← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: هل يفسخ النكاح بوجود عيب في الرجل أو المرأة ؟ • مذهب الظاهرية أنه لا يفسخ النكاح بعيب البتة، بل النكاح صحيح، ولا يخرج منه إلا بطلاق أو خلع. • وعامة أهل العلم على مشروعية فسخ النكاح؛ لوجود عيب يمنع الاستمتاع، واختلفوا في اعتبار هذه العيوب، فعند أبي حنيفة يفسخ النكاح إذا كان الرجل مجبوبًا، أو عنينًا، ولا يفسخ في غير ذلك من العيوب. • وعند الشافعي، ومالك، وأحمد يفسخ النكاح بالجنون، والبرص، والجذام، والقرن، والجَّبْ، والعُنَّة، وزاد أحمد: أن تكون المرأة رتقاء. ومعنى القرن: لحم نابت في فرج المرأة يمنع الجماع. ومعنى الرتقاء: هي التي ملتئمٌ فرجها. • واختلف الشافعية، والحنابلة فيما بينهم في اعتبار بعض العيوب في الفسخ، من ذلك: نتن الفرج، والفم، وانخراق مخرجي البول والمني في الفرج، والقروح السيالة في الفرج، والبواسير، والناصور، والاستحاضة، واستطلاق البول وغير ذلك، فلهم فيها وجهان.

стр. 4237

• وعن بعض الشافعية كما في «زاد المعاد» أنَّ الفسخ يحصل بكل عيب ترد به الجارية في البيع. وقال ابن القيم: كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة، والمودة؛ يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، وعن شُريح، والزهري ما يوافق ذلك كما في «الزاد». وقال شيخ الإسلام: وترد المرأة بكل عيب ينفر عن كمال الاستمتاع. اهـ قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: هذا القول أقرب، واعتبار العيب راجعٌ إلى العرف، والله أعلم. وأما الدليل على جواز الفسخ بالعيوب؛ فلِأنَّ العقد المطلق اقتضى سلامتها من ذلك، وإخفاء هذه العيوب غش وخداع. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «القواعد النورانية الفقهية» (ص ٢٣٨): وكذلك يوجب العقد المطلق سلامة الزوج من الجب، والعنة عند عامة الفقهاء، وكذلك يوجب عند الجمهور سلامتها من موانع الوطء، كالرتق، وسلامتها من الجنون، والجذام، والبرص، وكذلك سلامتها من العيوب التي تمنع كماله، كخروج النجاسات منه، أو منها، ونحو ذلك في أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره دون الجمال، ونحو ذلك، وموجبه كفاءة الرجل أيضًا دون ما زاد على

стр. 4238

ذلك. اهـ (١) مسألة [٢]: إذا حدث العيب بأحدهما بعد العقد ؟ • من أهل العلم من قال: يثبت الخيار. وهو وجهٌ للحنابلة، ومنهم من قال: لا خيار، وهو وجهٌ للحنابلة، وقال به مالك. • وقال الشافعية: إن حدث بالزوج فلها الخيار، وإن حدث بالمرأة فلهم وجهان كالأولين. والصحيح أنه لا خيار له، ولا لها؛ لأنَّ العقد انعقد على ما أراده كل واحد منهما، والعيب حدث بعده؛ فلا غرر، ولا غش، ولا خداع يوجب الفسخ، ولكن للزوج أن يطلق، وللمرأة أن تخالع، وبالله التوفيق. (٢) مسألة [٣]: هل يستحق الفسخ مَنْ به عيب يجيز الفسخ مِنْ عيب صاحبه ؟ • إذا كان العيب ليس من جنس عيب الآخر؛ فله الفسخ، وإن كان من جنسه ففيه وجهان عند الحنابلة، والشافعية، والذي يظهر أنَّ لكل واحد منهما الفسخ؛ لأنَّ نفس الإنسان تعاف من عيب غيره، وإن كان به مثله. (٣)

стр. 4239

مسألة [٤]: إذا علم أحدهما عيب صاحبه حال العقد ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٦١): ومن شرط ثبوت الخيار بهذه العيوب أن لا يكون عالمًا بها وقت العقد، ولا يرضى بها بعده؛ فإنْ علم بها في العقد، أو بعده فرضي؛ فلا خيار له، لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه رضي به، فأشبه مشتري العيب. اهـ (١) وإن ظن العيب يسيرًا، فبان كثيرًا؛ فلا خيار له أيضًا إلا أن يكون خُدِع بذلك، فأخبروه أنه يسيرٌ، فبان كثيرًا، وإن كثر بعد اختياره؛ فلا خيار له، وإن رأى عيبًا آخر غير ما رضي به؛ فله الخيار، والله أعلم. (٢) مسألة [٥]: هل هذا الخيار على الفور، أم على التراخي ؟ • ظاهر مذهب الحنابلة أنَّ خيار العيب ثابتٌ على التراخي، لا يسقط حتى يوجد منه ما يدل على الرضى به من القول، أو الاستمتاع من الزوج، أو التمكين من المرأة. • ومذهب الشافعي، واختاره القاضي أبو يعلى الحنبلي أنه على الفور؛ لأنه خيار عيب لا يحتاج إلى نظر، وتأمل. والصحيح هو القول الأول، ولا دليل يدل على أنه على الفور، وبالله التوفيق. (٣)

стр. 4240

مسألة [٦]: هل تستحق المرأة المهر إذا فسخ النكاح ؟ • إذا كان الفسخ قبل الدخول؛ فلا مهر لها عليه؛ لأنَّ المرأة إن كانت هي التي فسخت؛ فالفرقة جاءت من جهتها، وإن كان الزوج هو الذي فسخ؛ فإنما فسخ لمعنى من جهتها، وهو تدليسها بالعيب، وهذا هو مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم. • وإن كان الفسخ بعد الدخول؛ فلها المهر عند أهل العلم بما استحل من فرجها، ويرجع على من غرَّه، هذا هو قول عمر ﵁ كما في الباب، وهو قول الزهري، وقتادة، ومالك، وأحمد، والشافعي في القديم، واستدلوا بأثر عمر، ولأنَّ من غرَّه هو الغاش، فيتحمل أضرار جنايته. • وقال أبو حنيفة، والشافعي في الجديد: لا يرجع على من غرَّه؛ لأنه ضمن ما استوفى بدله، وهو الوطء، فلا يرجع به على غيره، كما لو كان المبيع معيبًا فأتلفه، وذكروا أنَّ هذا قول علي ﵁ كما في الباب. والصحيح هو القول الأول، وقول علي ﵁ ليس فيه التصريح بما ذكروا، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: هل لها المهر المسمى، أم مهر المثل ؟ • ظاهر قول عمر، وعلي أنَّ لها المهر المسمى، وهو ظاهر قول الجمهور. • وقال الشافعي: لها مهر المثل، ونقل رواية عن أحمد.

стр. 4241

والصحيح القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: هل الغرم على المرأة، أم على وليها ؟ • إن كان الولي عَلِمَ بالعيب؛ فالتغرير منه، فيتحمل المهر، وإن لم يعلم؛ فالتغرير من المرأة، فيرجع عليها بجميع الصداق على الصحيح كما تقدم، وهو قول الحنابلة. • وقال الزهري، وقتادة: إن علم الولي؛ غرم، وإن لم يعلم؛ استحلف بالله ما علم، وهو على الزوج. • وقال القاضي: إن كان أبًا، أو جدًّا، أو أخًا -يعني الذين يجوز لهم رؤيتها- فالتغرير منهم، وإن كان وليًّا أبعد؛ فالتغرير منها. وهو قول مالك، إلا أنَّ مالكًا يقول: يرد على المرأة قدر ما تستحل به؛ لئلا تصير موهوبة. وللشافعي قولان كقول القاضي، وكقول مالك. (٢) مسألة [٩]: إن طلَّقها قبل الدخول، ثم علم أنه كان بها عيبٌ ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ عليه نصف الصداق، ولا يرجع به؛ لأنه رضي بإزالة الملك، والتزام نصف الصداق، وإن مات، أو ماتت قبل العلم بالعيب؛ فلها الصداق كاملًا، ولا يرجع على أحد. (٣)

стр. 4242

مسألة [١٠]: إذا فسخ النكاح، فهل لها السكنى والنفقة ؟ ليس لها سكنى، ولا نفقة عند أهل العلم؛ إذا لم تكن حاملًا. • وإن كانت حاملًا، ففيه وجهان عند الحنابلة، والشافعية، والذي يظهر أنَّ عليه النفقة بسبب حملها من أجل الجنين، والله أعلم. (١) مسألة [١١]: هل للأب أن يزوج ابنته بمعيب لا ترضاه، وهل له منعها من معيب تبغيه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٦٧): وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ كَبِيرَةٍ بِمَعِيبِ بِغَيْرِ رِضَاهَا. بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ إذَا عَلِمَتْ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَالِامْتِنَاعُ أَوْلَى. وَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ مَعِيبًا؛ فَلَهُ مَنْعُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُزَوِّجَهَا بِعِنِّينٍ، وَإِنْ رَضِيت السَّاعَةَ تَكْرَهُهُ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِنَّ النِّكَاحَ، وَيُعْجِبُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْجِبُنَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي هَذَا دَائِمٌ، وَالرِّضَى غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِدَوَامِهِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّخَلُّصِ إذَا كَانَتْ عَالِمَةً فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ؛ فَيَتَضَرَّرُ وَلِيُّهَا وَأَهْلُهَا، فَمَلَكَ الْوَلِيُّ مَنْعَهَا، كَمَا لَوْ أَرَادَتْ نِكَاحَ مَنْ لَيْسَ بِكُفْءٍ. وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ مَنْعُهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْنُونِ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْبُوبِ وَالْعِنِّينِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا عَلَيْهَا خَاصَّةً. وَفِي الْأَبْرَصِ وَالْمَجْذُومِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَمْلِكُ مَنْعَهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، وَالضَّرَرَ عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَا

стр. 4243

الْمَجْبُوبَ وَالْعِنِّينَ. وَالثَّانِي: لَهُ مَنْعُهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ يُعَيَّرُ بِهِ، وَيُخْشَى تَعَدِّيهِ إلَى الْوَلَدِ، فَأَشْبَهَ التَّزْوِيجَ بِمَنْ لَا يُكَافِئُهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَوْلَى أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا فِيهِ ضَرَرًا دَائِمًا، وَعَارًا عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِهَا، فَمَلَكَ مَنْعَهَا مِنْهُ، كَالتَّزْوِيجِ بِغَيْرِ كُفْءٍ. اهـ قلتُ: إذا كان في الرجل عيب لا يعود على المرأة بضرر؛ فليس للولي أن يمنعها، والله أعلم. وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٦٦): وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ وَالصَّغِيرِ، وَسَيِّدِ الْأَمَةِ تَزْوِيجُهُمْ مِمَّنْ بِهِ أَحَدُ هَذِهِ الْعُيُوبِ؛ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لَهُمْ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْعَقْدِ؛ فَإِنْ زَوَّجَهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ؛ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا لَا يَجُوزُ عَقْدُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ بَاعَ عَقَارَهُ لِغَيْرِ غِبْطَةٍ، وَلَا حَاجَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ؛ صَحَّ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى لَهُمْ مَعِيبًا لَا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ إذَا عَلِمَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ النَّظَرَ لَهُمْ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَالْحَظُّ فِي الْفَسْخِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ زَوَّجَهُمْ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهُمْ إيَّاهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهُمْ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ. اهـ (١) مسألة [١٢]: تزوج امرأة على أنها حرة، فبانت بعد ذلك أمةً ؟ • الصحيح أنَّ النكاح لا يفسد بمجرد التغرير، ولكن إن كان الزوج ممن يحرم عليه نكاح الإماء؛ فإنه يفرق بينهما، ويفسد النكاح من أجل ذلك، وهذا مذهب

стр. 4244

أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي في قول، وعن الشافعي قول بفساده بمجرد التغرير، وهو قول مرجوح. • وإن كان الزوج ممن يُباح له نكاح الأمة لتوفر الشروط في إباحتها له؛ فالعقد صحيح، ويخير بين الفسخ والمقام معها، قال بذلك أحمد، والشافعي، وأما أبو حنيفة فيقول: لا خيار له. والصحيح قولُ أحمد، والشافعي؛ لأنه غر بذلك، وعليه فيه ضرر. (١) مسألة [١٣]: إذا حملت منه قبل علمه بذلك ؟ • عامة أهل العلم على أنَّ أولاده أحرار، وقال ابن قدامة ﵀: بلا خلاف نعلمه. اهـ (٢) قلتُ: قد خالف ابن حزم ﵀ كما في «المحلى» (١٨٨٤)، والصحيح قول الجمهور؛ لأنَّ ترقيق الأولاد إضرار بالأب بغير جناية منه، بل هو مخدوعٌ مغرور، وابن حزم محجوج بإجماع من قبله إن صحَّ الإجماع. مسألة [١٤]: هل للسيد فداء مقابل الأولاد ؟ • عامة أهل العلم على أنَّ للسيد الفداء مقابل تفويت رقِّ الأولاد؛ فإِنَّ الأولاد من نماء أمته، وقد قضى بذلك عمر بن الخطاب ﵁، وثبت ذلك عنه، وجاء

стр. 4245

عن غيره من الصحابة، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة. • وعن أحمد رواية خلاف المشهور عنه، أنه ليس عليه فداؤهم، بل هم أحرار بغير فداء. والصحيح قول الجمهور. (١) مسألة [١٥]: هل يرجع بالمهر والفداء على من غرَّه ؟ • مذهب أحمد، والشافعي في القديم، ومالك أنه يرجع بالمهر والفداء على من غرَّه، وهو المنقول عن عمر ﵁؛ لأنه مغرور فلا يضمن بجناية غيره. • وعن أحمد رواية أنه يرجع بالفداء، ولا يرجع بالمهر، وهو قول الثوري، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، والشافعي في الجديد؛ لأنه قد أصاب منها مقابل المهر. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. فعلى هذا؛ فإن كان السيد هو الذي غرَّه؛ فلا يدفع له مهرًا، ولا فدية؛ لأنه لا فائدة في أن يجب له ما يرجع به عليه، وإن كان الغرور من الأمة ففيه قولان عند الحنابلة وغيرهم: أحدهما: يتعلق بذمتها إلى بعد العتق، فتتبع به. والآخر: يتعلق برقبتها، والسيد مخيَّرٌ بين فدائها بقيمتها، أو يسلمها إليه. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٢)

стр. 4246

تنبيه: ذكر الشافعي، والقاضي أبو يعلى الحنبلي أنَّ الغرور الموجب للرجوع هو أن يكون اشتراط الحرية في العقد بأن يقول: (زوجتك على أنها حرة)، وهذا قول غير صحيح، ومقتضى قول الجمهور عدم اعتبار ذلك. (١) مسألة [١٦]: إذا كان المغرور عبدًا، فهل أولاده أحرار ؟ حكمه حكم الحر على الصحيح عند أهل العلم؛ لأنه وطئ زوجته معتقدًا حريتها؛ فكان ولده حُرًّا، وقال أبو حنيفة: أولاده رقيق كحال والديهما، ولا دليل له على ذلك. (٢) مسألة [١٧]: تزوجت المرأة رجلا على أنه حر، فبان عبدًا ؟ • الصحيح عند أهل العلم أن النكاح صحيح إذا كملت فيه شروط النكاح، وكان ذلك بإذن سيده، وللمرأة الخيار بين الفسخ والإمضاء، وللمرأة الخيار أيضًا إذا كانت أمة كما للعبد الخيار إذا غُرَّ بأمة. (٣) مسألة [١٨]: كم تستحق المرأة من المهر إذا فسخ النكاح ؟ قال أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة ﵀ (٩/ ٤٤): وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْعَقْدِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، أَوْ الْمُسَمَّى، عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ فُسِخَ

стр. 4247

النِّكَاحُ مَعَ الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا الْمُسَمَّى. اهـ مسألة [١٩]: الوقت المعتبر في تقويم الفداء . • مذهب أحمد، والشافعي أنَّ المعتبر في تقويمه هو وقت ولادته؛ لأنه محكوم بحريته من حين يوضع؛ فوجب أن يضمن حينئذٍ؛ لأنه فات رقه حينئذٍ، ولأنَّ القيمة التي تزيد بعد الوضع لم تكن مملوكة لمالك الأمة، فلم يضمنها، وهو قول ابن أبي ليلى، وظاهر قول عمر. • ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنه يضمنهم بقيمتهم يوم الخصومة؛ لأنه إنما يضمنهم بالمنع، ولم يمنعهم إلا حال الخصومة. قلتُ: مأخذ أهل القول الأول أقرب، والله أعلم. قال ابن قدامة ﵀: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ مَحْكُومًا بِحُرِّيَّتِهِ، وَهُوَ جَنِينٌ. قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُهُ حِينَئِذٍ؛ لِعَدَمِ قِيمَتِهِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، فَأَوْجَبْنَا ضَمَانَهُ فِي أَوَّلِ حَالٍ يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ، وَهُوَ حَالُ الْوَضْعِ. اهـ (١) مسألة [٢٠]: هل يفديهم بالقيمة، أم بالمثل ؟ • أكثر الفقهاء على أنه يفديهم بالقيمة؛ لأنَّ العبيد عندهم ليسوا من ذوات الأمثال.

стр. 4248

• وعن أحمد رواية أنه يفديهم بمثلهم عبيدًا، وهو ظاهر قول عمر. وقد تقدم في البيوع تقرير هذه المسألة، وهو أنَّ المتلف يضمن بمثله؛ فإن عجز عن ذلك فبقيمته حتى في الحيوانات والعبيد، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، وهو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٢١]: من وُلِدَ حيًّا ثم مات ؟ • عن مالك، وأبي حنيفة: لا يضمن، ولا يُفْدى؛ لأنه لا يجب عليه الفداء إلا يوم الخصومة؛ فإن مات قبل ذلك فلا فدية عليه، وهو قول الثوري، وأبي ثور. • ومذهب أحمد، والشافعي أنه يُفْدى؛ لأنَّ القيمة تجب حين الوضع، وهذا أقرب. (٢) تنبيه: السقط ومن ولد لدون ستة أشهر لا يضمن أيضًا عند أحمد، والشافعي. (٣)

стр. 4249

١٠١٢ - وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أَيْضًا، قَالَ: قَضَى عُمَرُ ﵁ فِي العِنِّينِ أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: معنى العِنِّين . قال الإمام يحيى بن سالم العمراني ﵀ في «البيان» (٩/ ٣٠٢): العنين هو الرجل العاجز عن الجماع، وربما يشتهي الجماع ولا يناله، واشتقاقه من (عنَّ الشيءَ) إذا اعترض؛ لأنَّ ذكره يعن، أي: يعترض عن يمين الفرج وشماله؛ فلا يقصده. وقيل: اشتق من عنان الدابة، أي: أنه يشبهه في اللين. اهـ (٢)

стр. 4250

مسألة [٢]: الحكم على من به العُنَّة ؟ • عامة أهل العلم على أنَّ ذلك عيب يثبت به الخيار للزوجة في فسخ النكاح بعد مدة تضرب للرجل يختبر بها؛ فإن استطاع فيها الجماع، وإلا ثبت الخيار للزوجة، وصحَّ هذا القول عن عمر، وابن مسعود ﵄. وجاء عن المغيرة وعلي ﵄ بإسنادين ضعيفين، وأخذ به جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، ولا يكون ذلك بغير وطء، ولأنَّ الله تعالى أوجب على المولي أن يفيء، أو يطلق؛ لما يلحقها من الضرر بامتناعه من الوطء، والضرر حاصل في امرأة العنين بأعظم من ذلك. • وقال داود الظاهري وأصحابه، ونقل عن الحكم: هي امرأته، ولا يؤجل وليس ذلك بعيب يفسخ به النكاح. واستُدِل لهم بحديث امرأة عبدالرحمن بن الزَّبير حين شكت إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه لا يستطيع جماعها، فلم يفرق النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بينهما، ولم يجعل أجلًا. وأُجيب بأنَّ عبد الرحمن قد أنكر ذلك عند النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وبين أنها ناشز تريد رفاعة، وأنه قد جامعها، فلم يثبت كونه عنينًا. والصحيح قول الجمهور، وأما مسألة التأجيل سنة فليس عليه دليل صحيح يعتمد؛ فالظاهر أنَّ عمر فعله من اجتهاده، وتبعه على ذلك ابن مسعود، وذكر الفقهاء أنَّ العلة في ذلك أنه تمر عليه الفصول الأربعة ويتبين أن عجزه عن الوطء

стр. 4251

ليس بسبب اختلاف الأهوية عليه، وجاء عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أنه أجل عشرة أشهر. (١) قال أبوعبد الله غفر اللهُ لهُ: الذي يظهر أنَّ التأجيلَ أمرٌ اجتهادي يجتهد فيه الحاكم؛ فإن رأى في ذلك مصلحة أجَّل، وإن علم أنَّ هذا عنين من أصل خلقته، ولن يستطيع الجماع؛ فلا يلزم أن يؤجله، وكذا إن تضررت المرأة بتأجيل المدة فيقصرها على أربعة أشهر، وهو حد الإيلاء، والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: إذا انقضت المدة ولم يطأ ؟ المرأة بعد ذلك بالخيار بين الفسخ، أو البقاء معه، وإن اختارت الفسخ؛ فينبغي أن يكون بحكم حاكم؛ لوجود شيء من الاختلاف في ذلك، ولا يُشترط على الصحيح. • ويكون ذلك فسخًا عند أحمد، والشافعي، وهو الصحيح. • وقال مالك، وأبو حنيفة، والثوري: يفرق الحاكم بينهما، وتكون طلقة. (٣) تنبيه: إذا أراد الزواج بها مرة أخرى فيجوز ذلك بعقد جديد، ومهر جديد. (٤)

стр. 4252

تنبيه آخر: الخصي إن كان لا يستطيع الجماع فحكمه حكم العنين. (١) مسألة [٤]: إذا عَلِمَت المرأة عنة الزوج وقت العقد ؟ • لا يؤجل وهي زوجته، ولا خيار لها، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: عطاء، والثوري، وأحمد، والشافعي في القديم، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأنها قد علمت بالعيب، وتزوجت به عالمة به، فسقط خيارها؛ فإن كرهته بعد ذلك فلها الخلع. • وقال الشافعي في الجديد: يؤجل، ولها الخيار بعد التأجيل. والصحيح القول الأول. (٢) مسألة [٥]: إذا علمت أنه عنين بعد الدخول، فسكتت عن المطالبة، ثم طالبت ؟ قال ابن قدامة ﵀: لها المطالبة بعد ذلك، لا نعلم في هذا اختلافًا. اهـ (٣) مسألة [٦]: إذا قالت: رضيت به عنينًا ؟ • يسقط خيارها عند أهل العلم، وقال الشافعي في الجديد: إن قالت ذلك قبل انقضاء المدة؛ فلا يسقط خيارها، وإن قالت ذلك بعد المدة؛ سقط خيارها؛ لأنَّ قبل انقضاء المدة ليس موطنًا للخيار.

стр. 4253

وأُجيب عنه: بأنها أسقطت حقها مع علمها بالعيب، وإنما المدة من أجل الرجل ومعرفة ثبوت العيب فيه، والصحيح قول الجمهور. (١) مسألة [٧]: إذا وطئها مرة واحدة، ثم عجز، هل يكون عنينًا ؟ • أكثر أهل العلم على أنه لا يُعدُّ عنينًا؛ لأن العنين لا يستطيع الجماع، وهذا قدر عليه. • وقال أبو ثور: حكمه حكم العنين. قال ابن عثيمين ﵀ -في قول الفقهاء (إذا جامع الرجل مرة واحدة فليس بعنين) -: هذا قول ضعيفٌ يخالف الواقع؛ فإنَّ العنة تحدث بلا ريب، فكثير من الناس يُصاب بمرض يفقده الشهوة نهائيًّا، يبدأ بأن لا يشتهيها إطلاقًا، ولا ينتشر ذكره، وهذه هي العنة، فهذا الذي حدث له ذلك نقول لها تصبر معه؟! والله يقول: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦ - ٢٢٧]. وإن مضت أربعة أشهر، ولم يعزم لا هذا، ولا هذا؛ فإنَّ الحاكم يفسخ النكاح، أو يطلقها عليه، فكيف نقول هذا في هذه المسألة، ونحن نعلم علم اليقين أنَّ زوجها لن يجامعها، ثم نقول: لا خيار لها؟ فالصواب أنَّ العنة تحدث، وأنها إذا حدثت فللزوجة الخيار. اهـ (٢)

стр. 4254

مسألة [٨]: متى يخرج عن كونه عنينًا ؟ الوطء الذي يخرج به عن العنة هو تغييب الحشفة في الفرج؛ لأنَّ الأحكام المتعلقة بالوطء تتعلق بتغييب الحشفة؛ فكان وطأً صحيحًا؛ فإن كان الذكر مقطوع الحشفة، فإيلاج قدر الحشفة، وهو قول بعض الحنابلة، والشافعية، وقال بعضهم: بتغييب الباقي. (١) تنبيه: إن كان الرجل قد وطئ امرأةً قبل زواجه بهذه المرأة، فهل يخرج عن كونه عنينًا؟ فيه خلاف، والراجح عدم خروجه من ذلك؛ لما تقدم ذكره قبل مسألة. (٢) مسألة [٩]: المجبوب هل يؤجل ؟ المجبوب هو المقطوع الذكر، ولا يؤجل عند أهل العلم، والعنين إن جُبَّ ذكره في المدة؛ فلا ينتظر انقضاء المدة، بل لها الخيار من حينه. (٣) مسألة [١٠]: إذا اختلف الرجل مع المرأة في كونه عنينًا ؟ • إن تزوجها بكرًا، فتراها النساء المأمونات، الثقات؛ فإن رأينها بكرًا فالقول قولها، ويؤجل الرجل، وقد أفتى بذلك أحمد، وإسحاق، والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي.

стр. 4255

• وإن تزوجها ثيبًا، فجماعة يقولون: القول قول الرجل. وهو قول الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي. • وعن أحمد رواية: يخلو معها، ويخرج ماءه على شيء؛ فإن فعل فليس بعنين، والقول قوله، وإلا فقولها. • وعن أحمد رواية: القول قولها مع يمينها. • وقال بعضهم: يزوج أخرى مأمونة من بيت المال حتى ترى هل الرجل عنين، أم لا. والذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ القول في ذلك قول الرجل؛ لأنه مدعى عليه، وهو منكر، ولأن الأصل في عامة الرجال القدرة على ذلك؛ فمن ادعى على أحدهم خلاف ذلك فعليه البينة؛ فإن لم تكن بينة كما في مسألتنا فعليه اليمين، وللمرأة أن تتخلص منه بالفسخ والخلع؛ فقد جعل الله لها من ذلك مخرجًا. (١)

стр. 4256

بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ ١٠١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ أُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. (١) ١٠١٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَنْظُرُ اللهُ إلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بِالوَقْفِ. (٢)

стр. 4257

المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم إتيان المرأة في دبرها . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٢٦): وَلَا يَحِلُّ وَطْءُ الزَّوْجَةِ فِي الدُّبُرِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: عَلِيٌّ (١)، وَعَبْدُ الله (٢)، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ (٣)، وَابْنُ عَبَّاسٍ (٤)، وَعَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو (٥)، وَأَبُو هُرَيْرَةَ (٦). وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ،

стр. 4258

وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَرُوِيَتْ إبَاحَتُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَنَافِعٍ، وَمَالِكٍ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَدْرَكْت أَحَدًا أَقْتَدِي بِهِ فِي دِينِي يَشُكُّ فِي أَنَّهُ حَلَالٌ. وَأَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. قال: وَاحْتَجَّ مَنْ أَحَلَّهُ بِقُولِ الله تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]، وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون:٦]، [المعارج:٣٠]. ثم ذكر الأدلة السابقة في تحريم ذلك. قلتُ: صحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه سُئل عن ذلك، فقال: تسألني عن الكفر. وصح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: محاش النساء حرام. وصحَّ عن أبي الدرداء أنه قال: وهل يفعل ذلك إلا كافر. وصحَّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: هي اللوطية الصُّغرى. وجاء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كفر. وفي إسناده: ليث بن أبي سليم. وصحَّ عن عمر ﵁ أنه قال: لا تأتوا النساء في أدبارهن. وصحَّ عن ابن عمر

стр. 4259

-﵄، أنه قال: أُفٍّ، أف، هل يفعل ذلك أحدٌ من المسلمين؟! وفي رواية: أيفعل ذلك مؤمن؟! وكل هذه الآثار ذكرها الحافظ ابن كثير في تفسير سورة البقرة عند الآية المذكورة. والذي نُقِلَ عن ابن عمر ﵄ في إباحة ذلك أخرجه البخاري (٤٥٢٧) أنه قال لنافع حين قرأ عليه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... ﴾ قال: تدري فيما أُنزلت؟ قال: لا. قال: يأتيها في. كذا في «البخاري» بحذف المجرور، وزاد إسحاق، وابن جرير وغيرهما: في أدبارهن. قال الحافظ ابن كثير ﵀: وقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك -قد تقدم ذكره- صريحًا، وأنه لا يُباح، ولا يحل كما سيأتي، وإن كان قد نُسِب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى الإمام مالك في كتاب «السر» وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك. ثم ذكر ﵀ أحاديث كثيرة، وآثارًا في تحريم ذلك، ثم ذكر أثر ابن عمر في تحريم ذلك. ثم قال: وهذا إسناد صحيح، ونصٌّ صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل؛ فهو مردود إلى هذا المحكم. ثم قال: وروى معمر بن عيسى، عن مالك أنَّ ذلك حرام، وقال أبو بكر بن

стр. 4260

زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حصن، حدثني إسرائيل بن روح، قال: سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: ما أنتم قومٌ عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع، لا تعدوا الفرج. قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون: إنك تقول ذلك؟! قال: يكذبون عليَّ، يكذبون عليَّ. اهـ قلتُ: إسرائيل بن روح لا يُدرى من هو كما في «لسان الميزان». قال ابن كثير ﵀: فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم قاطبة، وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعكرمة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر، والحسن وغيرهم من السلف، أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يُطلِق على فاعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء، وقد حُكِي في هذا شيء عن بعض الفقهاء من أهل المدينة حتى حَكَوه عن الإمام مالك، وفي صحته عنه نظر. انتهى المراد من «التفسير». قلتُ: أما الآية ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فالمقصود به أنه يجوز أن يأتيها في فرجها من أمامها وخلفها، ويبين ذلك حديث جابر في «صحيح مسلم» (١٤٣٥) في سبب نزولها أنَّ اليهود كانت تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها؛ كان الولد أحول، فنزلت الآية. والله عزوجل أباح إتيانها في موضع الولد، وهو المراد بالحرث، لا في الحش

стр. 4261

الذي هو موضع الأذى. قال ابن القيم ﵀ -بعد أن ذكر الأدلة في تحريم ذلك-: ومن ههنا نشأ الغلط على من نُقِل عنه الإباحة من السلف، والأئمة؛ فإنهم أباحوا أن يكون الدبر طريقًا إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدبر لا في الدبر، فاشتبه على السامع (من) بـ (في)، ولم يظن بينهما فرقًا، فهذا الذي أباحه السلف والأئمة؛ فغلط عليهم الغالط أقبح الغلط، وأفحشه. اهـ (١) مسألة [٢]: المباشرة بين الإليتين بغير إيلاج . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٢٨): ولا بأس بالتلذذ بين الإليتين من غير إيلاج؛ لأنَّ السنة إنما وردت بتحريم الدبر، فهو مخصوص بذلك، ولأنه حرم لأجل الأذى، وذلك مخصوص بالدبر؛ فاختص التحريم به. اهـ (٢)

стр. 4262

١٠١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهُ كَسَرْته، وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١) وَلِمُسْلِمٍ: «فَإِنِ اسْتَمْتَعْت بِهَا اسْتَمْتَعْت بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهَا كَسَرْتهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا». الحكم المستفاد من الحديث قوله: «فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ». قال النووي ﵀ (١٠/ ٥٧): وفيه دليل لما يقوله الفقهاء، أو بعضهم أنَّ حواء خُلِقَت من ضلع آدم، قال الله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١]، وبيَّن النبي ﷺ أنها خُلِقت من ضِلَع. اهـ قال الحافظ ﵀: فكان المعنى أنَّ النساء خُلِقن من أصل خلق، من شيء معوج، وهذا لا يخالف الحديث الماضي من تشبيه المرأة بالضلع، بل يُستفاد من هذا نكتة التشبيه، وأنها عوجاء مثله؛ لكون أصلها منه. اهـ قال النووي ﵀ (١٠/ ٥٧): وفي هذا الحديث ملاطفة النساء، والإحسان

стр. 4263

إليهن، والصبر على عوج أخلاقهن، واحتمال ضعف عقولهن، وكراهة طلاقهن بلا سبب، وأنه لا يطمع باستقامتها، والله أعلم. اهـ قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥١٨٦): وفي الحديث الندب إلى المداراة؛ لاستمالة النفوس، وتألف القلوب، وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهن، والصبر على عوجهن، وأنَّ من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها، ويستعين بها على معاشه، فكأنه قال: الاستمتاع بهن لا يتم إلا بالصبر عليهن. اهـ

стр. 4264

١٠١٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: «أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا يَعْنِي عِشَاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «إذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا». الحكم المستفاد من الحديث الطُّروق بالضم للمهملة، قال أهل اللغة: هو المجيء بالليل من سفر، أو من غيره على غفلة، ويقال لكل آت بالليل طارق، ولا يقال بالنهار إلا مجازًا، وسُمِّي الآتي بالليل طارقًا؛ لأنه يحتاج غالبًا إلى دق الباب. وقوله في الحديث: «إذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الغَيْبَةَ» تقييده بطول الغيبة، يشير إلى أنَّ علة النهي إنما توجد حينئذٍ، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والعلة في ذلك هي ما ذُكِر في الحديث «لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ»؛ فإنَّ الرجل قد يجد امرأته على غير أُهبة من التنظف، والتزين المطلوب من المرأة؛ فيكون ذلك سببًا لنفرته عنها، ويؤخذ من ذلك كراهة مباشرة المرأة في الحال التي تكون فيها غير متنظفة؛ لئلا يطلع منها على ما يكون سببًا لنفرته عنها. وذكر أهل العلم من العلل في النهي عن ذلك أن يكون الحامل له على ذلك تخونهم، والتماس عثرتهم، وجاء ذلك في رواية في «صحيح مسلم»، لكن قال

стр. 4265

سفيان: لا أدري هذا في الحديث أم لا؟ فالظاهر أنها زيادة مدرجة، فقد رواه شعبة عن شيخ سفيان بدون الزيادة. وعُلِمَ من الحديث أنَّ من أعلم أهله بقدومه لا يتناوله النهي، والله أعلم. (١)

стр. 4266

١٠١٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١) الحكم المستفاد من الحديث قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٤٣٧): وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَحْرِيم إِفْشَاء الرَّجُل مَا يَجْرِي بَيْنه وَبَيْن اِمْرَأَته مِنْ أُمُور الِاسْتِمْتَاع، وَوَصْف تَفَاصِيل ذَلِكَ، وَمَا يَجْرِي مِنْ الْمَرْأَة فِيهِ مِنْ قَوْل، أَوْ فِعْل وَنَحْوه. فَأَمَّا مُجَرَّد ذِكْر الْجِمَاع؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَائِدَة، وَلَا إِلَيْهِ حَاجَة فَمَكْرُوه؛ لِأَنَّهُ خِلَاف الْمُرُوءَة. وَقَدْ قَالَ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَلله وَالْيَوْم الْآخِر؛ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت» (٢)، وَإِنْ كَانَ إِلَيْهِ حَاجَة، أَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَائِدَة، بِأَنْ يُنْكِر عَلَيْهِ إِعْرَاضه عَنْهَا، أَوْ تَدَّعِي عَلَيْهِ الْعَجْز عَنْ الْجِمَاع أَوْ نَحْو ذَلِكَ؛ فَلَا كَرَاهَة فِي ذِكْره كَمَا قَالَ ﷺ : «إِنِّي لَأَفْعَلَهُ أَنَا وَهَذِهِ» (٣)، وَقَالَ ﷺ لِأَبِي طَلْحَة: «أَعْرَسْتُمْ اللَّيْلَة؟» (٤)، وَقَالَ لِجَابِرٍ: «الْكَيْس الْكَيْس» (٥)،

стр. 4267

وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ قلتُ: وقد جاء في تحريم ذلك حديث آخر وهو أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لعل رجلًا يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأةً تخبر بما فعلت مع زوجها» فأرم القوم، فقالت امرأة: يا رسول الله، إنهم ليفعلون، وإنهن ليفعلن، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فلا تفعلوا، فإنما ذلك مثل شيطان لقي شيطانة في طريقٍ فغشيها والناس ينظرون». أخرجه أحمد (٦/ ٤٥٦ - ٤٥٧) من حديث أسماء بنت يزيد، وفي إسناده: شهر ابن حوشب، فيه ضعفٌ، وحفص بن أبي حفص السراج، ترجمته في «تعجيل المنفعة»، وهو مجهول الحال. وله شاهد عند أحمد (١٠٩٧٧) من حديث أبي هريرة، والراوي عن أبي هريرة ﵁ مبهم. وله شاهد من حديث أبي سعيد، أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (١٤٥٠)، وفي إسناده شيخ البزار: روح بن حاتم أبو غسان، ترجمته في «الميزان» و «اللسان»، قال ابن معين: ليس بشيء. وقد حسَّن الإمام الألباني ﵀ هذا الحديث في «آداب الزفاف» بمجموع هذه الطرق، وهو كذلك، والله أعلم. (١)

стр. 4268

١٠١٨ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تُطْعِمُهَا إذَا أَكَلْت وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْت، وَلَا تَضْرِبِ الوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إلَّا فِي البَيْتِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَلَّقَ البُخَارِيُّ بَعْضَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: ضرب الزوجة إذا نشزت . قوله ﵊: «ولا تضرب الوجه»، فيه دلالة على جواز الضرب في غير الوجه، وذلك مقيد بما إذا نشزت؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:٣٤]. ويدل على جواز ضربهن في هذه الحال حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذباب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تضربوا إماء الله»، فجاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: يا رسول الله، ذئرن النساء على أزواجهن، فرخَّص في ضربهن، فجاء نساء يشكون أزواجهن، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليس أولئك بخياركم» أخرجه أبو داود (٢١٤٦)، وابن ماجه (١٩٨٥)، والحديث حسن لغيره.

стр. 4269

وكذلك يدل على جواز ذلك حديث جابر في «صحيح مسلم» (١٢١٨): «ولهن عليكم أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه؛ فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح»، وفي حديث عمرو بن الأحوص الجشمي، وهو حديث حسن: «واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هنَّ عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك؛ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة؛ فإن فعلن، فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن؛ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا» أخرجه الترمذي (١١٦٣) (٣٠٨٧) وغيره. ويُستفاد من هذين الحديثين أنه لا يجوز الضرب الشديد، وإنما هو ضرب تأديب خفيف، ومع جواز ذلك؛ فالأولى اجتناب ذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خياركم خياركم لنسائهم» أخرجه ابن ماجه (١٩٧٨)، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص بإسناد حسن، وقوله في الذي يضربون: «ليس أولئك بخياركم». وهل إباحة ضربها في حال النشوز مقيد بما إذا لم ينفع معها الموعظة والهجر؟ أم يجوز أن يضربها بدون أن يعظها ويهجرها؟ • فيه قولان لأهل العلم، وهما وجهان عند الحنابلة، والشافعية، وظاهر حديث جابر، وعمرو بن الأحوص، وإياس يدل على جواز ضربها مباشرة، والآية ظاهرها أن يبدأ بالموعظة، ثم الهجر، ثم الضرب؛ لأنه رتب على

стр. 4270

الأسهل، ثم الأشد فالأشد، وهو ظاهر اختيار ابن كثير، والقرطبي. (١) مسألة [٢]: قوله: «وَلا تُقَبِّحْ» . قال المغربي ﵀ في شرحه: أي لا تسمعها المكروه، ولا تشتمها بأن يقول (قبحك الله)، وما أشبهه من الكلام. اهـ (٣/ ٥٦٧). مسألة [٣]: هجران المرأة إذا آذت زوجها ؟ دلَّ حديث الباب على جواز هجر المرأة، وكذلك الآية: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ وهجر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نساءه شهرًا، اعتزل في مشربة له. والحصر في حديث معاوية «وَلَا تَهْجُرْ إلَّا فِي البَيْتِ» غير لازم، فقد هجر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في غير البيت. قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥٢٠٢): وَالْحَقّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال، فَرُبَّمَا كَانَ الْهِجْرَان فِي الْبُيُوت أَشَدّ مِنْ الْهِجْرَان فِي غَيْرهَا، وَبِالْعَكْسِ، بَلْ الْغَالِب أَنَّ الْهِجْرَان فِي غَيْر الْبُيُوت آلَم لِلنُّفُوسِ، وَخُصُوصًا النِّسَاء؛ لِضَعْفِ نُفُوسهنَّ، وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّفْسِير فِي الْمُرَاد بِالْهِجْرَانِ، فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ تَرْك الدُّخُول عَلَيْهِنَّ وَالْإِقَامَة عِنْدهنَّ عَلَى ظَاهِر الْآيَة، وَهُوَ مِنْ الْهِجْرَان، وَهُوَ الْبُعْد، وَظَاهِره أَنَّهُ لَا يُضَاجِعهَا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: يُضَاجِعهَا وَيُوَلِّيهَا ظَهْره. وَقِيلَ: يَمْتَنِع مِنْ جِمَاعهَا. وَقِيلَ: يُجَامِعهَا وَلَا يُكَلِّمهَا. وَقِيلَ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ مُشْتَقّ مِنْ الْهُجْر، بِضَمِّ الْهَاء، وَهُوَ الْكَلَام الْقَبِيح، أَيْ: أَغْلِظُوا لَهُنَّ فِي الْقَوْل. وَقِيلَ: مُشْتَقّ

стр. 4271

مِنْ الْهِجَار، وَهُوَ الْحَبْل الَّذِي يُشَدّ بِهِ الْبَعِير، يُقَال: هَجَرَ الْبَعِير، أَيْ: رَبَطَهُ، فَالْمَعْنَى: (أَوْثِقُوهُنَّ فِي الْبُيُوت، وَاضْرِبُوهُنَّ) قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَقَوَّاهُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ وَوَهَّاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ فَأَجَادَ. اهـ قلتُ: الصحيح أنه مشتق من الهجران، وظاهر الآية أنه يترك مضاجعتها، والله أعلم. ١٠١٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ قَالَ: كَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١) الحكم المستفاد من الحديث فيه إباحة إتيان الرجل لامرأته في قبلها من أي جانب شاء؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾، وموضع الولد هو قبلها، وعلى هذا عامة أهل العلم، وقد تقدم في بداية الباب الإشارة إلى ذلك.

стр. 4272

١٠٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتنَا، فَإِنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: قوله: «لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» . اتفقوا على عدم حمل النفي على العموم في أنواع الضرر. • ثم اختلفوا في المقصود: فقيل: المعنى: لم يسلط عليه، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]. وقيل: المراد: لا يطعنه في بطنه. واستبعده الحافظ؛ لمنابذته للحديث الصحيح، وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا الحديث. وقيل: المراد: لم يصرعه. وقيل: لم يضره في بدنه. وقيل: لا يفتنه عن دينه إلى الكفر. وقيل: لم يضره في مشاركة أبيه في جماع أمه.

стр. 4273

واستقرب الحافظ القول الأخير، وفيه نظر. والأظهر هو القول الأول، والذي قبل الأخير؛ فإنهما بمعنى واحد، والله أعلم. (١) فائدة الحديث: فيه استحباب التسمية، والإتيان بالدعاء المذكور عند إرادة الوقاع، والله أعلم.

стр. 4274

١٠٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، لَعَنَتْهَا المَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١) وَلِمُسْلِمٍ: «كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا». المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: امتناع المرأة من الفراش إذا دعاها زوجها . دلَّ حديثُ الباب على أنَّ ذلك محرم على الزوجة إن لم يكن لها عذر، بل دلَّ الحديث على أنَّ ذلك من كبائر الذنوب، وسواء كان ذلك ليلًا، أو نهارًا، ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٤/ ٢٢)، والترمذي (١١٦٠) من حديث طلق بن علي ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا دعا الرجل امرأته؛ فلتأته وإن كانت على التنور»، وهو حديث حسن. وأيضًا رواية مسلم التي أشار إليها الحافظ، ولفظها: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها». وعلى هذا فقوله في حديث الباب: «فَبَاتَ»، وقوله: «حتى تصبحَ» خرج مخرج الغالب، واختلف أهل العلم في المسألة الآتية، وهي:

стр. 4275

مسألة [٢]: طاعة الزوجة لزوجها في الخدمة ومصالح البيت . • جمهور العلماء على أنَّ ذلك ليس واجبًا عليها، وإنما هو مستحبٌّ، ومعروف، وإحسان؛ لأنَّ عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام، وبذل المنافع، والأحاديث وردت في توعد من عصت زوجها في الفراش لا في غيره، وهذا قول مالك، وأحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، والظاهرية. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى وجوب خدمتها لزوجها، وهو قول أبي ثور، وأبي بكر بن أبي شيبة، والجوزجاني، وأصبغ، ورُوي عن مالك، ورجح ذلك شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الإمام الألباني رحمة الله عليهم. واستدل القائلون بالوجوب بحديث: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» أخرجه الترمذي (١١٥٩)، عن أبي هريرة ﵁ بإسناد حسن، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وهذا هو المعروف عند من خاطبهم الله بكلامه. وأما ترفيه المرأة، وقيام الرجل بخدمة البيت وكنسه، والطحن، والعجن، والغسيل، والفرش؛ فَمِنَ الْمُنْكَرِ. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها؛ فهي القَوَّامَةُ عليه.
следующие страницы →