فَقُدِّمَ بِهَذِهِ الْمَعَانِي؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا؛ أَجَابَ أَقْرَبَهُمَا رَحِمًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا؛ أَجَابَ أَدْيَنَهُمَا؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تُعَيِّنُ الْمُسْتَحِقَّ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْحُقُوقِ. اهـ
قلتُ: وقال بعض الحنابلة، والشافعية بتقديم الرحم على الجار، والراجح تقديم الجار؛ لحديث الباب، والله أعلم. (١)
تنبيه: حديث الباب مرفوعٌ عند أبي داود وغيره، وليس كما أوهمه صنيع الحافظ ﵀ أنه موقوف.
стр. 4378
١٠٤٩ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الأكل متكئًا .
دلَّ حديث الباب على كراهة ذلك.
• واختُلِف في تفسير الاتكاء:
فقيل: هو المتمكن في جلوسه من التربع، وشبهه، المعتمد على الوطاء تحته.
وقيل: هو الميل على أحد الشقين. وهذا القول أقرب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀، والله أعلم. (٢)
стр. 4379
١٠٥٠ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا غُلَامُ سَمِّ اللهَ وَكُلْ بِيَمِينِك وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم التسمية على الطعام .
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥٣٧٦): قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّسْمِيَة عَلَى الطَّعَام فِي أَوَّله. وَفِي نَقْل الْإِجْمَاع عَلَى الِاسْتِحْبَاب نَظَر، إِلَّا إِنْ أُرِيدَ بِالِاسْتِحْبَابِ أَنَّهُ رَاجِح الْفِعْل وَإِلَّا فَقَدْ ذَهَب جَمَاعَة إِلَى وُجُوب ذَلِكَ. اهـ
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨): وَالصّحِيحُ وُجُوبُ التّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَأَحَادِيثُ الْأَمْرِ بِهَا صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ وَلَا مُعَارِضَ لَهَا، وَلَا إجْمَاعَ يُسَوّغُ مُخَالَفَتَهَا وَيُخْرِجُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا، وَتَارِكُهَا شَرِيكُهُ الشّيْطَانُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ. اهـ
والقول بالوجوب هو الصحيح، وهو قول الظاهرية، والشوكاني. (٢)
مسألة [٢]: من نسي التسمية في أوله ؟
جاءت أحاديث مجموعها يرتقي إلى الصحة أنَّ من نسي في أوله، فيقول حين يذكر: «بسم الله أوله وآخره» جاء ذلك من حديث ابن مسعود، وعائشة، وأمية بن
стр. 4380
مخشي ﵃. (١)
تنبيه: ظاهر الأدلة الواردة أنَّ صفة التسمية «بسم الله»، وقال النووي: الأفضل أن يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال الحافظ: ولم أرَ لما ادَّعاه من الأفضلية دليلًا خاصًّا. (٢)
مسألة [٣]: الأكل باليمين .
دلَّ حديث الباب على وجوب الأكل باليمين، ويدل عليه أيضًا حديث: «لا تأكلوا بالشمال، ولا تشربوا بالشمال؛ فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله»، وسيأتي في آخر الباب.
وكذا حديث سلمة بن الأكوع في «صحيح مسلم» (٢٠٢١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى رجلًا يأكل بشماله قال: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع. قال: «لا استطعت» ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه.
وقد قال بالوجوب جماعةٌ من الشافعية، والحنابلة، وقال به ابن العربي، والشوكاني وغيرهم، وقال الجمهور بالكراهة فقط. (٣)
مسألة [٤]: الأكل مما يليه .
قال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٥/ ٢٩٨): قوله: «كل مما يليك» سنة متفق
стр. 4381
عليها، وخلافها مكروه شديد الاستقباح، لكن إذا كان الطعام نوعًا واحدًا، وسبب الاستقباح أنَّ كل آكل كالحائز لما يليه من الطعام، فأخذ الغير له تعد عليه مع ما في ذلك من تقزز النفوس مما خاضت فيه الأيدي والأصابع، ولما فيه من إظهار الحرص على الطعام، والنهم، ثم هو سوء أدب من غير فائدة إذا كان الطعام نوعًا واحدًا، وأما إذا اختلفت أنواع الطعام؛ فقد أباح ذلك العلماء؛ إذ ليس فيه شيء من تلك الأمور المستقبحة. اهـ
ويؤيد حديث الباب حديث أنس ﵁ في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما أولم على زينب قال للناس: «اذكرو اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه». (١)
وقد أخرج الشيخان من حديث أنس ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دُعي إلى طعام، فكان معه أنس، قال أنس: فرأيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يتتبع الدُّباء من حوالي الصحفة. (٢)
وقد حمله البخاري ﵀ على ما إذا لم يعرف من صاحبه كراهة ذلك؛ جمعًا بين الأدلة.
ونقل ابن بطال عن مالك أنه قال: إنَّ المؤاكل لأهله وخدمه يُباح له أن يتبع شهوته حيث رآها إذا علم أنَّ ذلك لا يُكره منه، فإذا علم كراهتهم لذلك لم يأكل إلا مما يليه.
وقال أيضًا: إنما جالت يد رسول الله ﷺ إلى الطعام؛ لأنه علم أنَّ أحدًا لا
стр. 4382
يكره ذلك منه، ولا يتقذره، بل كانوا يتبركون بريقه، ومماسة يده، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته، فيتدلكون بها، فكذلك من لم يتقذر من مؤاكله يجوز له أن تجول يده في الصحفة. وقيل: كان النبي ﷺ يأكل وحده. وفيه نظر.
وقال ابن حزم: ليس في الحديث أنه أكل الدباء مما يلي غيره.
وفيه نظر أيضًا. والذي أجاب به البخاري هو الجواب المرضي.
وقد ذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز له أن يأكل مما يلي غيره؛ لظاهر الأمر، وليس ذلك ببعيد إذا تأذى صاحبه بذلك، والله أعلم، وهو منقول عن الشافعي. (١)
стр. 4383
١٠٥١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ، فَقَالَ: «كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسْطِهَا، فَإِنَّ البَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسْطِهَا». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الأكل من وسط الطعام .
دلَّ الحديث على النهي عن ذلك، وجمهور الفقهاء على الكراهة، وعن بعضهم تحريم ذلك، نُقل عن الشافعي، وقال به ابن حزم، وهو اختيار الصنعاني. (٢)
стр. 4384
١٠٥٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: عيب الطعام .
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥٤٠٩): أَيْ الطَّعَام الْمُبَاح، أَمَّا الْحَرَام فَكَانَ يَعِيبهُ، وَيَذُمّهُ، وَيَنْهَى عَنْهُ، وَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ الْعَيْب إِنْ كَانَ مِنْ جِهَة الْخِلْقَة؛ كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَة الصَّنْعَة؛ لَمْ يُكْرَه، قَالَ: لِأَنَّ صَنْعَة الله لَا تُعَاب، وَصَنْعَة الْآدَمِيِّينَ تُعَاب. قُلْت: وَاَلَّذِي يَظْهَر التَّعْمِيم؛ فَإِنَّ فِيهِ كَسْر قَلْب الصَّانِع. قَالَ النَّوَوِيّ: مِنْ آدَاب الطَّعَام الْمُتَأَكِّدَة أَنْ لَا يُعَاب، كَقَوْلِهِ: مَالِح، حَامِض، قَلِيل الْمِلْح، غَلِيظ، رَقِيق، غَيْر نَاضِج، وَنَحْو ذَلِكَ. اهـ
١٠٥٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢)
الحكم المستفاد من الحديث
في هذا الحديث دلالة على تحريم الأكل بالشمال، والشرب بها، وأنَّ ذلك من أعمال الشيطان، وقد تقدم ذكر المسألة قريبًا.
стр. 4385
١٠٥٤ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
١٠٥٥ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ نَحْوُهُ، وَزَادَ: «وَيَنْفُخُ فِيهِ». وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: النفخ في الشراب والطعام .
قال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٥/ ٢٨٨): نهيه ﷺ عن التنفس في الإناء إنما هو لئلا يتنفس فيه؛ فيتقذر الماء ببزاق يخرج من الفم، أو بريح كريهة تتعلق بالماء. اهـ
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٥٣): وهذا النهي للتأدب لإرادة المبالغة في النظافة؛ إذ قد يخرج مع النفس بصاق، أو مخاط، أو بخار رديء، فيكسبه رائحة كريهة، فيتقذر بها هو أو غيره عن شربه. اهـ
وقال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٦٧): قال العلماء: والنهي عن التنفس في الإناء هو من طريق الأدب؛ مخافة من تقذيره، ونتنه، وسقوط شيء من الفم، والأنف فيه، ونحو ذلك، والله أعلم. اهـ
стр. 4386
وقال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (٦/ ١٧٢): فيه دلالة على تحريم النفخ في الإناء. اهـ
وأخرج حديثَ ابن عباس ﵄ أحمدُ (١/ ٣٠٩)، بلفظ: «نهى أن ينفخ في الطعام والشراب»، وهو في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» (٥٩٢)، فالنهي يشمل الطعام والشراب. (١)
مسألة [٢]: بعض الآداب التي لم تتناولها الأحاديث السابقة .
١) من الآداب في ذلك: الحمد، والثناء على الله بعد الأكل؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها» أخرجه مسلم (٢٧٣٤)، من حديث أنس بن مالك ﵁.
٢) غسل اليدين قبل الطعام لمن احتاج ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ولم يثبت حديثٌ في الحث على غسل اليدين قبل الطعام. (٢)
٣) غسل اليدين بعد الطعام، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه غسل يديه بعد الطعام. أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٢٦٩) وغيره، من حديث أبي هريرة ﵁، بإسناد حسن، وفي «سنن أبي داود» (٣٨٥٢)، من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من نام وفي يده غمر ولم يغسله، فأصابه
стр. 4387
شيءٌ، فلا يلومن إلا نفسه»،وإسناده صحيح.
٤) يُستحب له الأكل بثلاث أصابع، ولا يمسح يده حتى يلعقها، ثبت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في «صحيح مسلم» (٢٠٣٢)(٢٠٣٤)، من حديث أنس بن مالك، وكعب بن مالك ﵄.
٥) يستحب لعق الأصابع، والصحفة؛ لحديث جابر في «صحيح مسلم» (٢٠٣٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: «إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة».
٦) يستحب إذا سقطت اللقمة أن يأخذها، ويميط عنها الأذى، ويأكلها، أمر بذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «صحيح مسلم» (٢٠٣٣)(٢٠٣٤)، من حديث جابر، وأنس ﵄.
٧) يستحب له أن يزيل فضل الطعام الذي بين أسنانه؛ لأنه ببقائه تنبعث الريح الكريهة، وتوهن الأضراس، وثبت عن ابن عمر ﵄ كما في «معجم الطبراني» أنه قال: إن فضل الطعام الذي يبقى بين الأضراس يوهن الأضراس. وصححه الإمام الألباني في «الإرواء» (١٩٧٤).
٨) يُكره أكل الطعام الشديد الحرارة، وقد صحَّ عن أبي هريرة ﵁ كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٢٨٠)، أنه كان يقول: لا يؤكل طعام حتى يذهب بخاره. وصححه الإمام الألباني في «الإرواء» (١٩٧٨).
وقد أخرج الطبراني عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أُتي بصحفة
стр. 4388
تفور، فرفع يده منها، فقال: «اللهم لا تطعمنا نارًا»، وفي إسناده: عبد الله بن يزيد البكري، وهو ضعيف، وبلال بن أبي هريرة، وهو مجهول، وقد ضعفه الإمام الألباني في «الإرواء» (١٩٧٨).
وقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال في الطعام الذي ذهب فوره: «إنه أعظم للبركة» أخرجه أحمد (٦/ ٣٥٠)، والحاكم (٤/ ١١٨)، والبيهقي (٧/ ٢٨٠)، من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂، وهو في «السلسلة الصحيحة» (٣٩٢).
غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١)؛ فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، اسْتَأْذَنَهُنَّ فِي الْكَوْنِ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ .
قال: فَإِنْ لَمْ يَأْذَنَّ لَهُ؛ أَقَامَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ بِالْقُرْعَةِ، أَوْ اعْتَزَلَهُنَّ جَمِيعًا إنْ أَحَبَّ. اهـ
قلتُ: وإن كانت واحدة منهن تحسن الاعتناء به في مرضه؛ فلا يبعد جواز بقائه عندها، وإن لم يأذنَّ، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: هل يَقْسِم المجنون ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٣٦): فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَجْنُونًا لَا يُخَافُ مِنْهُ، طَافَ بِهِ الْوَلِيُّ عَلَيْهِنَّ، وَإِنْ كَانَ يُخَافُ مِنْهُ، فَلَا قَسْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ أُنْسٌ وَلَا فَائِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ الْوَلِيُّ فِي الْقَسْمِ بَيْنَهُنَّ، ثُمَّ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ لِلْمَظْلُومَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَزِمَهُ إيفَاؤُهُ حَالَ الْإِفَاقَةِ. اهـ
مسألة [٤]: هل يقسم للمريضة، والرتقاء، والحائض، والنفساء، والمُحْرِمَة، والصغيرة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٣٦): وَيُقْسَمُ لِلْمَرِيضَةِ، وَالرَّتْقَاءِ، وَالْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءِ، وَالْمُحْرِمَةِ، وَالصَّغِيرَةِ الْمُمْكِنِ وَطْؤُهَا، وَكُلُّهُنَّ سَوَاءٌ فِي
стр. 4393
الْقَسْمِ. وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. وَكَذَلِكَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِيوَاءُ، وَالسَّكَنُ، وَالْأُنْسُ، وَهُوَ حَاصِلٌ لَهُنَّ. اهـ (١)
مسألة [٥]: هل يقسم للمجنونة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٣٧): وَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ؛ فَإِنْ كَانَتْ لَا يُخَافُ مِنْهَا، فَهِيَ كَالصَّحِيحَةِ، وَإِنْ خَافَ مِنْهَا، فَلَا قَسْمَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَحْصُلُ لَهَا أُنْسٌ وَلَا بِهَا. اهـ
مسألة [٦]: هل يلزمه قسم الابتداء ؟
ومعنى قسم الابتداء أنه يلزمه أن يبيت عند امرأته إذا كان له واحدة ليلة من كل أربع ليال، وإن كان له أربع نسوة فكل واحدة منهن ليلة من كل أربع ليال.
وبتعبير آخر: إن كان له امرأة ليس له ترك المبيت عندها أكثر من ثلاث ليالٍ، وإن كان له امرأتان فليس له أن يترك المبيت عند واحدة منهما أكثر من ليلتين، وهكذا.
• فمذهب أحمد وجوبه، وهو قول الثوري، وأبي ثور، مالم يكن له عذر، واستدلوا على ذلك بحديث: «وإنَّ لأهلك عليك حقًّا»، وبقصة كعب بن سور أنه كان جالسًا عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلًا قط أفضل من زوجي، والله إنه ليبيت ليله قائمًا،
стр. 4394
ويظل نهاره صائمًا، فاستغفر لها وأثنى عليها، واستحيت المرأة وقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين، هلا أعديت المرأة على زوجها، فقال: وما ذاك؟ فقال: إنها جاءت تشكوه، إذا كان هذا حاله في العبادة، فمتى يتفرغ لها؟ فبعث عمر إلى زوجها، فجاء، فقال لكعب: اقض بينهما؛ فإنك فهمت من أمرهما مالم أفهم. قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن، فأقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة. فقال عمر: والله، ما رأيك الأول بأعجب إليَّ من الآخر، اذهب فأنت قاضٍ على أهل البصرة. رواه عمر بن شبة في كتاب «قضاة البصرة» من طرق، وذكر الحافظ في «الإصابة» أن لها طرقًا، وصححها الإمام الألباني في «الإرواء» (٢٠١٦).
• وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه لا يجب قسم الابتداء؛ لأنَّ القسم لحقه، فلم يجب عليه، وهو قول القاضي أبي يعلى الحنبلي، قال: إلا أن يترك الوطء مُصِرًّا.
• وقال القاضي، وابن عقيل كما في «الإنصاف»: يلزمه من البيتوتة ما يزول معه ضرر الوحشة، ويحصل منه الأُنس المقصود بالزوجية بلا توقيت، فيجتهد الحاكم. قال المرداوي: وهو الصواب.
وقال الإمام ابن عثيمين ﵀: وقال بعض أهل العلم: إنه يجب عليه أن يبيت عندها بالمعروف، ولا يلزم من كونه لا يلزمه إلا ليلة إذا كان عنده أربع نساء أن لا يجب عليه أكثر إذا لم يكن له إلا واحدة؛ لأنَّ كونه لا يلزمه إلا ليلة إذا كان عنده أربع نساء هو من ضرورة العدل، فإذا صرن أربعًا؛ فلابد أن يكون لكل واحدة
стр. 4395
منهن ليلة من أربع بخلاف ما إذا كان مُخْلٍ لها وليس معها أحد؛ فإنَّ الحكم يختلف، فيجب عليه أن يبيت عندها ما جرت به العادة، والظاهر أنَّ ما جرت به العادة يكون مقاربًا لما قضى به عمر ﵁ عند النزاع والتنازع، وأما المشورة؛ فإنه ينبغي أن يُشار على الزوج، فيقال: هذه زوجتك، ولا ينبغي لك أن تهجرها، والله تعالى يقول: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ متى؟ ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، أما مع عدم خوف النشوز فلا ينبغي أن تُهجر ولا ليلة؛ إلا إذا جرى العرف بذلك. اهـ (١)
مسألة [٧]: إذا سافر عن امرأته، فهل يسقط حقها من القسم، والوطء ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٤٠): وَإِنْ سَافَرَ عَنْ امْرَأَتِهِ لَعُذْرٍ وَحَاجَةٍ؛ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ وَالْوَطْءِ، وَإِنْ طَالَ سَفَرُهُ، وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمَفْقُودِ إذَا تَرَكَ لِامْرَأَتِهِ نَفَقَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ الرُّجُوعِ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إلَى تَوْقِيتِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَمْ يَغِيبُ الرَّجُلُ عَنْ زَوْجَتِهِ؟ قَالَ: سِتَّةَ أَشْهُرٍ، يُكْتَبُ إلَيْهِ؛ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا. وَإِنَّمَا صَارَ إلَى تَقْدِيرِهِ بِهَذَا؛ لِحَدِيثِ عُمَرُ رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحْرُسُ الْمَدِينَةَ، فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا، وَهِيَ تَقُولُ:
تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَاسْوَدَّ جَانِبُهُ ... وَطَالَ عَلَيَّ أَنْ لَا خَلِيلَ أُلَاعِبُهُ
وَوَالله لَوْلَا خَشْيَةُ الله وَحْدَهُ ... لَحُرِّك مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ
стр. 4396
فَسَأَلَ عَنْهَا عُمَرُ؟ فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ فُلَانَةُ، زَوْجُهَا غَائِبٌ فِي سَبِيلِ الله. فَأَرْسَلَ إلَيْهَا امْرَأَةً تَكُونُ مَعَهَا، وَبَعَثَ إلَى زَوْجِهَا فَأَقْفَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ الله! مِثْلُك يَسْأَلُ مِثْلِي عَنْ هَذَا. فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أُرِيدُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مَا سَأَلْتُك. قَالَتْ: خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، سِتَّةَ أَشْهُرٍ. فَوَقَّتَ لِلنَّاسِ فِي مَغَازِيهِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، يَسِيرُونَ شَهْرًا، وَيُقِيمُونَ أَرْبَعَةً، وَيَسِيرُونَ شَهْرًا رَاجِعِينَ.
قال: فَإِنْ غَابَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُرَاسِلُهُ الْحَاكِمُ؛ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَقْدَمَ، فَسَخَ نِكَاحَهُ. وَمَنْ قَالَ: لَا يُفْسَخُ نِكَاحُهُ إذَا تَرَكَ الْوَطْءَ وَهُوَ حَاضِرٌ، فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْفَسْخُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. اهـ
قلتُ: أثر عمر أخرجه سعيد بن منصور (٢/ ١٧٤)، وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه؛ فإنَّ زيد بن أسلم لم يلق عمر، وله طريق أخرى عند البيهقي (٩/ ٢٩) مختصرًا، وفيه: أربعة أشهر، أو ستة أشهر. وهو من طريق: إسماعيل بن أبي أويس عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عمر. وإسماعيل ضعيف، وعبد الله ابن دينار لم يلق عمر.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير آية الإيلاء: وقد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر الأثر الذي رواه مالك بن أنس في «الموطإ» عن عبد الله بن دينار قال: خرج عمر ... .
стр. 4397
فذكره كرواية البيهقي، ثم ذكر طريقًا أخرى من طريق محمد بن إسحاق، وليس فيه تحديد المدة، وهو عند ابن أبي الدنيا في كتابه «الأشراف» (٢٦٠)، وفيه مجهول، وانقطاع، وعنعنة ابن إسحاق.
وله طريق أخرى عند ابن أبي الدنيا (٢٦١) مختصرًا وفيه التحديد بستة أشهر، ولكنه ضعيفٌ جدًّا؛ فإن في إسناده الحسن بن دينار، وهو متروك قد كُذِّب، يرويه عن الحسن البصري عن عمر، وهو منقطع.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: إن لم يكن للزوج عذر وحاجة في السفر وطالبت المرأة برجوعه؛ فلها الفسخ عند الحاكم إذا جاوز مدة أربعة أشهر؛ لآية الإيلاء، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: إذا غاب الرجل في يوم بعض نسائه وليلتها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٤٣): وَإِنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَعْضِ نِسَائِهِ فِي زَمَانِهَا؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ أَوْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، أَوْ آخِرِهِ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِالِانْتِشَارِ فِيهِ، وَالْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ؛ جَازَ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَخْرُجُونَ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَلِصَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِهِ، وَأَمَّا النَّهَارُ، فَهُوَ لِلْمَعَاشِ وَالِانْتِشَارِ.
قال: وَإِنْ خَرَجَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ عَادَ، لَمْ يَقْضِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَضَاءِ ذَلِكَ. وَإِنْ أَقَامَ؛ قَضَاهُ لَهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ إقَامَتُهُ لَعُذْرٍ مِنْ شُغْلٍ، أَوْ حَبْسٍ،
قلتُ: بل للشافعية وجهان في القضاء أيضًا في المسألة الأخيرة. (١)
مسألة [١٠]: إذا أعطى الرجل إحدى نسائه مالا؛ لتحلله من يومها وليلتها ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى المنع من ذلك، وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ بحجة أنه ليس للزوج أن يزيدها ليلة، لو دفعت هي إليه مالا.
• وذهب أبو ثور إلى مشروعية ذلك؛ لأنه حق لها تركته بمقابل مال؛ فلا بأس عليه في ذلك. وهذا القول أقرب، وما ذكره ابن المنذر: أنه ليس للزوج أن يزيدها ليلة لو دفعت هي إليه مالا؛ فلا إشكال فيه؛ لأن الحق ليس له، وإنما لبقية نسائه؛ فلو رضين بذلك جاز له ولهن ذلك؛ لأن هذه حقوق، والحقوق يجوز بيعها، والله أعلم. (٢)
مسألة [١١]: التسوية بين نسائه في النفقة، والكسوة .
قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف» (٨/ ٣٦٣): ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَعَلَيْهِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْقَسْمِ) أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ إذَا كَفَى الْأُخْرَى. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ فِيهِمَا أَيْضًا. وَقَالَ: لَمَّا عَلَّلَ الْقَاضِي عَدَمَ
стр. 4401
الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ: (لِأَنَّ حَقَّهُنَّ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالْقَسْمِ وَقَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ؛ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ إلَى مَنْ شَاءَ) قَالَ: مُوجِبُ هَذِهِ الْعِلَّةِ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ لِلْوَاحِدَةِ لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ، وَيَبِيتُ الْبَاقِيَ عِنْدَ الْأُخْرَى. اهـ (١)
وفي «فتاوى اللجنة الدائمة» (١٩/ ٢٠٥) فتوى في ذلك برئاسة العلامة ابن باز ﵀، ونصُّها: يجب على الزوج العدل بين زوجاته في النفقة، والكسوة، والمسكن، والهدايا، وغير ذلك من الأمور الظاهرة، ولا يجوز له أن يعطي واحدة ويمنع الأخرى إلا برضاها، وعفوها عن حقها. اهـ (٢)
مسألة [١٢]: التسوية بين النساء في الجماع .
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٤٥): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْجِمَاعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِك، وَالشَّافِعِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِمَاعَ طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ وَالْمَيْلُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ قَلْبَهُ قَدْ يَمِيلُ إلَى إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، قَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ.
قال: وَإِنْ أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْجِمَاعِ؛ كَانَ أَحْسَنَ وَأَوْلَى؛ فَإِنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْعَدْلِ.
стр. 4402
قال: وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الِاسْتِمْتَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْ الْقُبَلِ، وَاللَّمْسِ، وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَجِبْ التَّسْوِيَةُ فِي الْجِمَاعِ، فَفِي دَوَاعِيهِ أَوْلَى. اهـ
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٥/ ٣٧٥): وعلى هذا فلو قال إنسان: إنه رجل غيرُ قوي الشهوة إذا جامع واحدة في الليلة ما يستطيع إن يجامع في الليلة الثانية، أو يشق عليه ذلك، فقال: أجمع قوتي لهذه دون تلك. فهذا لا يجوز؛ وذلك لأنَّ الإيثار هنا ظاهر، وهو يستطيع أن يعدل، المهم أنه ما لا يمكن القسم فيه؛ فإنه لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وما يمكنه؛ فإنه يجب عليه أن يقسم. اهـ (١)
مسألة [١٣]: الجمع بين امرأتين في مسكن واحد .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٣٤): وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْن امْرَأَتَيْهِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ رِضَاهُمَا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمَا ضَرَرًا؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْغَيْرَةِ، وَاجْتِمَاعُهُمَا يُثِيرُ الْمُخَاصَمَةَ وَالْمُقَاتَلَةَ، وَتَسْمَعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حِسَّهُ إذَا أَتَى إلَى الْأُخْرَى، أَوْ تَرَى ذَلِكَ؛ فَإِنْ رَضِيَتَا بِذَلِكَ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَلَهُمَا الْمُسَامَحَةُ بِتَرْكِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ رَضِيَتَا بِنَوْمِهِ بَيْنَهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ رَضِيَتَا بِأَنْ يُجَامِعَ وَاحِدَةً بِحَيْثُ تَرَاهُ الْأُخْرَى؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَنَاءَةً، وَسُخْفًا، وَسُقُوطَ مُرُوءَةٍ؛ فَلَمْ يُبَحْ بِرِضَاهُمَا. وَإِنْ أَسْكَنَهُمَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي بَيْتٍ؛ جَازَ، إذَا كَانَ ذَلِكَ مَسْكَنَ مِثْلِهَا. اهـ
стр. 4403
مسألة [١٤]: كم يقسم للزوجة الأمة مع الزوجة الحرة ؟
• ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أنه يقسم للأمة ليلة، وللحرة ليلتين، وهو قول سعيد بن المسيب، ومسروق، والشعبي، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي.
واستدلوا على ذلك بما رواه الدارقطني عن علي ﵁ أنه كان يقول: إذا تَزَوَّجَ الحرة على الأمة؛ قسم للأمة ليلة، وللحرة ليلتين. وهذا الأثر له عند الدارقطني (٣/ ٢٨٥) طريقان، إحداهما فيها حجاج بن أرطاة، وقد عنعن، والثانية فيها ابن أبي ليلى سيء الحفظ، وعباد بن عبد الله الأسدي، ضعيف، وهذه الطريق قد أخرجها أيضًا ابن المنذر (٩/ ٣٤)؛ فالأثر بالطريقين حسن.
وقالوا: الحرة يجب تسليمها ليلًا ونهارًا، فكان حظها أكثر في الإيواء.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يسوي بين الأمة والحرة في القسم، وهو قول مالك، والليث، والظاهرية؛ لأنه يشملها الآية ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، وهذا القول هو الصواب، وقد صوبه الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [١٥]: هل يقسم للزوجة الكتابية ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٤٧): وَالْمُسْلِمَةُ، وَالْكِتَابِيَّةُ سَوَاءٌ فِي الْقَسْمِ؛ فَلَوْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، أَمَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَحُرَّةٌ كِتَابِيَّةٌ، قَسَمَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةً وَلِلْحُرَّةِ
بَيْن الْإِمَاءِ، وَإِنْ شَاءَ فَضَّلَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَمْتَعَ مِنْ بَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ، وَرَيْحَانَةُ، فَلَمْ يَكُنْ يَقْسِمُ لَهُمَا، وَلِأَنَّ الْأَمَةَ لَا حَقَّ لَهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ، وَلِذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ بِكَوْنِ السَّيِّدِ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا، وَلَا تُضْرَبُ لَهَا مُدَّةُ الْإِيلَاءِ، لَكِنْ إنْ احْتَاجَتْ إلَى النِّكَاحِ؛ فَعَلَيْهِ إعْفَافُهَا، إمَّا بِوَطْئِهَا، أَوْ تَزْوِيجِهَا، أَوْ بَيْعِهَا. اهـ (١)
مسألة [١٨]: هل يقسم لنسائه ليلة ليلة، أم له الزيادة ؟
أما القسم ليلة ليلة فهو فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لنسائه، وهو أفضل القسم.
• وإن أحب الرجل الزيادة على ذلك بأن يقسم ليلتين ليلتين، أو أكثر، فمذهب الحنابلة، والمالكية: أنه لا يجوز له ذلك إلا برضاهن. واختاره ابن المنذر.
• ومذهب الشافعية، وجماعة من الحنابلة أنَّ له أن يقسم ليلتين ليلتين، وثلاثًا ثلاثًا، ولا تجوز الزيادة على ذلك إلا برضاهن.
• وذهب ابن حزم ﵀ إلى جواز القسم إلى سبعة أيام فما دون؛ لحديث أم سلمة: «إن شئتِ سبَّعتُ لكِ، وإن سبَّعتُ لكِ؛ سبَّعتُ لنسائي»، (٢) قال: فصح أنَّ للزوج أن يسبع وما دون السبع جائز لجواز السبع؛ لأنه بعض السبع، وأما الزيادة على السبع فممنوع؛ لما ذكرنا قبل من وجوب العدل بينهن، فلو جاز
стр. 4406
أكثر من سبع؛ لكان له أن يبيت عند الواحدة ما شاء، ولو أعوامًا، ويقول: سأقسم للأخرى مثل ذلك، وهذا باطل، وظلم. اهـ
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٩]: إن كانت امرأتاه في بلدين متباعدين ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٤٩): فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَتَاهُ فِي بَلَدَيْنِ، فَعَلَيْهِ الْعَدْلُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْمُبَاعَدَةَ بَيْنَهُمَا، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمَا عَنْهُ بِذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَمْضِيَ إلَى الْغَائِبَةِ فِي أَيَّامِهَا، وَإِمَّا أَنْ يُقْدِمَهَا إلَيْهِ وَيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ الْقُدُومِ مَعَ الْإِمْكَانِ، سَقَطَ حَقُّهَا لِنُشُوزِهَا، وَإِنْ أَحَبَّ الْقَسْمَ بَيْنَهُمَا فِي بَلَدَيْهِمَا؛ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَةً وَلَيْلَةً، فَيَجْعَلَ الْمُدَّةَ بِحَسَبِ مَا يُمْكِنُ، كَشَهْرِ وَشَهْرٍ، أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ أَقَلَّ، عَلَى حَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ، وَعَلَى حَسَبِ تَقَارُبِ الْبَلَدَيْنِ وَتَبَاعُدِهِمَا. اهـ
مسألة [٢٠]: إذا سافرت المرأة بإذن زوجها، فهل لها القسم والنفقة ؟
وذلك كأن تسافر لِحَجٍّ، أو لعمرة، أو زيارة بإذن زوجها.
• فالأصح في مذهب الحنابلة أنه لا قسم لها ولا نفقة، وهو وجهٌ للشافعية.
• وعند الحنابلة والشافعية وجهٌ آخر أنه لا يسقط عليه القسم والنفقة، وذلك لأنها سافرت بإذنه، فأشبه ما لو سافرت معه.
стр. 4407
ووجه القول الأول أنَّ القسم للأنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد تعذر ذلك بسبب من جهتها؛ فسقط.
• واختار بعض الحنابلة أنه يسقط القسم فقط، ولا تسقط النفقة، ومال إلى ذلك الإمام ابن عثيمين، وهو أقرب الأقوال. (١)
تنبيه: إن سافرت بغير إذنه؛ سقط حقها من القسم والنفقة عند أهل العلم.
стр. 4408
١٠٥٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ البِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١)
١٠٥٩ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: «إنَّهُ لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِك هَوَانٌ، إنْ شِئْت سَبَّعْت لَكِ وَإِنْ سَبَّعْت لَكِ سَبَّعْت لِنِسَائِي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: إذا تزوج الرجل امرأة جديدة، فكم يقيم عندها قبل القسم ؟
حديثا الباب نصٌّ في أنَّ البكر يقيم عندها سبعًا، ثم يقسم، والثيب يقيم عندها ثلاثًا، ثم يقسم، وللثيب أن تجعله يقيم عندها سبعًا، ثم يقسم لنسائه سبعًا سبعًا.
• وهذا قول جمهور العلماء، وهو قول أنس بن مالك ﵁، والشعبي، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، والظاهرية، وعن جماعة من الشافعية أنه يقضي للباقي ما زاد على الثلاث.
• وذهب بعضهم إلى أنه يقيم عند البكر ثلاثًا، وعند الثيب ليلتين، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وخلاس، ونافع، والثوري، والأوزاعي.
стр. 4409
قال ابن حزم ﵀: واحتج من ذهب إلى قول الحسن، وابن المسيب بخبر رويناه من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق قالا جميعًا: قال رسول الله ﷺ : «للبكر ثلاث».
قال: وهو مرسل لا حجة فيه؛ فسقط هذا القول. اهـ
قلتُ: بل هو معضل، وفيه عنعنة ابن جريج.
• وذهب الحكم، وحماد، وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا فضل للجديدة، ويقسم لها كغيرها.
واستدلوا بالأدلة الواردة في وجوب العدل بين الزوجات، وقولهم باطل، وأدلتهم مخصوصة، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٢]: إذا تزوج أمةً، فهل يقيم عندها سبعًا إن كانت بكرًا، وثلاثًا إن كانت ثيبًا ؟
• حديث الباب عامٌّ يشمل الحرة والأمة، وهو قول الحنابلة، وابن حزم، وبعض الشافعية وغيرهم.
• وللشافعية قول أنَّ الأمة على النصف من الحرة، وقولٌ ثالث: للبكر أربع، وللثيب ليلتان، والقول الأول هو الصحيح، والله أعلم. (٢)
هَذَا الْقَوْل وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا فِي فَتَاوِيه فَقَالَ: إِنَّمَا يَثْبُت هَذَا الْحَقّ لِلْجَدِيدَةِ إِذَا كَانَ عِنْده أُخْرَى يَبِيت عِنْدهَا؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُخْرَى، أَوْ كَانَ لَا يَبِيت عِنْدهَا؛ لَمْ يَثْبُت لِلْجَدِيدَةِ حَقّ الزِّفَاف، كَمَا لَا يَلْزَمهُ أَنْ يَبِيت عِنْد زَوْجَاته اِبْتِدَاء. وَالْأَوَّل أَقْوَى، وَهُوَ الْمُخْتَار؛ لِعُمُومِ الْحَدِيث. اهـ
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: بل ما رجَّحه عياض، والبغوي أقرب؛ لقوله في الحديث: «إذا تزوج البكر على الثيب»، ولقوله «ثم قسم».
وهو ترجيح الصنعاني ﵀ كما في «السبل»، ومال إليه الحافظ في «الفتح»، وابن دقيق العيد، وغيرهم. (١)
تنبيه: أفرط بعضهم، وبالغوا، فقالوا: له أن يترك الجماعة للإقامة عند زوجته. وهذا قول باطلٌ بعيدٌ، فلا تعارض بين أن يقيم عندها، ويصلي الجماعة. وأبعد منه من قال: له ترك الجمعة. نسأل الله العافية والهداية.
قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (١٩٠٤): وأما التخلف عن صلاة الجماعة، فقد ذكرنا في كتاب الصلاة من ديواننا وغيره إيجاب رسول الله ﷺ ذلك، وتوعده بحرق بيوت المتخلفين عنها لغير عذر، وقد تزوج ﵊، وأصحابه، فما منهم من أحد تخلَّف في التسبيع، والتثليث عن صلاة الجماعة والجمعة، وإنما هي ضلالة أحدثها الشيطان. اهـ (٢)