← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

والمهر يبقى في ذمته. وقال بعضهم: يحتمل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أصدق عنه. ولهم تأويلات أخرى كما في «الفتح» وغيره. والصحيح أنه يجوز أن يكون الصداق تعليمها القرآن؛ لأنها منفعة أحب إلى المرأة العاقلة الصالحة من المال، بل زاد بعض أهل العلم فقالوا: يجوز أن يزوج؛ لكونه عالمًا، ولكونه حافظًا للقرآن دون أن يشترط منه التعليم، ويكون مهر المرأة انتفاعها من علم هذا الرجل وأخلاقه. ومثل هذا الحديث عندهم ما صحَّ عند النسائي (٣٣٤٠) وغيره من حديث أنس ﵁ أنَّ أم سليم تزوجت أبا طلحة على إسلامه. قال ابن القيم ﵀ -بعد أن ذكر حديث أم سليم وحديث الواهبة-: وَتَضَمّنَ أَنّ المَرْأَةَ إذَا رَضِيَتْ بِعِلْمِ الزّوْجِ، وَحِفْظِهِ لِلْقُرْآنِ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ مَهْرِهَا؛ جَازَ ذَلِكَ، وَكَانَ مَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ انْتِفَاعِهَا بِالْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ هُوَ صَدَاقُهَا، كَمَا إذَا جَعَلَ السّيّدُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَكَانَ انْتِفَاعُهَا بِحُرّيّتِهَا وَمِلْكِهَا لِرَقَبَتِهَا هُوَ صَدَاقَهَا، وَهَذَا هُوَ الّذِي اخْتَارَتْهُ أُمّ سُلَيْمٍ مِنْ انْتِفَاعِهَا بِإِسْلَامِ أَبِي طَلْحَةَ، وَبَذْلِهَا نَفْسَهَا لَهُ إنْ أَسْلَمَ، وَهَذَا أَحَبّ إلَيْهَا مِنْ الْمَالِ الّذِي يَبْذُلُهُ الزّوْجُ؛ فَإِنّ الصّدَاقَ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ حَقًّا لِلْمَرْأَةِ تَنْتَفِعُ بِهِ، فَإِذَا رَضِيَتْ بِالْعِلْمِ، وَالدّينِ، وَإِسْلَامِ الزّوْجِ، وَقِرَاءَتِهِ لِلْقُرْآنِ؛ كَانَ هَذَا مِنْ أَفْضَلِ الْمُهُورِ، وَأَنْفَعِهَا، وَأَجَلّهَا.

стр. 4307

قال: وَلَيْسَ هَذَا مُسْتَوِيًا بَيْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ الْمَوْهُوبَةِ الّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ ﷺ ، وَهِيَ خَالِصَةٌ لَهُ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنّ تِلْكَ وَهَبَتْ نَفْسَهَا هِبَةً مُجَرّدَةً عَنْ وَلِيّ وَصَدَاقٍ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ فَإِنّهُ نِكَاحٌ بِوَلِيّ وَصَدَاقٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَالِيّ؛ فَإِنّ الْمَرْأَةَ جَعَلَتْهُ عِوَضًا عَنْ الْمَالِ؛ لِمَا يَرْجِعُ إلَيْهَا مِنْ نَفْعِهِ، وَلَمْ تَهَبْ نَفْسَهَا لِلزّوْجِ هِبَةً مُجَرّدَةً كَهِبَةِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا بِخِلَافِ الْمَوْهُوبَةِ الَّتِي خَصَّ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ ﷺ ، هَذَا مُقْتَضَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. اهـ (١) تنبيه: إذا تزوجها على تعليم القرآن، أو بعضه، فمن قال بجواز ذلك اشترط أن يعين المقدار الذي يعلمها، أو المدة التي يعلمها فيها. (٢) مسألة [٨]: هل يصح أن يتزوج أمته، ويجعل عتقها صداقها ؟ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٥٠٨٦) -بعد ذكره حديث أنس ﵁ الذي في أول الباب-: وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ مِنْ الْقُدَمَاء: سَعِيد بْن المُسَيِّب، وَإِبْرَاهِيم، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيّ، وَمِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار: الثَّوْرِيّ، وَأَبُو يُوسُف، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، قَالُوا: إِذَا أَعْتَقَ أَمَته عَلَى أَنْ يَجْعَل عِتْقهَا صَدَاقهَا؛ صَحَّ الْعَقْد، وَالْعِتْق، وَالْمَهْر عَلَى ظَاهِر الْحَدِيث. قال: وَأَجَابَ الْبَاقُونَ عَنْ ظَاهِر الْحَدِيث بِأَجْوِبَةٍ، أَقْرَبهَا إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيث: أَنَّهُ أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجهَا؛ فَوَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهَا قِيمَتهَا، وَكَانَتْ مَعْلُومَة فَتَزَوَّجَهَا بِهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ جَعَلَ نَفْس الْعِتْق مَهْرًا، وَلَكِنَّهُ مِنْ خَصَائِصه، وَمِمَّنْ جَزَمَ

стр. 4308

بِذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالَ آخَرُونَ: قَوْله: (أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا) مَعْنَاهُ: أَعْتَقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا لَمْ يَعْلَم أَنَّهُ سَاقَ لَهَا صَدَاقًا قَالَ: أَصْدَقهَا نَفْسهَا، أَيْ: لَمْ يُصْدِقهَا شَيْئًا فِيمَا أَعْلَم، وَلَمْ يَنْفِ أَصْل الصَّدَاق. وَقِيْلَ: قَالَ ذَلِكَ أَنَس بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَعْطَاهَا بِغَيْرِ عِلْمِهِ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَنْكِحهَا بِغَيْرِ مَهْر، فَلَزِمَهَا الْوَفَاء بِذَلِكَ، وَهَذَا خَاصّ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَقِيْلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعِتْق يَحِلّ مَحَلّ الصَّدَاق، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَدَاقًا، كَقَوْلِهِمْ (الْجُوع زَاد مَنْ لَا زَادَ لَهُ) قَالَهُ ابنُ الصَّلَاحِ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ فِي «الرَّوْضَة». واستقرب الحافظ هذا القول، فقال: وَهَذَا الْوَجُهُ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ، وَأَقَرَبِهَا إِلَى لَفْظِ الْحَدِيْثِ. انتهى بتصرف واختصار. وسبب تأويلهم للحديث أمران: أحدهما: أن عقدها على نفسها إما أن يقع قبل عتقها وهو محال؛ لتناقض الحكمين: الحرية والرق؛ فإن الحرية حكمها الاستقلال والرق ضده وإما بعد العتق؛ فيزول حكم الجبر عنها بالعتق، فيجوز أن لا ترضى، وحينئذٍ لا تنكح إلا برضاها. الثاني: إذا جُعِلَ العتق صداقًا، فإما أن يتقرر العتق حالة الرق وهذا محال؛ لتناقضهما أو حالة الحرية؛ فيلزم أسبقيته على العقد؛ فيلزم وجود العتق حالة فرض عدمه، وهو محال؛ لأنَّ الصداق لابد أن يتقدم تقرره على الزوج إما نصًّا، أو حكمًا؛ حتى تملك الزوجة طلبه. ذكر ذلك القرطبي.

стр. 4309

وأجاب الشوكاني ﵀ عن الأول: بأنَّ العقد يكون بعد العتق، فإذا وقع منها الامتناع؛ لزمها السعاية بقيمتها، ولا محذور في ذلك. وعن الثاني قال الحافظ ﵀: وتعقب ما ادعاه من الاستحالة بجواز تعليق الصداق على شرطٍ إذا وجد استحقته المرأة، كأن يقول: تزوجتك على ما سيستحق لي عند فلان، وهو كذا، فإذا حل المال الذي وقع العقد عليه؛ استحقته. اهـ قال الحافظ ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ١١٢ - ): وَتَزَوّجَ ﷺ صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ سَيّدِ بَنِي النّضِيرِ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ أَخِي مُوسَى؛ فَهِيَ ابْنَةُ نَبِيّ، وَزَوْجَةُ نَبِيّ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَكَانَتْ قَدْ صَارَتْ لَهُ مِنْ الصّفِيّ أَمَةً، فَأَعْتَقَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَصَارَ ذَلِكَ سُنّةً لِلْأَمَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَنْ يَعْتِقَ الرّجُلُ أَمَتَهُ، وَيَجْعَلُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا؛ فَتَصِيرُ زَوْجَتَهُ بِذَلِكَ، فَإِذَا قَالَ: أَعْتَقْت أَمَتِي وَجَعَلَتْ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. أَوْ قَالَ: جَعَلْت عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَهَا. صَحّ الْعِتْقُ وَالنّكَاحُ، وَصَارَتْ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ، وَلَا وَلِيّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. قال: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هَذَا خَاصّ بِالنّبِيّ ﷺ ، وَهُوَ مِمّا خَصّهُ اللهُ بِهِ فِي النّكَاحِ دُونَ الْأَمَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَئِمّةِ الثّلَاثَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَالصّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوّلُ؛ لِأَنّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ حَتّى يَقُومَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَاَللهُ سُبْحَانَهُ لَمّا خَصّهُ بِنِكَاحِ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ قَالَ فِيهَا: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْأَحْزَابُ:٥٠]، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا

стр. 4310

فِي الْمُعْتَقَةِ، وَلَا قَالَهُ رَسُولُ الله ﷺ لِيَقْطَعَ تَأَسّي الْأُمّةِ بِهِ فِي ذَلِكَ، فَاَلله سُبْحَانَهُ أَبَاحَ لَهُ نِكَاحَ امْرَأَةِ مَنْ تَبَنّاهُ؛ لِئَلّا يَكُونَ عَلَى الْأُمّةِ حَرَجٌ فِي نِكَاحِ أَزْوَاجِ مَنْ تَبَنّوْهُ، فَدَلّ عَلَى أَنّهُ إذَا نَكَحَ نِكَاحًا؛ فَلِأُمّتِهِ التّأَسّي بِهِ فِيهِ مَا لَمْ يَأْتِ عَنْ الله وَرَسُولِهِ نصٌّ بِالِاخْتِصَاصِ، وَقَطْعِ التّأَسّي، وَهَذَا ظَاهِرٌ. قال ﵀ (٣/ ٣٤٩): وَمِنْهَا: جَوَازُ عِتْقِ الرّجُلِ أَمَتَهُ، وَجَعْلِ عِتْقِهَا صَدَاقًا لَهَا، وَيَجْعَلُهَا زَوْجَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَلَا شُهُودٍ، وَلَا وَلِيّ غَيْرِهِ، وَلَا لَفْظِ إنْكَاحٍ، وَلَا تَزْوِيجٍ كَمَا فَعَلَ ﷺ بِصَفِيّةَ، وَلَمْ يَقِلْ قَطّ هَذَا خَاصّ بِي، وَلَا أَشَارَ إلَى ذَلِك؛ مَعَ عِلْمِهِ بِاقْتِدَاءِ أُمّتِهِ بَهْ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الصّحَابَةِ إنّ هَذَا لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، بَلْ رَوَوْا الْقِصّةَ وَنَقَلُوهَا إلَى الْأُمّةِ، وَلَمْ يَمْنَعُوهُمْ، وَلَا رَسُولُ الله ﷺ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ. ثم قال: وَالْقِيَاسُ الصّحِيحُ يَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ؛ فَإِنّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا، وَمَنْفَعَةَ وَطْئِهَا، وَخِدْمَتِهَا؛ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقّهُ مِنْ مِلْكِ الرّقَبَةِ وَيَسْتَبْقِيَ مِلْكَ المَنْفَعَةِ، أَوْ نَوْعًا مِنْهَا كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدِمَهُ مَا عَاشَ، فَإِذَا أَخْرَجَ المَالِكُ رَقَبَةَ مِلْكِهِ وَاسْتَثْنَى نَوْعًا مِنْ مَنْفَعَتِهِ؛ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْهُ فِي عَقْدِ النّكَاحِ. وَلمَّا كَانَتْ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ لَا تُسْتَبَاحُ إلّا بِعَقْدِ نِكَاحٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وَكَانَ إعْتَاقُهَا يُزِيلُ مِلْكَ الْيَمِينِ عَنْهَا؛ كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ اسْتِبَاحَةِ هَذِهِ المَنْفَعَةِ جَعْلُهَا زَوْجَةً وَسَيّدُهَا كَانَ يَلِي نِكَاحَهَا، وَبَيْعَهَا مِمَّنْ شَاءَ بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ مِنْهَا، وَلمَّا كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ عَقْدُ النّكَاحِ مَلَكَهُ؛ لِأَنّ بَقَاءَ مِلْكِهِ

стр. 4311

المُسْتَثْنَى لَا يَتِمّ إلّا بِهِ، فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ الصّحِيحِ المُوَافِقِ لِلسّنَةِ الصّحِيحَةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: كلام ابن القيم ﵀ مفيد جيد، وبه يتبين أن لا حجة للجمهور في أنَّ هذا الحديث مخالف للقياس، بل هو أصل بنفسه، ومخصوص مما ذكروه، والله أعلم. وهذا القول هو ترجيح شيخ الإسلام، والشوكاني، والصنعاني، وهي فتوى علمائنا في هذا العصر، كالعلامة ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم. (١) مسألة [٩]: هل يصح الزواج بدون تسمية المهر ؟ اتفق أهل العلم على صحة الزواج الذي لم يسمَّ به المهر، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة:٢٣٦] الآية، وكذلك حديث معقل بن سنان الذي سيأتي في الكتاب برقم (١٠٣٠)، والأفضل عند أهل العلم تسمية المهر، وإذا لم يسمِّ المهر، وطلقها قبل الدخول استحقت المتعة فقط، وقلنا: إن التسمية أفضل؛ لأنه أقطع للنزاع، وأفضل للمرأة؛ لأنها إن طلقت قبل الدخول استحقت نصفه، وإذا لم يسمَّ المهر، فتستحق مهر المثل عند موجب استحقاقه. (٢)

стр. 4312

مسألة [١٠]: تأجيل الصداق وتعجيله . أجاز أهل العلم أن يكون الصداق معجلًا، ومؤجلًا إلى أجل مسمى. • وإن كان مؤخرًا بدون تعيين أجل؛ فاختلفوا في صحته، وفي وقت حلوله. قال الإمام ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (٣/ ٩٢ - ): إِنَّ الْمُؤَخَّرَ لَا يُسْتَحَقُّ الْمُطَالَبَةُ بِهِ إلَّا بِمَوْتٍ أَوْ فُرْقَةٍ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ لَا يَحِلُّ الْآجِلُ إلَّا بِمَوْتٍ أَوْ فُرْقَةٍ، وَاخْتَارَهُ قُدَمَاءُ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَلَهُ فِيهِ رِسَالَةٌ كَتَبَهَا إلَى مَالِكٍ يُنْكِرُ عَلَيْهِ خِلَافَ هَذَا الْقَوْلِ سَنَذْكُرُهَا بِإِسْنَادِهَا وَلَفْظِهَا، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْد: يَبْطُلُ الْآجِلُ لِجَهَالَةِ مَحِلِّهِ، وَيَكُونُ حَالًّا، وَقَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: يَصِحُّ الْآجِلُ، وَلَا يَحِلُّ الصَّدَاقُ إلَّا أَنْ يُفَارِقَهَا أَوْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا؛ فَلَهَا حِينَئِذٍ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَقَالَ مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يَحِلُّ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: تَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِجَهَالَةِ الْعِوَضِ بِجَهَالَةِ أَجَلِهِ فَتَرْجِعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: كَانَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ مُؤَخَّرًا وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: إنَّمَا الصَّدَاقُ فِيمَا مَضَى نَاجِزٌ كُلُّهُ، فَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ مُؤَخَّرًا فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَطُولَ الْأَجَلُ فِي ذَلِكَ، وَحَكَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ تَأْخِيرَهُ إلَى السَّنَتَيْنِ وَالْأَرْبَعِ، وَعَنْ ابْنِ

стр. 4313

وَهْبٍ إلَى السَّنَةِ، وَعَنْهُ إنْ زَادَ الْأَجَلُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً فُسِخَ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ فُسِخَ، وَعَنْهُ إلَى الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ. ثم قال ابن القيم ﵀: وَالصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ، وَعَدَمِ تَمْكِينِ الْمَرْأَةِ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِهِ إلَّا بِمَوْتٍ، أَوْ فُرْقَةٍ، حَكَاهُ اللَّيْثُ إجْمَاعًا مِنْهُمْ، وَهُوَ مَحْضُ الْقِيَاسِ، وَالْفِقْهِ؛ فَإِنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ الْعُقُودِ يَنْصَرِفُ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَمَا فِي النَّقْدِ، وَالسِّكَّةِ، وَالصِّفَةِ، وَالْوَزْنِ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ بِتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ بِالصَّدَاقِ إلَّا بِالْمَوْتِ، أَوْ الْفِرَاقِ، فَجَرَتْ الْعَادَةُ مَجْرَى الشَّرْطِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْأَمْثِلَةِ بِذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يُخَالِفُ سَائِرَ الْعُقُودِ، وَلِهَذَا نَافَاهُ التَّوْقِيتُ الْمُشْتَرَطُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ عَلَى الْمَنَافِعِ، بَلْ كَانَتْ جَهَالَةُ مُدَّةِ بَقَائِهِ غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ فِي صِحَّتِهِ، وَالصَّدَاقُ عِوَضُهُ وَمُقَابِلُهُ؛ فَكَانَتْ جَهَالَةُ مُدَّتِهِ غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ فِي صِحَّتِهِ، فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ. قال: وَأَمَّا تِلْكَ التَّقْدِيرَاتُ الْمَذْكُورَةُ فَيَكْفِي فِي عَدَمِ اعْتِبَارِهَا عَدَمُ دَلِيلٍ وَاحِدٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا، ثُمَّ لَيْسَ تَقْدِيرٌ مِنْهَا بِأَوْلَى مِنْ تَقْدِيرٍ أَزْيَدَ عَلَيْهِ أَوْ أَنْقَصَ مِنْهُ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ؛ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ. اهـ قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: هذا فيما إذا كان لهم عرف، وأما إذا لم يكن لهم عرف فيرجع إلى الوقت المحدد؛ إن حددوا وقتًا، وإلا فعند المطالبة

стр. 4314

والاستطاعة، والله أعلم. (١) مسألة [١١]: إذا سَمَّي في النكاح صداقًا محرمًا ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١١٦): إذَا سَمَّى فِي النِّكَاحِ صَدَاقًا مُحَرَّمًا، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ؛ فَالتَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ: الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ ... ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ ثَبَتَ النِّكَاحُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ؛ فُسِخَ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَفْسَدَهُ بِأَنَّهُ نِكَاحٌ جُعِلَ الصَّدَاقُ فِيهِ مُحَرَّمًا، فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الشِّغَارِ. قال: وَلَنَا أَنَّهُ نِكَاحٌ لَوْ كَانَ عِوَضُهُ صَحِيحًا؛ كَانَ صَحِيحًا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، وَإِنْ كَانَ عِوَضُهُ فَاسِدًا، كَمَا لَوْ كَانَ مَغْصُوبًا أَوْ مَجْهُولًا، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَفْسُدُ بِجَهَالَةِ الْعِوَضِ، فَلَا يَفْسُدُ بِتَحْرِيمِهِ كَالْخُلْعِ، وَلِأَنَّ فَسَادَ الْعِوَضِ لَا يَزِيدُ عَلَى عَدَمِهِ، وَلَوْ عَدِمَ؛ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا، فَكَذَلِكَ إذَا فَسَدَ. قال: وَمَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ مَا كَانَ فَاسِدًا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهُوَ بَعْدَهُ فَاسِدٌ. انتهى المراد. قلتُ: ومثله لو كان الصداق مغصوبًا معلومًا بغصبه، أو كان الصداق طلاق ضرتها. (٢)

стр. 4315

مسألة [١٢]: ماذا عليه لو كانت التسمية فاسدة؛ لكون الصداق محرمًا ؟ • أكثر أهل العلم على أنَّ عليه لها مهر المثل، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وذلك لأنَّ فساد العوض يقتضي رد المعوض، وقد تعذر رده؛ لصحة النكاح؛ فيجب رد قيمته، وهو مهر المثل، كمن اشترى شيئًا بثمن فاسد، فقبض المبيع، وتلف في يده؛ فإنه يجب عليه رد قيمته، هذا الذي ذكره ابن قدامة ﵀ كما في «المغني» (١٠/ ١١٧). • بينما اختار شيخ الإسلام أنَّ العقد باطل، فقال ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٧٩): وعلى هذا فلو سمَّى المهر بما يعلمان تحريمه كخمر، وخنزير؛ بطل النكاح، كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب مالك، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو أشبه بظاهر القرآن، وأشبه بقياس الأصول. اهـ قلتُ: وبه قال أبو عبيد. • واختار بعض الحنابلة أنَّ عليه مثل المغصوب، أو قيمته، ومثل الخمر خلًّا، أو عصيرًا. ومال الإمام العثيمين ﵀ إلى القول الأول كما في «الشرح الممتع» (٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣، ٣٠٧ - ٣٠٨)، وهو الصواب؛ لما تقدم في المسألة السابقة، والله أعلم. (١)

стр. 4316

فرع: إذا كان الطلاق قبل الدخول في المسألة السابقة؛ فقال بعض أهل العلم: عليه لها المتعة؛ لأنه التسمية للمهر باطلة فيشمله قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، وهذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي، وبعض الحنابلة. وقال الشافعي والحنابلة: لها نصف مهر أمثالها؛ لأن المُفوَّضة رضيت بلا عوض، وأما التي اشترطت لنفسها مهرا، فلم ترض إلا بعوض، ولم يحصل لها العوض الذي اشترطته، فوجب لها بدل ما فات عليها من العوض، وهو مهر المثل، أو نصفه إن كان قبل الدخول، ولأن الأصل وجوب مهر المثل، لأنه وجب بالعقد، بدليل أنه يستقر بالدخول والموت، وإنما خولف هذا في المُفوَّضة بالنص الوارد فيها، ففيما عداها يبقى على الأصل. مسألة [١٣]: إذا سمَّى في النكاح صداقًا مجهولا، أو جعل على حكم الزوج أو الزوجة، أو معجوزًا عن تسليمه، أو معدومًا ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١١٦): فأما إذا فسد الصداق؛ لجهالته، أو عدمه، أو العجز عن تسليمه؛ فإنَّ النكاح ثابتٌ، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ قلتُ: ومثله إذا كان مستحقًّا، ولم يعلم بذلك وقت العقد.

стр. 4317

• ومذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنَّ فيه مهر المثل، وقال غيرهم: فيه بدل المهر المسمى. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٠٨ - ٤٠٩): وطرد الشافعي هذا في المسمَّى الفاسد في النكاح، والمغصوب، فأوجب مهر المثل؛ بناء على أنه كان يجب رد البضع لفساد التسمية، فلما لم يمكن رده؛ رد بدله، وهو مهر المثل، وخالفه بعض أصحابه. والجمهور من أصحابنا وغيرهم وسائر العلماء أوجبوا بدل المهر المسمى مثله، أو قيمته، لا بدل البضع، وهو الصواب قطعًا؛ لأن النكاح هنا لم يفسد، فلم يجب رد المستحق به، وهو البضع، واذا لم يجب رد البضع لم يجب رد بدله، بل الواجب هو إعطاء المسمى إن أمكن، وإلا فبدله؛ فكان بدل المسمى هو الواجب، وهو أقرب إلى ما تراضوا به من بدل البضع، وفى سائر العقود إذا فسدت نوجب رد العين أو بدلها، وظاهر كلام أحمد أن الواجب في المشاركة مثل المضاربة ونحوها المسمى أيضًا: كالنكاح الفاسد على ظاهر المذهب، وهذا القول أقوى. انتهى المراد. (١) مسألة [١٤]: إن طلقها قبل الدخول، وكانت التسمية فاسدة ؟ • مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنَّ لها نصف مهر المثل؛ لأنَّ ما أوجبه عقد النكاح يتنصف بالطلاق قبل الدخول، ومهر المثل قد أوجبه العقد، فيتنصف به المسمى. • وقال أصحاب الرأي، وبعض الحنابلة: لها المتعة؛ لأنَّ التسمية فاسدة،

стр. 4318

فاعتبر لها بمهر المثل، كالمُفوَّضة والمُفوَّضة لها نصف الصداق إذا طلقت قبل الدخول، فكذلك هذه. وهذا أقرب فيما إذا كان الصداق محرمًا. وأما إذا كان المهر المسمى فاسدًا؛ لكونه معدومًا، أو عجز عن تسليمه، أو مغصوبًا؛ فإنه يجب عليه نصف بدل المهر المسمى، والله أعلم. (١) مسألة [١٥]: إذا أصدقها عبدًا بعينه، فبان معيبًا ؟ • أجاز أهل العلم للمرأة أن ترد العبد المعيب، ولها منه بدله، أو تمسكه ولها أرش العيب. وقال أبو حنيفة: لا ترد في العيب اليسير. والصحيح قول الجمهور؛ لأنه عيب يرد به المبيع، فرد به الصداق، كالعيب الكثير. مسألة [١٦]: وهل على الرجل للمرأة قيمته، أو مثله ؟ • تقدم أنَّ مذهب الجمهور أنَّ العبيد، والحيوانات ليسوا من ذوات الأمثال، فيجب عندهم فيها القيمة. وتقدم أنَّ الصواب أنَّ كل ما كان له مثيلًا، ولو مقاربًا فهو من ذوات الأمثال، سواء كان من الحيوانات، أو المصنوعات، أو المكيلات والموزونات، أو غيرها، وما لم؛ فالقيمة، وهو قول أحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام، وتلميذه ابن

стр. 4319

القيم، ثم الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [١٧]: إذا أصدقها عبدًا فخرج حُرًّا، أو مستحقًّا ؟ • منهم من قال: لها القيمة. وهو مذهب أحمد، وأبي يوسف، والشافعي في القديم. • ومنهم من قال: لها مهر المثل. وهو قول الشافعي في الجديد. • ومنهم من قال: لها القيمة في المغصوب، وأما في الحر فلها مهر المثل، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد. قلتُ: تقدم أنَّ الصواب: أنها إن كانت تعلمه حرًّا، أو مغصوبًا؛ فالمهر فاسد، فلها مهر المثل، وإن كانت لا تعلم ذلك؛ فلها البدل، وهو المثل؛ فإن لم يوجد المثل؛ فالقيمة. (٢) مسألة [١٨]: إذا تزوجها على أن يشتري لها شيئًا بعينه، فلم يرض صاحبه ببيعه، أو تلف ... ؟ • الصحيح أنَّ لها عليه بدله، وهو المثل إن وجد، وإلا فالقيمة، وهو قول أحمد، وعن أحمد: لها القيمة، وقال الشافعي: لها مهر المثل، والله أعلم. (٣)

стр. 4320

مسألة [١٩]: إذا فسد المهر المسمى، فهل يجب عليه مهر المثل، وإن كان أكثر من المسمَّى ؟ • الجمهور على أنَّ عليه مهر المثل، وإن كان أكثر من المسمى. • وقال أبو حنيفة وصاحباه: إن كان أكثر من المسمى؛ فعليه المسمى، وإن كان أقل؛ فعليه مهر المثل. ولا دليل على هذا التفصيل، والصحيح قول الجمهور. (١)

стр. 4321

١٠٣٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ عَلَى صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ أَوْ عِدَةٍ، قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: إذا اشترط أبو المرأة لنفسه شيئًا ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ له أن يشترط ذلك، ويكون من ضمن المهر، وهو قول بعض التابعين، منهم: علي بن الحسين، ومسروق، وهو مذهب

стр. 4322

أحمد، وإسحاق، والحنفية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أنت ومالك لأبيك»؛ فيجوز للأب أن يأخذ من مال ولده ما لا يجحف به، ولم تتعلق به حاجته. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه ليس له ذلك، وإذا فعل كان المال كله للمرأة، وهو قول عطاء، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والثوري، ومالك، وأبي عبيد؛ لأنه ملكٌ لها فلا يؤخذ إلا بطيب نفس منها. • وقال الشافعي: تفسد التسمية، ولها مهر المثل. قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول الثاني هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: إذا اشترط ذلك غيرُ الأب من الأولياء ؟ • مذهب أحمد، وإسحاق أنَّ الشرط باطل إذا كان ذلك من غير الأب، وهو قول مالك، والثوري، ومن معهم في المسألة السابقة؛ فالكل عندهم للمرأة مهرًا لها، إلا أنْ ترضى بجعله للولي. • وقالت الحنفية: الشرط لازم، واستدلوا بحديث الباب، وهو حجة عليهم. • وقال الشافعي، وبعض الحنابلة: لها مهر المثل، وتفسد التسمية. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (٢)

стр. 4323

مسألة [٣]: هل للأب أن يزوج ابنته بدون صداق مثلها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٤١٣ - ): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ لِلْأَبِ تَزْوِيجَ ابْنَتِهِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ فَإِنْ فَعَلَ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُصَ فِيهِ عَنْ قِيمَةِ الْمُعَوَّضِ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ تَفْرِيطٌ فِي مَالِهَا، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. قال: وَلَنَا أَنَّ عُمَرَ ﵁ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَمَا أَصْدَقَ رَسُولُ الله ﷺ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أَحَدًا مِنْ بَنَاتِهِ، أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ أُوقِيَّةً (١)، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرُوهُ؛ فَكَانَ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ دُونَ صَدَاقِ الْمِثْلِ. وَزَوَّجَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ابْنَتَهُ بِدِرْهَمَيْنِ، وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، شَرَفًا وَعِلْمَا وَدِينًا، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَهْرَ مِثْلِهَا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ النِّكَاحِ الْعِوَضَ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ السَّكَنُ وَالِازْدِوَاجُ، وَوَضْعُ الْمَرْأَةِ فِي مَنْصِبٍ عِنْدَ مَنْ يَكْفِيهَا، وَيَصُونَهَا، وَيُحْسِنُ عِشْرَتَهَا، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْأَبِ، مَعَ تَمَامِ شَفَقَتِهِ، وَبُلُوغِ نَظَرِهِ، أَنَّهُ لَا يَنْقُصُهَا مِنْ صَدَاقِهَا إلَّا لِتَحْصِيلِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ بِالنِّكَاحِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ بِتَفْوِيتِ غَيْرِهِ، وَيُفَارِقُ سَائِرَ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا الْعِوَضُ، فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهُ. اهـ

стр. 4324

مسألة [٤]: هل يجوز لغير الأب أن يزوج وليته بدون صداق مثلها ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٤١٤ - ): فَأَمَّا غَيْرُ الْأَبِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُصَهَا مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ فَإِنْ زَوَّجَ بِدُونِ ذَلِكَ، صَحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ فَسَادَ التَّسْمِيَةِ وَعَدَمَهَا لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ، وَيَكُونُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ قِيمَةُ بُضْعِهَا، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ نَقْصُهَا مِنْهُ، فَرَجَعَتْ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ. قال: وَتَمَامُ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ هَاهُنَا فَاسِدَةٌ؛ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهَا شَرْعًا، فَوَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا بِمُحَرَّمٍ. وَعَلَى الْوَلِيِّ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُفَرِّطُ، فَكَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَهَا بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا. وَلَيْسَ الْأَبُ مِثْلَ الْوَلِيِّ، وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهَا وُجُوبُ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ (١)

стр. 4325

١٠٣١ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا العِدَةُ، وَلَهَا المِيرَاثُ. فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ -امْرَأَةٍ مِنَّا- مِثْلَ مَا قَضَيْت، فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَجَمَاعَةٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: متى تملك المرأة الصداق ؟ • أكثر أهل العلم على أنَّ المرأة تملك الصداق بالعقد، ويدل عليه حديث الباب؛ فإنه قضى به للمرأة بموت زوجها من غير حصول الدخول، وكذا قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن أعطيتها إزارك؛ جلست ولا إزار لك»، ويدل على أنَّ الصداق كله للمرأة، لا يبقى للرجل منه شيء. • وقال مالك: تملك نصف المسمى بالعقد، والنصف الباقي تملكه بالدخول؛ لأنه لو طلقها قبل الدخول تملك نصفه. والصحيح هو قول الجمهور، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ

стр. 4326

نِحْلَةً﴾ [النساء:٤]، فلولا أنهن ملكنه؛ لما أمر بتسليمه إليهن، ولأنه عقد تملك به العوض بالعقد، فملك فيه العوض كاملًا كالبيع، وسقوط نصفه بالطلاق لا يمنع وجوب جميعه بالعقد، ألا ترى أنها لو ارتدت سقط جميعه، وإن كانت قد ملكت نصفه. (١) مسألة [٢]: إن كان الصداق معينًا، فلِمَن غُنْمه وعلى من غَرمُه ؟ على القول بأنها تملك الصداق بالعقد؛ فللمرأة نماؤه وزيادته، سواء قبضته أو لم تقبضه، متصلًا كان أو منفصلًا، وإن كان مالًا زكويًّا فحال عليه الحول؛ فزكاته عليها. وإن نقص بعد قبضها له، أو تلف؛ فهو من ضمانها، وإن كان ذلك قبل القبض؛ فإنْ كان قد منعها من قبضه، ولم يمكنها من قبضه؛ فهو من ضمانه؛ لأنه بمنزلة الغاصب، وإن لم يحل بينه وبينها ففيه خلاف، والراجح أنه من ضمانها، وقد تقدم بيان ذلك في البيوع. (٢) مسألة [٣]: إن طلق الزوج قبل الدخول، فكم للمرأة من المهر ؟ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهذا مجمع عليه، ليس في ذلك اختلاف. (٣)

стр. 4327

مسألة [٤]: هل يدخل النصف في ملك الزوج حكمًا، أم باختياره ؟ • مذهب الحنابلة، والمنصوص عن الشافعي أنه يدخل في ملكه حكمًا كالميراث، وهو قول زُفَر؛ لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، أي: لكم ولهن؛ فاقتضى ذلك أنَّ النصف لها، والنصف له بمجرد الطلاق، ولأنَّ الطلاق سبب يملك به بغير عوض، فلم يقف الملك على إزالته واختياره كالإرث. • وقال بعضهم: يدخل النصف في ملكه باختياره، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض الشافعية، وأبي حنيفة؛ لأنَّ الملك من غير اختيار لا يقع إلا بالإرث، وهذا ليس بإرث. وأُجيب بعدم تسليم الحصر المذكور. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم، وتنبني على ذلك مسائل لا تخفى على المتأمل، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٥]: لو تزوج المختلعة منه في عدتها، ثم طلقها قبل الدخول بها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ١٢٣): وَلَوْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ بَعْدَ الدُّخُولِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، فَلَهَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي نِصْفُ الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى فِيهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهَا جَمِيعُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَطْءِ مَوْجُودٌ فِيهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ؛ لَزِمَهُ. وَلَنَا قَوْلُ الله سُبْحَانَهُ:

стр. 4328

﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ نِكَاحٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَصَّفَ بِهِ الْمَهْرُ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنْ لُحُوقَ النَّسَبِ لَا يَقِفُ عَلَى الْوَطْءِ عِنْدَهُ، وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ. اهـ مسألة [٦]: إذا زاد الصداق بعد العقد، ثم طلق قبل الدخول ؟ إن كانت الزيادة منفصلة عن الأصل، كالولد، والكسب، والثمرة؛ فالزيادة للمرأة، وللرجل نصف الأصل. • وإن كانت غير منفصلة، كالسمن، والتعلم، وما أشبهها؛ فالمرأة بالخيار: إن شاءت دفعت إليه نصفه زائدًا، وإن شاءت دفعت نصف قيمته بدون الزيادة، هكذا قال أكثر أهل العلم، وقال محمد بن الحسن: الزيادة المتصلة تابعة للعين. والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: إنْ نقص الصداق بعد العقد ؟ تقدم أنَّ النقص من ضمان المرأة؛ فإن كان النقص متميزًا، كعبدين تلف أحدهما؛ فإنَّ الزوج يرجع بنصف الباقي، ونصف قيمة التالف، أو مثل نصف التالف إن كان من ذوات الأمثال. وإن كان النقص غير متميز كشاة هَزُلَت، وعبدٍ متعلم نسي العلم؛ فالخيار إلى الزوج إن شاء أخذ نصفه ناقصًا، وتجبر المرأة على ذلك، وإن شاء رجع بنصف

стр. 4329

قيمته قبل النقص. وقال محمد بن الحسن: النقص يتبع العين. والصحيح ما تقدم، والله أعلم. (١) تنبيه: هناك مسائل عديدة تتعلق بزيادة الصداق، ونقصه، وتغيره، والحكم ههنا كالحكم المتقدم في البيوع، إذا زادت السلعة، أو نقصت، أو تغيرت عند المشتري، ثم وقف على عيب، فأراد الفسخ، وتقدمت المسائل في كتاب البيوع، فليراجع ذلك. (٢) مسألة [٨]: إذا اختلف الزوجان في قدر الصداق ؟ • من أهل العلم من قال: القول قول من يدَّعي مهر المثل، أو قريبًا منه، وهذا قول النخعي، وحماد، وأبي حنيفة، وأبي عبيد، وأحمد في رواية؛ لأنَّ ظاهر الحال معه؛ لأنَّ الغالب هو التزوج بمهر المثل. • وعن أحمد رواية أنَّ القول قول الزوج بكل حال، وهو قول الشعبي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي ثور، وأبي يوسف؛ إلا أنْ يدعي مبلغًا مستنكرًا، وذلك لأنَّ الزوج ينكر الزيادة، والمرأة تثبتها؛ فالبينة على المدعي، وإلا فالقول قول المنكر، وهو الرجل مع يمينه. • وقال الشافعي: يتحالفان؛ فإنْ حلفا وجب مهر المثل، وإن نكل أحدهما؛ ثبت ما قاله الآخر، وهو قول الثوري.

стр. 4330

• وقال مالك: إن كان قبل الدخول؛ تحالفا، وفسخ النكاح، وإن كان بعده؛ فالقول قول الزوج. قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القولان الأولان أرجح، والقاضي يعمل بما رآه أقرب، وأما قول الشافعي ففيه نظر؛ لأنه يؤدي إلى إلزام الرجل بمالٍ لا تطالبه المرأة به، كأن يكون الخلاف بين سبعين درهمًا، وخمسين درهمًا، ومهر مثلها مائة درهم، ويؤدي أيضًا إلى أنَّ المرأة تلزم بمال والرجل يقر لها بأكثر منه، كأن يكون الخلاف بين مائة وعشرين درهمًا، ومائة وأربعين، ومهر مثلها مائة درهم، فتأمل ذلك، وقول مالك تفريقٌ لا دليل عليه، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: إذا ادَّعى كل واحد منهما مهرًا بعيدًا من مهر المثل ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ١٢٣): فَإِنْ ادَّعَى أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَادَّعَتْ هِيَ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ رُدَّ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا يَمِينًا وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَحَالَفَا؛ فَإِنَّ مَا يَقُولُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَمِلٌ لِلصِّحَّةِ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَّا بِيَمِينِ مِنْ صَاحِبِهِ، كَالمُنْكِرِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي عَدَمِ الظُّهُورِ، فَيُشْرَعُ التَّحَالُفُ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْبَاقُونَ عَلَى أُصُولِهِمْ. اهـ مسألة [١٠]: إذا أنكر الزوج صداق امرأته، وادَّعت ذلك عليه ؟ • جماعةٌ من أهل العلم على أنَّ القول قولها، سواء ادعى أنه وفَّاها، أو أبرأته منه، أو قال: لا تستحق عليَّ شيئًا. وسواء كان قبل الدخول أو بعده، وهو قول

стр. 4331

سعيد بن جبير، والشعبي، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وذلك لأنَّ الأصل أنَّ للمرأة على زوجها الصداق، وهو يدعي سقوطه، وهي تنكر ذلك، والقول قول المنكر مع يمينه. • وحُكي عن الفقهاء السبعة، ومالك: إن كان بعد الزفاف؛ فالقول قول الزوج، والدخول بالمرأة يقطع الصداق. وقال أصحاب مالك: إنما قال ذلك لأنَّ العادة كانت في تعجيل الصداق في المدينة، فيحمل قوله على ما إذا كانت العادة كذلك. (١) مسألة [١١]: إن تزوجها بغير تسمية صداق، ثم طلقها قبل الدخول ؟ يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦]. • فذهب الجمهور إلى أنه يجب لها على الزوج المتعة؛ للآية المتقدمة، وقال مالك، والليث، وابن أبي ليلى: المتعة مستحبة، وليست واجبة، واستدلوا بقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، فقالوا: هذه المتعة من باب الإحسان، وليست واجبة. • وعن أحمد رواية أنَّ لها نصف مهر مثلها، كما أنَّ لها بالدخول مهر مثلها، فيتنصف بالطلاق قبل الدخول، كما يتنصف المسمى.

стр. 4332

والقول الأول هو الصحيح؛ لانَّ الآية تدل على الوجوب، وقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ لا يلزم منه أنَّ ذلك على سبيل الاستحباب؛ فإنَّ الأمور الواجبة كالصلاة، والزكاة، وبر الوالدين وغيرها، الإتيان بها حق على المحسنين، ولا يدل ذلك على أنها مستحبة، والله أعلم. ثم قد قال في الآية الأخرى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]، وبالله التوفيق. (١) مسألة [١٢]: إن فرض لها بعد العقد، ثم طلقها قبل الدخول ؟ • قال جماعةٌ من أهل العلم: لها نصف المهر، وليس عليه المتعة. وهو قول عطاء، والشعبي، والنخعي، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهي عامة في المفروض لها من حين العقد، وبعد العقد. • وعن أحمد رواية: لها المتعة، ويسقط المهر. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه نكاح عري عن التسمية للصداق فيه؛ فوجبت به المتعة، كما لو لم يفرض لها. وأُجيب عنه بعموم الآية كما تقدم. (٢) مسألة [١٣]: مَنْ وجب لها نصف المهر، هل لها المتعة أيضًا ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ لها نصف المهر، ولا متعة لها عليه، وهو

стр. 4333

الأشهر عند الحنابلة، وهو قول الحنفية، والشافعي وأصحابه؛ لأنَّ الله تعالى أوجب لها نصف المهر، ولم يذكر لها المتعة، وهو في مقام بيان ما يجب لها، بينما أوجب للتي لم يسمَّ لها المتعة؛ فدل على أنَّ من حصلت على نصف المهر؛ فلا يجب على الزوج لها متعة، ولأنَّ نصف المهر أفضل لها من المتعة، ولأنَّ المتعة شُرِعت جبرًا لخاطرها، ويحصل لها ذلك بنصف المهر، وهذا القول صحَّ عن ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وجاء عن غيرهم. • وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ لها المتعة، وهو قول الحسن، وابن جبير، و أبي قلابة، والزهري، وقتادة، والضحاك، وأبي ثور، وأحمد في رواية؛ لعموم الآية: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١]. والصحيح هو القول الأول، والآية عامة مخصوصة بالآية السابقة، والله أعلم. (١) مسألة [١٤]: بقية المطلقات هل لهن متعة ؟ وَهُنَّ: من طُلِّقَت بعد الدخول، وقد فرض لها مهرًا، أو لها مهر مسمَّى قد قبضته، أو لم تقبضه، أومن طُلِّقت بعد الدخول، وكانت مفوضة. • فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه لا يجب لها المتعة، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، وهو قول الشافعي في القديم؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالمتعة لمن طُلِّقت قبل الدخول، ولم يفرض لها، فإذا فُقِد أحد هذين الأمرين؛ فلا متعة،

стр. 4334

وفي الآية الأخرى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩] فجعل لهن المتعة قبل المسيس، وقد وجد المسيس ههنا. • وذهب جماعة آخرون إلى أنَّ لها المتعة على الزوج، وهو قول سعيد بن جبير، والزهري، وأبي قلابة، وشُريح، وأبي العالية، والحسن، ومجاهد، وهو قول الشافعي في الجديد، وأحمد في رواية، وصحَّ عن ابن عمر، وجاء عن غيره من الصحابة. ورجَّح هذا القول شيخ الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١]، فالآية عامة، تشمل المطلقات المذكورات، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم، وبالله التوفيق. (١) مسألة [١٥]: هل تجب المتعة على الذِّمِّي والعبد، وللذمية والأمة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٤٢): وَالْمُتْعَةُ تَجِبُ عَلَى كُلِّ زَوْجٍ، لِكُلِّ زَوْجَةٍ مُفَوَّضَةٍ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ، وَالْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ، وَالْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا مُتْعَةَ لِلذِّمِّيَّةِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنْ كَانَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا؛ فَلَا مُتْعَةَ. قال: وَلَنَا عُمُومُ النَّصِّ، وَلِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ نِصْفِ الْمَهْرِ فِي حَقِّ مَنْ سُمِّيَ،

стр. 4335

فَتَجِبُ لِكُلِّ زَوْجَةٍ عَلَى كُلِّ زَوْجٍ كَنِصْفِ الْمُسَمَّى، وَلِأَنَّ مَا يَجِبُ مِنْ الْعِوَضِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ، كَالْمَهْرِ. اهـ قلتُ: وكذلك في كل موضع يجب فيه المتعة. (١) مسألة [١٦]: تقدير المتعة . • اختلف أهل العلم في تقدير المتعة، والصحيح أنه لا حدَّ لأعلاها، ولا لأقلِّها، بل كل ما يصلح أن يمتع به فيجزئ بالمعروف، وعلى الموسع أكثر مما على المقتر، فسواء متعها بمالٍ، أو ذهبٍ، أو ثيابٍ، أو طعامٍ أو غيره؛ فإنه يجزئ، والله أعلم. (٢) مسألة [١٧]: المُفوَّضة هل لها المطالبة بفرض المهر ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٤٥): المُفوَّضة لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَخْلُو مِنْ الْمَهْرِ؛ فَوَجَبَتْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِبَيَانِ قَدْرِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. قال: فَإِنْ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى فَرْضِهِ؛ جَازَ مَا فَرَضَاهُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، سَوَاءٌ كَانَا عَالِمَيْنِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ غَيْرَ عَالَمِينَ بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ: لَا يَصِحُّ الْفَرْضُ بِغَيْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ إلَّا مَعَ عِلْمِهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ مَا يَفْرِضُهُ بَدَلٌ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْدَلُ مَعْلُومًا.

стр. 4336

قال: وَلَنَا أَنَّهُ إذَا فَرَضَ لَهَا كَثِيرًا، فَقَدْ بَذَلَ مِنْ مَالِهِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ رَضِيت بِالْيَسِيرِ؛ فَقَدْ رَضِيت بِدُونِ مَا يَجِبُ لَهَا، فَلَا تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُمْ (إنَّهُ بَدَلٌ) غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْبَدَلَ غَيْرُ الْمُبْدَلِ، وَالْمَفْرُوضُ إنْ كَانَ نَاقِصًا فَهُوَ بَعْضُهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ الْوَاجِبُ وَزِيَادَةٌ؛ فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ بَدَلًا، وَلَوْ كَانَ بَدَلًا لَمَا جَازَ مَعَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ يُبْدِلُ مَا فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا. قال: فَأَمَّا إنْ تَشَاحَّا فِيهِ، فَفَرَضَ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِسِوَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِهِ، لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهَا حَتَّى تَرْضَاهُ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْمُتْعَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهَا بِفَرْضِهِ مَا لَمْ تَرْضَ بِهِ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ، وَإِنْ فَرَضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِتَمَامِهِ. قال: وَإِنْ تَشَاحَّا، وَارْتَفَعَا إلَى الْحَاكِمِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا إلَّا مَهْرَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَيْلٌ عَلَيْهِ، وَالنُّقْصَانَ مِيلٌ عَلَيْهَا، وَالْعَدْلُ الْمِثْلُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْرَضُ بَدَلُ الْبُضْعِ، فَيُقَدَّرُ بِهِ، كَالسِّلْعَةِ إذَا تَلِفَتْ فَرَجَعَا فِي تَقْوِيمِهَا إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَيُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ مَهْرِ الْمِثْلِ لِيُتَوَصَّلَ إلَى إمْكَانِ فَرْضِهِ، وَمَتَى صَحَّ الْفَرْضُ؛ صَارَ كَالمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ فِي أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ، وَلَا تَجِبُ المُتْعَةُ مَعَهُ، وَإِذَا فَرَضَهُ الْحَاكِمُ؛ لَزِمَ مَا فَرَضَهُ، سَوَاءٌ رَضِيَتْهُ أَوْ لَمْ تَرْضَهُ، كَمَا يَلْزَمُ مَا حَكَمَ بِهِ. اهـ مسألة [١٨]: متى يجب المهر للمفوضة ؟ • مذهب الحنابلة، والحنفية، وبعض الشافعية أنه يجب المهر لها بالعقد، وهو قول الثوري، وأبي ثور، وابن المنذر، وأفتى بذلك ابن مسعود ﵁.

стр. 4337

واستدلوا بحديث معقل بن سنان الذي في الباب؛ فإنه لما مات زوجها استحقت المهر كاملًا؛ فدلَّ على أنه قد دخل في ملكها من حين العقد؛ ولأنها لو ماتت بعد العقد بدقيقة؛ لاستحقت ذلك. • والأصح عند الشافعية أنه لا يجب بالعقد؛ لأنه لو وجب بالعقد؛ لتنصف بالطلاق كالمسمى في العقد، وهو قول الزهري، ومالك، والأوزاعي، وقال به من الصحابة علي، وزيد بن ثابت، وابن عمر ﵃، أخرجها عنهم عبد الرزاق (١٠٨٨٩ - ١٠٨٩٣)، وابن المنذر في الأوسط (٨/ ٣٧٠) بأسانيد صحيحة. وأُجيب: بأنها تملك المطالبة به؛ فكان واجبًا كالمسمى، ولو لم يجب بالعقد؛ لما استقر بالموت، وإنما لم يتنصف؛ لأنَّ الله تعالى نقل غير المسمى لها بالطلاق إلى المتعة كما نقل من سُمِّي لها إلى نصف المسمى لها، والله أعلم، والصحيح القول الأول. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٤٧): فَعَلَى هَذَا لَوْ فَوَّضَ الرَّجُلُ مَهْرَ أَمَتِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا، ثُمَّ فُرِضَ لَهَا الْمَهْرُ؛ كَانَ لِمُعْتِقِهَا، أَوْ بَائِعِهَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ فِي مِلْكِهِ. وَلَوْ فَوَّضَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، ثُمَّ طَالَبَتْ بِفَرْضِ مَهْرِهَا بَعْدَ تَغَيُّرِ مَهْرِ مِثْلِهَا، أَوْ دَخَلَ بِهَا؛ لَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلِهَا حَالَةَ الْعَقْدِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَوَافَقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَسْتَنِدُ إلَى حَالَةِ الْعَقْدِ، إلَّا فِي الْأَمَةِ الَّتِي أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. اهـ (١)

стр. 4338

مسألة [١٩]: هل يجوز الدخول بالمرأة قبل أن يعطيها شيئًا ؟ • ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى جواز ذلك، سواء كانت مفوضة، أو مسمى لها، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر. واستدلوا بحديث عقبة بن عامر: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟» قال: نعم. وقال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانًا؟» قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه، قال: فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقًا، ولم يعطها شيئًا، ثم حضرته الوفاة، فأعطاها سهمه بخيبر. أخرجه أبو داود (٢١١٧)، وغيره، وهو حديث صحيح. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يدخل بها حتى يعطيها شيئًا، وهو قول الزهري، وقتادة، ومالك. وثبت عن ابن عباس ﵄ بسند حسنٍ أنه كره أن يدخل بها حتى يعطيها شيئًا. أخرجه ابن منصور (١/ ١٩٩). وثبت عن ابن عمر ﵄، كما في «الأوسط» لابن المنذر، أنه قال: لا يحل لمسلم أن يدخل على امرأة حتى يقدم إليها ما قلَّ، أو كثر. والصحيح القول الأول، وقول ابن عباس ﵄ محمول على الأفضلية، ويمكن حمل قول الزهري ومن معه على ذلك؛ فلا يكون بين القولين فرق. (١)

стр. 4339

مسألة [٢٠]: لو مات أحدهما قبل الإصابة وقبل أن يفرض لها شيئًا ؟ أما الميراث فحاصل بينهما بلا خلاف؛ لأنَّ كل واحد منهما صار زوجًا للآخر بمجرد العقد. • وأما المهر، فاختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: لها مهر نسائها. وهو قول ابن مسعود ﵁، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وإسحاق، وأحمد، والشافعي، واستدلوا بحديث معقل بن سنان الذي في الباب. • وقال جماعة من أهل العلم: لا مهر لها. وهو قول الزهري، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، كما لو طلقها؛ فإنه لو طلقها لا مهر لها، فكذلك إذا مات عنها، وصحَّ هذا القول عن علي، وابن عمر، وزيد بن ثابت ﵃. • وقال أبو حنيفة في المسلمة كالقول الأول، وفي الذمية كالقول الثاني. • وعن أحمد رواية: لها نصف المهر. وهو قول الشافعي، ونُقل عن ابن عباس ﵄. والصحيح هو القول الأول -أعني: أنَّ لها مثل مهر نسائها-؛ لصحة الحديث فيه ومن خالف ذلك من الصحابة لعله لم يبلغه الحديث ولو بلغه لقال به، والله أعلم. (١) مسألة [٢١]: من المقصود بنسائها ؟ • مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة أنَّ المقصود أقاربها. • وقال مالك: تعتبر بمن هي مثلها في الجمال، والمال، والشرف.

стр. 4340

وليس بين القولين كبير خلاف؛ لأنَّ الذين قالوا: أقاربها. يعتبرون أيضًا الجمال، والشرف، والمال. وقول مالك (الشرف) يشمل أن تكون ذات نسب مثلها، وغالبًا ما يكون ذلك فيما إذا كانت من أسرتها؛ ولذلك فإن أحمد، والشافعي اعتبروا في القرابة أن تكون من قبل الأب، ولم يعتبر ذلك ابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية، والأول أقرب. (١) مسألة [٢٢]: متى يستقر المهر للمرأة على زوجها ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الخلوة بالمرأة توجب المهر، وروى ابن أبي شيبة، وابن منصور وغيرهما عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنَّ من أغلق بابًا وأرخى سترًا؛ فقد وجب المهر، ووجبت العدة. وهذا منقطع؛ لأنَّ ابن أوفى لم يدركهم، ولكن قد صحَّ عن عمر، وعلي ﵄ من أوجه أخرى عند ابن أبي شيبة، وابن منصور، والبيهقي بمجموعها، وصحَّ أيضًا هذا القول عن ابن عمر ﵄ كما في «مصنف ابن أبي شيبة». وحجَّةُ أصحاب هذا القول هو فتوى هؤلاء الصحابة المذكورين، حتى قالوا: لم يخالفهم أحدٌ من الصحابة؛ فكان إجماعًا. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يستقر المهر كاملًا إلا بالوطء، وأما الخلوة فلا اعتبار فيها، وهذا القول جاء عن ابن مسعود ﵁ من طريق: الشعبي عنه، ولم يسمع منه، وجاء عن ابن عباس ﵄، وفي إسناده: ليث بن أبي سليم،

стр. 4341

وهو ضعيفٌ، وله طريق أخرى عند البيهقي (٧/ ٢٥٥) من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ولم يسمع منه، وفي الإسناد إليه أبو صالح كاتب الليث، وفي ضعف، فالأثر عنه حسن، وقد ثبت عنه تفسير المسيس، والإفضاء ونحوهما بالجماع كما سيأتي، وقال بهذا القول شريح، والشعبي، وطاوس، وابن سيرين، والشافعي في الجديد، وأحمد في رواية، وأبو ثور. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والمسيس: هو الجماع، وقد فسَّره بذلك ابن عباس (١) وغيره. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٢١]، وقد فسَّر ابن عباس ﵄ الإفضاء بالجماع (٢)؛ فدلَّ على أنه قبل الجماع لا يجب المهر كاملًا عليه. وهذا القول قال به الظاهرية، وهو أقرب إلى الأدلة، قال شريح ﵀: لم أسمع الله ذكر في كتابه بابًا، ولا سترًا إذا زعم أنه لم يمسها؛ فلها نصف الصداق. (٣)

стр. 4342

تفريعات على مذهب الجمهور في المسألة السابقة: ذكر الجمهور أنَّ لها حكم المدخول بها الموطوءة من تكميل المهر، ووجوب العدة، وتحريم أختها، وأربع سواها إذا طلقها حتى تنتهي عدتها، وثبوت الرجعة له عليها في عدتها، وقال أبو حنيفة، والثوري: لا رجعة له عليها إذا أقر أنه لم يصبها. قالوا: ولها عليه نفقة العدة والسكنى؛ لأنَّ ذلك للمطلقة رجعيًّا. قالوا: ولا تثبت بها الإباحة للزوج المطلق ثلاثًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك»، ولا يثبت بذلك الإحصان؛ لأنه يُعتبر لإيجاب الحد، والحدود تُدرأ بالشبهات. ولا يثبت بذلك الغسل، ولا يخرج من العنة، ولا تحصل به الفيئة، ولا تفسد به العبادات، ولا تجب به الكفارة، ولا تحرم بها الربيبة على الأصح. (١) مسألة [٢٣]: إذا خلا بها وهناك مانع من الوطء، حِسِيٌّ أو شرعيٌّ ؟ • قال بعض أهل العلم: يكمل الصداق، ويستقر. وهو قول عطاء، وابن أبي ليلى، والثوري، وأحمد في رواية، وقضى به عمر ﵁ في العنين. • وقال بعضهم: لا يكمل بذلك الصداق. وهو قول شريح، وأبي ثور، وأحمد في رواية.

стр. 4343

• وعن أحمد رواية: إن كان المانع صومًا، أو إحرامًا؛ فلا يكمل الصداق، وإن كان المانع الجب، أو العنة، أو الرتق؛ فيكمل الصداق. • وقال أبو حنيفة: إن كان المانع من جهتها، أو من جهته بصومِ فرضٍ، أو إحرام لم يكمل الصداق وإن كان المانع من جهته بِجُبٍّ أو عنة؛ استقر الصداق. (١) مسألة [٢٤]: إذا حصلت الخلوة وأحدهما صغير ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٥٧): وَإِنْ خَلَا بِهَا، وَهِيَ صَغِيرَةٌ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، أَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً فَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا، أَوْ كَانَ أَعْمَى فَلَمْ يَعْلَمْ بِدُخُولِهَا عَلَيْهِ؛ لَمْ يَكْمُلْ صَدَاقُهَا. اهـ مسألة [٢٥]: إذا خلا بها في نكاح فاسد ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٥٧): وَالْخَلْوَةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَجِبُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ الْوَطْءُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلِ الدُّخُولِ، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ. اهـ مسألة [٢٦]: إذا قبَّلها، أو نظر إليها عريانة تغتسل، أو أخذ بيدها من غير خلوة ؟ • عن أحمد رواية وهي الأشهر: يجب عليه المهر. • والجمهور على أنَّ المهر لا يكمل، ولا يستقر بذلك. (٢)

стр. 4344

مسألة [٢٧]: من هو المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ؟ • اختلف أهل العلم في المراد بذلك على قولين: الأول: المراد بذلك الزوج. وهو قول سعيد بن المسيب، وشُريح، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وإياس بن معاوية، وأبي الشعثاء، وابن سيرين، والشعبي، وعكرمة، ونافع، ومكحول وغيرهم. وهو مذهب الشافعي في الجديد، والحنفية، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير الطبري وغيرهم. واستدلوا بحديث من طريق ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، مرفوعًا: «ولي عقد النكاح الزوج»، وهو حديث ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، وقد رُوي عن عمرو بن شعيب مرسلًا. وقالوا: الذي بيده عقدة النكاح حقيقةً الزوج؛ فإنَّ بيده عقدها وإبرامها، ونقضها، وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب من مال المولية شيئًا للغير؛ فكذلك في الصداق. وهذا القول ثبت عن علي بن أبي طالب، وجبير بن مطعم، وابن عباس ﵃. الثاني: المراد بذلك ولي المرأة، وهو قول علقمة، والحسن، وعطاء، وطاوس، والزهري، وربيعة، وزيد بن أسلم، والنخعي، وعكرمة في أحد قوليه، وابن سيرين في أحد قوليه، وهو مذهب مالك، وقول الشافعي في القديم، وأحمد

стр. 4345

في رواية، وصحَّ هذا القول عن ابن عباس ﵄، وسنده أصح من المروي عنه بالقول الأول. واستدلوا بأنَّ الله تعالى بدأ بخطاب الأزواج على المواجهة بقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]، وهذا خطاب غير حاضر. قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول الأول أقرب، ولا يمتنع العدول عن خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب، ونظير ذلك في القرآن كثير. وعلى هذا فمتى طلق الزوج قبل الدخول؛ ننصف المهر بينهما؛ فإن عفا الزوج لها عن النصف الذي له كمل لها الصداق جميعه، وإن عفت المرأة عن النصف الذي لها منه، وتركت له جميع الصداق؛ جاز إذا كان العافي منهما رشيدًا جائز التصرف في ماله، وإن كان صغيرًا، أو سفيهًا؛ لم يصح عفوه؛ لأنه ليس له التصرف في ماله بهبة، ولا إسقاط، ولا يصح عفو الولي عن صداق الزوجة أبًا كان أو غيره، صغيرةً كانت أو كبيرة، نصَّ عليه أحمد في الأشهر عنه، وعنه رواية أنَّ له ذلك، وللشافعية قولان كهذين. واشترطوا على القول بأنَّ له العفو شروطًا، وهي أن يكون ذلك من الأب، وأن تكون المرأة صغيرة، بكرًا طُلِّقت قبل الدخول. (١)
следующие страницы →