِنْ كَانَ وَطِئَهُنَّ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَطِئَ غَيْرَ نِسَائِهِ، وَإِنْ آلَى مِنْهُنَّ، أَوْ ظَاهَرَ، أَوْ قَذَفَ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَيْرِ زَوْجِهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ خَاطَبَ بِذَلِكَ أَجْنَبِيَّةً؛ فَإِنْ أَسْلَمَ
стр. 4217
بَعْضُهُنَّ فِي الْعِدَّةِ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ بِهَا، وَكَانَ وَطْؤُهُ لَهَا وَطْئًا لِمُطَلَّقَتِهِ. وَإِنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ غَيْرَهَا، فَوَطْؤُهُ لَهَا وَطْءٌ لِامْرَأَتِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ وَطْؤُهُ لَهَا قَبْلَ طَلَاقِهَا، وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ، فَأَسْلَمَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ مِنْهُنَّ، أَوْ أَقَلُّ فِي عِدَّتِهِنَّ، وَلَمْ تُسْلِمْ الْبَوَاقِي؛ تَعَيَّنَتْ الزَّوْجِيَّةُ فِي الْمُسْلِمَاتِ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِنَّ، فَإِذَا أَسْلَمَ الْبَوَاقِي؛ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهِنَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ بِهِنَّ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: هذه التفريعات مبنية على اعتبار فسخ نكاح الكافر، أو الكافرة إذا أسلم أحدهما بانتهاء العدة، وفي المسألة خلافٌ يأتي بيانه إن شاء الله.
مسألة [٨]: إذا أسلم بعضهن، فهل له تأخير الاختيار حتى يسلم الباقي ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٠): إذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمَ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ، فَلَهُ اخْتِيَارُهُنَّ، وَلَهُ الْوُقُوفُ إلَى أَنْ يُسْلِمَ الْبَوَاقِي.
فَإِنْ مَاتَ اللَّاتِي أَسْلَمْنَ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَاقِيَاتُ، فَلَهُ اخْتِيَارُ الْمَيِّتَاتِ، وَلَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِيَاتِ، وَلَهُ اخْتِيَارُ بَعْضِ هَؤُلَاءِ؛ وَبَعْضِ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَيْسَ بِعَقْدِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْحِيحٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ فِيهِنَّ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الِاخْتِيَارِ بِحَالِ ثُبُوتِهِ، وَحَالَ ثُبُوتِهِ كُنَّ أَحْيَاءَ. اهـ
مسألة [٩]: إذا اختار نكاح من أسلمت، وإذا فسخ نكاح من أسلمت ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٠): وَإِنْ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةُ مِنْهُنَّ،
стр. 4218
فَقَالَ: اخْتَرْتهَا. جَازَ، فَإِذَا اخْتَارَ أَرْبَعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي. وَإِنْ قَالَ لِلْمُسْلِمَةِ: اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهَا. لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَالِاخْتِيَارُ لِلْأَرْبَعِ، وَهَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْبَعِ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْفَسْخِ الطَّلَاقَ، فَيَقَعُ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَيَكُونُ طَلَاقُهُ لَهَا اخْتِيَارًا لَهَا، وَإِنْ قَالَ: اخْتَرْت فُلَانَةَ. قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ إلَيَّ بَيْنُونَةٍ، فَلَا يَصِحُّ إمْسَاكُهَا. وَإِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا، لَمْ يَنْفَسِخْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ الِاخْتِيَارُ، لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ. وَإِنْ نَوَى بِالْفَسْخِ الطَّلَاقَ، أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ. فَهُوَ مَوْقُوفٌ؛ فَإِنْ أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعٍ، أَوْ أَسْلَمَ زِيَادَةٌ فَاخْتَارَهَا؛ تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهَا، وَإِلَّا فَلَا. اهـ
مسألة [١٠]: هل له الاختيار وهو محرم بحج أو عمرة ؟
• منع بعض الشافعية والحنابلة ذلك، وأكثرهم على جواز ذلك، وهو الصحيح؛ لأنه استدامة للنكاح وتعيين للمنكوحة وليس ابتداءً فأشبه الرجعة، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: إذا أسلم وتحته أختان ؟
• مذهب الجمهور أنه يختار منهن واحدة، ويفارق الأخرى، وهو قول الحسن، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وأبي عبيد، واستدلوا على ذلك بحديث الباب: «طَلِّق أيتهما شئت»، ولأنَّ أنكحة الكفار صحيحة، وإنما حرم الجمع في الإسلام، فيزيله بتطليقِ واحدةٍ.
стр. 4219
• وقال أبو حنيفة ههنا كقوله في الزيادة على الأربع.
والصحيح قول الجمهور، ويدل عليه أيضًا حديث غيلان بن سلمة؛ فإنه يدل على التخيير، وإن كان الكافر قد تزوج واحدة يحرم عليه جمعها مع من معه في الإسلام، ومع ذلك أمره ﵊ بالاختيار، وهو كما لو طلق أختها قبل إسلامه، ثم أسلم، والأخرى في حِبَاله، وهكذا الحكم في المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها؛ لأنَّ المعنى في الجميع واحد. (١)
مسألة [١٢]: إذا أسلم وتحته أم وابنتها، فأسلمن معه ؟
إذا كان قد دخل بهما؛ حرمتا عليه على التأبيد، تحرم الأم لأنها أم زوجته، والبنت؛ لأنه ربيبته من زوجته التي دخل بها، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
وهذا قول الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، ومالك، وأهل الحجاز، والثوري، وأهل العراق، والشافعي، وأحمد ومن تبعهم، وكذلك إن دخل بالأم وحدها؛ لأنَّ البنت تكون ربيبته مدخولًا بأمها، والأم حرمت بمجرد العقد على ابنتها، وأما إن كان دخل بالبنت وحدها فيثبت نكاحها، ويفسد نكاح أمها.
• وإذا كان لم يدخل بواحدة منهن فمذهب أحمد، والشافعي في قولٍ، والمزني أنه يفسد نكاح الأم، ويثبت نكاح البنت؛ لأنَّ الأم تحرم بمجرد العقد على
стр. 4220
البنت، قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، والبنت لا تحرم إلا بالدخول بأمها.
• وقال الشافعي في قولٍ: يختار أيتهما شاء؛ لأنَّ عقد الشرك إنما يثبت له حكم الصحة إذا انضم إليه الاختيار.
والصحيح القول الأول، وقولهم: (إنما يصح العقد بانضمام الاختيار إليه) غير صحيح؛ فإنَّ أنكحة الكفار صحيحة يثبت لها أحكام الصحة، وكذلك لو انفردت كان نكاحها صحيحًا لازمًا من غير اختيار، ولهذا فوض إليه الاختيار، ولا يصح أن يختار من ليس نكاحها صحيحًا. (١)
مسألة [١٣]: إذا أسلم الرجل وتحته أربع إماء ؟
• إذا أسلم الرجل وتحته إماء، فأسلمن معه، وكُنَّ زوجات له، فله أن يختار واحدة منهن إن كان عادمًا للطول خائفًا من العَنت؛ فإن كانت لا تعفه فله أن يزيد واحدة، وهكذا، وهو قول أحمد، والشافعي.
• وإن عدم فيه الشرطان؛ ينفسخ النكاح عند أحمد، والشافعي وغيرهما.
• وقال أبو ثور: لا ينفسخ؛ لأنَّه استدامة نكاح وليس ابتداءً.
وأجاب الجمهور بأنَّ أنكحة الكفار يُقَرُّ منها ما يجوز ابتداؤه، وهذا لا يجوز ابتداؤه؛ فلا يقر عليه. (٢)
قَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيّةً، وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا، ثُمّ أَسْلَمَا؛ أُقِرَّا عَلَيْهِ. اهـ
مسألة [١٥]: إذا أسلم الكافران معًا في وقت واحد ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٧): إِنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ. وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ الله. ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ اخْتِلَافٌ في الدِينٍ. اهـ
قال: وَيُعْتَبَرُ تَلَفُّظُهُمَا بِالْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ لِئَلَّا يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَيَفْسُدَ النِّكَاحُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمَجْلِسِ، كَالْقَبْضِ وَنَحْوِهِ؛ فَإِنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ كُلِّهِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ؛ لَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ كُلِّ مُسْلِمَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ، إلَّا فِي الشَّاذِّ النَّادِرِ، فَيَبْطُلُ الْإِجْمَاعُ. اهـ
قلتُ: الصحيح عدم اعتبار تلفظهما جميعًا كما سيأتي في المسألة التي تليها.
مسألة [١٦]: إذا أسلم أحد الزوجين قبل الآخر، فما الحكم ؟
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنَّ النكاح ينفسخ بمجرد إسلام الأول منهما، وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس، وعكرمة، وقتادة، وصح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه.
стр. 4223
وقال بهذا القول أيضًا الحكم، والثوري، وأبو ثور، وهو ظاهر اختيار البخاري، وأحمد في رواية اختارها الخلَّال، وأبو بكر، ونصره ابن حزم، واستدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ... [الممتحنة:١٠]، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب الوارد في الباب.
وأبو حنيفة يقول بهذا القول؛ إلا أنه لا يفسخ النكاح حتى يعرض على الآخر الإسلام فيأبى، ومثله قول مالك فيما إذا كان الرجل هو الذي أسلم.
القول الثاني: أنَّ النكاح لا ينفسخ حتى تنقضي عدة المرأة؛ فإن أسلم الآخر قبل انقضائها؛ فهما على نكاحهما، وإن أسلم بعد انقضائها؛ وقعت الفرقة من حين اختلف الدينان، وإن أحبَّا الاجتماع فبعقد جديد.
وهذا قول الزهري، والليث، والحسن بن صالح، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، والمشهور عن أحمد، ومالك، وحجتهم في ذلك أنَّ الفسخ لا يحصل بمجرد الإسلام، فقد حصل إسلام جمع من الكفار مع تفاوتٍ بين إسلام الزوجين منهم، فأقرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على أنكحتهم ولم يجدد عقدًا، ومنهم أبو العاص بن الربيع؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أعاد عليه ابنته زينب بدون عقد جديد، وكذلك ما اشتهر في السيرة أنَّ صفوان بن أمية أسلم بعد امرأته بنحو شهر، وكذلك أسلمت أم حكيم قبل زوجها عكرمة بن أبي جهل، وأسلم أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وأبو سفيان بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية عام الفتح قبل أزواجهم، ولم يُعْلَم
стр. 4224
أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فرَّق بين أحدٍ ممن أسلم، وبين امرأته، أو أمرهما بتجديد العقد.
القول الثالث: أنَّ النكاح موقوف، وإن انقضت العدة، وهو قول النخعي، وحماد بن أبي سليمان، ورواية عن الزهري، وعن علي، وعمر ما يدل عليه (١)، واختاره شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم ﵀.
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ١٣٦): وَتَضَمّنَ أَنّ أَحَدَ الزّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْآخَرِ لَمْ يَنْفَسِخْ النّكَاحُ بِإِسْلَامِهِ، فَرّقَتْ الْهِجْرَةُ بَيْنَهُمَا أَوْ لَمْ تُفَرّقْ؛ فَإِنّهُ لَا يُعْرَفُ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ جَدّدَ نِكَاحَ زَوْجَيْنِ سَبَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِإِسْلَامِهِ قَطّ، وَلَمْ يَزَلْ الصّحَابَةُ يُسْلِمُ الرّجُلُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ وَامْرَأَتُهُ قَبْلَهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ الْبَتّةَ أَنّهُ تَلَفّظَ بِإِسْلَامِهِ هُوَ وَامْرَأَتُهُ، وَتَسَاوَقَا فِيهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ، هَذَا مِمّا يُعْلَمُ أَنّهُ لَمْ يَقَعْ الْبَتّةَ.
قال: وَأَمّا مُرَاعَاةُ زَمَنِ الْعِدّةِ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ نَصّ وَلَا إجْمَاعٍ، وَقَدْ ذَكَرَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ فِي الزّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا: هُوَ أَمْلَكُ بِبُضْعِهَا مَا دَامَتْ فِي دَارِ هِجْرَتِهَا. وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْن عُيَيْنَة، عَنْ مُطَرّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ الشّعْبِيّ، عَنْ عَلِيّ: هُوَ أَحَقّ بِهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِصْرِهَا (٢). وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزّهْرِيّ: إنْ أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ زَوْجُهَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا إلّا أَنْ يُفَرّقَ
التّغْلِبِيّ، وَقَدْ أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ: إمّا أَنْ تُسْلِمَ وَإِلّا نَزَعْتهَا مِنْك. فَأَبَى، فَنَزَعَهَا مِنْهُ. اهـ
قلتُ: وهذا هو الذي قرره شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨) (٣٢/ ١٧٦)، وبيَّنَ ﵀ أنَّ النكاح لا ينفسخ بالإسلام، ولا بانقضاء العدة، بل هو موقوف حتى تنكح زوجًا غيره؛ فإنْ أسلم قبل أن تنكح؛ فهو أحق بها، وهي امرأته.
وظاهر كلامه ﵀ كما في «الاختيارات» أنَّ من أسلم منهما فلا ينفسخ النكاح مطلقًا، بل هو موقوف؛ فإن أسلم الآخر وأحبَّا أن يكونا على نكاحها؛ فلهما ذلك.
قال ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٢٢٦): وإذا أسلمت الزوجة، والزوج كافرٌ، ثم أسلم قبل الدخول أو بعد الدخول؛ فالنكاح باقٍ مالم تنكح غيره، والأمر إليها، ولا حكم له عليها، ولا حق لها عليه، وكذا إن أسلم قبلها، وليس له حبسها، فمتى أسلمت ولو قبل الدخول أو بعده فهي امرأته إن اختار. اهـ
قلتُ: والقول الأخير هو الصحيح، وهو اختيار الصنعاني، واستحسنه الشوكاني واختاره، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين، والشيخ عبد الرحمن السعدي ﵏، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [١٧]: إذا أسلم أحدهما قبل الدخول ؟
• عامة أهل العلم على أنَّ النكاح ينفسخ بمجرد الإسلام؛ إلا أن أبا حنيفة يشترط أن يعرض على الآخر الإسلام، وكذا مالك إن كانت المرأة هي التي
стр. 4228
أسلمت؛ لأنَّ غير المدخول بها لا عدة عليها، واختار شيخ الإسلام أنَّ النكاح موقوف، وهو مقتضى قول أصحاب القول الثالث في المسألة السابقة، وهو الراجح. (١)
مسألة [١٨]: هل تستحق المهر إذا حصلت الفرقة بعد الدخول ؟
ذكر أهل العلم أنَّ الفرقة إذا حصلت بإسلام أحدهما بعد الدخول؛ فإنَّ للمرأة المهر كاملًا؛ لأنه استقر بالدخول فلم يسقط بشيء؛ فإنْ كان مسمًّى صحيحًا فهو لها؛ لأنَّ أنكحة الكفار صحيحة يثبت لها أحكام الصحة، وإن كان محرمًا وقد قبضته في حال الكفر؛ فليس لها غيره؛ لأننا لا نتعرض لما مضى من أحكامهم، وإن لم تقبضه وهو حرام؛ فلها مهر مثلها. (٢)
مسألة [١٩]: إذا حصلت الفرقة بإسلام أحدهما قبل الدخول ؟
• إذا كان المسلم منهما هي الزوجة، فقال جماعةٌ من أهل العلم: لا شيء لها. وهو قول الحسن، والزهري، وابن شبرمة، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد في رواية، ووجهُ هذا القول أنَّ الفرقة سببها اختلاف الدين، وذلك حصل بفعل المرأة؛ فلا شيء لها.
• وذهب بعضهم إلى أنَّ لها نصف المهر إذا كانت هي المسلمة، وهو قول قتادة، والثوري، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة؛ لأنَّ الفرقة حصلت من قبله بإبائه
стр. 4229
الإسلام، وامتناعه منه، وهي فعلت ما فرض الله عليها.
• وإن كان المسلم منهما هو الرجل؛ فللمرأة نصف المهر عند الجمهور، وهو قول من تقدم ذكرهم في بداية المسألة؛ لأنه هو المتسبب بالفرقة بإسلامه.
• وعن أحمد رواية: لا شيء لها؛ لأنها هي المتسببة بالفرقة بإبائها الإسلام.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الله أمر بنصف المهر في حال الطلاق، وأما في حال انفساخ النكاح بسبب الإسلام فلا نعلم دليلًا على إيجابه، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٠]: ما هو قدر العدة المذكورة في المسائل السابقة ؟
• الجمهور يعتبرونها كعدة المطلقة ثلاث حيض، إن كانت مدخولًا بها، وهي من ذوات الأقراء، وأبو حنيفة يعتبرها حيضة، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن حزم وغيرهما.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٣٦): وقد روى البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس قال: كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ ، والمؤمنين كانوا مشركي أهل حرب، يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد، لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب؛ لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت؛ حل لها النكاح؛ فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح؛ رُدَّت إليه؛ فإن هاجر عبد منهم أو أمة؛ فهما حُرَّان، ولهما ما للمهاجرين، ثم ذكر
стр. 4230
في أهل العهد مثل حديث مجاهد، وإن هاجر عبد، أو أمة للمشركين أهل العهد؛ لم يردوا، وردت أثمانهم.
قال: ففي هذا الحديث أنَّ المهاجرة من دار الحرب إذا حاضت، ثم طهرت؛ حل لها النكاح، فلم يكن يجب عليها إلا الاستبراء بحيضة، لا بثلاثة قروء، وهي معتدة من وطء زوج، لكن زال نكاحه عنها بإسلامها، ففي هذا أنَّ الفرقة الحاصلة باختلاف الدين، كإسلام امرأة الكافر إنما يوجب استبراءً بحيضة، وهي فسخ من الفسوخ، ليست طلاقًا، وفي هذا نقض لعموم من يقول: كل فرقة في الحياة بعد الدخول توجب ثلاثة قروء. وهذه حرة مسلمة، لكنها معتدة من وطء كافر. اهـ المراد. (١)
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: أثر ابن عباس الذي ذكره شيخ الإسلام أخرجه البخاري برقم (٥٢٨٦) من طريق: ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس به.
وهذا الأثر قد أعله بعض الحفاظ، وهو أبو مسعود الدمشقي، وتبعه على ذلك آخرون، وجزموا بأنَّ عطاءً المذكور هو الخراساني، وأنَّ ابن جريج لم يسمع منه التفسير، وإنما أخذه من ابنه عثمان، وعثمان ضعيفٌ جدًّا، وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس.
فالأثر مُعلٌّ، ولكن لا نعلم دليلًا صحيحًا على أنها تعتد عدة المطلقة، فالأقرب ما ذكره شيخ الإسلام ﵀، وبالله التوفيق. (٢)
стр. 4231
مسألة [٢١]: هل عليه النفقة عليها أثناء العدة ؟
• أما الذين يقولون بأنَّ النكاح ينفسخ بمجرد الإسلام؛ فمقتضى قولهم أنه ليس لها نفقة عليه؛ لأنها ليست زوجة له، وأما الذين يقولون: النكاح يوقف حتى تنتهي العدة. فيقولون: إذا كانت غير مدخول بها؛ فلا نفقة أيضًا، وإن كان مدخولًا بها؛ فلها النفقة إذا كانت هي المسلمة، ولا نفقة لها إذا كان هو المسلم. (١)
تنبيه: المسائل السابقة فيما إذا كانت المرأة الكافرة ليست كتابية، أما إذا كانت كتابية، وأسلم زوجها؛ أقر النكاح؛ لجواز زواج المسلم بالكتابية. (٢)
مسألة [٢٢]: تزوج ذمي ذمية بغير صداق، أو بدون تسميته ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٣٥): إذَا تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً، عَلَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا، أَوْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ؛ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ، إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ؛ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَا فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا؛ فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا مَهْرَ لَهَا. وَالأُخْرَى: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ لِحَقِّ الله تَعَالَى وَحَقِّهَا، وَقَدْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا، وَالذِّمِّيُّ لَا يُطَالَبُ بِحَقِّ الله تَعَالَى.
стр. 4232
قال: وَلَنَا أَنَّ هَذَا نِكَاحٌ خَلَا عَنْ تَسْمِيَةٍ؛ فَيَجِبُ لِلْمَرْأَةِ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ كَالْمُسْلِمَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ المَهْرُ فِي حَقِّ المُفوَّضة؛ لِئَلَّا تَصِيرَ كَالمَوْهُوبَةِ وَالمُبَاحَةِ، وَهَذَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ. اهـ
مسألة [٢٣]: إذا ترافعوا إلى الحاكم في ابتداء العقد ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٣٦): إذَا ارْتَفَعُوا إلَى الْحَاكِمِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ؛ لَمْ يُزَوِّجْهُمْ إلَّا بِشُرُوطِ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِ الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٤٢]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩]، وَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى عَقْدِهِ، بِخِلَافِ ذَلِكَ.
قال: وَإِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا بَعْدَ الْعَقْدِ؛ لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ عَقْدِهِمْ، وَنَظَرْنَا فِي الْحَالِ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً، أَقَرَّهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، كَذَوَاتِ مَحْرَمِهِ؛ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. اهـ
مسألة [٢٤]: هل يتعلق بأنكحة الكفار الطلاق، والإيلاء، والظهار، وغيرها من الأحكام ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٣٦ - ٣٧): وَأَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَالظِّهَارِ، وَالْإِيلَاءِ، وَوُجُوبِ الْمَهْرِ، وَالْقَسَمِ، وَالْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالْإِحْصَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قال: وَمِمَّنْ أَجَازَ طَلَاقَ الْكُفَّارِ: عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ،
стр. 4233
وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ.
قال: وَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ؛ فَوَقَعَ، كَطَلَاقِ المُسْلِمِ؛ فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ أَنْكِحَتِهِمْ. قُلْنَا: دَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ النِّسَاءَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، وَقَالَ: ﴿امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾، وَحَقِيقَةُ الْإِضَافَةِ تَقْتَضِي زَوْجِيَّةً صَحِيحَةً، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ، لَا مِنْ سِفَاحٍ» (١)،
وَإِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهَا؛ ثَبَتَتْ أَحْكَامُهَا، كَأَنْكِحَةِ المُسْلِمِينَ. اهـ
مسألة [٢٥]: إذا ارتد أحد الزوجين، فهل ينفسخ النكاح ؟
• أما إذا كان ارتداد أحدهما قبل الدخول؛ فينفسخ بمجرد الردة عند عامة أهل العلم، واختار شيخ الإسلام أنه موقوف حتى تنكح زوجًا غيره.
• وأما إذا كان ارتداد أحدهما بعد الدخول، فالأكثر على تعجل الفرقة، وينفسخ النكاح بمجرد الردة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وزُفر، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن حزم.
• وقال بعضهم: موقوف إلى انقضاء العدة. وهو قول الشافعي، وأحمد
стр. 4234
في رواية.
واختار شيخ الإسلام أنه موقوف حتى تنكح زوجًا غيره. وهو أصح الأقوال، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٦]: إذا ارتد الزوجان معًا ؟
الحكم فيها كالحكم في المسألة السابقة؛ إلا أنَّ أبا حنيفة يقول ههنا: لا ينفسخ النكاح. (٢)
مسألة [٢٧]: هل له الوطء حال ردته ؟
إذا ارتد الزوجان، أو أحدهما؛ فلا يحل له وطء المرأة؛ فإن وطأها؛ فلها عليه مهر المثل لهذا الوطء مع المهر الأول، وإن أسلما؛ فلا مهر عليه. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: هل يفسخ النكاح بوجود عيب في الرجل أو المرأة ؟
• مذهب الظاهرية أنه لا يفسخ النكاح بعيب البتة، بل النكاح صحيح، ولا يخرج منه إلا بطلاق أو خلع.
• وعامة أهل العلم على مشروعية فسخ النكاح؛ لوجود عيب يمنع الاستمتاع، واختلفوا في اعتبار هذه العيوب، فعند أبي حنيفة يفسخ النكاح إذا كان الرجل مجبوبًا، أو عنينًا، ولا يفسخ في غير ذلك من العيوب.
• وعند الشافعي، ومالك، وأحمد يفسخ النكاح بالجنون، والبرص، والجذام، والقرن، والجَّبْ، والعُنَّة، وزاد أحمد: أن تكون المرأة رتقاء.
ومعنى القرن: لحم نابت في فرج المرأة يمنع الجماع.
ومعنى الرتقاء: هي التي ملتئمٌ فرجها.
• واختلف الشافعية، والحنابلة فيما بينهم في اعتبار بعض العيوب في الفسخ، من ذلك: نتن الفرج، والفم، وانخراق مخرجي البول والمني في الفرج، والقروح السيالة في الفرج، والبواسير، والناصور، والاستحاضة، واستطلاق البول وغير ذلك، فلهم فيها وجهان.
стр. 4237
• وعن بعض الشافعية كما في «زاد المعاد» أنَّ الفسخ يحصل بكل عيب ترد به الجارية في البيع.
وقال ابن القيم: كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة، والمودة؛ يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، وعن شُريح، والزهري ما يوافق ذلك كما في «الزاد».
وقال شيخ الإسلام: وترد المرأة بكل عيب ينفر عن كمال الاستمتاع. اهـ
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: هذا القول أقرب، واعتبار العيب راجعٌ إلى العرف، والله أعلم.
وأما الدليل على جواز الفسخ بالعيوب؛ فلِأنَّ العقد المطلق اقتضى سلامتها من ذلك، وإخفاء هذه العيوب غش وخداع.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «القواعد النورانية الفقهية» (ص ٢٣٨): وكذلك يوجب العقد المطلق سلامة الزوج من الجب، والعنة عند عامة الفقهاء، وكذلك يوجب عند الجمهور سلامتها من موانع الوطء، كالرتق، وسلامتها من الجنون، والجذام، والبرص، وكذلك سلامتها من العيوب التي تمنع كماله، كخروج النجاسات منه، أو منها، ونحو ذلك في أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره دون الجمال، ونحو ذلك، وموجبه كفاءة الرجل أيضًا دون ما زاد على
стр. 4238
ذلك. اهـ (١)
مسألة [٢]: إذا حدث العيب بأحدهما بعد العقد ؟
• من أهل العلم من قال: يثبت الخيار. وهو وجهٌ للحنابلة، ومنهم من قال: لا خيار، وهو وجهٌ للحنابلة، وقال به مالك.
• وقال الشافعية: إن حدث بالزوج فلها الخيار، وإن حدث بالمرأة فلهم وجهان كالأولين.
والصحيح أنه لا خيار له، ولا لها؛ لأنَّ العقد انعقد على ما أراده كل واحد منهما، والعيب حدث بعده؛ فلا غرر، ولا غش، ولا خداع يوجب الفسخ، ولكن للزوج أن يطلق، وللمرأة أن تخالع، وبالله التوفيق. (٢)
مسألة [٣]: هل يستحق الفسخ مَنْ به عيب يجيز الفسخ مِنْ عيب صاحبه ؟
• إذا كان العيب ليس من جنس عيب الآخر؛ فله الفسخ، وإن كان من جنسه ففيه وجهان عند الحنابلة، والشافعية، والذي يظهر أنَّ لكل واحد منهما الفسخ؛ لأنَّ نفس الإنسان تعاف من عيب غيره، وإن كان به مثله. (٣)
стр. 4239
مسألة [٤]: إذا علم أحدهما عيب صاحبه حال العقد ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٦١): ومن شرط ثبوت الخيار بهذه العيوب أن لا يكون عالمًا بها وقت العقد، ولا يرضى بها بعده؛ فإنْ علم بها في العقد، أو بعده فرضي؛ فلا خيار له، لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه رضي به، فأشبه مشتري العيب. اهـ (١)
وإن ظن العيب يسيرًا، فبان كثيرًا؛ فلا خيار له أيضًا إلا أن يكون خُدِع بذلك، فأخبروه أنه يسيرٌ، فبان كثيرًا، وإن كثر بعد اختياره؛ فلا خيار له، وإن رأى عيبًا آخر غير ما رضي به؛ فله الخيار، والله أعلم. (٢)
مسألة [٥]: هل هذا الخيار على الفور، أم على التراخي ؟
• ظاهر مذهب الحنابلة أنَّ خيار العيب ثابتٌ على التراخي، لا يسقط حتى يوجد منه ما يدل على الرضى به من القول، أو الاستمتاع من الزوج، أو التمكين من المرأة.
• ومذهب الشافعي، واختاره القاضي أبو يعلى الحنبلي أنه على الفور؛ لأنه خيار عيب لا يحتاج إلى نظر، وتأمل.
والصحيح هو القول الأول، ولا دليل يدل على أنه على الفور، وبالله التوفيق. (٣)
стр. 4240
مسألة [٦]: هل تستحق المرأة المهر إذا فسخ النكاح ؟
• إذا كان الفسخ قبل الدخول؛ فلا مهر لها عليه؛ لأنَّ المرأة إن كانت هي التي فسخت؛ فالفرقة جاءت من جهتها، وإن كان الزوج هو الذي فسخ؛ فإنما فسخ لمعنى من جهتها، وهو تدليسها بالعيب، وهذا هو مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم.
• وإن كان الفسخ بعد الدخول؛ فلها المهر عند أهل العلم بما استحل من فرجها، ويرجع على من غرَّه، هذا هو قول عمر ﵁ كما في الباب، وهو قول الزهري، وقتادة، ومالك، وأحمد، والشافعي في القديم، واستدلوا بأثر عمر، ولأنَّ من غرَّه هو الغاش، فيتحمل أضرار جنايته.
• وقال أبو حنيفة، والشافعي في الجديد: لا يرجع على من غرَّه؛ لأنه ضمن ما استوفى بدله، وهو الوطء، فلا يرجع به على غيره، كما لو كان المبيع معيبًا فأتلفه، وذكروا أنَّ هذا قول علي ﵁ كما في الباب.
والصحيح هو القول الأول، وقول علي ﵁ ليس فيه التصريح بما ذكروا، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: هل لها المهر المسمى، أم مهر المثل ؟
• ظاهر قول عمر، وعلي أنَّ لها المهر المسمى، وهو ظاهر قول الجمهور.
• وقال الشافعي: لها مهر المثل، ونقل رواية عن أحمد.