قال ابن قدامة ﵀: وَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، أَوْ مَرَّ بِهِ فِي الْوَقْتِ، فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ، ثُمَّ عَدِمَ الْمَاءَ، يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ. اهـ
وهذان الوجهان عند الشافعية أيضًا، والصحيح أنه لا إعادة عليه، وعليه الإثم إذا فعل ذلك لغير غرض شرعي، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: لو وَهَبَ الماءَ بعد دخول الوقت .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣١٨): وَإِنْ وَهَبَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ، وَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَوْ تَيَمَّمَ مَعَ بَقَاءِ الْمَاءِ، لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ الْمَوْهُوبُ لَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَرَاقَهُ. اهـ
والذي رجَّحه ابن قدامة هو الأصح عند الشافعية فيما ذكره النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٣٠٨).
стр. 457
١٢٣ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْت، فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: «إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك هَكَذَا»، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: التيمم عن الحدث الأصغر .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٢٠٧): يجوز التيمم عن الحدث الأصغر بالكتاب، والسنة، والإجماع. اهـ
قلتُ: ووجه الدلالة على ذلك من حديث الباب أنه إن شرع التيمم لرفع الحدث الأكبر؛ كان ذلك تنبيهًا على شرعيته لرفع الحدث الأصغر؛ لأنه أخف، فهو أولى، والله أعلم.
مسألة [٢]: التيمم عن الحدث الأكبر .
• دلَّ حديثُ عمار الذي في هذا الباب على جواز التيمم من الحدث الأكبر،
стр. 458
ويؤيده الآية التي في المائدة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:٦].
وقد ذهب إلى ذلك كافة العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم؛ إلا عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وإبراهيم النخعي؛ فإنهم منعوه. (١)
والأثران عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود ثابتان في «الصحيحين». (٢)
وقد احتج عمار بن ياسر على عمر بن الخطاب بهذا الحديث، فلم يتذكره عمر، وقال لعمار: نولك ما توليت.
واحتج أبو موسى على عبد الله بن مسعود بالآية، والحديث عن عمار، فاحتج ابن مسعود بأن عمر لم يقنع بقول عمار، وأجاب عن الآية بقوله: لو رخص لهم؛ لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا.
والصحيح قول الجمهور، وبالله التوفيق.
مسألة [٣]: بمَ يسوغُ التيمم ؟
• في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنه لا يجوز إلا بالتراب، وهذا قول الشافعي، وأحمد، وابن المنذر، وداود.
وقال النووي ﵀ في «المجموع»: قال الأزهري، والقاضي أبو الطيب: هو
стр. 459
قول أكثر الفقهاء. واستدل هؤلاء بحديث حذيفة الذي تقدم: «وجُعِلت تربتها لنا طهورًا»، وبحديث علي ﵁: «وجعل التراب لي طهورًا»، فخَصَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه.
واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦]، وهذا يقتضي أن يمسح بماله غبار يعلق بعضه بالعضو؛ لأن (من) تبعيضية، ويدل على ذلك حديث عمار؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّمَهُ التيمم أن يضرب بيديه الأرض، وفي الحديث أنه نفضهما، وفي رواية: «نفخ فيهما».
القول الثاني: أنه يجوز بكل ما صَعُدَ على ظهر الأرض من تراب، أو رمل، أو حجر.
وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام، وابن القيم.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:٦]، والصعيد كل ما ظهر على وجه الأرض.
وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وجُعِلَت لِيَ الأرض مسجدًا، وطهورًا».
وجاء في حديث أبي أمامة ﵁: «حيثما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة، فعنده طهوره، ومسجده»، وفي إسناده: سيار الأموي، مجهول حال، والحديث عند أحمد (٥/ ٢٥٦)، وغيره.
стр. 460
قالوا: وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسافر في الأرض الرملية كما في غزوة تبوك، ولم ينقل أنه حُمِلَ معه ترابٌ، أو صلى بغير طهور.
وقالوا: حديث عمار يدل على عدم اشتراط التراب؛ لأنه نفضهما، ونفخ التراب، ولو كان يشترط لم يفعل ذلك، وأما الآية التي استدل بها الجمهور؛ فإنَّ (من) ليست للتبعيض، وإنما لابتداء الغاية، وقد رجَّح هذا القول الشيخ السعدي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما.
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول، وهو ترجيح النووي، والشيرازي، والخِرَقِي، وابن قدامة، وابن رجب الحنبلي، وابن عبدالبر، والشوكاني، وشمس الحق العظيم آبادي، ثم الشيخ يحيى الحجوري عافاه الله. (١)
وأما أدلتهم فهي عامة مخصوصة بأدلة الجمهور، كحديث حذيفة، وحديث علي ﵄.
وأما نفخ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للغبار؛ فإنما هو لتخفيفه، لا لإزالته؛ لأنه لا يزول بمجرد النفخ، أو النفض اليسير، كما هو ظاهرُ الحديث، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤]: إذا خالط الترابَ غيرُه من الطاهرات ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣٢٧): إذَا خَالَطَ التُّرَابُ مَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، كَالنُّورَةِ، وَالزِّرْنِيخِ، وَالْجِصِّ، فَقَالَ الْقَاضِي: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ إذَا
ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: يشترط في التراب أن يكون طاهرًا .
إذا كان التراب غير طاهر، فلا يجوز التيمم به؛ لأنَّ الله يقول: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والطيب هو الطاهر، وعلى ذلك عامة أهل العلم، كما في «المجموع شرح المهذب» (٢/ ٢١٦)، و «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٤٠)، و «المغني» (١/ ٣٣٤).
مسألة [٢]: حمل التراب في السفر .
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٢١): ولا يستحب حمل التراب معه للتيمم، قاله طائفة من العلماء. اهـ
وقال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٣٣٦): وقد استحب الثوري، وأحمد حمل الترابِ للمسافر، كما يستحب له حمل الماء للطهارة، ومن المتأخرين من أنكره، وقال: بدعة.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الظاهر -والله أعلم- أنه لا يستحب حمل التراب في السفر، ولكن إن كان يعلم أنه سيمر، أو سيبقى في مكانٍ ليس فيه تراب، ولا ماء، ولم يجد ماءً يحمله معه، فالظاهر أن حمله للتراب في هذه الحالة لا بأس به، والله أعلم.
стр. 463
مسألة [٣]: ترتيب أعضاء التيمم .
• قال الشيخ يحيى بن علي الحجوري حفظه الله في كتابه «أحكام التيمم» (ص ٨٨ وما بعدها): الأفضل أن يقدم مسح وجهه قبل كفيه، والعكس جائز، وذهب جمهور العلماء إلى وجوب الترتيب في التيمم، قال النووي ﵀ في «المجموع» (٢/ ٤٢٤): يجب الترتيب في التيمم للجنابة كما يجب للتيمم للحدث الأصغر فيمسح وجهه ثم يديه. اهـ
والراجح أن الترتيب ليس بواجب.
ثم استدل الشيخ -حفظه الله- بحديث: «ثم مسح بهما وجهه وكفيه»، وهي في «الصحيحين»، وفيهما رواية أخرى: «مسح كفيه ووجهه»، و (الواو) لا تفيد الترتيب، ولكن جاءت رواية: «أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح كفيه، ثم مسح وجهه» و (ثُمَّ) تفيد الترتيب.
ثم نقل الشيخ حفظه الله عن الصنعاني أنه قال في «سبل السلام» (١/ ١٥٥): ومن ذلك اختلافهم في الترتيب بين الوجه واليدين، وحديث عمار كما عرفت قاضي بأنه لا يجب، وإليه ذهب كل من قال: تكفي ضربة واحدة، وقالوا: والواو في الآية لا تنافي ذلك، وذهب من قال بالضربتين إلى أنه لابد من الترتيب بتقديم الوجه على الكفين، وتقديم اليمنى على اليسرى. اهـ
قال: وقال الحافظ ابن حجر ﵀ عندحديث عمار رقم (٣٤٧): وفيه أن الترتيب غير مشترط في التيمم.
стр. 464
قال الشيخ: وإنما قلنا إن تقديم الوجه على الكفين هو الأفضل لأمرين:
الأول: رواية تقديم مسح الوجه على الكفين أقوى من رواية تقديم مسح الكفين على الوجه، حتى قال الإمام أحمد ﵀ فيما نقل عنه ابن رجب في «فتح الباري» (٢/ ٩٠): رواية أبي معاوية عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلطٌ. كذا قال، وهي في «الصحيحين».
الثاني: أنه ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، فقدم الله تعالى مسح الوجه قبل الأيدي، وفي حديث جابر عند مسلم في صفة حج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أبدأ بما بدأ الله به». انتهى بتصرف يسير.
قلتُ: وما رجَّحه الشيخ حفظه الله هو الراجح -والله أعلم-، وهو قول في مذهب أحمد اختاره جماعة من أصحابه كما في «الإنصاف» (١/ ٢٧٤)، وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٢٣ - ٤٢٤، ٤٤٠)، وليس للقول بالوجوب مستند سوى الآية، وغاية ما تفيده هو الاستحباب كما تقدم، وبالله التوفيق.
مسألة [٤]: إذا وجد طينًا، ولم يجد ترابًا، ولا ماءً ؟
قال ابن قدامة ﵀: إذا كان في طينٍ لا يجد ترابًا، فَحُكِي عن ابن عباس أنه قال: يأخذ الطين، ويطلي به جسده، فإذا جفَّ تيمم به، وإن خاف فوات الوقت قبل جفافه، فهو كالعادم. انتهى المراد. «المغني» (١/ ٣٢٧).
стр. 465
قلتُ: ما ذُكِرَ عن ابن عباس، وقرره ابن قدامة هو الراجح، وأما الأثر عن ابن عباس، فلا يثبت، فقد أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٤٢)، وفي إسناده: النضر بن عبد الرحمن، وهو متروك، ومشايخ ابن المنذر مبهمون.
مسألة [٥]: إذا عدم التراب، والماء .
• ذهب الشافعي في قول، وأحمد، والمزني، ومالك في رواية، وسحنون، وابن المنذر إلى أنه يصلي على حسب حاله، ولا إعادة عليه.
• وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي -وهو قول للشافعي-: لا يصلي حتى يقدر على أحدهما، ثم يصلي.
• وجاء عن مالك رواية أنه قال: لا يصلي، ولا يقضي؛ لأنه عجز عن الطهارة، فلم تجب عليه الصلاة، لكن قال ابن عبد البر: هذه الرواية منكرة، وذكر عن أصحابه قولين، أحدهما كقول أبي حنيفة، والثاني: يصلي على حسب حاله، ويعيد. وهو قول آخر للشافعي، ورواية عن أحمد.
والراجح القول الأول الذي ذهب إليه أحمد في المشهور من مذهبه والشافعي في قول؛ لحديث عائشة ﵂ في «الصحيحين» (١): أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رجالًا في التماسها، فأدركتهم الصلاة، ولم يجدوا ماء، فصلوا على غير وضوء، فلما أصبحوا ذكروا ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فنزلت آية التيمم.
стр. 466
وقول الشافعي، وأحمد عزاه الحافظ في «الفتح» لجمهور المحدثين.
وقد رجح القول الأول الإمام ابن باز ﵀ في تعليقه على «الفتح»، والإمام العثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٣٢٨)، وهو الصحيح، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٦]: مشروعية النفخ، والنفض .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣٢٤): فإذا علا يديه ترابٌ كثير، لم يكره نفخه. وقال الإمام أحمد: لا يضره فعلَ، أم لم يفعلْ. اهـ
يعني نفض اليدين كما قال ابن المنذر، وبنحوه قال الشافعي في «الأم» (١/ ٥٠)، والنفخ والنفض فيهما إنما هو ليقلَّ الترابُ الذي حصل في كفيه؛ لأنَّ المقصود إنما هو التطهير، لا التغبير الموجب للتنفير.
وقد خَفِيَ حديث النفض على الإمام أبي بكر بن المنذر ﵀، فقال في «الأوسط» (٢/ ٥٥)، بعد أن ذكر حديث النفخ، ولم يذكر حديث النفض، قال: كما قال أحمد أقول غير أن النفخ أحب إليَّ؛ لأنَّ النبي ﷺ نفخ فيهما. اهـ
قلتُ: وأيضًا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد نفضهما كما تقدم في «الصحيحين»، فيشرع الأمران: النفخ فيهما، ونفضهما؛ لتقليل التراب الذي عليهما، هذا هو الصحيح، والله أعلم.
وقد صحَّ عن ابن عمر ﵄ أنه كان يتيمم، ولا ينفض، ولا ينفخ، أخرجه
стр. 467
عبدالرزاق (١/ ٢١١ - ) بإسناد صحيح.
وثبت عن عمار عند الدارقطني (٤/ ١٨٤)، أنه تيمم، ونفخ في يديه.
مسألة [٧]: تعميم المسح على الوجه، والكفين .
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٢/ ٥٠ - ٥١): وقد أجمع العلماء على أن مسح الوجه، واليدين بالتراب في التيمم فرض لابد منه في الجملة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦].
ولكن اختلفوا في قدر الفرض من ذلك، فأما الوجه، فمذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء: أنه يجب استيعاب بشرته بالمسح بالتراب، ومسح ظاهر الشعر الذي عليه، وسواء كان ذلك الشعر يجب إيصال الماء إلى ما تحته كالشعر الخفيف الذي يصف البشرة، أم لا، هذا هو الصحيح.
قال: وعن أبي حنيفة روايات، إحداها: كقول الشافعي، وأحمد، والثانية: إن ترك قدر درهم لا يجزئه، وإن ترك دونه أجزأه، والثالثة: إن ترك دون ربع الوجه أجزأه، وإلا فلا، والرابعة: إن مسح أكثره، وترك الأقل منه، أو من الذراع أجزأه، وإلا فلا، وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، وزفر، وحكى ابن المنذر، عن سليمان بن داود الهاشمي: أنَّ مسحَ التيممِ حكمُه حكم مسح الرأس في الوضوء، يجزئ فيه البعض.
قلتُ: وبقول سليمان الهاشمي قال محمد بن مسلمة المالكي، ويحيى بن
стр. 468
يحيى النيسابوري، والجوزجاني، كما في «الفتح» (٢/ ٥٢) لابن رجب، ونصره ابن حزم في «المحلَّى» (٢/ ١٥٧)، ورجحه الشيخ يحيى الحجوري في «أحكام التيمم» (ص ٩٢).
ودليلهم على ذلك أن قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ يشمل من مسح بعض وجهه.
والذي يظهر لي أن الراجح هو قول الجمهور؛ لأنَّ الآية قد بينها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بفعله مع قوله لعمار: «إنما يكفيك أن تقول هكذا».
فبَيَّنَ أن الصفة المذكورة هي الكافية، وأنَّ غيرها لا يكفي، وقد استوعب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المسح على وجهه، ويديه، وإذا مسح على سائر وجهه، لا يضره، إن لم يصل التراب إلى بعض أجزائه.
قال إسحاق بن راهويه: تمر بيديك على جميع الوجه، واللحية، أصاب ما أصاب، وأخطأ ما أخطأ.
وقد نصَّ على هذا أبو المعالي الجويني أيضًا كما في «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٥٢)، وهذا هو مذهب يحيى بن يحيى فيما يظهر؛ لأنه قال: لا يتعمد لترك شيء من ذلك؛ فإن بقي شيءٌ منه لم يعد.
ثم قال ابن رجب ﵀ (٢/ ٥٣): فأما اليدان، فأكثر العلماء على وجوب مسح الكفين، ظاهرهما، وباطنهما بالتراب، إلى الكوعين، وقد ذكرنا أن بعض العلماء لم
стр. 469
يوجب استيعاب ذلك بالمسح. اهـ
وما تقدم ترجيحه بالوجه هو الراجح أيضًا في اليدين، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: التخليل بين أصابع الكفين في التيمم .
• جاء عن بعض أهل العلم إيجاب التخليل.
ولكن قال الإمام ابن عثيمين ﵀: إثبات التَّخليل -ولو سُنَّة- فيه نَظَر؛ لأن الرَّسول ﷺ في حديث عمَّار لم يخلِّل أصابعَه؛ فإن قيل: ألا يدخل في عُموم حديث لَقيط بن صَبِرة ﵁: «أَسبغ الوُضُوء، وخلِّلْ بين الأصابِع، وبالِغْ في الاسْتِنْشاق»؟
أجيب بالمنْع؛ لأنَّ حديث لَقيط بن صَبِرَة في طَهارة الماء، ولهذا ففي النَّفس شيء من استحِباب التخليل في التَّيمُّم لأمرين:
أولاً: أنه لم يَرِدْ عن النَّبيِّ ﷺ .
وثانياً: أنَّ طهارة التَّيمُّم مبنيَّة على التَّيسير والسُّهولة، بخلاف الماء؛ ففي طهارة الماء في الجنابة يجب استيعاب كل البَدَنِ، وفي التَّيمُّم عُضوان فقط، وفي التَّيمُّم لا يجب استيعاب الوَجْه والكفَّين على الرَّاجِح، بل يُتَسامَح عن الشَّيء الذي لا يَصِل إليه المسْح إلا بمشقَّة كباطن الشَّعْر، فلا يجب إيصال التُّراب إليه، ولو كان خفيفاً؛ فيُمْسَح الظَّاهرُ فقط. اهـ (٢)
стр. 470
١٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى المِرْفَقَيْنِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: عدد ضربات التيمم، وحدُّه من اليد .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ التيمم ضربة واحدة للوجه، والكفين فقط، لا يتجاوز الكفين، وهو قول الشعبي، وعطاء، ويحيى بن أبي كثير، وقتادة، وعكرمة، ومكحول، والأوزاعي، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي خيثمة، وابن أبي شيبة، وداود، وهو قول عامة أهل الحديث، وهو اختيار البخاري، وابن المنذر.
• وذهب مالك، وأبو حنيفة، وهو قول الشافعي، والشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي، ومن الصحابة: علي بن أبي طالب (٢)، وابن عمر، وهو قول سالم
стр. 471
ابن عبدالله، والحسن البصري، ذهبوا إلى أنَّ التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، كما في «شرح صحيح مسلم» للنووي و «فتح الباري» لابن رجب وقد عزي هذا القول للجمهور.
واستدل أصحاب القول الأول بحديث عمار ﵁ الذي تقدم.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح»: ومما يقوي رواية «الصحيحين» في الاقتصار على الوجه، والكفين، كون عمار كان يُفتي بعد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذلك، وراوي الحديث أعرف به من غيره. اهـ
واستدل أصحاب القول الثاني بحديث ابن عمر ﵄ الذي في الباب، وقد تقدم أنه منكر، وبما رواه أبو داود (٣٢٨)، وغيره من حديث عمار بن ياسر ﵁: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين علَّمه التيمم، علَّمَه أن يمسح إلى المرفقين. وسنده ضعيفٌ، فيه رجل مبهم، قال قتادة: حدثني محدِّثٌ، عن الشعبي، عن عبدالرحمن بن أبزى، عن عمار.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: ولحديث عمار إسناد أحسن من هذا عند أبي داود (٣٢٤، ٣٢٥)، وفيه: «إلى المرفقين»، ورجال إسناده ثقات، ولكن سلمة بن كهيل شك فيه، فقال: لا أدري فيه: «إلى المرفقين، أو الكفين».
وقد أنكر ذلك عليه شعبة، ومنصور، وقد خالفه الثقات، فروايته شاذة ليست محفوظة، ومع ذلك فليس في حديث عمار إلا ذكر ضربة واحدة.
• وهناك قول ثالث: أنَّ التيمم ضربتان للوجه، واليدين إلى المنكبين، من أعلى
стр. 472
اليد، وإلى الآباط، من أسفلها، وهذا مروي عن الزهري، ثم حكي عنه إنكاره، وعدم القول به، وقال به محمد بن مسلمة من المالكية.
ولهم حديث ضعيفٌ من حديث عمار عند أبي داود (٣٢٠)، وفيه: فمسحوا بها وجوههم، وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.
وهو حديث مضطرب جدًّا، قد بيَّن اضطرابه أبوداود، وضعفه ابن حزم في «المحلى» (٢٥٠)، وأعله أبو حاتم، وأبو زرعة. (١)
وقال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٢/ ٥٦): وهذا الحديث منكرٌ جدًّا، لم يزل العلماء ينكرونه. انتهى.
• وهناك قول رابعٌ ذكره الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٣١٠)، عن سعيد بن المسيب، وابن سيرين، أنَّ صفة التيمم ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين، قال الشوكاني: لم أقف لهذا القول على دليل.
قال الشيخ يحيى حفظه الله: والأمر كما قال، أنه لا دليل على هذا القول، وينبغي أن ينظر في ثبوته إلى هذين الإمامين؛ فإنه قول بعيد، لا يليق بمثلهما. اهـ
والصحيح في هذه المسألة هو القول الأول.
وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي، والشيخ ابن باز، والشيخ العثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. (٢)
ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا التَّيَمُّمُ لِلْجَنَابَةِ؛ فَلَا يُبْطِلُهُ إلَّا رُؤْيَةُ الْمَاءِ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ، وَمُوجِبَاتُ الْغُسْلِ، وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ لِحَدَثِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. انتهى بتصرف.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: أما خروج الوقت؛ فليس هناك دليل على جعله من نواقض التيمم، والصحيح أنه لا يعد ناقضًا من نواقض التيمم؛ لأنَّ التيمم طهارة ترفع الحدث، ومن جعَلَهُ من نواقض التيمم؛ فهو بناءٌ على قولهم: إنَّ التيمم مبيح لا رافع.
والراجح -كما تقدم- أنه رافع للحدث، على أنه لا يسلم بأنه يلزم من كونه مبيحًا أن ينقض بخروج الوقت، والله أعلم.
مسألة [٢]: هل يبطل التيمم بوجود الماء، وإن كان في الصلاة ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنه يبطل، وإن كان في الصلاة.
وهذا مذهب أحمد، وأبي حنيفة، ونقله البغوي عن أكثر العلماء، واستدلوا بعموم حديث الباب: «فإذا وجد الماء؛ فليتق الله، وليمسه بشرته».
قال ابن رشد: وهم أحفظ للأصل؛ لأنه أمر غير مناسب للمشروع أن يوجد شيء واحد لا ينقض الطهارة في الصلاة، وينقضها في غير الصلاة.
وقد رجَّح هذا القول ابن حزم في «المحلى» (٢٣٤).
الثاني: قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: إنْ كان في الصلاة،
стр. 475
مضى فيها، وروي هذا عن أحمد؛ إلا أنه رجع عنه.
واحتج هؤلاء بعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا»، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣].
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول.
وأما استدلالهم بالحديث؛ فقد أجاب عنه شيخنا يحيى الحجوري حفظه الله في «أحكام التيمم»، فقال: وهذه غفلة؛ فإنَّ صدر الحديث فيه السؤال عن شيء بعينه، فأجابهم عليه بعينه، أنه لا يخرج بمجرد الوسواس، حتى يتأكد من الحدث، أما وجود الماء للتيمم، فشيء خارج عن الحديث، وناقض زائد على نواقض الوضوء، شملته أدلة أخرى. اهـ
وأما استدلالهم بالآية: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾؛ فإنَّ معنى الآية: لا تبطلوها بالشرك، والرياء، والمن، وغير ذلك، ثم إنه لا يبطل هو الصلاة، ولكن الصلاة تبطل بزوال الطهارة، كما في سائر الأحداث، والله أعلم.
وقد رجح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀، والشيخ الفاضل يحيى بن علي الحجوري حفظه الله. (١)
стр. 476
١٢٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا المَاءَ فِي الوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْت السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْك صَلَاتُك»، وَقَالَ لِلْآخَرِ: «لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إذا تيمم الرجل، وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣١٩ - ٣٢٠): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَادِمَ لِلْمَاءِ فِي السَّفَرِ إذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ، إنْ وَجَدَهُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، أَنْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. انتهى المراد. (٢)
مسألة [٢]: إذا تيمم، وصلى، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت ؟
• قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣٢٠): وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الْوَقْتِ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا إعَادَةٌ، سَوَاءٌ يَئِسَ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُجُودُهُ فِيهِ،
стр. 477
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو سَلَمَةَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمَكْحُولٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ: يُعِيدُ الصَّلَاةَ.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور من عدم إعادة الصلاة، وقد استدلوا بحديث أبي سعيد الخدري المتقدم، وقد تقدم الكلام عليه.
قال ابن قدامة ﵀: وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ، وَهُوَ يَرَى بُيُوتَ الْمَدِينَةِ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، فَلَمْ يُعِدْ (١)؛ وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ كَمَا أُمِرَ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ. اهـ
وقد نقل النووي عن الأوزاعي استحباب الإعادة كما في «شرح المهذب» (٢/ ٣٠٦)، ولا دليل على الاستحباب، بل لا يجوز الإعادة لها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آلوه وسلم-: «لا تصلوا صلاةً في يوم مرتين» (٢)، وهذا ترجيح ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٢٣٤)، ثم الإمام ابن عثيمين ﵀ «الشرح الممتع» (١/ ٣٤٤).
مسألة [٣]: أيهما المختار: تأخير التيمم، أو تقديمه ؟
• في المسألة أربعة أقوال:
الأول: تأخير التيمم أولى بكل حال، وهو قول عطاء، والحسن، وابن سيرين، والزهري، وأحمد، والثوري، وأبي حنيفة.
стр. 478
قال ابن قدامة ﵀: لأنه يستحب تأخير الصلاة إلى بعد العَشَاء، وقضاء الحاجة؛ كيلا يذهب خشوعها، وحضور القلب، ويستحب تأخيرها؛ لإدراك الجماعة، فتأخيرها لإدراك الطهارة المشترطة أولى.
الثاني: استحباب التأخير إنْ رجا وجود الماء، وإن يئس من وجوده استحب تقديمه، وهو مذهب مالك، وأبي الخطاب الحنبلي.
الثالث: التقديم أفضل؛ إلا أن يكون واثقًا بوجود الماء في الوقت؛ لأنه لا يستحب ترك فضيلة أول الوقت، وهي متحققة لأمر مظنون، وهذا مذهب الشافعي.
الرابع: التقديم أفضل مطلقًا وهو قول الظاهرية، وابن حزم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨].
وقد ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه تيمم، وصلى العصر، ثم دخل المدينة، والشمس مرتفعة، فلم يُعِدْ. (١)
وثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في «الصحيحين» (٢)، عن أبي جهيم، قال: أقبل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من نحو بئر جمل، فلقيه رجلٌ، فسَلَّمَ عليه، فلم يَرُدَّ عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه، ويديه، ثم ردَّ ﵇.
стр. 479
وهذا القول هو الراجح؛ لما فيه من إبراء الذمة مع ما تقدم ذكره.
وقد رجَّح هذا القول الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» (١/ ١٣٤)، حيث قال: الأوقات المضروبة للصلاة لا تختص بطهارة دون طهارة، فطهارة التراب كطهارة الماء، في أَنَّ كُلَّ واحدة منهما تُؤَدَّى بها الصلاة في الوقت المضروب لها، ومن زعم أن ذلك يختص بالصلاة المؤَدَّاة بالطهارة بالماء؛ فعليه الدليل، ولا دليل أصلا. اهـ
وقال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٢/ ١٢٠): التعلق بتأخير التيمم لعله يجد الماء لا معنى له؛ لأنه لا نص، ولا إجماع على أن عمل المتوضئ أفضل من عمل المتيمم، ولا على أن صلاة المتوضئ أفضل ولا أتم من صلاة المتيمم، وكلا الأمرين طهارة تامة، وصلاة تامة، وفرض في حالة؛ فإذ ذلك كذلك، فتأخير الصلاة رجاء وجود الماء ترك للفضل في البدار إلى أفضل الأعمال بلا معنى. اهـ
قلتُ: لكن إذا كانت الصلاة مما يستحب تأخيرها؛ فالأفضل أن يؤخر التيمم كصلاة العشاء إذا لم يفوت على نفسه الجماعة، وصلاة الظهر عند الإبراد، وجمع التأخير للمسافر، والله أعلم. (١)
стр. 480
١٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ -فِي قَوْلِهِ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ - قَالَ: إذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ الجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالقُرُوحُ، فَيُجْنِبُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إنِ اغْتَسَلَ: تَيَمَّمَ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَرَفَعَهُ البَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إذا خاف المريض، أو الجريح على نفسه من استعمال الماء ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣٣٥): الْجَرِيحُ وَالمَرِيضُ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَطَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ عَطَاءٌ فِي التَّيَمُّمِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ المَاءِ؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَنَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ فِي المَجْدُورِ الْجُنُبِ، قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ الْغُسْلِ. اهـ
стр. 481
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا ضرر، ولا ضرار».
وقد صحَّ عن ابن عباس كما تقدم، ولا يُعْلَمُ له مخالف من الصحابة، والمشقة تجلب التيسير، والله أعلم.
مسألة [٢]: ضابط الخوف المبيح للتيمم .
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال، ذكرها ابن قدامة رحمة الله عليه:
الأول: خَوْفُ التَّلَفِ، وهو رواية عن أحمد، وأحد قولي الشافعي.
الثاني: أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ زِيَادَةَ المَرَضِ، أَوْ تَبَاطُؤَ الْبُرْءِ، أَوْ خَافَ شَيْئًا فَاحِشًا، أَوْ أَلَمًا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ، وَهَذَا ظاهِرُ مَذْهَبِ أحمد، وَالقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ، وَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ.
الثالث: إبَاحَةُ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ مُطْلَقًا؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَهَذَا قَوْلُ دَاوُد، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ.
والراجح هو القول الثاني.
وقد رجَّحه ابن قدامة ﵀، فقال: وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ
стр. 482
كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ ذَهَابَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ، مِنْ لِصٍّ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ كَثِيرَةٍ؛ فَلَأَنْ يَجُوزَ هَهُنَا أَوْلَى. اهـ
قلتُ: ويدل على ذلك الأدلة المتقدمة في المسألة السابقة، وأما القول الثالث؛ فليس بصحيح؛ لأنَّ بعض المرضى يجد الماء ولا يستضر باستعماله، فلم يجز له التيمم، كالصحيح، والآية اشترِطَ فيها عدم الماء، فلم يتناول محل النزاع. (١)
стр. 483
١٢٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ (١)، فَسَأَلَتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الجَبَائِرِ. (٢) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًّا. (٣)
١٣٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ -فِي الرَّجُلِ الَّذِي شُجَّ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ- «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى رُوَاتِهِ. (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: المسح على الجبائر، وعصائب الجروح .
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يستعمل الماء لجميع أعضائه القادر على استعمال الماء فيها، ويمسح على الجبيرة مسحًا، وهذا قول الجمهور، واستدلوا بحديث الباب، وبالقياس على الخُفِّ.
الثاني: أنه يكتفي بالغسل للأعضاء القادر عليها، ويترك الجبيرة، ولا يمسح عليها، ولا يتيمم عنها، وهذا قول ابن سيرين، والظاهرية، ورجَّحه الألباني،
стр. 484
والوادعي رحمة الله عليهما.
الثالث: أنه يتيمم عن ذلك العضو، وهذا قول الشافعي، ولكنه قال: ويمسح عليها، واستدل بحديث جابر الذي في الباب، وتقدم أنه ضعيف.
والراجح -والله أعلم- أنه يكتفي بالتيمم عنها؛ فإنَّ التيمم كما ناب عن جميع الأعضاء عند عدم القدرة على استعمال الماء فيها، فكذلك ينوب عن بعض الأعضاء عند عدم القدرة على استعمال الماء فيها.
وقد رجَّح هذا القول شيخنا يحيى بن علي الحجوري حفظه الله في كتابه «أحكام التيمم» (ص ٩٣ - ٩٥).
ثم ظهر لي أنَّ القول الأول أقرب؛ لصحة ذلك عن ابن عمر ﵄ فعلًا وقولًا، فقد صحَّ عنه أنه فعل ذلك كما في «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٢٤)، و «الكبرى» للبيهقي (١/ ٢٢٨)، وصح عنه أنه قال: من كان به جرح معصوب، فخشي عليه العنت؛ فليمسح ما حوله ولا يغسله. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٦) بإسناد صحيح.
ولا يعلم لابن عمر ﵄ مخالف من الصحابة، بل جاء ذلك عن ابن عباس ﵄ أيضًا عند ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٢٤)، ولكن إسناده ضعيف.
ويؤيد صحة قول الجمهور أنَّ الجروح، والجبائر كانت موجودة بكثرة عندهم، ولم ينقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالتيمم عنها، والجمع بينها وبين الوضوء، فبقي أن يقال: إما أن تترك، كما قال أصحاب القول الثاني، أو يقال بالمسح،
стр. 485
وهذا أقرب؛ لأنَّ الصحابة قد عاصروا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ففعلهم في مثل هذه المسألة التي لا يوجد فيها نص صريح مقدَّمٌ على غيره، والله أعلم.
وقد رجح قول الجمهور شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ثم الإمام العثيمين ﵀. (١)
مسألة [٢]: هل يشترط في المسح على الجبيرة لبسها على طهارة ؟
• أكثر العلماء على عدم اشتراط ذلك، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل على اشتراط ذلك.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٧٩): الجبيرة يمسح عليها، وإن شدها على حدث عند أكثر العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصواب. اهـ
مسألة [٣]: هل يستوعب المسح على الجبيرة ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٧٨): الجبيرة يستوعبها بالمسح كما يستوعب الجلد؛ لأن مسحها كغسله. اهـ
قال الإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ١٧٣): يعمها كلها يعني بالمسح لأنَّ الأصل أن البدل له حكم المبدل؛ ما لم ترد السنة بخلافه، فهنا المسح بدل عن الغسل، فكما أن الغسل يجب أن يعم العضو كله فكذلك المسح
стр. 486
يجب أن يعم جميع الجبيرة، وأما المسح على الخفين فهو رخصة، وقد وردت السنة بجواز الاكتفاء بمسح بعضه. اهـ
فائدة: المسح على الجبيرة يفارق المسح على الخف من خمسة أوجه:
أحدها: المسح على الجبيرة واجب، وعلى الخف مستحب.
الثاني: المسح على الجبيرة مشروع في الطهارتين: الكبرى، والصغرى، بخلاف المسح على الخف؛ فهو في الصغرى فقط.
الثالث: الجبيرة يمسح عليها حتى يحلها، ليس فيها توقيت، والمسح على الخف مؤقت عند الجمهور.
الرابع: الجبيرة يستوعبها المسح، بخلاف الخف فلا يشترط، على الصحيح.
الخامس: الجبيرة لا يشترط أن يشدها على طهارة، وأما المسح على الخف فيشترط لبسه على طهارة. (١)
مسألة [٤]: خلع الجبيرة بعد الوضوء، والمسح عليها ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ في «الفتاوى» (٢١/ ٢١٨): هذا فيه نزاع والأظهر أنه لا ينتقض الوضوء كما أنه لا يعيد الغسل؛ لأنَّ الجبيرة كالجزء من العضو والله أعلم. اهـ
مسألة [٥]: إذا كان صاحب الحدث جريحًا، أو مريضًا ؟
• ذهب أحمد، والشافعي إلى أنه يغسل ما أمكنه من أعضائه، ويتيمم للباقي، واستدلوا بالعمومات المتقدمة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:
стр. 487
«وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم»، واستدلوا بحديث الباب، وقد تقدم أنه ضعيف، وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀، والشيخ يحيى حفظه الله.
• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه إنْ كان أكثر بدنه صحيحًا، غَسَلَه، ولا يتيمم عليه، وإن كان أكثر بدنه جريحًا، تيمم، ولا غسل عليه.
والذي يظهر أنَّ القول الأول أرجح، والله أعلم. (١)
تنبيه: هذه المسألة مفروضة فيمن ليس على جرحه عصابة، ولا يمكن استعمال الماء على جرحه لا بالغسل، ولا بالمسح؛ فإن كان على جرحه عصابة فهي المسألة السابقة، وإن كان يمكنه أن يمسح على الجرح بالماء دون الغسل فقد أوجب أحمد ﵀ المسح على الجرح بالماء، ولم يقل في ذلك بالتيمم.
قال الحافظ ابن القيم ﵀ في «بدائع الفوائد» (٤/ ٦٨) -بعد أن ذكر قول أحمد-: وهذا يدل على أن مسح الجرح البارز أولى من مسح الجبيرة، وأنه خير من التيمم، وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه، وهو المحفوظ عن السلف: من الصحابة والتابعين، ولا ريب أنه بمقتضى القياس؛ فإن مباشرة العضو بالمسح الذي هو بعض الغسل المأمور به أولى من مباشرة غير ذلك العضو بالتراب، ومعلوم أن المسح على الحائل إنما جاء لضرورة المشقة بكشفه.
قال ﵀: وقد ذكرت في الكتاب الكبير «الجامع بين السنن والآثار» من قال بذلك من السلف، وذكرت الآثار عنهم بذلك، وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية
стр. 488
-﵀ يذهب إلى هذا، ويضعف القول بالتيمم بدل المسح. اهـ
وهذا ترجيح الإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ١٧٢).
وهو الصحيح، وبالله التوفيق.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ٢٠): وقال غير واحد من العلماء: ومسح الجرح بالماء أولى من مسح الجبيرة، وهو خير من التيمم، ونقله الميموني، عن أحمد. اهـ
وقال السعدي ﵀ كما في «غاية المرام» (١/ ٣٨٤): متى قدر على مسح الجرح بالماء؛ وجب المسح، ولم يشرع له مع ذلك تيمم، كما قال النبي ﷺ : «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».اهـ
فائدة: قال ابن قدامة رحمة الله عليه في «المغني» (١/ ٣٣٧): مَا لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ مِنْ الصَّحِيحِ إلَّا بِانْتِشَارِ الْمَاءِ إلَى الْجَرِيحِ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْجَرِيحِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ضَبْطُهُ، وَقَدَرَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَضْبِطُهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَأَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ غَسْلِهِ، فَأَجْزَأَهُ التَّيَمُّمُ عَنْهُ كَالْجَرِيحِ. اهـ
مسألة [٦]: بِمَ يبدأ: بالتيمم، أو الغسل ؟
قال ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في «المغني» (١/ ٣٣٧): إذَا كَانَ الْجَرِيحُ جُنُبًا؛ فَهُوَ مُخَيَّرٌ: إنْ شَاءَ قَدَّمَ التَّيَمُّمَ عَلَى الْغُسْلِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ التَّيَمُّمُ لِعَدَمِ مَا يَكْفِيهِ لِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْعَدَمِ،
стр. 489
وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْمَاءِ، وَههُنَا التَّيَمُّمُ لِلْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْجَرِيحِ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ وَلِأَنَّ الْجَرِيحَ يَعْلَمُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ الْجُرْحِ، وَالْعَادِمُ لِمَا يَكْفِي جَمِيعَ أَعْضَائِهِ لَا يَعْلَمُ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَيَمَّمُ لَهُ إلَّا بَعْدَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَفَرَاغِهِ، فَلَزِمَهُ تَقْدِيمُ اسْتِعْمَالِهِ. اهـ
مسألة [٧]: إذا تطهر الجريح طهارة صغرى، فهل يلزمه جَعْلَ التيمم مكان العضو المجروح بالترتيب ؟
• ذهب بعض الحنابلة، والشافعية إلى أنه يجعل التيمم في مكان العضو الذي يتيمم عنه.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٢٦): وهذا فعل مبتدع، وفيه ضرر عظيم، ومشقة لم تأت به الشريعة، وهذا ونحوه إسراف في وجوب الترتيب حيث لم يوجبه الله ورسوله. اهـ
وقال ﵀ في «الاختيارات» (ص ٢١): والجريح إذا كان محدثًا حدثًا أصغر؛ فلا يلزمه مراعاة الترتيب، وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره؛ فيصح أن يتيمم بعد كمال الوضوء، بل هذا هو السنة، والفصل بين أبعاض الوضوء بتيمم بدعة. اهـ
وهذا القول اختاره المجد ابن تيمية وصاحب «الحاوي الكبير»، وابن رزين، وهذا القول مالَ إليه الشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع» (١/ ٣٢٤)، وقال: هذا الذي عليه عمل الناس اليوم.
وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٥٣): وإذا توضأ،
стр. 490
وتيمم، فسواء قدم هذا أو هذا، لكن تقديم الوضوء أحسن. اهـ
وقال الشيخ يحيى الحجوري حفظه الله في كتابه «أحكام التيمم» (ص ٩٥): لا دليل على تقديم الوضوء قبل التيمم، ولا العكس، فله أن يتيمم، ثم يتوضأ، وله أن يتوضأ، ثم يتيمم، والأول أحب إلينا.
واختار هذا القول الشيخ عبد الله أبا بطين، والشيخ محمد بن إبراهيم.
قلتُ: وهذا القول هو الراجح والله أعلم؛ لأنَّ كلًّا من الوضوء، والتيمم طهارة مستقلة لها شروطها، وأعضاؤها، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: إذا كان جريحًا في وجهه، أو يده، ولا يستطيع التيمم أيضًا ؟
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (٢/ ٨٤): إذا كان يتضرر بالتيمم، بأن كان الجرح في وجهه، أو كفيه، أو إذا استعمل التيمم تضرر من الغبار؛ فإنه يسقط التيمم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].اهـ
مسألة [٩]: إذا خاف من شدة البرد ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣٣٩): وَإِنْ خَافَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسَخِّنَ الْمَاءَ، أَوْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ، مِثْلُ أَنْ يَغْسِلَ عُضْوًا عُضْوًا، وَكُلَّمَا غَسَلَ شَيْئًا سَتَرَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ، تَيَمَّمَ وَصَلَّى فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ: يَغْتَسِلُ، وَإِنْ مَاتَ، لَمْ يَجْعَلْ اللهُ لَهُ عُذْرًا،
١٣١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ الأُخْرَى. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: التيمم لكل صلاة .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الواجب هو التيمم لكل صلاة مكتوبة، واستدلوا بحديث ابن عباس، وكثير منهم بنى ذلك على قوله: إن التيمم مبيحٌ، وليس برافع للحدث. والراجح كما تقدم أنه رافع للحدث.
ومن قال بأنه رافع للحدث يقول بأنه يجوز له أن يصلي ما شاء بتيممه حتى تنتقض طهارته؛ ولذلك قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٢٠٥): والأصل أنه تعالى قد جعل التراب قائمًا مقام الماء، وقد عُلِمَ أنه لا يجب الوضوء بالماء؛ إلا من الحدث، فالتيمم مثله، وإلى هذا ذهب جماعة من أئمة الحديث، وغيرهم، وهو الأقوم دليلًا. اهـ
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٣٦ - ٤٣٧): وَقِيلَ: بَلْ التَّيَمُّمُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ مُطْلَقًا يَسْتَبِيحُ بِهِ كَمَا يُسْتَبَاحُ بِالْمَاءِ، وَيَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ كَمَا يَتَوَضَّأُ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَيَبْقَى بَعْدَ الْوَقْتِ كَمَا تَبْقَى طَهَارَةُ الْمَاءِ بَعْدَهُ، وَإِذَا تَيَمَّمَ لِنَافِلَةِ صَلَّى بِهِ الْفَرِيضَةَ كَمَا أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ لِنَافِلَةِ صَلَّى بِهِ الْفَرِيضَةَ، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَالَ أَحْمَد:
فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ أُخْرَى مُلْحَقَةٌ فِي هَذَا البَاب
مسألة [١]: التيمم لخوف فوات وقتِ الفريضة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٧٠): إذا دخل وقت الصلاة، وهو مستيقظ، والماء بعيد منه يخاف إن طلبه أن تفوته الصلاة، أو كان الماء باردًا يخاف إن سخنه، أو ذهب إلى الحمام، فاتت الصلاة؛ فإنه يصلي بالتيمم في مذهب أحمد، وجمهور العلماء.
وقال (٢١/ ٤٧١): أما المسافر إذا وصل إلى ماء وقد ضاق الوقت فإنه يصلي بالتيمم على قول جمهور العلماء وكذلك لو كان هناك بئر لكن لا يمكن أن يصنع له حبلا حتى يخرج الوقت أو يمكن حفر الماء ولا يحفر حتى يخرج الوقت فإنه يصلي بالتيمم. اهـ
قلتُ: يدلُّ على هذه المسألة قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وهذا في صورة من لم يجد الماء؛ لأنه عاجز عن استعماله قبل خروج الوقت.
مسألة [٢]: من استيقظ آخر الوقت، وإن اشتغل بطهارة الماء، خرج الوقت، فهل له أن يتيمم ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٢٠ - ٢١): ومن استيقظ آخر الوقت، وهو جنبٌ، يغتسل، وإن خرج الوقت، وكذا من نسيها، بخلاف من استيقظ أول الوقت، فليس له أن يفوت وقت الصلاة، بل يتيمم ويصلي. اهـ
стр. 495
وقال ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٧٠): وإن استيقظ آخر الوقت، وخاف إن تَطَهَّرَ طلعت الشمس؛ فإنه يصلي هنا بالوضوء بعد طلوع الشمس؛ فإن عند جمهور العلماء اختلافًا كإحدى الروايتين عن مالك؛ فإنه هنا إنما خوطب بالصلاة بعد استيقاظه، ومن نام عن صلاة صلاها إذا استيقظ، وكان ذلك وقتها في حقه. اهـ
قلتُ: والدليل على ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ حديث أنس في «الصحيحين» (١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من نام عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها»، وفي رواية: «فوقتها أن يصليها إذا ذكرها».
وهو ظاهر اختيار ابن القيم ﵀، وعزاه للجمهور كما في «مفتاح دار السعادة» (ص ٣٤٧).
مسألة [٣]: التيمم لخوف فوت صلاة الجنازة .
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى مشروعية التيمم؛ لخوف فوات صلاة الجنازة، وهو مذهب النخعي، والحسن، والزهري، والليث، وسعد بن إبراهيم، ويحيى الأنصاري، وربيعة وإسحاق، وسفيان، ورواية عن أحمد، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهذا القول رجَّحَهُ شيخ الإسلام كما في «الاختيارات» (ص ٢٠)، قال: وقد ثبت أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تيمم لردِّ السلام.
قلتُ: وقد جاء هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر، كما في «الأوسط» لابن