← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

وهو ضعيفٌ، وله طريق أخرى عند البيهقي (٧/ ٢٥٥) من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ولم يسمع منه، وفي الإسناد إليه أبو صالح كاتب الليث، وفي ضعف، فالأثر عنه حسن، وقد ثبت عنه تفسير المسيس، والإفضاء ونحوهما بالجماع كما سيأتي، وقال بهذا القول شريح، والشعبي، وطاوس، وابن سيرين، والشافعي في الجديد، وأحمد في رواية، وأبو ثور. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والمسيس: هو الجماع، وقد فسَّره بذلك ابن عباس (١) وغيره. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٢١]، وقد فسَّر ابن عباس ﵄ الإفضاء بالجماع (٢)؛ فدلَّ على أنه قبل الجماع لا يجب المهر كاملًا عليه. وهذا القول قال به الظاهرية، وهو أقرب إلى الأدلة، قال شريح ﵀: لم أسمع الله ذكر في كتابه بابًا، ولا سترًا إذا زعم أنه لم يمسها؛ فلها نصف الصداق. (٣)

стр. 4342

تفريعات على مذهب الجمهور في المسألة السابقة: ذكر الجمهور أنَّ لها حكم المدخول بها الموطوءة من تكميل المهر، ووجوب العدة، وتحريم أختها، وأربع سواها إذا طلقها حتى تنتهي عدتها، وثبوت الرجعة له عليها في عدتها، وقال أبو حنيفة، والثوري: لا رجعة له عليها إذا أقر أنه لم يصبها. قالوا: ولها عليه نفقة العدة والسكنى؛ لأنَّ ذلك للمطلقة رجعيًّا. قالوا: ولا تثبت بها الإباحة للزوج المطلق ثلاثًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك»، ولا يثبت بذلك الإحصان؛ لأنه يُعتبر لإيجاب الحد، والحدود تُدرأ بالشبهات. ولا يثبت بذلك الغسل، ولا يخرج من العنة، ولا تحصل به الفيئة، ولا تفسد به العبادات، ولا تجب به الكفارة، ولا تحرم بها الربيبة على الأصح. (١) مسألة [٢٣]: إذا خلا بها وهناك مانع من الوطء، حِسِيٌّ أو شرعيٌّ ؟ • قال بعض أهل العلم: يكمل الصداق، ويستقر. وهو قول عطاء، وابن أبي ليلى، والثوري، وأحمد في رواية، وقضى به عمر ﵁ في العنين. • وقال بعضهم: لا يكمل بذلك الصداق. وهو قول شريح، وأبي ثور، وأحمد في رواية.

стр. 4343

• وعن أحمد رواية: إن كان المانع صومًا، أو إحرامًا؛ فلا يكمل الصداق، وإن كان المانع الجب، أو العنة، أو الرتق؛ فيكمل الصداق. • وقال أبو حنيفة: إن كان المانع من جهتها، أو من جهته بصومِ فرضٍ، أو إحرام لم يكمل الصداق وإن كان المانع من جهته بِجُبٍّ أو عنة؛ استقر الصداق. (١) مسألة [٢٤]: إذا حصلت الخلوة وأحدهما صغير ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٥٧): وَإِنْ خَلَا بِهَا، وَهِيَ صَغِيرَةٌ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، أَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً فَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا، أَوْ كَانَ أَعْمَى فَلَمْ يَعْلَمْ بِدُخُولِهَا عَلَيْهِ؛ لَمْ يَكْمُلْ صَدَاقُهَا. اهـ مسألة [٢٥]: إذا خلا بها في نكاح فاسد ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٥٧): وَالْخَلْوَةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَجِبُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ الْوَطْءُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلِ الدُّخُولِ، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ. اهـ مسألة [٢٦]: إذا قبَّلها، أو نظر إليها عريانة تغتسل، أو أخذ بيدها من غير خلوة ؟ • عن أحمد رواية وهي الأشهر: يجب عليه المهر. • والجمهور على أنَّ المهر لا يكمل، ولا يستقر بذلك. (٢)

стр. 4344

مسألة [٢٧]: من هو المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ؟ • اختلف أهل العلم في المراد بذلك على قولين: الأول: المراد بذلك الزوج. وهو قول سعيد بن المسيب، وشُريح، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وإياس بن معاوية، وأبي الشعثاء، وابن سيرين، والشعبي، وعكرمة، ونافع، ومكحول وغيرهم. وهو مذهب الشافعي في الجديد، والحنفية، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير الطبري وغيرهم. واستدلوا بحديث من طريق ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، مرفوعًا: «ولي عقد النكاح الزوج»، وهو حديث ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، وقد رُوي عن عمرو بن شعيب مرسلًا. وقالوا: الذي بيده عقدة النكاح حقيقةً الزوج؛ فإنَّ بيده عقدها وإبرامها، ونقضها، وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب من مال المولية شيئًا للغير؛ فكذلك في الصداق. وهذا القول ثبت عن علي بن أبي طالب، وجبير بن مطعم، وابن عباس ﵃. الثاني: المراد بذلك ولي المرأة، وهو قول علقمة، والحسن، وعطاء، وطاوس، والزهري، وربيعة، وزيد بن أسلم، والنخعي، وعكرمة في أحد قوليه، وابن سيرين في أحد قوليه، وهو مذهب مالك، وقول الشافعي في القديم، وأحمد

стр. 4345

في رواية، وصحَّ هذا القول عن ابن عباس ﵄، وسنده أصح من المروي عنه بالقول الأول. واستدلوا بأنَّ الله تعالى بدأ بخطاب الأزواج على المواجهة بقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]، وهذا خطاب غير حاضر. قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول الأول أقرب، ولا يمتنع العدول عن خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب، ونظير ذلك في القرآن كثير. وعلى هذا فمتى طلق الزوج قبل الدخول؛ ننصف المهر بينهما؛ فإن عفا الزوج لها عن النصف الذي له كمل لها الصداق جميعه، وإن عفت المرأة عن النصف الذي لها منه، وتركت له جميع الصداق؛ جاز إذا كان العافي منهما رشيدًا جائز التصرف في ماله، وإن كان صغيرًا، أو سفيهًا؛ لم يصح عفوه؛ لأنه ليس له التصرف في ماله بهبة، ولا إسقاط، ولا يصح عفو الولي عن صداق الزوجة أبًا كان أو غيره، صغيرةً كانت أو كبيرة، نصَّ عليه أحمد في الأشهر عنه، وعنه رواية أنَّ له ذلك، وللشافعية قولان كهذين. واشترطوا على القول بأنَّ له العفو شروطًا، وهي أن يكون ذلك من الأب، وأن تكون المرأة صغيرة، بكرًا طُلِّقت قبل الدخول. (١)

стр. 4346

مسألة [٢٨]: هل صداق الصغير على الأب، أم على الصبي في ماله ؟ • الذي عليه جمهور العلماء: أن الصداق على الصغير في ماله، وهو قول الحسن، والحكم، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، والشافعي في الجديد. • وقال جماعة من أهل العلم: الصداق على الأب إن كان الغلام يوم الزواج لا مال له، وهو قول مالك، وربيعة. والأقرب القول الأول، وليس للولي أن يزوج الصبي إلا إذا علم له في ذلك مصلحة شرعية؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. (١) مسألة [٢٩]: هل لولي الصغير، أو السفيه، أو المجنون أن يعفو عن الصداق ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٦٣): وَلَوْ بَانَتْ امْرَأَةُ الصَّغِيرِ، أَوْ السَّفِيهِ، أَوْ الْمَجْنُونِ، عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ صَدَاقَهَا عَنْهُمْ، مِثْلُ أَنْ تَفْعَلَ امْرَأَتُهُ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا، مِنْ رَضَاعِ مَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ، أَوْ رِدَّةٍ، أَوْ بِصِفَةٍ لَطَلَاقٍ مِنْ السَّفِيهِ، أَوْ رَضَاعٍ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ لِمَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ لَوَلِيِّهِمْ الْعَفْوُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الصَّدَاقِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَوْلًا وَاحِدًا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الصَّغِيرَةِ أَنَّ وَلِيَّهَا أَكْسَبَهَا الْمَهْرَ بِتَزْوِيجِهَا، وَهَاهُنَا لَمْ يُكْسِبْهُ شَيْئًا، إنَّمَا رَجَعَ الْمَهْرُ إلَيْهِ بِالْفُرْقَةِ. اهـ

стр. 4347

مسألة [٣٠]: إذا عفت المرأة عن صداقها الذي لها لزوجها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٦٣): وَإِذَا عَفَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ صَدَاقِهَا الَّذِي لَهَا عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ، وَهِيَ جَائِزَةُ الْأَمْرِ فِي مَالِهَا؛ جَازَ ذَلِكَ وَصَحَّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يَعْنِي الزَّوْجَاتِ. اهـ مسألة [٣١]: إذا أصدق المرأة شيئًا ثم وهبته له، ثم طلقها قبل الدخول ؟ • قال بعض أهل العلم: يرجع بنصف المهر الذي أعطاها. وهو قول أبي ثور، وقولٌ للشافعي، وأحمد في رواية. • وقال بعضهم: لا يرجع عليها بشيء. وهو قول مالك، والمزني، وقولٌ للشافعي، وأحمد في رواية. • وقال الحنفية: إن كانت قد قبضته؛ فله عليها نصف المهر، وأما إن لم تكن قبضته؛ فلا شيء له. والذي يظهر لي أنه لا يرجع عليها بشيء؛ لأنه قد أخذ حقه الذي قدمه، ولأن المرأة ضعيفة العقل يغرها زوجها، والله أعلم. (١) مسألة [٣٢]: إذا أصدقها مالا فاشترت به متاعًا، ثم طلقها قبل الدخول ؟ قال مالك، والأوزاعي: ترد عليه نصف المتاع الذي اشترته. وزاد مالك: إن

стр. 4348

كان المتاع مما تحتاجه لعرسها. وقال الثوري، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي: متاعها لها، وترد عليه نصف المال. وهذا القول هو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. (١) مسألة [٣٣]: إذا أبرأت المُفوَّضة من المهر، وكذا الذي سمي لها مهر فاسد ؟ • مذهب الحنابلة وغيرهم أنه يصح إبراؤها؛ لأنَّ المهر واجب، ولكن جهل قدره، والبراءة من المجهول صحيحة. • وقال الشافعي: لا تصح البراءة. بناء على اختياره أنَّ المُفوَّضة لم يجب لها المهر بالعقد، وأنَّ البراءة من المجهول لا تصح. والصحيح قول الحنابلة. (٢) مسألة [٣٤]: هل يبرأ الزوج من الصداق بتسليمه إلى وليها ؟ • إذا كانت رشيدة، فمذهب أحمد، والشافعي: أنه لا يبرأ إلا بالتسليم إليها، أو إلى وكيلها، ولا يبرأ بالتسليم إلى أبيها، ولا إلى غيره، بكرًا كانت أو ثيبًا. وقال أبو حنيفة: له قبض صداق البكر دون الثيب؛ لأنَّ ذلك العادة، ولأنَّ البكر تستحيي، فقام أبوها مقامها كما قام مقامها في تزويجها.

стр. 4349

وأما الصغيرة التي دون البلوغ فيبرأ الزوج بدفعه إلى وليها في قولهم جميعًا. قاله ابن المنذر ﵀. (١) مسألة [٣٥]: هل للمرأة أن تمنع تسليم نفسها حتى تتسلم صداقها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٧١): فَإِنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا حَتَّى تَتَسَلَّمَ صَدَاقَهَا، وَكَانَ حَالًّا؛ فَلَهَا ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ دُخُولِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا، حَتَّى يُعْطِيَهَا مَهْرَهَا. وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: لَا أُسَلِّمُ إلَيْهَا الصَّدَاقَ حَتَّى أَتَسَلَّمَهَا. أُجْبِرَ الزَّوْجُ عَلَى تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ أَوَّلًا، ثُمَّ تُجْبَرُ هِيَ عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا. اهـ مسألة [٣٦]: إن سلمت نفسها قبل قبض المهر، ثم أرادت منع نفسها حتى تقبضه ؟ • قال جماعةٌ من أهل العلم: ليس لها ذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وبعض الحنابلة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن؛ لأنَّ التسليم استقر به العوض برضى الْمُسَلَّم؛ فلم يكن لها أن تمتنع منه بعد ذلك، كما لو سلَّم البائع المبيع. • وذهب بعض الحنابلة، منهم: ابن حامد، وأبو حنيفة إلى أنَّ لها ذلك؛ لأنه تسليم يوجبه عليها عقد النكاح، فملكت أن تمتنع منه قبل قبض صداقها

стр. 4350

كالأول. وهذا القول رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٣٧]: إن أعسر الزوج عن المهر الحال، فهل للمرأة الفسخ ؟ • أما إذا كان ذلك قبل الدخول، فمذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ لها الفسخ. • ومذهب مالك: أن الأمر يختلف؛ فمن رجي له المال؛ لوجود العمل له؛ ضرب له الأجل، والأجل بعد الأجل. ومن لم يرج منه شيء؛ فرق بينهما. وقول مالك أقرب، والله أعلم. • وإن كان ذلك بعد الدخول، ففيه وجهان للحنابلة، والشافعية. • وقال أبو حنيفة: لا يفرق بينهما، بل هو غريم من الغرماء، ولها أن تمنع نفسها حتى يعطيها المهر، وقول أبي حنيفة في هذه المسألة قريب، والله أعلم. (٢) مسألة [٣٨]: الجمع في العقد بين نكاح وبيع ؟ كأن يقول الرجل: هذا الألف صداق لابنتك، وثمن لعبدك. • منع من ذلك مالك، وابن القاسم، وأبو ثور، والشافعي في قول؛ لوجود الجهالة؛ فبطل كالبيع. • وأجازه الحنابلة، والشافعي في قول، وأشهب، وأبو حنيفة؛ لأنهما عقدان

стр. 4351

يصح كل واحدٍ منهما منفردًا؛ فصح جمعهما، كما لو باعه ثوبين؛ فإن قال: زوجتك، ولك هذا الألف بألفين. لم يصح؛ لأنه كمسألة مد عجوة. وقالوا: النكاح يغتفر فيه من الجهالة ما لا يغتفر في البيع، وهذا القول هو الراجح، وللمرأة مهر المثل، والباقي قيمة للعبد. (١) مسألة [٣٩]: إن تزوجها على طلاق امرأة له أخرى ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٧٧ - ١٧٨): وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى طَلَاقِ امْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى؛ لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنَّمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتُكْفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا، وَلِتَنْكِحَ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» (٢)؛ وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا فِي بَيْعٍ، وَلَا أَجْرًا فِي إجَارَةٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ صَدَاقًا، كَالْمَنَافِعِ الْمُحَرَّمَةِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ أَصْدَقَهَا خَمْرًا وَنَحْوَهُ، يَكُونُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، أَوْ نِصْفُهُ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ الْمُتْعَةِ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُهَا فِي التَّسْمِيَةِ الْفَاسِدَةِ. قال: وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِعْلًا لَهَا فِيهِ نَفْعٌ وَفَائِدَةٌ لِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ الرَّاحَةِ بِطَلَاقِهَا مِنْ مُقَاسَمَتِهَا، وَضَرَرِهَا، وَالْغَيْرَةِ مِنْهَا، فَصَحَّ صَدَاقًا، كَعِتْقِ أَبِيهَا، وَخِيَاطَةِ قَمِيصِهَا. اهـ

стр. 4352

قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: وقول الشافعي: أن لها النصف إن طلقها قبل الدخول. وقال الثوري، وأبو ثور، وابن نصر، وابن المنذر، وأصحاب الرأي: لها المتعة فساد المهر المسمَّى. وهذا القول أقرب، والله أعلم. مسألة [٤٠]: الزيادة في الصداق بعد العقد، هل تلحق به ؟ • مذهب أحمد، وأبي حنيفة أنَّ الزيادة في الصداق بعد العقد تلحق به؛ فإن طلقها قبل الدخول؛ فلها نصف الصداق كاملًا بالزيادة. • ومذهب الشافعي أنَّ الزيادة لا تلحق بالعقد؛ فإن زادها؛ فهي هبة تفتقر إلى شروط الهبة، وإن طلقها قبل الدخول؛ فله نصف الصداق الأول دون الزيادة. واحتج الشافعي بأنَّ الزوج ملك البضع بالمسمى في العقد؛ فلم يحصل بالزيادة شيء من المعقود؛ فلا تكون عوضًا في النكاح، كما لو وهبها شيئًا. واستدل ابن قدامة للقول الأول بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء:٢٤]، ولأنَّ ما بعد العقد زمن لفرض المهر؛ فكان حال الزيادة كحال العقد. وانظر بقية كلامه. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٤١]: التي تستحق المهر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٨٦): ويجب المهر للمنكوحة نكاحًا صحيحًا والموطوءة في نكاح فاسد والموطوءة بشبهة بغير خلاف نعلمه. اهـ

стр. 4353

مسألة [٤٢]: المكرهة على الزنى هل تستحق مهرًا ؟ • الجمهور على أن لها المهر؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فلها المهر بما استحل من فرجها»، فهو يشمل المكرهة، وخالف أبو حنيفة فقال: لامهر لها؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن مهر البغي. وأُجيب: بأنَّ هذه مكرهة ليست زانية، والصحيح قول الجمهور. مسألة [٤٣]: وهل لها أرش البكارة ؟ • أحمد في رواية والشافعي على أنَّ لها أرش البكارة. • وقال أحمد في رواية -وهو قول جماعة من أصحابه-: لا أرش لها؛ لأنَّ الحديث أوجب لها المهر دون الأرش، ولأنَّ مهر البكر أكثر من الثيب بسبب بكارتها. وهذا أرجح، والله أعلم. (١) مسألة [٤٤]: هل تستحق الموطوءة بشبهة المهر، وإن كانت من المحارم ؟ • جماعةٌ من أهل العلم على أنَّها تستحقه، وهو قول مكحول، والنخعي، والشافعي، وأبي حنيفة. • وعن أحمد رواية: لا مهر للمحارم. وهو قول الشعبي. وعن أحمد رواية: من تحرم عليه ابنتها؛ فلا مهر لها. والصحيح القول الأول. (٢)

стр. 4354

مسألة [٤٥]: هل للمطاوعة على الزنى مهر ؟ ذكر أهل العلم أنه ليس لها مهر؛ إلا أن تكون أمة فمهرها لسيدها إذا زنت بغير إذنه وعلمه. (١) مسألة [٤٦]: هل يجب المهر بالوطء في الدبر، وباللواط ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٨٧): ولا يجب المهر بالوطء في الدبر، ولا اللواط؛ لأنَّ الشرع لم يرد ببدله، ولا هو إتلاف لشيء؛ فأشبه القبلة، والوطء دون الفرج. اهـ مسألة [٤٧]: لو طلق امرأته قبل الدخول طلقة، فظن أنها لا تبين منه، فوطئها ؟ • مذهب الحنابلة أنه يلزمه نصف المسمى، ومهر المثل؛ لأنَّ المفروض يتنصف بطلاقه؛ لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، ووطؤه بعد ذلك عري عن العقد؛ فوجب مهر المثل. • وقال مالك: يلزمه مهر واحد. والصحيح القول الأول. (٢) مسألة [٤٨]: من نكاحها باطل، هل لها المهر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٨٨): وَمَنْ نِكَاحُهَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، كَالْمُزَوَّجَةِ، وَالْمُعْتَدَّةِ، إذَا نَكَحَهَا رَجُلٌ، فَوَطِئَهَا عَالِمًا بِالْحَالِ، وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ،

стр. 4355

وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَالِمَةٌ، فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ زِنَى يُوجِبُ الْحَدَّ، وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَهِلَتْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ، أَوْ كَوْنَهَا فِي الْعِدَّةِ؛ فَالْمَهْرُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ. اهـ مسألة [٤٩]: إذا تزوج العبد بإذن سيده، فعلى من المهر، والنفقة ؟ قال العِمْرَاني ﵀ في «البيان» (٩/ ٤٥٥ - ٤٥٦): لا يخلو العبد إما أن يكون مكتسِبًا غير مأذون له في التجارة، وإما مأذونًا له في التجارة، أو غير مكتسب ولا مأذون له في التجارة. قال: فإن كان مكتسبًا غير مأذون له في التجارة؛ تعلق المهر والنفقة في كسبه؛ لأنه لا يخلو إما أن يتعلق بذمة سيده، أو برقبة العبد، أو بذمته إلى أن يعتق، أو بكسبه؛ فبطل أن يقال: يتعلق بذمة السيد؛ لأنه لم يضمن ذلك، وإنما أذن في النكاح، وذلك ليس بضمان. وبطل أن يقال: يتعلق ذلك برقبة العبد؛ لأنه حق وجب برضى من له الحق، وإنما يتعلق برقبته ما وجب بغير رضى من له الحق. وبطل أن يقال: يتعلق بذمته إلى أن يعتق؛ لأنه يجب في مقابلة ما يستحقه من الاستمتاع حالًا، فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا تعلقه بكسبه. قال: إذا ثبت هذا؛ فعلى السيد تخليته بالنهار للاكتساب، وبالليل للاستمتاع؛ لأنَّ إذنه بالنكاح يتضمن ذلك، إلا أن يختار السيد أن يستخدمه نهارًا؛ فإنه يلزمه نفقته، ونفقة زوجته، والمهر. قال: وإن كان العبد مأذونًا له في التجارة ... ، فقد قال الشافعي ﵀: إنه يعطي مما في يده. واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يدفع المهر، والنفقة من أصل

стр. 4356

المال الذي في يده للتجارة؛ لأنه يجوز أن يقضي منه دين التجارة، والمهر والنفقة دين عليه لزمه برضى السيد؛ فهو كدين التجارة. ومنهم من قال: لا يجوز له أن يدفع المهر والنفقة من المال الذي بيده للتجارة، وإنما يدفعهما من فضل المال الذي بيده للتجارة، كما لا يجوز أن يدفعهما من المال الذي اكتسبه قبل النكاح؛ لأنَّ ذلك مال السيد، وحمل النص على فضل المال. قال: وإن كان العبد غير مكتسب، ولا مأذون له في التجارة، فمن أين يستوفي المهر والنفقة؟ فيها وجهان: أحدهما: يتعلقان بذمة العبد إلى أن يُعتق؛ لأنه حق وجب برضى من له الحق؛ فتعلق بذمته كما لو استدان شيئًا. الثاني: يجبان في ذمة السيد؛ لأنه لما أذن له في النكاح مع علمه بوجوب المهر والنفقة، وعلمه بحاله؛ كان ذلك رضى منه بضمانهما. انتهى بتصرف. تنبيه: الوجهان عند الحنابلة مطلقًا، سواء كان له كسب، أم لا. (١) فائدة في الخلاف السابق: قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف» (٨/ ٢٥٥): وفائدة الخلاف أنَّا إذا قلنا: (يتعلق بذمة السيد) تجب النفقة عليه، وإن لم يكن للعبد كسب، وليس للمرأة الفسخ لعدم الكسب، وللسيد استخدامه، ومنعه من التكسب. وإن قلنا: (يتعلق بكسبه) فللمرأة الفسخ إذا لم يكن له كسب.

стр. 4357

مسألة [٥٠]: إذا زوج السيد عبدَه أمته، فهل عليه مهر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٥٢): إذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجِبُ مَهْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لِسَيِّدِهَا، وَلَا يَجِبُ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ مَالٌ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ الْمُسَمَّى، أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى؛ كَيْ لَا يَخْلُوَ النِّكَاحُ عَنْ مَهْرٍ، ثُمَّ يَسْقُطُ لِتَعَذُّرِ إثْبَاتِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله: إذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ، فَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ بِمَهْرٍ وَشُهُودٍ. قِيلَ: فَإِنْ طَلَّقَهَا؟ قَالَ: يَكُونُ الصَّدَاقُ عَلَيْهِ إذَا أُعْتِقَ. قِيلَ: فَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ مَهْرٍ؟ قَالَ: قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ جَابِرٌ إلَى أَنَّهُ جَائِزٌ (١). اهـ وبقول القاضي قال الشافعي، وبقول أبي الخطاب قال أبو حنيفة، وهذا أقرب، والله أعلم. (٢) تنبيه: إذا تزوج العبد بغير إذن سيده ففي صحته خلاف تقدم ذكره، وإذا وطئها؛ فالمهر يتعلق برقبته على الصحيح، وقيل: يتعلق في ذمته. وقيل: الواجب خُمُسا المهر. وقيل: المسمى. وقيل: المثل. والمرجح عند الشافعية أنه يتعلق في ذمته، وليس ذلك ببعيد فيما إذا علمت المرأة بحاله؛ لأنه يصبح حقًّا وجب برضاها، والله أعلم، ووجه الأول أنه كالجناية. (٣)

стр. 4358

١٠٣٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَأَشَارَ إلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ. (١) ١٠٣٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَخُولِفَ فِي ذَلِكَ. (٢) ١٠٣٤ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: زَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ. أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الحَدِيثِ الطَّوِيلِ المُتَقَدِّمِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ. (٣) الحكم المستفاد من الأحاديث دلَّت الأحاديث المتقدمة على أنه لا حدَّ لأقل الصداق، وقد تقدم ذكر

стр. 4359

المسألة في أوائل الباب، وهذه الأحاديث ضعيفة، وهناك ما يُغني عنها في الدلالة كما تقدم. ١٠٣٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: لَا يَكُونُ المَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ. (١) الحكم المستفاد من الأثر هذا الأثر من أدلة الحنفية في تحديد أقل المهر بعشرة دراهم، وهو ضعيف لا يثبت، وقد جاء مرفوعًا من حديث جابر أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٤٥). وهو حديث موضوع؛ في إسناده: مبشر بن عبيد، وكان يضع الحديث. ١٠٣٦ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (٢) الحكم المستفاد من الحديث فيه الحث على تيسير الصداق، وأنه سبب للبركة، وقد تقدم الكلام على ذلك في أول الباب.

стр. 4360

١٠٣٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الجَوْنِ تَعَوَّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ تَعْنِي لَمَّا تَزَوَّجَهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ عُذْتِ بِمُعَاذٍ» فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إسْنَادِهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ. (١) ١٠٣٨ - وَأَصْلُ القِصَّةِ فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ. (٢) الحكم المستفاد من الحديث فيه أنَّ المطلقة تُمَتَّع بثيابٍ، أو مالٍ، أو غيره بالمعروف، وقد قدمنا الكلام على أحكام المتعة في هذا الباب، فراجعها.

стр. 4361

بَابُ الوَلِيمَةِ تعريف الوليمة: الوليمة اسم للطعام في العرس خاصَّة، مأخوذ من الولم، وهو الاجتماع، هذا الذي عليه أكثر أهل اللغة، والفقهاء. وقال بعضهم: هو اسم طعام كل سرور حادث، وكثر استعماله في العرس. والقول الأول أصح. والعرب يسمون الأطعمة، فطعام العرس يسمونه: وليمة. وطعام الولادة يسمونه: الخُرْس. وطعام العقيقة: اسم للطعام الذي يُصنع عند ذبح العقيقة. وطعام القدوم من السفر يسمونه: نقيعة. وطعام الختان يسمونه: الإعذار. وطعام السكن في البيت الجديد يسمونه: وكيرة. والطعام المتخذ عند المصيبة يسمونه: وضيمة. وطعام الزائر يسمونه: التحفة. والمأدبة: اسم لكل دعوة لسبب كانت أو لغير سبب. (١)

стр. 4362

١٠٣٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: «فَبَارَكَ اللهُ لَك، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١) ١٠٤٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى الوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) وَلِمُسْلِمٍ: «إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ». ١٠٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (٣) ١٠٤٢ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. (٤) ١٠٤٣ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُهُ وَقَالَ: «فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ». (٥)

стр. 4363

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: حكم الوليمة . • جمهور العلماء، والفقهاء على أنه يستحب لمن تزوج أن يولم؛ لحديث أنس الذي في أول الباب، وذلك لأنه طعام لسرور حادث، فأشبه سائر الأطعمة، ويدل على الاستحباب أنه أمره بالشاة، ولا خلاف في أنها لا تجب. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى وجوب الوليمة على من تزوج، وهو قول الشافعي، وجماعةٍ من أصحابه، والظاهرية، وبعض المالكية، وأحمد في رواية. واستدلوا على ذلك بحديث: «أولم ولو بشاة»، والأمر يقتضي الوجوب؛ مالم يصرفه صارف. واستدلوا بحديث بريدة عند أحمد (٥/ ٣٥٩) مرفوعًا: «لابد للعرس من وليمة» وهو حديث ضعيف؛ لأنَّ في إسناده: عبد الكريم بن سليط وهو مجهول الحال. والصحيح هو القول بالوجوب، وكونه لا تجب الشاة؛ فلأنه قد جاءت أدلة تدل على أنه يجزئ أن يولم بدون الشاة كما سيأتي إن شاء الله. (١) تنبيه: طعام غير العرس لا يجب عند أهل العلم، وَنُقِل الإجماع على ذلك، ولا يدخل في ذلك الضيافة، فهي واجبة على الصحيح. (٢)

стр. 4364

مسألة [٢]: وقت الوليمة . كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يولم بعد دخول زوجته إليه كما في قصة زينب بنت جحش، وصفية؛ فاستحب جماعةٌ من أهل العلم أن تكون كذلك، وهو قول مالك، وأكثر أصحابه، واختاره الماوردي، وشيخ الإسلام، وهو الصحيح. وهل تجزئ قبل الدخول؟ الذي عليه العلماء أنها تجزئ، حتى قال بعضهم: تجزئ من حين العقد إلى انتهاء أيام العرس. وهو قول بعض الحنابلة، والمالكية. واستحب جماعة من المالكية أن تكون قبيل الدخول، قال الحافظ: وعليه عمل الناس اليوم. وقال المرداوي: لكن قد جرت العادة فعل ذلك قبل الدخول بيسير. (١) مسألة [٣]: إجابة الدعوة إلى الوليمة . • جمهور العلماء يقولون بوجوب الإجابة، ويستدلون بأحاديث الباب، وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حق المسلم على المسلم ست» ومنها: «إذا دعاك؛ فأجبه»، وحديث البراء: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بسبع، وذكر منها: «إجابة الداعي»، وكلاهما في «الصحيحين» (٢)، ولفظ الأول لمسلم. • وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى استحباب الإجابة، ولم يقولوا

стр. 4365

بالوجوب، واختاره شيخ الإسلام، وقال بعض الشافعية: فرض كفاية. والصحيح هو القول الأول، وكيف لا يقال به بعد قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ومن لم يجب الدعوة؛ فقد عصى الله ورسوله»؟! (١) مسألة [٤]: إجابة الدعوة إلى غير الوليمة . • جمهور العلماء على الاستحباب؛ للأحاديث المتقدمة؛ فإنها عامة، واستدل بعضهم بحديث يدل على أنَّ الأمر فيها للاستحباب، وهو ما أخرجه مسلم من حديث أنس برقم (٢٠٣٧) أنَّ جارًا لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فارسيًا كان طيب المرق، فصنع لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم جاء يدعوه، فقال: «وهذه؟» لعائشة، فقال: لا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا»، فعاد يدعوه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وهذه؟» لعائشة، فقال: لا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا»، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وهذه؟» قال: نعم. في الثالثة، فقاما حتى أتيا منزله. وقد سمعت شيخنا مقبلًا الوادعي ﵀ يستدل بهذا الحديث على ذلك. • وللشافعية قول بالوجوب، وهو قول العنبري، وابن حزم. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)

стр. 4366

مسألة [٥]: إذا دعا عمومًا، فهل تجب الإجابة ؟ وذلك كقوله: يا أيها الناس، تعالوا إلى الطعام. أو يقول: كل من علم بعرسنا فليأت. أو ما أشبه ذلك. • مذهب الحنابلة عدم وجوب ذلك، وكذا الشافعية، بل قال الشافعي: استحب له أن لا يحضر. وكره الحنابلة حضوره، وعن بعضهم: لا يجب، ولا يستحب. وعن بعضهم: يجب. والصحيح عدم الكراهة، فقد صحَّ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لأنس في عرسه بزينب: «ادع فلانًا، وفلانًا، ومن لقيت»، أخرجه مسلم (٩٤) من [كتاب النكاح]، والبخاري (٥١٦٣) معلقًا. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٥/ ٣٤٢ - ٣٤٣): والصواب أنه لا بأس، وأنَّ الإجابة في هذه الحالة ليست مكروهة، بل في ظني أنَّ عدم الإجابة إلى الكراهة أقرب؛ لأنه إذا دعا الناس عمومًا وتخلف واحد يقول الناس: هذا متكبر. فالصواب أنه لا تكره الإجابة، صحيح أنها لا تجب على كل واحد؛ لأنَّ الدعوة عامة؛ فهي تشبه فرض الكفاية، لكنها ليست مكروهة، وليست بواجبة، لكن إذا علم أحد المدعوين أنه يسر الداعي أن يحضر؛ فإنه ينبغي له أن يحضر. اهـ (١)

стр. 4367

مسألة [٦]: إذا دعاه ذمي، فهل تجب إجابته ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعية عدم وجوب إجابة دعوة الذمي، ويدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حق المسلم على المسلم»، وكره ذلك جماعة من الحنابلة. • وعن بعض الشافعية وجوب ذلك. والصحيح عدم وجوب الإجابة، ولكن ذلك لا يُكره؛ لأنه ربما تأثر فأسلم، وقد أجاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دعوة اليهود وأكل من طعامهم، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٧]: هل يجب عليه الأكل إذا أتى الوليمة ؟ أما إذا كان صائمًا فلا يجب عليه الأكل عند أهل العلم؛ لحديث الباب: «فإن كان مفطرًا؛ فليطعم، وإن كان صائمً؛ فليصل»، ويستحب له أن يدعوَ لصاحب الوليمة. • وأما إذا كان مفطرًا، فقالت الظاهرية، وبعض الشافعية: يجب عليه أن يأكل؛ للحديث المتقدم؛ ولأنَّ الغرض من دعوته إلى الوليمة هو الأكل. • ومذهب الجمهور أنه لا يجب عليه الأكل؛ لحديث جابر في «صحيح مسلم» المذكور في الباب: «إذا دعا أحدكم أخاه؛ فليجب؛ فإن شاء طعم، وإن شاء ترك».

стр. 4368

وقال الأولون: هذا الحديث محمول على الصائم. وقد جاء عند ابن ماجه زيادة: «إذا دُعي أحدكم إلى طعام وهو صائم»، ولكن للحديث طرق كثيرة بدون زيادة: «وهو صائم» كما في «صحيح مسلم»، و «أبي عوانة» و «الطحاوي». (١) وقد جمع الإمام ابن عثيمين ﵀ بين الحديثين بأنه يجب الأكل إذا حصل مفسدة بترك الأكل، والله أعلم. (٢) تنبيه: مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ الأفضل للصائم المتطوع أن يصوم ويتم صومه إلا أن يشق ذلك على صاحب الطعام؛ فيستحب له الفطر. وقد جاء حديث عن أبي سعيد مرفوعًا: «دعاك أخوك، وتكلف لك، أفطر، وكل، وصم يومًا مكانه» أخرجه البيهقي (٤/ ٢٧٩). وفي إسناده: إسماعيل بن أبي أويس وأبوه، وكلاهما ضعيف، وله طريق أخرى عنده (٧/ ٢٦٣ - )، وفي إسناده: حماد بن أبي حميد، ويقال له: محمد، وهو شديد الضعف، واختلف عليه في إسناد الحديث، وعلى هذا فالأفضل أن لا يقطع عبادته الجليلة، وهو معذورٌ شرعًا، ولا ينبغي أن يشق ذلك على صاحب الطعام. (٣)

стр. 4369

مسألة [٨]: إن كان في الدعوة منكر كالخمر، والزمر، وغيره ؟ • إن كان يستطيع تغييره؛ وجب عليه الحضور؛ إجابة للدعوة، وتغييرًا للمنكر، وإن كان لا يستطيع تغييره؛ فلا يجوز له الحضور؛ لأنَّ حضور المنكر لا يجوز، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]. وإن كان قد حضر، ثم علم بالمنكر، وشاهده؛ فإن استطاع تغييره غيَّره، وإن لم يستطع انصرف. • وإن علم به ولم يره، ولم يسمعه؛ فله الجلوس والانصراف، والأولى أن ينظر المصلحة في ذلك. هذا هو مذهب الحنابلة، والشافعية. • وقال مالك: أما اللهو الخفيف، كالدف، والكَبْرِ وهو الطبل؛ فلا يرجع. • وقال أبو حنيفة: إذا وجد اللعب؛ فلا بأس أن يأكل. وقال محمد بن الحسن: إن كان ممن يقتدى به؛ فلا أحب أن يشهدها. والصحيح القول الأول. (١)

стр. 4370

مسألة [٩]: إذا رأى في البيت صورًا للحيوان معلقة بالستور وغيرها ؟ • أكثر الشافعية، وجماعةٌ من الحنابلة على أنه يحرم عليه البقاء في ذلك البيت حتى تُزال الصور. • وبعض الحنابلة، والشافعية على أنه لا يحرم. والقول الأول عزاه في «المغني» لأكثر أهل العلم، وهو الأصح؛ لأنه منكر فيجب عليه التغيير وعدم المشاركة فيه بالجلوس عنده، والله أعلم. (١) مسألة [١٠]: إذا كانت الجدر مسترة بغير تصاوير ذوات الأرواح ؟ • مذهب الشافعي جواز الدخول، وهو الأصح عند الحنابلة، ولكن الحنابلة يقولون بالكراهة. وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ فاطمة وعليًّا دعياه إلى طعام، فلما بلغ البيت رجع، وقال: «ما كان لنبي أن يدخل بيتًا مزوَّقًا». فالذي يظهر هو جواز الدخول؛ لانَّ تستير الجدر مكروه، وليس بمحرم، وأما حديث: «لا تستروا الجدر بالثياب»، فهو حديث ضعيفٌ، أخرجه أبو داود (١٤٨٥)، ثم ضعفه، وفيه مجاهيل. وقال بعض الحنابلة بوجوب الإجابة في هذه الحال، وصحَّ عن أبي أيوب الأنصاري أنه لم يدخل بيت عبد الله بن عمر من أجل ذلك في عرس سالم (٢). (٣)

стр. 4371

١٠٤٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «طَعَامُ أَوَّلِ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. (١) ١٠٤٥ - وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. (٢)

стр. 4372

المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم إجابة الدعوة في غير اليوم الأول . قال البخاري ﵀ في «صحيحه» [باب (٧١) من كتاب النكاح]: بَاب حَقِّ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ، وَالدَّعْوَةِ، وَمَنْ أَوْلَمَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهُ، وَلَمْ يُوَقِّتْ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ. انتهى، ثم ذكر أحاديث في الأمر بإجابة الدعوة. قال الحافظ ابن حجر ﵀: قَوْله: (وَمَنْ أَوْلَمَ سَبْعَة أَيَّام وَنَحْوه) يُشِير إِلَى مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ قَالَتْ: لَمَّا تَزَوَّجَ أَبِي دَعَا الصَّحَابَة سَبْعَة أَيَّام، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَنْصَار دَعَا أُبَيّ بْن كَعْب، وَزَيْد بْن ثَابِت وَغَيْرهمَا؛ فَكَانَ أُبَيّ صَائِمًا، فَلَمَّا طَعِمُوا دَعَا أُبَيّ وَأَثْنَى. قلتُ: إسناده صحيح، وهو في «المصنف» (٤/ ٢/٣١٤). قال الحافظ: قَوْله: (وَلَمْ يُوَقِّت النَّبِيّ ﷺ يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ)، أَيْ: لَمْ يَجْعَل لِلْوَلِيمَةِ وَقْتًا مُعَيَّنًا يَخْتَصّ بِهِ الْإِيجَاب، أَوْ الِاسْتِحْبَاب، وَأُخِذَ ذَلِكَ مِنْ الْإِطْلَاق. اهـ قلتُ: مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ الإجابة تجب في اليوم الأول، وتستحبُّ في اليوم الثاني، وفي اليوم الثالث لاتستحب. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وَقَالَ الْعِمْرَانِيّ: إِنَّمَا تُكْرَه إِذَا كَانَ الْمَدْعُوّ فِي

стр. 4373

الثَّالِث هُوَ الْمَدْعُوّ فِي الْأَوَّل، وَكَذَا صَوَّرَهُ الرُّويَانِيّ، وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ؛ لِأَنَّ إِطْلَاق كَوْنه رِيَاء وَسُمْعَة يُشْعِر بِأَنَّ ذَلِكَ صُنِعَ لِلْمُبَاهَاةِ، وَإِذَا كَثُرَ النَّاس فَدَعَا فِي كُلّ يَوْم فِرْقَة؛ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُبَاهَاة غَالِبًا، وَإِلَى مَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّة، قَالَ عِيَاض: اِسْتَحَبَّ أَصْحَابنَا لِأَهْلِ السَّعَة كَوْنهَا أُسْبُوعًا. قَالَ: وَقَالَ بَعْضهمْ: مَحَلّه إِذَا دَعَا فِي كُلّ يَوْم مَنْ لَمْ يُدْعَ قَبْله وَلَمْ يُكَرِّر عَلَيْهِمْ. وَهَذَا شَبِيه بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الرُّويَانِيّ، وَإِذَا حَمَلْنَا الْأَمْر فِي كَرَاهَة الثَّالِث عَلَى مَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ رِيَاء، وَسُمْعَة، وَمُبَاهَاة كَانَ الرَّابِع وَمَا بَعْده كَذَلِكَ. اهـ قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: من دُعي مرة أخرى في اليوم الثاني وما بعده فلا يجب عليه الحضور؛ لأنه قد أجاب في اليوم الأول، وأدَّى الواجب، وإن علم فيهم فخرًا، ورياء، وسمعة؛ فيكره له الحضور. وأما من دُعي في اليوم الثاني، أو الثالث، ولم يكن قد دُعي قبل ذلك، أو حضر؛ فيجب عليه الحضور، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: هل يجوز دخول بيت فيه تصاوير في غير دعوة الوليمة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٠٢): فَأَمَّا دُخُولُ مَنْزِلٍ فِيهِ صُورَةٌ؛ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ مِنْ أَجَلِهِ؛ عُقُوبَةً لِلدَّاعِي، بِإِسْقَاطِ حُرْمَتِهِ؛ لِإِيجَادِهِ الْمُنْكَرَ فِي دَارِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ رَآهُ فِي مَنْزِلِ الدَّاعِي الْخُرُوجُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ: إذَا رَأَى صُوَرًا عَلَى السِّتْرِ لَمْ

стр. 4374

يَكُنْ رَآهَا حِينَ دَخَلَ؟ قَالَ: هُوَ أَسْهَلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْجِدَارِ. قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَرَهُ إلَّا عِنْدَ وَضْعِ الْخِوَانُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، أَيَخْرُجُ؟ فَقَالَ: لَا تُضَيِّقْ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ إذَا رَأَى هَذَا وَبَّخَهُمْ وَنَهَاهُمْ. يَعْنِي لَا يَخْرُجُ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا تَنَزُّهًا، وَلَا يَرَاهَا مُحَرَّمَةً. وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إذَا كَانَتْ الصُّوَرُ عَلَى السُّتُورِ، أَوْ مَا لَيْسَ بِمَوْطُوءٍ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الدُّخُولُ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، لَمَا جَازَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ الْوَاجِبَةِ مِنْ أَجْلِهِ. اهـ ثم استدل ابن قدامة لترجيح مذهبه بدخول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الكعبة وفيها صور (١)، وبأثر عمر ﵁ في شروطه على أهل الذمة بأن يوسعوا أبواب كنائِسِهم (٢)، وبِيَعِهِم؛ ليدخلها المسلمون للمبيت فيها، والمارة بدوابهم. قال ابن قدامة ﵀: وَلِأَنَّ دُخُولَ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ فَكَذَلِكَ الْمَنَازِلُ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ وَكَوْنُ الْمَلَائِكَةِ لَا تَدْخُلُهُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِهِ عَلَيْنَا، كَمَا لَوْ كَانَ فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا صُحْبَةُ رُفْقَةٍ فِيهَا جَرَسٌ مَعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَصْحَبُهُمْ. قال: وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ مِنْ أَجْلِهِ عُقُوبَةً لِفَاعِلِهِ، وَزَجْرًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ

стр. 4375

فائدة: من الأعذار في ترك إجابة الدعوة في الوليمة أن يكون طعام صاحب الوليمة من مكسب حرام، أو يكون المدعو في مكان بعيد يشق عليه الحضور، أو يستأذن المدعو من الداعي بالتخلُّف، فيأذن له في ذلك. ١٠٤٦ - وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (١) ١٠٤٧ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إلَى وَلِيمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ أَمَرَ بِالأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالأَقِطُ وَالسَّمْنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلبُخَارِيِّ. (٢) الحكم المستفاد من الحديثين في هذين الحديثين دلالة على أنَّ الوليمة تجزئ بما تيسر، ولا يُشترط فيها أن يذبح شاة، ولكن المستحب للمستطيع أن لا يقل عن شاة؛ لحديث: «أولم ولو بشاة».

стр. 4376

١٠٤٨ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: إذا اجتمع داعيان ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ١٩٦): فَإِنْ دَعَاهُ رَجُلَانِ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَسَبَقَ أَحَدُهُمَا؛ أَجَابَ السَّابِقَ؛ لِأَنَّ إجَابَتَهُ وَجَبَتْ حِينَ دَعَاهُ، فَلَمْ يَزُلْ الْوُجُوبُ بِدُعَاءِ الثَّانِي، وَلَمْ تَجِبْ إجَابَةُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ مَعَ إجَابَةِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا؛ أَجَابَ أَقْرَبَهُمَا مِنْهُ بَابًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ»، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ الله، إنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «أَقْرَبُهُمَا مِنْك بَابًا» (٢)، وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ؛

стр. 4377

فَقُدِّمَ بِهَذِهِ الْمَعَانِي؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا؛ أَجَابَ أَقْرَبَهُمَا رَحِمًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا؛ أَجَابَ أَدْيَنَهُمَا؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تُعَيِّنُ الْمُسْتَحِقَّ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْحُقُوقِ. اهـ قلتُ: وقال بعض الحنابلة، والشافعية بتقديم الرحم على الجار، والراجح تقديم الجار؛ لحديث الباب، والله أعلم. (١) تنبيه: حديث الباب مرفوعٌ عند أبي داود وغيره، وليس كما أوهمه صنيع الحافظ ﵀ أنه موقوف.

стр. 4378

١٠٤٩ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الأكل متكئًا . دلَّ حديث الباب على كراهة ذلك. • واختُلِف في تفسير الاتكاء: فقيل: هو المتمكن في جلوسه من التربع، وشبهه، المعتمد على الوطاء تحته. وقيل: هو الميل على أحد الشقين. وهذا القول أقرب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀، والله أعلم. (٢)

стр. 4379

١٠٥٠ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا غُلَامُ سَمِّ اللهَ وَكُلْ بِيَمِينِك وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم التسمية على الطعام . قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥٣٧٦): قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّسْمِيَة عَلَى الطَّعَام فِي أَوَّله. وَفِي نَقْل الْإِجْمَاع عَلَى الِاسْتِحْبَاب نَظَر، إِلَّا إِنْ أُرِيدَ بِالِاسْتِحْبَابِ أَنَّهُ رَاجِح الْفِعْل وَإِلَّا فَقَدْ ذَهَب جَمَاعَة إِلَى وُجُوب ذَلِكَ. اهـ قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨): وَالصّحِيحُ وُجُوبُ التّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَأَحَادِيثُ الْأَمْرِ بِهَا صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ وَلَا مُعَارِضَ لَهَا، وَلَا إجْمَاعَ يُسَوّغُ مُخَالَفَتَهَا وَيُخْرِجُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا، وَتَارِكُهَا شَرِيكُهُ الشّيْطَانُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ. اهـ والقول بالوجوب هو الصحيح، وهو قول الظاهرية، والشوكاني. (٢) مسألة [٢]: من نسي التسمية في أوله ؟ جاءت أحاديث مجموعها يرتقي إلى الصحة أنَّ من نسي في أوله، فيقول حين يذكر: «بسم الله أوله وآخره» جاء ذلك من حديث ابن مسعود، وعائشة، وأمية بن

стр. 4380

مخشي ﵃. (١) تنبيه: ظاهر الأدلة الواردة أنَّ صفة التسمية «بسم الله»، وقال النووي: الأفضل أن يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال الحافظ: ولم أرَ لما ادَّعاه من الأفضلية دليلًا خاصًّا. (٢) مسألة [٣]: الأكل باليمين . دلَّ حديث الباب على وجوب الأكل باليمين، ويدل عليه أيضًا حديث: «لا تأكلوا بالشمال، ولا تشربوا بالشمال؛ فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله»، وسيأتي في آخر الباب. وكذا حديث سلمة بن الأكوع في «صحيح مسلم» (٢٠٢١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى رجلًا يأكل بشماله قال: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع. قال: «لا استطعت» ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه. وقد قال بالوجوب جماعةٌ من الشافعية، والحنابلة، وقال به ابن العربي، والشوكاني وغيرهم، وقال الجمهور بالكراهة فقط. (٣) مسألة [٤]: الأكل مما يليه . قال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٥/ ٢٩٨): قوله: «كل مما يليك» سنة متفق
следующие страницы →