← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

مِنْ الْهِجَار، وَهُوَ الْحَبْل الَّذِي يُشَدّ بِهِ الْبَعِير، يُقَال: هَجَرَ الْبَعِير، أَيْ: رَبَطَهُ، فَالْمَعْنَى: (أَوْثِقُوهُنَّ فِي الْبُيُوت، وَاضْرِبُوهُنَّ) قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَقَوَّاهُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ وَوَهَّاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ فَأَجَادَ. اهـ قلتُ: الصحيح أنه مشتق من الهجران، وظاهر الآية أنه يترك مضاجعتها، والله أعلم. ١٠١٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ قَالَ: كَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١) الحكم المستفاد من الحديث فيه إباحة إتيان الرجل لامرأته في قبلها من أي جانب شاء؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾، وموضع الولد هو قبلها، وعلى هذا عامة أهل العلم، وقد تقدم في بداية الباب الإشارة إلى ذلك.

стр. 4272

١٠٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتنَا، فَإِنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: قوله: «لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» . اتفقوا على عدم حمل النفي على العموم في أنواع الضرر. • ثم اختلفوا في المقصود: فقيل: المعنى: لم يسلط عليه، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]. وقيل: المراد: لا يطعنه في بطنه. واستبعده الحافظ؛ لمنابذته للحديث الصحيح، وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا الحديث. وقيل: المراد: لم يصرعه. وقيل: لم يضره في بدنه. وقيل: لا يفتنه عن دينه إلى الكفر. وقيل: لم يضره في مشاركة أبيه في جماع أمه.

стр. 4273

واستقرب الحافظ القول الأخير، وفيه نظر. والأظهر هو القول الأول، والذي قبل الأخير؛ فإنهما بمعنى واحد، والله أعلم. (١) فائدة الحديث: فيه استحباب التسمية، والإتيان بالدعاء المذكور عند إرادة الوقاع، والله أعلم.

стр. 4274

١٠٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، لَعَنَتْهَا المَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١) وَلِمُسْلِمٍ: «كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا». المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: امتناع المرأة من الفراش إذا دعاها زوجها . دلَّ حديثُ الباب على أنَّ ذلك محرم على الزوجة إن لم يكن لها عذر، بل دلَّ الحديث على أنَّ ذلك من كبائر الذنوب، وسواء كان ذلك ليلًا، أو نهارًا، ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٤/ ٢٢)، والترمذي (١١٦٠) من حديث طلق بن علي ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا دعا الرجل امرأته؛ فلتأته وإن كانت على التنور»، وهو حديث حسن. وأيضًا رواية مسلم التي أشار إليها الحافظ، ولفظها: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها». وعلى هذا فقوله في حديث الباب: «فَبَاتَ»، وقوله: «حتى تصبحَ» خرج مخرج الغالب، واختلف أهل العلم في المسألة الآتية، وهي:

стр. 4275

مسألة [٢]: طاعة الزوجة لزوجها في الخدمة ومصالح البيت . • جمهور العلماء على أنَّ ذلك ليس واجبًا عليها، وإنما هو مستحبٌّ، ومعروف، وإحسان؛ لأنَّ عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام، وبذل المنافع، والأحاديث وردت في توعد من عصت زوجها في الفراش لا في غيره، وهذا قول مالك، وأحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، والظاهرية. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى وجوب خدمتها لزوجها، وهو قول أبي ثور، وأبي بكر بن أبي شيبة، والجوزجاني، وأصبغ، ورُوي عن مالك، ورجح ذلك شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الإمام الألباني رحمة الله عليهم. واستدل القائلون بالوجوب بحديث: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» أخرجه الترمذي (١١٥٩)، عن أبي هريرة ﵁ بإسناد حسن، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وهذا هو المعروف عند من خاطبهم الله بكلامه. وأما ترفيه المرأة، وقيام الرجل بخدمة البيت وكنسه، والطحن، والعجن، والغسيل، والفرش؛ فَمِنَ الْمُنْكَرِ. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها؛ فهي القَوَّامَةُ عليه.

стр. 4276

واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اتقوا الله في النساء، فإنما هن عوان عندكم» (١)، والعاني: الأسير، ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده. واستدلوا على ذلك أيضًا بحديث فاطمة أنها شكت إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما تلقى من الرَّحى، وسألته خادمًا، فعلمها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الاستعانة على ذلك بالذِّكْرِ،، ولم يقل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا خدمة عليها، وإنما هي عليك يا علي. ذكر أكثر الأدلة المتقدمة الحافظ ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد». وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٩٠): وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب، والخبز، والطحن، والطعام لمماليكه، وبهائمه، مثل علف دابته، ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تجب الخدمة. وهذا القول ضعيفٌ كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء. فان هذا ليس معاشرة له بالمعروف، بل الصاحب في السفر الذى هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على مصلحته؛ لم يكن قد عاشره بالمعروف. وقيل وهو الصواب: وجوب الخدمة؛ فإن الزوج سيدها في كتاب الله، وهي عانية عنده بسنة رسول الله ﷺ ، وعلى العاني والعبد الخدمة، ولأن ذلك هو المعروف، ثم مِنْ هؤلاء من قال: تجب الخدمة اليسيرة. ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف. وهذا هو الصواب؛ فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال، فخدمة البدوية

стр. 4277

ليست كخدمة القروية، وخدمة القويه ليست كخدمة الضعيفة. اهـ وهذا القول هو الصواب، وأما قولهم: إنَّ عقد النكاح اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام؛ فمردود بأنَّ الاستمتاع حاصل للمرأة أيضًا بزوجها، والمهر في مقابلة البضع؛ فكانت النفقة، والكسوة، والمسكن في مقابل الخدمة، والله أعلم. قال الإمام الألباني ﵀ في «آداب الزفاف» (ص ٢٩٠): هذا، وليس فيما سبق من وجوب خدمة المرأة لزوجها ما ينافي استحباب مشاركة الرجل لها في ذلك إذا وجد الفراغ والوقت، بل هذا من حسن المعاشرة بين الزوجين، ولذلك قالت السيدة عائشة ﵂: كان ﷺ يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري (١). اهـ (٢) مسألة [٣]: هل يجب على الرجل الوطء ؟ • مذهب الشافعي أنَّ الوطء لا يجب عليه، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه حق له، فلا يجب عليه كسائر حقوقه، وكأنَّ المراد عندهما: أنه لا يجب عليه إلا مرة يستقر بها الصداق. وقال القاضي أبو يعلى: لا يجب إلا أن يتركه للإضرار. • ومذهب أحمد، ومالك، والأكثر وجوبه؛ لأنه حق لها كما هو حق له، ولذلك ملكت الفسخ بالجب، والعنة، ووقت لمن آلى أربعة أشهر، ثم يفيء،

стр. 4278

أو يطلق. وهذا القول هو الصواب، واختلف أهل هذا القول في الضابط لوجوب الجماع، فقال ابن حزم: يجب عليه في كل طهر مرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وقال أحمد: أذهبُ إلى أربعة أشهر، كالإيلاء. واختار بعض الحنابلة أنه لا حدَّ فيه، فيرجع فيه إلى العُرف، والعُرف أن يطأها بقدر حاجتها وطاقته، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]. قال شيخ الإسلام ﵀: والصحيح الذي تدل عليه أكثر نصوص أحمد، وعليه أكثر السلف أنَّ ما يوجبه العقد لكل واحد من الزوجين على الآخر كالنفقة، والاستمتاع، والمبيت للمرأة، وكالاستمتاع للزوج ليس بمقدر، بل المرجع في ذلك إلى العرف. قال: فإذا تنازع الزوجان فيه؛ فرض الحاكم ذلك باجتهاده، كما فرضت الصحابة مقدار الوطء للزوج بمرات معدودة، ومن قدر من أصحاب أحمد الوطء المستحق، فهو كتقدير الشافعي النفقة؛ إذ كلاهما تحتاجه المرأة، ويوجبه العقد، وتقدير ذلك ضعيف عند عامة الفقهاء. اهـ قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: أما القول بأنه لا يجب عليه، فقال ابن القيم ﵀:

стр. 4279

إنه من أضعف الأقوال؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]. وأما قول ابن حزم: إنه يجب في كل طُهر مرة. فليس بصحيح؛ لأنَّ الأمر في الآية ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ إنما هو للإباحة؛ إذ كان محرمًا عليه إتيانها أثناء الحيض، والله أعلم. والقول بتوقيته أربعة أشهر ليس بضعيف. لكن قال ابن القيم ﵀: وهذا القول وإن كان أقرب من الذي قبله؛ فليس أيضًا بصحيح؛ فإنه غير المعروف الذي لها وعليها، وأما جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر؛ فنظرًا منه للأزواج؛ فإنَّ الرجل قد يحتاج إلى ترك وطء امرأته مدةً لعارضٍ من سفرٍ، أو تأديبٍ، أو راحة نفس، أو اشتغال بمهم، فجعل الله له أجلًا أربعة أشهر، ولا يلزم من ذلك أن يكون الوطء مؤقتًا بأربعة أشهر مرة. اهـ قلتُ: وما رجحه شيخ الإسلام، وابن القيم هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: هل يؤجر الرجل إذا جامع امرأته، وليس له شهوة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٤١): وَسُئِلَ أَحْمَدُ: يُؤْجَرُ الرَّجُلُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ وَلَيْسَ لَهُ شَهْوَةٌ؟ فَقَالَ: إي وَاَلله، يَحْتَسِبُ الْوَلَدَ، وَإِنْ لَمْ يُرْدِ الْوَلَدَ؟

стр. 4280

يَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ، لِمَ لَا يُؤْجَرُ؟ وَهَذَا صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ أَبَا ذَرٍّ رَوَى أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مُبَاضَعَتُك أَهْلَك صَدَقَةٌ»، قُلْت: يَا رَسُولَ الله، أَنُصِيبُ شَهْوَتَنَا وَنُؤْجَرُ؟ قَالَ: «أَرَأَيْت لَوْ وَضَعَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟» قَالَ: قُلْت: بَلَى. قَالَ: «أَفَتَحْتَسِبُونَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَا تَحْتَسِبُونَ بِالْخَيْرِ» (١)، وَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْوَلَدِ، وَإِعْفَافِ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ، وَغَضِّ بَصَرِهِ، وَسُكُونِ نَفْسِهِ، أَوْ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ. اهـ

стр. 4281

١٠٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الوَاصِلَةَ، وَالمُسْتَوْصِلَة، وَالوَاشِمَةَ، وَالمُسْتَوْشِمَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: معنى وصل الشعر وحكمه . أما الوصل: فهي الزيادة في الشعر بشعر آخر، أو بغير شعر عند جماعة من الفقهاء. والواصلة: هي التي تصل الشعر لنفسها، أو لغيرها. والمستوصلة: هي التي تطلب فعل ذلك، أو يفعل بها برضاها. قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥٩٣٢) في شرح حديث معاوية أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنما هلكت بنو إسرائل حين اتخذ هذه نساؤهم». قال: وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِلْجُمْهُورِ فِي مَنْع وَصْل الشَّعْر بِشَيْءٍ آخَر، سَوَاء كَانَ شَعْرًا أَمْ لَا، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث جَابِر: زَجْر رَسُول الله ﷺ أَنْ تَصِل الْمَرْأَة بِشَعْرِهَا شَيْئًا. أَخْرَجَهُ مُسْلِم. (٢) وَذَهَبَ اللَّيْث، وَنَقَلَهُ أَبُو عُبَيْدَة عَنْ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء أَنَّ الْمُمْتَنِع مِنْ ذَلِكَ وَصْل الشَّعْر بِالشَّعْرِ، وَأَمَّا إِذَا وَصَلَتْ شَعْرهَا بِغَيْرِ الشَّعْر مِنْ خِرْقَة وَغَيْرهَا؛ فَلَا

стр. 4282

يَدْخُل فِي النَّهْي، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح (١) عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ: لَا بَأْس بِالْقَرَامِل. وَبِهِ قَالَ أَحْمَد، وَالْقَرَامِل: جَمْع قَرْمَل، بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: نَبَات طَوِيل الْفُرُوع لَيِّن، وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا خُيُوط مِنْ حَرِير، أَوْ صُوف يُعْمَل ضَفَائِر تَصِل بِهِ الْمَرْأَة شَعْرهَا. وَفَصَّلَ بَعْضهمْ بَيْن مَا إِذَا كَانَ مَا وَصَلَ بِهِ الشَّعْر مِنْ غَيْر الشَّعْر مَسْتُورًا بَعْد عَقْده مَعَ الشَّعْر، بِحَيْثُ يُظَنّ أَنَّهُ مِنْ الشَّعْر، وَبَيْن مَا إِذَا كَانَ ظَاهِرًا، فَمَنَعَ قَوْم الْأَوَّل فَقَطْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيس، وَهُوَ قَوِيّ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ الْوَصْل مُطْلَقًا، سَوَاء كَانَ بِشَعْرٍ آخَر، أَوْ بِغَيْرِ شَعْر إِذَا كَانَ بِعِلْمِ الزَّوْج وَبِإِذْنِهِ، وَأَحَادِيث الْبَاب حُجَّة عَلَيْهِ. اهـ مسألة [٢]: معنى الوشم وحكمه . الوَشم: بفتح الواو، وسكون المعجمة، هو أن يغرز في العضو إبرة، أو غيرها، حتى يسيل الدم، ثم يحشي بنورة، أو غيرها، فيخضر، وقد يكون في اليد وغيرها من الجسد، وقد يفعل ذلك نقشًا، وقد يجعل دوائر، وقد يكتب اسم المحبوب، أو يجعل صورة خيل، أو شمس، ونحو ذلك. وهذا مُحَرَّمٌ؛ للعن الوارد فيه كما في حديث الباب، وقد جاء اللعن أيضًا في «الصحيحين» (٢) عن ابن مسعود. (٣)

стр. 4283

مسألة [٣]: معنى النَّمص وحكمه . جاء في «الصحيحين» عن ابن مسعود أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: لعن النامصات والمتنمصات. النماص: إزالة شعر الحاجبين؛ لترفيعهما، أو تسويتهما، والنامصة: هي التي تفعله، والمتنمصة هي التي يفعل بها ذلك. وقد ذهب بعضهم إلى أنَّ النهي للتنزيه. قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥٩٣٧): وفي هذه الأحاديث حجة لمن قال: يحرم الوصل في الشعر، والوشم، والنمص على الفاعل والمفعول به، وهي حجة على من حمل النهي فيه على التنزيه؛ لأنَّ دلالة اللعن على التحريم من أقوى الدلالات، بل عند بعضهم أنه من علامات الكبيرة. اهـ مسألة [٤]: معنى التفلج وحكمه . جاء في «الصحيحين» عن ابن مسعود ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعن المتفلجات للحسن، والمغيرات خلق الله. المتفلجة: هي التي تطلب الفلج، أو تصنعه، والفلج هو انفراج ما بين الثنيتين والتفلج أن يفرج ما بين المتلاصقين بالمبرد ونحوه، وهو مختص عادة بالثنايا، والرباعيات، ويستحسن من المرأة، فربما صنعته المرأة التي تكون أسنانها متلاصقة؛ لتصير متفلجة، وقد تفعله الكبيرة توهم أنها صغيرة، ويسمى تحديد الأسنان: الوشر، وقد ثبت النهي عنه أيضًا في بعض طرق حديث ابن مسعود ﵁. (١)

стр. 4284

١٠٢٣ - وَعَنْ جُدَامَةَ (١) بِنْتِ وَهْبٍ ﵂ قَالَتْ: حَضَرْت رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الغِيلَةِ (٢) فَنَظَرْت فِي الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْلَادَهُمْ شَيْئًا». ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ العَزْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ذَلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣) ١٠٢٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ اليَهُودَ تَحَدَّثُ: أَنَّ العَزْلَ المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، قَالَ: «كَذَبَتِ اليَهُودُ، لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْت أَنْ تَصْرِفَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ،، وَالنَّسَائِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (٤)

стр. 4285

١٠٢٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ القُرْآنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) وَلِمُسْلِمٍ: فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنَا. المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: معنى الغيلة . قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٤٤٢): قَالَ أَهْل اللُّغَة: (الْغِيلَة) هُنَا بِكَسْرِ الْغَيْن، وَيُقَال لَهَا: الْغَيْل بِفَتْحِ الْغَيْن مَعَ حَذْف الْهَاء، و (الْغِيَال) بِكَسْرِ الْغَيْن. قال: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْغِيلَةِ فِي هَذَا الْحَدِيث، وَهِيَ الْغَيْل، فَقَالَ مَالِك فِي «الْمُوَطَّأ»، وَالْأَصْمَعِيّ، وَغَيْره مِنْ أَهْل اللُّغَة: أَنْ يُجَامِع اِمْرَأَته وَهِيَ مُرْضِع، يُقَال مِنْهُ: أَغَالَ الرَّجُل وَأَغْيَلَ، إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت: هُوَ أَنْ تُرْضِع الْمَرْأَة وَهِيَ حَامِل، يُقَال مِنْهُ: غَالَتْ وَأَغْيَلَت. قَالَ الْعُلَمَاء: سَبَب هَمّه ﷺ بِالنَّهْيِ عَنْهَا أَنَّهُ يَخَاف مِنْهُ ضَرَر الْوَلَد الرَّضِيع. قَالُوا: وَالْأَطِبَّاء يَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ اللَّبَن دَاء، وَالْعَرَب تَكْرَههُ وَتَتَّقِيه. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْغِيلَة؛ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا، وَبَيَّنَ سَبَب تَرْك النَّهْي. اهـ

стр. 4286

مسألة [٢]: إشكال بين الحديثين الأولين: • اختلف أهل العلم في توجيه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ذَلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ» يعني العزل، وتكذيبه لليهود في تسميته: المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى. فمنهم من ضعَّف حديث أبي سعيد. ومنهم من ضعَّف حديث جدامة بأنه معارض بما هو أكثر طرقًا منه. ومنهم من ادَّعى أنَّ حديث جدامة منسوخ. ومنهم من رجَّح حديث جدامة بثبوته في «الصحيح». ومنهم من قال: قولهم (المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى) يقتضي أنه وأدٌ ظاهر، لكنه صغير بالنسبة إلى دفن المولود بعد وضعه حيًّا، فلا يُعارض قوله: «الوَأْدُ الخَفِيُّ»؛ فإنه يدل على أنه ليس في حكم الظاهر، فلا يترتب عليه حكم، وإنما جعله وَأْدًا من جهة اشتراكهما في قطع الولادة. وقال ابن القيم ﵀: الَّذِي كَذَبَتْ فِيهِ الْيَهُود زَعْمهمْ أَنَّ الْعَزْل لَا يُتَصَوَّر مَعَهُ الْحَمْل أَصْلًا، وَجَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ قَطْع النَّسْل بِالْوَأْدِ، فَأَكْذَبهمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَمْنَع الْحَمْل إِذَا شَاءَ اللهُ خَلَقَهُ، وَإِذَا لَمْ يُرِدْ خَلْقه؛ لَمْ يَكُنْ وَأْدًا حَقِيقَة، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ وَأْدًا خَفِيًّا فِي حَدِيث جُدَامَة؛ لِأَنَّ الرَّجُل إِنَّمَا يَعْزِل هَرَبًا مِنْ الْحَمْل، فَأَجْرَى قَصْده لِذَلِكَ مَجْرَى الْوَأْد، لَكِنَّ الْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الْوَأْد ظَاهِر بِالْمُبَاشَرَةِ اِجْتَمَعَ فِيهِ الْقَصْد

стр. 4287

وَالْفِعْل، وَالْعَزْل يَتَعَلَّق بِالْقَصْدِ صَرْفًا؛ فَلِذَلِكَ وَصْفه بِكَوْنِهِ خَفِيًّا. اهـ (١) مسألة [٣]: حكم العزل . العزل: هو أن يُجامع الرجل زوجته، أو أمته، فإذا قارب الإنزال نزع، وأنزل خارج الفرج. • وقد كرهه أهل العلم، وثبت ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر ﵃؛ للأحاديث الواردة في كراهته منها: حديث أبي سعيد الخدري في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُئل عن العزل؟ فقال: «وَلِمَ يفعل ذلك أحدكم؛ فإنه ليس من نفسٍ مخلوقة إلا الله خالقها» (٢)، ولحديث جدامة، وأبي سعيد الَّلذَينِ في الباب. ومع كراهته فقد أجازه أهل العلم، ورخَّصوا فيه، واستدلوا على ذلك بحديث جابر الذي في الباب، وبحديث أبي سعيد أيضًا الذي في الباب؛ ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ولم يفعل ذلك أحدكم»، ولم يقل: لا يفعل ذلك أحدكم. ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استأذنه رجلٌ في العزل عن جاريته فقال له: «اعزل عنها إن شئت؛ فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها»، ثم إنها حملت، فقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «قد قلت لك إنه سيأتيها ما قدر لها» أخرجه مسلم برقم (١٤٣٩). • وأجازه بعض أهل العلم بلا كراهة إذا كان لذلك حاجة، كأن تكون زوجته

стр. 4288

أمةً فيخشى على ولده من الرِّق، والله أعلم. وقد ثبت فعله عن علي، وسعد، وزيد، وابن عباس وخباب بن الأرت ﵃. • وقد ذهب ابن حَزْم إلى عدم جواز العزل مطلقًا؛ لحديث جدامة، وتقدم الجواب عنه، والصحيح أنَّ العزل جائزٌ مع الكراهة، إلا أنْ تدعو الحاجة إليه؛ فلا يُكره، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: هل يجوز له العزل عن زوجته بغير إذنها ؟ • أما إن كانت زوجته حُرَّة فأكثر العلماء على اعتبار إذنها، ولا يجوز عندهم أن يعزل عنها إلا بإذنها؛ لما روى أحمد (١/ ٣١)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها. وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: ابن لهيعة، وهو ضعيف. وقالوا: للحرة حق في الولد، وعليها ضرر في العزل، ونقص في الاستمتاع، وقد نقل ابن عبد البر عدم الخلاف على هذا القول، وليس بصحيح. • فقد وجد في ذلك خلاف، فقد قال جماعةٌ من الحنابلة، والشافعية بجواز العزل بغير إذنها، قالوا: لأنَّ حقها في الوطء دون الإنزال؛ بدليل أنه يخرج به من الفيئة، والعنة، وهذا القول أقرب فيما يظهر، والله أعلم. (٢)

стр. 4289

• وأما إن كانت زوجته أمة؛ فله أن يعزل بغير إذنها عند الجمهور، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد. • وقال أبو يوسف، ومحمد، وأحمد في رواية: يُعتبر إذنها؛ لأنَّ لها حقًا في الاستمتاع، والعزل يمنع كمالَه. والصحيح هو قول الجمهور، وقد استدل بعضهم بالحديث المتقدم، وهو ضعيف، ويُغني عنه الأحاديث المتقدمة في جواز العزل مع وجود الحاجة أيضًا، وهو خوفه من استرقاق ولده. • واختلف الجمهور هل يُشترط إذن السيد له في ذلك، فاشترطه المالكية، والحنابلة، وأبو حنيفة؛ لأنَّ للسيد حق في الولد. • ومذهب الشافعية، وأحمد في رواية عدم اشتراط ذلك؛ لأنَّ العزل لا يمنع الحمل، وهو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٥]: هل له أن يعزل عن أمته ؟ • عامَّة أهل العلم على أن للسيد أن يعزل عن أمته بغير إذنها؛ لأنَّ حقها من الوطء أقل من حق الزوجة، ولذلك لا تملك المطالبة بالقسم، ولا الفيئة، ويدل على ذلك حديث جابر ﵁: «اعزل عنها إن شئت؛ فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها» رواه مسلم (١٤٣٩)، وحديث أبي سعيد الذي في الكتاب.

стр. 4290

• وذهب ابن حزم إلى عدم جواز ذلك، وهو وجهٌ ضعيف للشافعية؛ لعموم حديث جدامة. والصحيح قول الجمهور، وتقدم توجيه حديث جدامة، وهو حمله على الكراهة؛ جمعًا بينه وبين الأدلة الأخرى. (١) مسألة [٦]: إن كان يعزل عن زوجته، أو أمته فحملت، فهل يلحقه النسب ؟ ذكر أهل العلم أنه يلحقه النسب؛ لأنَّ العزل لا يمنع الحمل كما في حديث جابر المتقدم، وحديث أبي سعيد الذي في الكتاب، والله أعلم. (٢) مسألة [٧]: تعمد إسقاط الجنين وهو نطفة . • عدَّه جماعةٌ من الفقهاء كالعزل، وقالوا: كما جاز العزل وهو صرف النطفة عن دخولها الرحم؛ فيجوز إخراجها بعد استقرارها في الرحم. وهو قول أكثر الشافعية، والحنابلة. • ومنع من ذلك بعضهم، وهو أقرب؛ لأنَّ العزل ليس فيه إسقاط شيء، إنما هو تسبب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع انعقاده بالعزل إذا أراد الله خلقه، وأما الإسقاط فهو أشد؛ لأنَّ الجنين إذا استقر في الرحم انعقد ولدًا. وبالغ بعض الفقهاء فأجازوا الإسقاط ما لم ينفخ فيه الروح.

стр. 4291

قال الحافظ ابن رجب ﵀: وقد رخَّص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها ما لم ينفخ فيه الروح، وجعلوه كالعزل، وهو قول ضعيف؛ لأنَّ الجنينَ ولدٌ انعقد، وربما تصور، وفي العزل لم يوجد ولد بالكلية، وإنما تسبب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع انعقاده بالعزل إذا أراد الله خلقه. قال: وقد صرَّح أصحابنا بأنه إذا صار الولد علقة؛ لم يجز للمرأة إسقاطه؛ لأنه ولدًا انعقد، بخلاف النطفة؛ فإنها لم تنعقد بعد، وقد لا تنعقد ولدًا. اهـ (١) مسألة [٨]: حكم الاستمناء . قال الإمام العمراني ﵀ في «البيان» (٩/ ٥٠٦): ويحرم الاستمناء، وهو إخراج الماء الدافق بيده، وبه قال أكثر أهل العلم، وقال ابن عباس: نكاح الأمة خير منه، وهو خير من الزنى. ورُوي أنَّ عمرو بن دينار رخَّص فيه عند الاضطرار، وخوف الهلكة، وبه قال أحمد ابن حنبل ﵀. دليلنا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ فمنها دليلان: أحدهما: أنه أباح الاستمتاع بالفرج بالزوجة، أو ملك اليمين، وهذا ليس بواحد منهما. والثاني: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٦/المعارج:٣٠]، والاستمناء وراء ذلك. قال: ولأنَّ فيه قطع النسل، والامتناع من التزويج. اهـ قلتُ: أثر ابن عباس أخرجه البيهقي (٧/ ١٩٩) وعبد الرزاق (٧/ ٣٩٠ -

стр. 4292

٣٩١)، وابن المنذر (٩/ ١٢٥) من طريق: أبي يحيى عن ابن عباس به، وأبو يحيى هو مِصدع الأعرج فيه ضعف، قال ابن حبان: يخالف الأثبات، ويروي المناكير، ولم يوثقه معتبر. وقد جاء عن ابن عمر ﵄ كما في «مصنف عبد الرزاق» (٧/ ٣٩٠)، و «الأوسط» لابن المنذر (٩/ ١٢٥) أنه قال في المستمني: هو نائك نفسه. وفي إسناده: عبد الله بن عثمان بن خثيم، وحديثه يحتمل التحسين. قلتُ: والصحيح هو القول بالتحريم؛ للآية المذكورة، ولحديث: «ومن لم يستطع؛ فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء»، وهو ترجيح ابن المنذر ﵀. ١٠٢٦ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. أَخْرَجَاهُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١) الحكم المستفاد من الحديث يستفاد من الحديث أنه يُشرع للرجل أن يطوف على نسائه بغسل واحد، وهذا محمول على ما إذا رضيت بذلك صاحبة النوبة، أو كان بعد انتهائه من القسم، أو عند قدومه من سفر، فجعل يومًا عامًّا لجميع نسائه لم يخص واحدة منهن. وأما ما يتعلق بالغسل، أو الوضوء بين الجِماعين فقد تقدم الكلام على ذلك في [كتاب الطهارة] تحت حديث (١١١).

стр. 4293

مَسَائِلُ مُلْحَقَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَابِ مسألة [١]: تسليم المرأة لزوجها إذا طلبها . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٢٢): إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِثْلُهَا يُوطَأُ، فَطَلَبَ تَسْلِيمَهَا إلَيْهِ؛ وَجَبَ ذَلِكَ، وَإِنْ عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ؛ لَزِمَهُ تَسَلُّمُهَا، وَوَجَبَتْ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ طَلَبَهَا، فَسَأَلْت الْإِنْظَارَ؛ أُنْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ تُصْلِحَ أَمَرَهَا فِيهَا، كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ جَرَتْ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا، حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ» (١)، فَمَنَعَ مِنْ الطُّرُوقِ، وَأَمَرَ بِإِمْهَالِهَا لِتُصْلِحَ أَمْرَهَا؛ مَعَ تَقَدُّمِ صُحْبَتِهِ لَهَا، فَهَاهُنَا أَوْلَى، ثُمَّ إنْ كَانَتْ حُرَّةً؛ وَجَبَ تَسْلِيمُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَهُ السَّفَرُ بِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَافِرُ بِنِسَائِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفَرًا مَخُوفًا، فَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً؛ لَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهَا إلَّا بِاللَّيْلِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ عُقِدَ عَلَى إحْدَى مَنْفَعَتَيْهَا، فَلَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا. اهـ (٢) مسألة [٢]: هل يجبر زوجته على الغسل من الحيض والنفاس والجنابة ؟ قال أهل العلم: له أن يجبر زوجته على الغسل من الحيض، والنفاس، سواء كانت مسلمة، أو ذمية؛ لأنه يمنع الاستمتاع الذي هو حق له، فملك إجبارها على

стр. 4294

إزالة ما يمنع حقه. وقال أبو حنيفة: ليس له إجبار الذمية. وأما الغسل من الجنابة؛ فإن كانت مسلمة فلا إشكال في أنَّ له أن يجبرها على ذلك؛ لوجوب الصلاة عليها. • وأما الذمية، فهل له إجبارها على ذلك فيه قولان: أحدهما: له إجبارها، وهو وجهٌ للحنابلة، ووجهٌ للشافعية؛ لأنَّ النفس تعاف من لا يغتسل من الجنابة. الثاني: ليس له إجبارها، وهو قول مالك، والثوري، ووجهٌ للحنابلة، والشافعية؛ لأنَّ الوطء لا يقف عليه؛ فإنه مباح بدونه، ولأن الغسل عبادة، ولا يصح من الذمية؛ فلا فائدة فيه. (١) مسألة [٣]: هل له أن يجبرها على قص الأظفار، وحلق شعر العانة، ونتف الإبط ؟ • فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنَّ له أن يجبرها على ذلك؛ لأنَّ إزالة هذه الأمور المذكورة من تمام الاستمتاع، وبقاؤها يمنع من ذلك. (٢) مسألة [٤]: هل له أن يمنعها من أكل ما له رائحة كريهة ؟ • فيه خلاف، والراجح أنَّ له منعها من ذلك إذا أحبَّ أن يعاشرها قبل زوال

стр. 4295

ذلك الريح، وأما إن كان الأكل في وقتٍ بعيد عن وقت المعاشرة يزول الريح قبل ذلك؛ فلا يمنعها. (١) مسألة [٥]: طاعة الزوج مقدمة على طاعة الوالدين . قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٦١): المرأة إذا تزوجت كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب، قال الله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤]. ثم ذكر أحاديث كثيرة في بيان حق الزوج على امرأته. ثم قال: والأحاديث في ذلك كثيرة عن النبي ﷺ ، وقال زيد بن ثابت: الزوج سيد في كتاب الله، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥] (٢)، وقال عمر بن الخطاب: النكاح رِقٌّ؛ فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته. (٣) وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنما هن عندكم عوان» (٤)، فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق، والأسير؛ فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها، أو أمها، أو غير أبويها باتفاق الأئمة، وإذا

стр. 4296

أراد الرجل أن ينتقل بها إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه، وحفظ حدود الله فيها، ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك؛ فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها؛ فإن الأبوين هما ظالمان، ليس لهما أن ينهياها عن طاعة مثل هذا الزوج، وليس لها أن تطيع أمها فيما تأمرها به من الاختلاع منه، أو مضاجرته حتى يطلقها، مثل أن تطالبه من النفقة، والكسوة، والصداق بما تطلبه ليطلقها؛ فلا يحل لها أن تطيع واحدًا من أبو يها في طلاقه إذا كان مُتَّقيًا لله فيها. انتهى المراد. (١)

стр. 4297

بَابُ الصَّدَاقِ ١٠٢٧ - عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ١٠٢٨ - وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْت: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢) ١٠٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَعْطِهَا شَيْئًا» قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، قَالَ: «فَأَيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ (٣)؟». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: الصداق . هو بفتح الصاد وكسرها، مأخوذٌ من الصِّدق؛ لإشعاره بصدق رغبة الزوج في

стр. 4298

الزوجة. ويقال له: صَدُقة بفتح الصاد، وضم الدال، وصُدْقة بضم الصاد، وسكون الدال، وهو اسم لما يعطيه الرجل للمرأة مقابل الزواج، واستحلال الفرج، وله ثمانية أسماء مجموعة في قول الشاعر: صداق ومهر نحلة وفريضة ... حباء وأجر ثم عقرُ علائق (١) مسألة [٢]: هل لأقله وأكثره حدٌّ ؟ أما أكثره؛ فلا حد له عند أهل العلم، ونُقِل إجماعًا، قال تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء:٢٠]. وأخرج ابن المنذر (٧٢٣٥) وغيره، أن عمر بن الخطاب ﵁ تزوج أم كلثوم بنت علي ﵂ بأربعين ألف درهم، وفي إسناده عبد الله بن زيد بن أسلم، وفيه ضعف. وأخرج برقم (٧٢٣٦) بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه أصدق صفية بنت أبي عبيد عشرة آلاف درهم. وأخرج برقم (٧٢٣٧) بإسناد صحيح عنه أنه كان يزوج بنات أخيه على عشرة آلاف درهم. وأخرج برقم (٢٧٣٩) بإسناد صحيح عن الحسن بن علي ﵄، أنه تزوج امرأة فأرسل إليها مائة جارية، مع كل جارية ألف درهم.

стр. 4299

وأخرج برقم (٧٢٤٠) من طريق ابن سيرين عن ابن عباس ﵄ أنه تزوج شميلة السلمية على عشرة آلاف درهم. وأخرج برقم (٧٢٤١) بإسناد صحيح عن أنس ﵁، أنه تزوج على عشرة آلاف درهم. • وأما أقله فاختلف فيه أهل العلم، فذهب أكثرهم إلى أنه لا حدَّ لأقله، وهو قول الحسن، وعطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود وغيرهم، واستدلوا على ذلك بحديث أنس في «الصحيحين» (١) أنَّ عبد الرحمن تزوج على وزن نواة من ذهب قُدِّرت بثلاثة دراهم، وقيل: خمسة دراهم، وبحديث سهل بن سعد: «التمس ولو خاتمًا من حديد»، ثم زوجه بما معه من القرآن، وتزوجت أم سليم أبا طلحة بإسلامه (٢)، وتزوج علي فاطمة بدرع. وقالوا: لم يأت نصٌّ في تحديد أقله، واستدل بعضهم بحديث عامر بن ربيعة، وجابر بن عبد الله الَّلذَين سيأتيان في الكتاب، وهما ضعيفان، وجاء في حديث جابر عند مسلم (١٤٠٥) (١٦): كُنَّا نستمتع على عهد رسول الله ﷺ بالقبضة من التمر، والدقيق. وهذا في نكاح المتعة قبل نسخه. • وقال مالك: أقله ثلاثة دراهم؛ لأنه حد قطع اليد.

стр. 4300

• وقال أبو حنيفة: أقله عشرة دراهم. لأنه حد قطع اليد في السرقة عنده، وله حديث ضعيفٌ سيأتي. • وقال ابن شبرمة: حده خمسة دراهم. • وقال النخعي: أربعون درهمًا. وعنه عشرون. • وعن سعيد بن جبير: خمسون درهمًا. والصحيح أنه لا حَدَّ لأقَلِّه، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني وغيرهم. (١) مسألة [٣]: ما هو المقدار المستحب عند القدرة واليسار ؟ قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٩٤): والمستحب في الصداق مع القدرة واليسار أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النبي ولا بناته، وكان ما بين أربعمائة إلى خمسمائة بالدراهم الخالصة نحوًا من تسعة عشر دينارًا، فهذه سنة رسول الله ﷺ مَنْ فعل ذلك؛ فقد استن بسنة رسول الله ﷺ في الصداق، قال أبو هريرة ﵁: كان صداقنا إذ كان فينا رسول الله ﷺ عشر أواق، وطبق بيديه، وذلك أربعمائة درهم. رواه الإمام أحمد في «مسنده»، وهذا لفظ أبي داود في «سننه» (٢)، وقال أبو سلمة: قلت لعائشة: كم كان صداق

стр. 4301

رسول الله ﷺ ؟ ثم ذكر حديث الباب. ثم قال: وقال عمر: ما أصدق رسول الله ﷺ امرأةً من نسائه ولا أُصْدِقَت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية. قال الترمذي حديث صحيح. (١) قال: فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله ﷺ اللواتي هُنَّ خير خلق الله في كل فضيلة، وَهُنَّ أفضل نساء العالمين في كل صفة؛ فهو جاهل أحمق، وكذلك صداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليسار، فأما الفقير ونحوه؛ فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة. اهـ مسألة [٤]: استحباب تخفيف الصداق . قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٩٢ - ١٩٤): السنة تخفيف الصداق، وأن لا يزيد على نساء النبي ﷺ وبناته، فقد روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «أن أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة» (٢)، وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «خيرهن أيسرهن صداقا» (٣)، وعن الحسن البصري قال: قال

стр. 4302

رسول الله ﷺ : «ألزموا النساء الرجال، ولا تغالوا في المهور»، وخطب عمر بن الخطاب الناس، فقال: ألا لا تغالوا في مهور النساء؛ فإنها لو كانت مَكْرُمَة في الدنيا، أو تقوى عند الله؛ كان أولاكم النبي ﷺ ، ما أصدق امرأة من نسائه، ولا أُصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية. قال الترمذي حديث صحيح. (١) ويكره للرجل أن يصدق المرأة صداقًا يضرُّ بِهِ إن نقده، ويعجز عن وفائه إن كان دينًا، قال أبو هريرة: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني تزوجت إمرأةً من الأنصار، فقال: «على كم تزوجتها؟» قال: على أربع أواق. فقال النبي ﷺ : «على أربع أواق، فكأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه»، قال: فبعث بعثًا إلى بني عبس، فبعث ذلك الرجل فيهم. رواه مسلم في «صحيحه» (٢)، والأوقية عندهم أربعون درهمًا، وهي مجموع الصداق ليس فيه مقدم ومؤخر، وعن أبي عمرو الأسلمي أنه ذكر أنه تزوج إمرأة فأتى النبي ﷺ يستعينه في صداقها، فقال: «كم أصدقت؟» قال: فقلت: مائتي درهم. فقال: «لو كنتم تغرفون الدراهم من أوديتكم ما زدتم» رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٣) وإذا أصدقها دينًا كثيرًا في ذمته، وهو ينوي أن لا يعطيها

стр. 4303

إياه؛ كان ذلك حرامًا. قال: وما يفعله بعض أهل الجفاء، والخيلاء، والرياء من تكثير المهر للرياء والفخر، وهم لا يقصدون أخذه من الزوج، وهو ينوي أن لا يعطيهم إياه؛ فهذا منكرٌ، قبيحٌ مخالفٌ للسنة، خارجٌ عن الشريعة. قال: وإن قصد الزوج أن يؤديه، وهو في الغالب لا يطيقه؛ فقد حمَّل نفسه، وشغل ذمته، وتعرض لنقص حسناته، وارتهانه بالدين، وأهل المرأة قد آذوا صهرهم وضروه. اهـ (١) مسألة [٥]: هل يصح أن يكون الصداق منفعة ؟ الصداق يصح بالمال بلا خلاف؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء:٢٤]، وهل يكون بالمنافع، كالبناء، والخياطة، والحراثة، والرعي، والتعليم وغيرها؟. • أجازه الجمهور، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد. • وقال أبو حنيفة: منافع الحر لا تكون صداقًا؛ لأنها ليست مالًا. وأجاب الجمهور عليه بأنها كما يجوز العوض عنها في الإجارة؛ فجازت صداقًا كمنفعة العبد، وقولهم: (ليست مالًا) ممنوع؛ فإنها تجوز المعاوضة عنها وبها، ثم إن لم تكن مالًا؛ فقد أُجريت مجرى المال في هذا، فكذلك النكاح.

стр. 4304

واستدلوا على الجواز بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧]. وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم، ويُعتبر فيه أن تكون المنفعة معلومة المقدار. (١) مسألة [٦]: تزوجها على أن يحج بها ؟ • مذهب أحمد، والشافعي عدم صحة المهر المسمى، ولها صداق مثلها، ولها قبل الدخول المتعة؛ لأنَّ الحملان مجهول. • ومذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي -وهو قول النخعي- الجواز والصحة، ولا جهالة في ذلك؛ لأنه معلوم عُرفًا، والتفاوت يسير في ذلك، والله أعلم، وهذا أقرب، وإن طلقها قبل الدخول بها؛ فإن مالكًا، والأوزاعي، وأبا عبيد يقولون: عليه نصف قيمة الحملان. وقال الأوزاعي وأبو عبيد: وعليه النفقة والكسوة. يعنيان للحج. (٢) مسألة [٧]: تزوجها على أن يعلمها من القرآن ؟ • مذهب الشافعي، وأحمد، والبخاري الجواز، واستدلوا على ذلك بحديث سهل بن سعد في قصة الواهبة، قال: «زوجتكها بما معك من القرآن».

стр. 4305

قالوا: والمقصود تعليمها كما جاء في «صحيح مسلم» في رواية: فعلمها من القرآن. وهذه الزيادة ذكرها زائدة بن قدامة. وقد روى الحديث جمعٌ عن أبي حازم بدون هذه الزيادة، وهم ما يقارب العشرة كما في «المسند الجامع» (٧/ ٢٨١)، ومنهم: مالك، والسفيانان، ومعمر، وحماد، وعبدالعزيز بن أبي حازم وآخرون، ففي ثبوت هذه الزيادة نظر. قالوا: وقد جاء في حديث أبي هريرة: «قم فعلمها عشرين آية»، وفي إسناده: عسل بن سفيان، وهو ضعيف أيضًا، وقد تقدم. قالوا: وإذا لم يكن المقصود هو التعليم؛ كان تزويجًا لصلاح الرجل، ولكونه حافظًا، ولا منفعة للمرأة من ذلك؛ فتكون كالموهوبة، وقد قال تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]. • وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى المنع من ذلك، وهو قول مالك، والليث، وأبي حنيفة، وإسحاق، وأحمد في رواية؛ لأنَّ الفروج تُستباح بالأموال، والقرآن لا يؤخذ عليه أجرة، ولأنَّ التعليم من المعلم والمتعلم مختلف، ولا يكاد ينضبط، فأشبه الشيء المجهول. وأجاب هؤلاء عن حديث سهل بن سعد بأنها خاصَّة بذلك الرجل، ولا دليل صحيحًا على الخصوصية. وقال بعضهم «زوجتكها بما معك من القرآن»، أي: لما معك من القرآن،

стр. 4306

والمهر يبقى في ذمته. وقال بعضهم: يحتمل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أصدق عنه. ولهم تأويلات أخرى كما في «الفتح» وغيره. والصحيح أنه يجوز أن يكون الصداق تعليمها القرآن؛ لأنها منفعة أحب إلى المرأة العاقلة الصالحة من المال، بل زاد بعض أهل العلم فقالوا: يجوز أن يزوج؛ لكونه عالمًا، ولكونه حافظًا للقرآن دون أن يشترط منه التعليم، ويكون مهر المرأة انتفاعها من علم هذا الرجل وأخلاقه. ومثل هذا الحديث عندهم ما صحَّ عند النسائي (٣٣٤٠) وغيره من حديث أنس ﵁ أنَّ أم سليم تزوجت أبا طلحة على إسلامه. قال ابن القيم ﵀ -بعد أن ذكر حديث أم سليم وحديث الواهبة-: وَتَضَمّنَ أَنّ المَرْأَةَ إذَا رَضِيَتْ بِعِلْمِ الزّوْجِ، وَحِفْظِهِ لِلْقُرْآنِ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ مَهْرِهَا؛ جَازَ ذَلِكَ، وَكَانَ مَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ انْتِفَاعِهَا بِالْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ هُوَ صَدَاقُهَا، كَمَا إذَا جَعَلَ السّيّدُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَكَانَ انْتِفَاعُهَا بِحُرّيّتِهَا وَمِلْكِهَا لِرَقَبَتِهَا هُوَ صَدَاقَهَا، وَهَذَا هُوَ الّذِي اخْتَارَتْهُ أُمّ سُلَيْمٍ مِنْ انْتِفَاعِهَا بِإِسْلَامِ أَبِي طَلْحَةَ، وَبَذْلِهَا نَفْسَهَا لَهُ إنْ أَسْلَمَ، وَهَذَا أَحَبّ إلَيْهَا مِنْ الْمَالِ الّذِي يَبْذُلُهُ الزّوْجُ؛ فَإِنّ الصّدَاقَ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ حَقًّا لِلْمَرْأَةِ تَنْتَفِعُ بِهِ، فَإِذَا رَضِيَتْ بِالْعِلْمِ، وَالدّينِ، وَإِسْلَامِ الزّوْجِ، وَقِرَاءَتِهِ لِلْقُرْآنِ؛ كَانَ هَذَا مِنْ أَفْضَلِ الْمُهُورِ، وَأَنْفَعِهَا، وَأَجَلّهَا.

стр. 4307

قال: وَلَيْسَ هَذَا مُسْتَوِيًا بَيْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ الْمَوْهُوبَةِ الّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ ﷺ ، وَهِيَ خَالِصَةٌ لَهُ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنّ تِلْكَ وَهَبَتْ نَفْسَهَا هِبَةً مُجَرّدَةً عَنْ وَلِيّ وَصَدَاقٍ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ فَإِنّهُ نِكَاحٌ بِوَلِيّ وَصَدَاقٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَالِيّ؛ فَإِنّ الْمَرْأَةَ جَعَلَتْهُ عِوَضًا عَنْ الْمَالِ؛ لِمَا يَرْجِعُ إلَيْهَا مِنْ نَفْعِهِ، وَلَمْ تَهَبْ نَفْسَهَا لِلزّوْجِ هِبَةً مُجَرّدَةً كَهِبَةِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا بِخِلَافِ الْمَوْهُوبَةِ الَّتِي خَصَّ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ ﷺ ، هَذَا مُقْتَضَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. اهـ (١) تنبيه: إذا تزوجها على تعليم القرآن، أو بعضه، فمن قال بجواز ذلك اشترط أن يعين المقدار الذي يعلمها، أو المدة التي يعلمها فيها. (٢) مسألة [٨]: هل يصح أن يتزوج أمته، ويجعل عتقها صداقها ؟ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٥٠٨٦) -بعد ذكره حديث أنس ﵁ الذي في أول الباب-: وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ مِنْ الْقُدَمَاء: سَعِيد بْن المُسَيِّب، وَإِبْرَاهِيم، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيّ، وَمِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار: الثَّوْرِيّ، وَأَبُو يُوسُف، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، قَالُوا: إِذَا أَعْتَقَ أَمَته عَلَى أَنْ يَجْعَل عِتْقهَا صَدَاقهَا؛ صَحَّ الْعَقْد، وَالْعِتْق، وَالْمَهْر عَلَى ظَاهِر الْحَدِيث. قال: وَأَجَابَ الْبَاقُونَ عَنْ ظَاهِر الْحَدِيث بِأَجْوِبَةٍ، أَقْرَبهَا إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيث: أَنَّهُ أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجهَا؛ فَوَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهَا قِيمَتهَا، وَكَانَتْ مَعْلُومَة فَتَزَوَّجَهَا بِهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ جَعَلَ نَفْس الْعِتْق مَهْرًا، وَلَكِنَّهُ مِنْ خَصَائِصه، وَمِمَّنْ جَزَمَ

стр. 4308

بِذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالَ آخَرُونَ: قَوْله: (أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا) مَعْنَاهُ: أَعْتَقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا لَمْ يَعْلَم أَنَّهُ سَاقَ لَهَا صَدَاقًا قَالَ: أَصْدَقهَا نَفْسهَا، أَيْ: لَمْ يُصْدِقهَا شَيْئًا فِيمَا أَعْلَم، وَلَمْ يَنْفِ أَصْل الصَّدَاق. وَقِيْلَ: قَالَ ذَلِكَ أَنَس بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَعْطَاهَا بِغَيْرِ عِلْمِهِ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَنْكِحهَا بِغَيْرِ مَهْر، فَلَزِمَهَا الْوَفَاء بِذَلِكَ، وَهَذَا خَاصّ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَقِيْلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعِتْق يَحِلّ مَحَلّ الصَّدَاق، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَدَاقًا، كَقَوْلِهِمْ (الْجُوع زَاد مَنْ لَا زَادَ لَهُ) قَالَهُ ابنُ الصَّلَاحِ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ فِي «الرَّوْضَة». واستقرب الحافظ هذا القول، فقال: وَهَذَا الْوَجُهُ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ، وَأَقَرَبِهَا إِلَى لَفْظِ الْحَدِيْثِ. انتهى بتصرف واختصار. وسبب تأويلهم للحديث أمران: أحدهما: أن عقدها على نفسها إما أن يقع قبل عتقها وهو محال؛ لتناقض الحكمين: الحرية والرق؛ فإن الحرية حكمها الاستقلال والرق ضده وإما بعد العتق؛ فيزول حكم الجبر عنها بالعتق، فيجوز أن لا ترضى، وحينئذٍ لا تنكح إلا برضاها. الثاني: إذا جُعِلَ العتق صداقًا، فإما أن يتقرر العتق حالة الرق وهذا محال؛ لتناقضهما أو حالة الحرية؛ فيلزم أسبقيته على العقد؛ فيلزم وجود العتق حالة فرض عدمه، وهو محال؛ لأنَّ الصداق لابد أن يتقدم تقرره على الزوج إما نصًّا، أو حكمًا؛ حتى تملك الزوجة طلبه. ذكر ذلك القرطبي.

стр. 4309

وأجاب الشوكاني ﵀ عن الأول: بأنَّ العقد يكون بعد العتق، فإذا وقع منها الامتناع؛ لزمها السعاية بقيمتها، ولا محذور في ذلك. وعن الثاني قال الحافظ ﵀: وتعقب ما ادعاه من الاستحالة بجواز تعليق الصداق على شرطٍ إذا وجد استحقته المرأة، كأن يقول: تزوجتك على ما سيستحق لي عند فلان، وهو كذا، فإذا حل المال الذي وقع العقد عليه؛ استحقته. اهـ قال الحافظ ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ١١٢ - ): وَتَزَوّجَ ﷺ صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ سَيّدِ بَنِي النّضِيرِ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ أَخِي مُوسَى؛ فَهِيَ ابْنَةُ نَبِيّ، وَزَوْجَةُ نَبِيّ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَكَانَتْ قَدْ صَارَتْ لَهُ مِنْ الصّفِيّ أَمَةً، فَأَعْتَقَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَصَارَ ذَلِكَ سُنّةً لِلْأَمَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَنْ يَعْتِقَ الرّجُلُ أَمَتَهُ، وَيَجْعَلُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا؛ فَتَصِيرُ زَوْجَتَهُ بِذَلِكَ، فَإِذَا قَالَ: أَعْتَقْت أَمَتِي وَجَعَلَتْ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. أَوْ قَالَ: جَعَلْت عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَهَا. صَحّ الْعِتْقُ وَالنّكَاحُ، وَصَارَتْ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ، وَلَا وَلِيّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. قال: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هَذَا خَاصّ بِالنّبِيّ ﷺ ، وَهُوَ مِمّا خَصّهُ اللهُ بِهِ فِي النّكَاحِ دُونَ الْأَمَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَئِمّةِ الثّلَاثَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَالصّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوّلُ؛ لِأَنّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ حَتّى يَقُومَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَاَللهُ سُبْحَانَهُ لَمّا خَصّهُ بِنِكَاحِ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ قَالَ فِيهَا: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْأَحْزَابُ:٥٠]، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا

стр. 4310

فِي الْمُعْتَقَةِ، وَلَا قَالَهُ رَسُولُ الله ﷺ لِيَقْطَعَ تَأَسّي الْأُمّةِ بِهِ فِي ذَلِكَ، فَاَلله سُبْحَانَهُ أَبَاحَ لَهُ نِكَاحَ امْرَأَةِ مَنْ تَبَنّاهُ؛ لِئَلّا يَكُونَ عَلَى الْأُمّةِ حَرَجٌ فِي نِكَاحِ أَزْوَاجِ مَنْ تَبَنّوْهُ، فَدَلّ عَلَى أَنّهُ إذَا نَكَحَ نِكَاحًا؛ فَلِأُمّتِهِ التّأَسّي بِهِ فِيهِ مَا لَمْ يَأْتِ عَنْ الله وَرَسُولِهِ نصٌّ بِالِاخْتِصَاصِ، وَقَطْعِ التّأَسّي، وَهَذَا ظَاهِرٌ. قال ﵀ (٣/ ٣٤٩): وَمِنْهَا: جَوَازُ عِتْقِ الرّجُلِ أَمَتَهُ، وَجَعْلِ عِتْقِهَا صَدَاقًا لَهَا، وَيَجْعَلُهَا زَوْجَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَلَا شُهُودٍ، وَلَا وَلِيّ غَيْرِهِ، وَلَا لَفْظِ إنْكَاحٍ، وَلَا تَزْوِيجٍ كَمَا فَعَلَ ﷺ بِصَفِيّةَ، وَلَمْ يَقِلْ قَطّ هَذَا خَاصّ بِي، وَلَا أَشَارَ إلَى ذَلِك؛ مَعَ عِلْمِهِ بِاقْتِدَاءِ أُمّتِهِ بَهْ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الصّحَابَةِ إنّ هَذَا لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، بَلْ رَوَوْا الْقِصّةَ وَنَقَلُوهَا إلَى الْأُمّةِ، وَلَمْ يَمْنَعُوهُمْ، وَلَا رَسُولُ الله ﷺ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ. ثم قال: وَالْقِيَاسُ الصّحِيحُ يَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ؛ فَإِنّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا، وَمَنْفَعَةَ وَطْئِهَا، وَخِدْمَتِهَا؛ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقّهُ مِنْ مِلْكِ الرّقَبَةِ وَيَسْتَبْقِيَ مِلْكَ المَنْفَعَةِ، أَوْ نَوْعًا مِنْهَا كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدِمَهُ مَا عَاشَ، فَإِذَا أَخْرَجَ المَالِكُ رَقَبَةَ مِلْكِهِ وَاسْتَثْنَى نَوْعًا مِنْ مَنْفَعَتِهِ؛ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْهُ فِي عَقْدِ النّكَاحِ. وَلمَّا كَانَتْ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ لَا تُسْتَبَاحُ إلّا بِعَقْدِ نِكَاحٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وَكَانَ إعْتَاقُهَا يُزِيلُ مِلْكَ الْيَمِينِ عَنْهَا؛ كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ اسْتِبَاحَةِ هَذِهِ المَنْفَعَةِ جَعْلُهَا زَوْجَةً وَسَيّدُهَا كَانَ يَلِي نِكَاحَهَا، وَبَيْعَهَا مِمَّنْ شَاءَ بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ مِنْهَا، وَلمَّا كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ عَقْدُ النّكَاحِ مَلَكَهُ؛ لِأَنّ بَقَاءَ مِلْكِهِ
следующие страницы →