هَذَا الْقَوْل وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا فِي فَتَاوِيه فَقَالَ: إِنَّمَا يَثْبُت هَذَا الْحَقّ لِلْجَدِيدَةِ إِذَا كَانَ عِنْده أُخْرَى يَبِيت عِنْدهَا؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُخْرَى، أَوْ كَانَ لَا يَبِيت عِنْدهَا؛ لَمْ يَثْبُت لِلْجَدِيدَةِ حَقّ الزِّفَاف، كَمَا لَا يَلْزَمهُ أَنْ يَبِيت عِنْد زَوْجَاته اِبْتِدَاء. وَالْأَوَّل أَقْوَى، وَهُوَ الْمُخْتَار؛ لِعُمُومِ الْحَدِيث. اهـ
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: بل ما رجَّحه عياض، والبغوي أقرب؛ لقوله في الحديث: «إذا تزوج البكر على الثيب»، ولقوله «ثم قسم».
وهو ترجيح الصنعاني ﵀ كما في «السبل»، ومال إليه الحافظ في «الفتح»، وابن دقيق العيد، وغيرهم. (١)
تنبيه: أفرط بعضهم، وبالغوا، فقالوا: له أن يترك الجماعة للإقامة عند زوجته. وهذا قول باطلٌ بعيدٌ، فلا تعارض بين أن يقيم عندها، ويصلي الجماعة. وأبعد منه من قال: له ترك الجمعة. نسأل الله العافية والهداية.
قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (١٩٠٤): وأما التخلف عن صلاة الجماعة، فقد ذكرنا في كتاب الصلاة من ديواننا وغيره إيجاب رسول الله ﷺ ذلك، وتوعده بحرق بيوت المتخلفين عنها لغير عذر، وقد تزوج ﵊، وأصحابه، فما منهم من أحد تخلَّف في التسبيع، والتثليث عن صلاة الجماعة والجمعة، وإنما هي ضلالة أحدثها الشيطان. اهـ (٢)
مسألة [٤]: إذا وهبت ليلتها لجميع ضرائرها ؟
قال العِمراني ﵀ في «البيان» (٩/ ٥٢٦): وإن وهبتها لجميع ضرائرها؛ صحَّ ذلك، وسقط قسمها، وصارت كأن لم تكن. اهـ
مسألة [٥]: هل للواهبة الرجوع والمطالبة بليلتها ؟
• أكثر الفقهاء على أنَّ لها الرجوع في ذلك فيما يستقبل لا فيما مضى؛ لأنها هبة لم تقبض، وما مضى فهو هبة مقبوضة؛ فلا رجوع لها في ذلك، وهذا قول عطاء، والثوري، والشافعي، وأحمد.
• وذهب ابن القيم ﵀ إلى أنها إن وهبت له ذلك عن صلح؛ فليس لها الرجوع.
قال ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ١٥٣): فَإِذَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ؛ لَزِمَ، وَلَيْسَ لَهَا المُطَالَبَةُ بِهِ بَعْدَ الرّضَى.
قال: هَذَا مُوجَبُ السّنّةِ وَمُقْتَضَاهَا، وَهُوَ الصّوَابُ الّذِي لَا يَسُوغُ غَيْرُهُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنّ حَقّهَا يَتَجَدّدُ فَلَهَا الرّجُوعُ فِي ذَلِكَ مَتَى شَاءَتْ. فَاسِدٌ؛ فَإِنّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمُعَاوَضَةِ، وَقَدْ سَمّاهُ اللهُ تَعَالَى صُلْحًا، فَيَلْزَمُ كَمَا يَلْزَمُ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَوْ مُكِّنَتْ مِنْ طَلَبِ حَقِّهَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لَكَانَ فِيهِ تَأْخِيرُ الضّرَرِ إلَى أَكْمَلِ حَالَتَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ صُلْحًا، بَلْ كَانَ مِنْ أَقْرَبِ أَسْبَابِ الْمُعَادَاةِ، وَالشّرِيعَةُ مُنَزّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وَمِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ أَنّهُ إذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ،
стр. 4417
وَالْقَضَاءُ النّبَوِيّ يَرُدّ هَذَا. اهـ
وقد اختار الإمام ابن عثيمين ﵀ هذا القول في «الشرح الممتع» (٥/ ٣٧٩)، ورجَّح الشوكاني قولَ الجمهور، وهو قول ابن حزم، وهو ظاهر اختيار الصنعاني. وهو أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: إذا تزوج الرجل ثانية بشرط أن يقسم لها ليلة واحدة، وللأولى ليلتين ؟
• قال بعض أهل العلم: الشرط باطل، وهو قول الزهري، والثوري.
• وكره ذلك الإمام مالك.
• وقال الحسن بجوازه، وهو مقتضى قول الجمهور الذين أجازوا الصلح بين الرجل وبين امرأته على أن تعفو عن القسمة لها. (٢)
стр. 4418
١٠٦١ - وَعَنْ عُرْوَةَ ﵁ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي القَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا، فَيَبِيتَ عِنْدَهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
١٠٦٢ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا صَلَّى العَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يَدْنُو مِنْهُنَّ ... الحَدِيثَ. (٢)
الحكم المستفاد من الحديثين
في الحديثين السابقين دليل على أنَّه يجوز للرجل أن يدخل على من لم يكن في يومها من نسائه، والتأنيس لها، واللمس، والتقبيل بدون إطالة، أو وقاع، وقد تقدم بعض ذلك. (٣)
стр. 4419
١٠٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «أَيْنَ أَنَا غَدًا؟» يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
دلَّ حديث الباب على أنَّ الرجل إذا مرض فشق عليه أن يدور على نسائه؛ فله البقاء في بيت إحداهن بإذنهن؛ فإن لم يأذن فيقرع بينهن، والذي يظهر أنَّ له البقاء عند من تحسن القيام على مرضه إذا لم يكنَّ مثلها، والله أعلم، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه المسألة.
стр. 4420
١٠٦٤ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتَهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل للرجل إذا أراد السفر أن يأخذ بعض زوجاته بدون قرعة ؟
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ١٥١ - ١٥٢): وإذا أراد السفر؛ لم يجز له أن يسافر بإحداهن إلا بقرعة. اهـ
• وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، والظاهرية، وغيرهم، واستدلوا بحديث الباب، ولأنَّ سفره بإحداهن تفضيل لها، وليس ذلك من العدل.
• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه يجوز له السفر بإحداهن بغير قرعة؛ وذلك لأن بعض النسوة قد تكون أنفع له في السفر من غيرها، فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر؛ لأضر بحال الرجل، وكذا العكس قد يكون بعض النساء أقوم ببيت الرجل من الأخرى.
والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (٢)
стр. 4421
مسألة [٢]: هل عليه أن يقضي للمقيمة المدة التي سافر فيها بالأخرى .
• أما إذا سافر بها بقرعة فعامة أهل العلم على أنه لا قضاء عليه، وخالف داود الظاهري فقال: عليه القضاء. وليس ذلك بصحيح؛ فإنه لم يُنقل عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه كان يقضي للمقيمات، ولو فعل ذلك؛ لَنُقِل، ولأنه لو قضى للمقيمة؛ لكان مفضلًا لها على المسافرة؛ لأنه لا يحصل لها من السكن، والراحة في السفر كما يحصل للمقيمة، ورجَّح ابن حزم قول الجمهور.
• وأما إذا سافر بإحداهن بغير قرعة، فاختلفوا في ذلك، فذهب أبو حنيفة، ومالك إلى عدم القضاء؛ لأنَّ قسم الحضر ليس بمثلٍ لقسم السفر، فيتعذر القضاء، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يقض.
• ومذهب أحمد، والشافعي، والظاهرية أنه يقضي للمقيمة؛ لأنه خصَّ بعضهنَّ بمدة على وجه تلحقه التهمة فيه، ولأنه فضل بلا قرعة، وهذا القول أقرب.
قال ابن قدامة ﵀: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُ قَضَاءُ الْمُدَّةِ، وَإِنَّمَا يَقْضِي مِنْهَا مَا أَقَامَ مِنْهَا مَعَهَا بِمَبِيتٍ وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا زَمَانُ السَّيْرِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهَا مِنْهُ إلَّا التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ، فَلَوْ جَعَلَ لِلْحَاضِرَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ مَبِيتًا عِنْدَهَا، وَاسْتِمْتَاعًا بِهَا؛ لَمَالَ كُلَّ الْمَيْلِ. اهـ (١)
تنبيه: قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥٢١١): وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ الْإِطْلَاق فِي تَرْكِ الْقَضَاء فِي السَّفَر مَا دَامَ اِسْم السَّفَر مَوْجُودًا، فَلَوْ سَافَرَ إِلَى بَلْدَة فَأَقَامَ بِهَا
١٠٦٥ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَمْعَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
فيه النهي عن ضرب الرجل امرأته ضربًا شديدًا، ويدل بمفهومه على جواز ضربها ضربًا غير مبرح إذا كانت تستحق ذلك، وتستحق الضرب إذا كانت ناشزًا، عاصية لزوجها؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] الآية.
وقد تقدم الكلام على بعض الأحكام المتعلقة بذلك في باب عشرة النساء، فراجعه.
مسألة ملحقة: هل كان القسم واجبًا على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أم لا ؟
يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، وقد جاء في هذه الآية حديثان.
أحدهما: ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂، قالت: كنت أغار على اللاتي يهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قلت: ما أرى ربك إلا يسارع لك
стр. 4424
في هواك. (١)
الثاني: ما أخرجاه أيضًا عن عائشة ﵂ قالت: إنَّ رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾، فقالت لها معاذة: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن كان ذلك إليَّ؛ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدًا. (٢)
فالحديث الأول يدل على أنَّ المراد بالآية الواهبات أنفسهن للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيقبل من شاء منهن، ويرد من شاء، وإذا رغب بواحدة بعد ردها فلا جناح عليه في قبولها بعد ذلك، وقال بذلك جماعة من المفسرين، والفقهاء.
والحديث الثاني يدل على أنَّ المراد بالآية أنه لا حرج عليه في ترك القسم، وقال بذلك جمعٌ من المفسرين، والفقهاء.
قال ابن الجوزي ﵀ في «زاد المسير» (٦/ ٤٠٧): وأكثر العلماء على أنَّ هذه الآية نزلت مبيحة لرسول الله ﷺ مصاحبة نسائه كيف شاء من غير إيجاب القسمة عليه، والتسوية بينهن؛ غير أنَّه كان يسوي بينهن. اهـ
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير [آية: ٥١ من سورة الأحزاب]: ومن هاهنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات، وفي النساء اللاتي عنده، أنه مخير فيهن، إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم. وهذا الذي اختاره حسنٌ جيدٌ قويٌّ، وفيه
стр. 4425
جمع بين الأحاديث؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١]، أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحَرَج في القسم؛ فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أنت تقسم لهن اختيارًا منك لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به، وحملن جميلك في ذلك، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن، وتسويتك بينهن، وإنصافك لهن، وعدلك فيهن. انتهى.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الآية تشمل الأمرين؛ بدلالة الحديثين المتقدمين، والله أعلم.
стр. 4426
فَصْل فِيمَا إِذَا حَصَلَ الشِّقَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ
مسألة [١]: إذا ادَّعى كل من الرجل والمرأة على صاحبه النشوز ؟
إذا وقع بين الزوجين شقاق، نظر الحاكم؛ فإن بان له أنه من المرأة؛ فهو نشوز، وقد مضى حكمه، وإن بان أنه من الرجل؛ منع من ذلك، أو أصلح بينه وبين المرأة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨].
وإن لم يتبين للحاكم، وادَّعى كل واحد على الآخر الظلم؛ فيبعث الحاكم حكمًا من أهل الرجل، وحكمًا من أهل المرأة، فيسمعان من الرجل والمرأة، وينظران في أمرهما، ثم يفعلان ما يريان المصلحة فيه، من جمعٍ، أو تفريق؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥]. (١)
مسألة [٢]: هل الرجلان حكمان، أم وكيلان للرجل والمرأة ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنهما وكيلان للزوجين، وهو قول عطاء، والحسن، وأبي حنيفة، والشافعي في قول، وأحمد في رواية، فلا يملكان التفريق إلا بإذنهما؛ وذلك لأنَّ الطلاق بيد الزوج، وبذل العوض بيد المرأة، فافتقر إلى
стр. 4427
رضاهما، واستدلوا بأثر علي ﵁ أنه قال للحكمين: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعليَّ. وقال الرجل: أما الجمع، فنعم، وأما الفرقة فلا. فقال علي: كذبت، لا والله، لا تبرح حتى ترضى بمثل ما رضيت به. وإسناده صحيح.
• وذهب أكثر أهل العلم إلى أنهما حكمان من قبل الحاكم لا يفتقر حكمهما إلى إذن الزوجين، صحَّ ذلك عن علي، وابن عباس ﵃، وهو قول الشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، وقول للشافعي، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وهو الصحيح؛ لأنَّ الله سمَّاهما حكمين، ولم يعتبر رضى الزوجين، وقد قال علي ﵁ كما تقدم: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما. وهذا صريح في أنَّ الأمر إليهما، واستدلالهم بقول الرجل غير صحيح؛ فإنَّ عليًّا ﵁ لم يطلب من الرجل أن يأذن، بل ألزمه بقبول حكم الله في ذلك.
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ١٩٠ - ): وَالْعَجَبُ كُلّ الْعَجَبِ مِمّنْ يَقُولُ هُمَا وَكِيلَانِ لَا حَاكِمَانِ، وَاَللهُ تَعَالَى قَدْ نَصّبَهُمَا حَكَمَيْنِ، وَجَعَلَ نَصْبَهُمَا إلَى غَيْرِ الزّوْجَيْنِ، وَلَوْ كَانَا وَكِيلَيْنِ؛ لَقَالَ: (فَلْيَبْعَثْ وَكِيلًا مِنْ أَهْلِهِ وَلْتَبْعَثْ وَكِيلًا مِنْ أَهْلِهَا)، وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَا وَكِيلَيْنِ؛ لَمْ يَخْتَصّا بِأَنْ يَكُونَا مِنْ الْأَهْلِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ جَعَلَ الْحُكْمَ إلَيْهِمَا، فَقَالَ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، وَالْوَكِيلَانِ لَا إرَادَةَ لَهُمَا، إنّمَا يَتَصَرّفَانِ بِإِرَادَةِ مُوَكّلَيْهِمَا، وَأَيْضًا فَإِنّ الْوَكِيلَ لَا يُسَمّى حَكَمًا فِي لُغَةِ
стр. 4428
الْقُرْآنِ، وَلَا فِي لِسَانِ الشّارِعِ، وَلَا فِي الْعُرْفِ الْعَامّ، وَلَا الْخَاصّ، وَأَيْضًا فَالْحَكَمُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْحُكْمِ وَالْإِلْزَامِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنّ الْحَكَمَ أَبْلَغُ مِنْ حَاكِمٍ؛ لِأَنّهُ صِفَةٌ مُشَبّهَةٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ دَالّةٌ عَلَى الثّبُوتِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعَرَبِيّةِ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ اسْمُ الْحَاكِمِ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْوَكِيلِ الْمَحْضِ، فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ؟! وَأَيْضًا فَإِنّهُ سُبْحَانَهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ غَيْرَ الزّوْجَيْنِ، وَكَيْفَ يَصِحّ أَنْ يُوَكّلَ عَنْ الرّجُلِ وَالمَرْأَةِ غَيْرُهُمَا؟!.اهـ (١)
مسألة [٣]: هل ينفذ حكم الحكمين في الجمع والتفريق ؟
أما حكمهم في الجمع فينفذ بالإجماع، قاله ابن عبد البر، وغيره من أهل العلم.
• واختلف أهل العلم في نفوذ حكمهما بالتفريق، فمذهب الجمهور أنه ينفذ في التفريق، وهو قول علي، وابن عباس ﵃، ولا يعلم لهم مخالف، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وغيرهم، إلا قول من قال: إنه توكيل، فلا ينفذ إلا برضى الزوجين.
• وذهب الحسن، وقتادة، وزيد بن أسلم، وأحمد في رواية، وأبو ثور، وابن حزم إلى أنه لا ينفذ قولهما في التفريق، ولا ينفذ إلا في الجمع؛ لأنَّ الله تعالى ذكر الجمع ولم يذكر التفريق، فقال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
стр. 4429
وأُجيب: بأنَّ الصحابة فهموا ذلك، وبأنَّ إطلاق الحكم عليهما يدل على أنَّ حكمهما يمضي مطلقًا، وإنما ذكر الله الإصلاح فقط للحث عليه، وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: إذا اختلف الحكمان في الحكم ؟
قال ابن عبد البر ﵀: أجمع العلماء على أنَّ الحكمين إذا اختلفا؛ فلا عبرة بقول أحدهما. اهـ
فعلى هذا، فيبعث حكمان آخران في ذلك. (٢)
مسألة [٥]: شروط الحكمين .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٦٥): إذا ثبت هذا؛ فإنَّ الحكمين لا يكونان إلا عاقلين، بالغين، عَدْلَين، مسلِمَين؛ لأنَّ هذه من شروط العدالة. اهـ (٣)
ويُعتبر أيضًا أن يكونا عالِمَين بأسباب الجمع، والتفريق، وأحكامهما. ويعتبر أيضًا فيهم الذكورية؛ لظاهر الآية، ولأنَّ الرجل أهل رأي ونظر. ولا يشترط عند أهل العلم أن يكون من الأهل، ولكنه على سبيل الأفضلية. (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
تعريف الخلع:
الخُلع: هو فراق الزوجة على عوض تبذله لزوجها عند كراهيتها له، وخوفها من عدم القيام بحقه. وهو مأخوذ من خلع الثوب؛ لأنَّ المرأة لباس الرجل معنى، وهو لباسها معنى، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، والمصدر بفتح الخاء وأما ههنا فهو مضموم (خُلع) للتفريق بينه وبين مصدر المحسوس. (١)
مشروعيته:
الخلع مشروع في كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وعند عامة أهل العلم.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وأما من السنة: فأحاديث الباب، وما ذكرنا من شواهدها.
ولم ينقل خلاف في مشروعيته؛ إلا عن بكر بن عبد الله المزني، واستدل بالآية: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء:٢٠]، وزعم أنها ناسخة لآية الخلع.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥٢٧٣): وتعقب مع شذوذه بقوله تعالى في النساء أيضًا: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤]، وبقوله فيها: ﴿فَلَا جُنَاحَ
стр. 4434
عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ [النساء: ١٢٨] الآية، وبالحديث، وكأنه لم يثبت عنده، أو لم يبلغه، وانعقد الإجماع بعده على اعتباره، وأنَّ آية النساء مخصوصة بآية البقرة، وبآيتي النساء الآخرتين. اهـ (١)
مسألة [١]: هل يفتقر الخلع إلى الحاكم، أم يصح بدون سلطان ؟
• أكثر أهل العلم على صحة الخلع بدون سلطان، صحَّ ذلك عن عمر، وعثمان ﵄، وهو قول شُريح، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والبخاري، وغيرهم؛ لأنه معاوضة بتراضي؛ فلا يفتقر إلى حكم الحاكم، كالبيع والنكاح، وكما يصح الطلاق بدون سلطان فكذلك الخلع.
• وقال الحسن، وابن سيرين: لا يجوز إلا عند السلطان. واختاره أبو عبيد؛ لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فجعل الخوف لغير الزوجين.
ويُجاب عن ذلك بأنَّ المراد بذلك أنَّ الحاكم يقره إذا كان على ذلك الحال، ولا يمنعه، ويحتمل أنَّ المراد به من له صلة بالزوجين من القرابة، والصحيح القول الأول. (٢)
مسألة [٢]: هل يشترط في صحة الخلع وجود الشقاق ؟
• أكثر أهل العلم على عدم اشتراط ذلك، بل يصح الخلع عندهم ولو كان الحال بينهما ملتئمًا، وهو قول قتادة، ومالك، والثوري، والأوزاعي،
стр. 4435
والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] الآية.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى اشتراط ذلك، وذلك بأن تكرهه المرأة ولا ترغب في معاشرته، وهو قول الحسن، وأبي عبيد، وداود، وابن المنذر، وخُرِّج رواية عن أحمد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا يدل بمفهومه على أنَّ الجناح لاحق بهما إذا افتدت من غير خوف، ثم غلظ بالوعيد فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وفي حديث ثوبان ﵁ عند أبي داود (٢٢٢٦) بإسناد صحيح مرفوعًا: «أيما امرأةٍ سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنة»، ولأنه إضرار بها، وبزوجها، وإزالة مصالح النكاح بغير حاجة؛ فحرم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا ضرر، ولا ضرار»، وهذا القول رجحه ابن حزم، ثم شيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين، وهو الصواب في هذه المسألة، والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أن تكون المرأة كارهة للزوج تريد فراقه فتعطيه الصداق أو بعضه؛ فداء نفسها، كما يفتدي الأسير وأما إذا كان كل منهما مريدًا لصاحبه؛ فهذا الخلع محدثٌ في الإسلام. اهـ (١)
стр. 4436
مسألة [٣]: إذا عضل زوجته وضارَّها، ومنعها من حقوقها حتى تفتدي منه ؟
• أكثر أهل العلم على عدم صحة الخلع، والعوض مردود لا يحل للزوج منه شيء، وهو قول عطاء، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والقاسم، وعروة، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾،
وقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].
• وقال أبو حنيفة: يأثم، ويصح الخلع، والعوض لازم.
• وعن مالك، وبعض الحنابلة: أن الخلع صحيح، ولا يحل له ما أخذه؛ لأنه أخذه بغير حق، فيلزمه رده، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: إن ضربها لنشوزها تأديبًا، ثم خالعته، فهل يصح الخلع ؟
• ذكر أهل العلم أنَّه يصح الخلع؛ لأنَّ الضرب كان مقصودًا للتأديب، ولأنه فعل شيئًا مباحًا لا يأثم عليه، وأما إذا ضربها ظلمًا؛ لسوء خلقه، فيأثم، ويصح الخلع إذا لم يكن مقصوده أن تفتدي نفسها.
• وخالف شيخ الإسلام فقال: لا يحل له، ولا يجوز. (٢)
стр. 4437
مسألة [٥]: إذا زنت، فعضلها؛ لتفتدي نفسها منه، فهل يصح الخلع ؟
قال الله : ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير [سورة النساء آية:١٩]: وقوله ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال ابن مسعود (١)، وابن عباس (٢)، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والضحاك، وأبو قلابة، وأبو صالح، والسدي، وزيد ابن أسلم، وسعيد بن أبي هلال: يعني بذلك الزنى. يعني إذا زنت؛ فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتضاجرها حتى تتركه لك، وتخالعها، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ الآية.
قال: وقال ابن عباس (٣) وعكرمة، والضحاك: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان.
قال: واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله: الزنى، والعصيان، والنشوز، وبذاء اللسان، وغير ذلك. يعني أنَّ هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها، أو بعضه، ويفارقها، وهذا جيد، والله أعلم. اهـ
стр. 4438
والقول بصحة الخلع هو الصواب، وهو قول الجمهور، وخالف الشافعي في قولٍ، فقال: لا يصح؛ لأنه عوض أُكرهت عليه، أشبه ما لم تزنِ. وهو قياس مخالف للنص؛ فهو فاسد. (١)
مسألة [٦]: الألفاظ التي يقع بها الخلع .
يقع الخلع بما يدل عليه من الألفاظ مع النية، سواء كان اللفظ صريحًا مثل: خالعتك. أو بلفظ المفاداة، أو الفسخ.
أو كان بألفاظ غير صريحة، مثل: بارأتك. أو: أبرأتك، أو: أبنتك. أو غيرها من الألفاظ العجمية والعربية.
وكما تقدم في أبواب كثيرة أنَّ العبرة بالمعاني لا بالألفاظ.
مسألة [٧]: هل يشترط أن يتلفظ الزوج بالقبول ؟
• اشترط ذلك بعض الحنابلة، ولم يشترط ذلك بعضهم، بل قالوا: إذا قبل الزوج العوض؛ وقعت الفرقة. وهو قول الحسن، والنخعي، وغيرهما، وهو أقرب، والله أعلم
• وأما على مقتضى قول الجمهور في أن الخلع طلاق؛ فيحتاج على مذهبهم إلى أن يتلفظ بالطلاق. (٢)
стр. 4439
تنبيه: لا يشترط رضى الزوج في صحة الخلع إذا كان لامرأته الحجة في الخلع، وإذا أبى أن يأخذ المال ألزمه الحاكم بذلك، وقد قال بذلك جماعةٌ من الحنابلة؛ لأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثابت بن قيس بذلك. (١)
مسألة [٨]: هل للرجل أن يأخذ زيادة على ما أعطاها إذا أعطته المرأة ؟
• أكثر أهل العلم على صحة الخلع بأكثر مما أصدقها إذا تراضيا على ذلك، وهو قول عكرمة، ومجاهد، والنخعي، وغيرهم من التابعين، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، إلا أنَّ الحنفية يقولون: لا يأخذ الزيادة؛ فإن أخذها تصدق بها. وقول الجمهور صحَّ عن ابن عمر، وجاء عن عثمان بإسناد لا بأس به، وهو قول الظاهرية.
والحجة لأصحاب هذا القول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
• وقال عطاء، وطاوس، والزهري، وعمرو بن شعيب: لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها. ورُوي عن علي نحو ذلك، وفي إسناده ضعفٌ.
واستدل لأصحاب هذا القول بما رواه ابن ماجه (٢٠٥٦)، والبيهقي (٧/ ٣١٤)، من رواية عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس بنحو حديث الباب، وفيه زيادة: فأمره أن يأخذ منها
стр. 4440
حديقته ولا يزداد.
وهذه الرواية الراجح فيها الإرسال كما بينا ذلك في تخريج حديث الباب، ثم إنَّ خالدًا الحذاء، وأيوب رويا الحديث عن عكرمة بدون هذه الزيادة، قال أيوب كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٣١٣ - ٣١٤): لا أحفظ «ولا تزداد».
واستدلوا بمرسلٍ عن عطاء أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم، وزيادة. فقال: «أما الزيادة فلا» أخرجه البيهقي (٧/ ٣١٤) بإسناد صحيح عنه مرسلًا.
واستدل لهم بمرسل أبي الزبير عند الدارقطني (٣/ ٢٥٥)، والبيهقي (٧/ ٣١٤) بمثل مرسل عطاء، وإسناده صحيح إلى أبي الزبير، وفي آخر الحديث قال: سمعه أبو الزبير من غير واحد.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح»: فإن كان فيهم صحابي؛ فهو صحيح، وإلا فيعتضد بما سبق. اهـ يعني حديث ابن عباس، ومرسل عطاء.
قلتُ: الطرق الصحيحة في الحديث ليس فيها هذه الزيادة، ففي النفس منها شيء، وعلى صحتها فقال الحافظ ﵀: لكن ليس فيه دلالة على الشرط، فقد يكون ذلك وقع على سبيل الإشارة؛ رفقًا بها.
قال الشافعي ﵀: إذا كانت غير مؤدية لحقه كارهة له؛ حل له أن يأخذ؛ فإنه يجوز له أن يأخذ منها ما طابت به نفسًا بغير سبب؛ فالبسبب أولى.
стр. 4441
والصحيح هو قول الجمهور، لكنَّ الحنابلة، وإسحاق، وأبا عبيد كرهوا ذلك، واستحبوا له عدم الأخذ.
وقال مالك: إن كان النشوز من قِبَلِ الرجل؛ لم يحل له، ويرد عليها إن أخذ وتمضي الفرقة. (١)
مسألة [٩]: هل الخلع إذا جرد عن الطلاق يعتبر فسخًا، أم طلاقًا ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الخلع يُعتبر طلاقًا، فيقع طلقة بائنة، رُوي ذلك عن سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وقبيصة، وشُريح، ومجاهد، والنخعي، والشعبي، والزهري، ومكحول، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي في الجديد، وقد عزاه الحافظ في «الفتح» للجمهور.
وحجتهم أنها بذلت العوض للفرقة، والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ؛ فوجب أن يكون طلاقًا، ولأنه أتى بكناية الطلاق قاصدًا فراقها؛ فكان طلاقًا، وبه أفتت اللجنة الدائمة.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يُعدُّ فسخًا لا طلاقًا، وهذا القول صحَّ عن عثمان، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير ﵃، وهو قول عكرمة، وطاوس، وهو المشهور عن أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو قولٌ للشافعي؛ وذلك لأنها
стр. 4442
فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته؛ فكانت فسخًا كسائر الفسوخ.
واستدل ابن عباس على ذلك بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]، فذكر التطليقتين، والخلع، وتطليقة بعدها؛ فلو كان الخلع طلاقًا؛ لكان أربعًا. وقد نقل القول الأول عن بعض الصحابة، ولا يصح عنهم.
والصحيح أنَّ الخلع يُعتبر فسخًا، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي ﵀، والشيخ الإمام ابن عثيمين ﵀، وقبلهما شيخ الإسلام، وابن القيم رحمهما الله، وعزاه شيخ الإسلام إلى جمهور فقهاء الحديث، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر، وابن خزيمة. (١)
تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٧٥): وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا خَالَعَهَا بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ، وَلَمْ يَنْوِهِ. فَأَمَّا إنْ بَذَلَتْ لَهُ الْعِوَضَ عَلَى فِرَاقِهَا، فَهُوَ طَلَاقٌ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَإِنْ وَقَعَ بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ، مِثْلُ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، أَوْ لَفْظِ الْخُلْعِ وَالْمُفَادَاةِ، وَنَحْوِهِمَا، وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، فَهُوَ طَلَاقٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ نَوَى بها الطَّلَاقَ، فَكَانَتْ طَلَاقًا، كَمَا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ، فَهُوَ الَّذِي فِيهِ الرِّوَايَتَانِ. اهـ (٢)
стр. 4443
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: وقد نقل الطحاوي أيضًا الإجماع كما في «الفتح» (٥٢٧٣) على أنه إذا نوى بالخلع الطلاق وقع الطلاق وإن لم يتلفظ بالطلاق.
قلتُ: والواقع وجود الخلاف، فقد قال بعض الشافعية: لا يقع. كما في «الفتح» وهو قول بعض الحنابلة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام.
بل ذكر شيخ الإسلام ﵀ قولًا ثالثًا، وهو أنه فسخ بأي لفظ وقع، بالطلاق أو بغيره، وليس من الطلاق الثلاث.
قال شيخ الإسلام ﵀: وأصحاب هذا القول لم يشترطوا لفظًا معينًا، ولا عدم نية الطلاق، وهذا هو المنقول عن ابن عباس وأصحابه، وهو المنقول عن أحمد بن حنبل، وقدماء أصحابه في الخلوع، (لا يفرقون) (١) بين لفظ ولفظ، لا لفظ الطلاق ولا غيره، بل ألفاظهم صريحة في أنه فسخ بأي لفظ كان، أصرح من لفظ الطلاق في معناه الخالص.
قال: وأما الشافعي فلم يقل عن أحد من السلف أنه فرق بين لفظ الطلاق وغيره، بل لما ذكر قول ابن عباس وغيره، وأصحابه، ذكر عن عكرمة أنه قال: كلما أجازه المال فليس بطلاق. قال: وأحسب من لم يجعله طلاقًا إنما يقول ذلك إذا لم يكن بلفظ الطلاق.
قال: ومن هنا ذكر محمد بن نصر، والطحاوي، ونحوهما أنهم لا يعلمون نزاعًا في الخلع بلفظ الطلاق، ومعلوم أنَّ مثل هذا الظن لا ينقل به مذاهب
стр. 4444
السلف، ويعدل به عن ألفاظهم وعلمهم، وأدلتهم البينة في التسوية بين جميع الألفاظ، وأما أحمد فكلامه بَيِّن في أنه لا يعتبر لفظًا، ولا يفرق بين لفظ ولفظ، وهو مُتَّبِعٌ لابن عباس في هذا القول، وبه اقتدى، فتبين أنَّ الاعتبار عندهم ببذل المرأة العوض وطلبها الفرقة. اهـ
وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القول بأنَّ الفرقة بعوض تعتبر فسخًا، سواء كان بلفظ الطلاق، أو غيره، ونصر هذا القول نصرًا شديدًا، وقد بحث المسألة بحثًا طويلًا، فأفاد وأجاد ﵀ ورضي عنه، وانظر لزامًا بحثه في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٨٩ - ٣٣٢)، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀ كما في «الشرح الممتع» (٥/ ٤٠١)، وهو الذي ندين الله به، وبالله التوفيق. (١)
تنبيه: إذا طلق الرجل مُرِيدًا الطلاق لا من أجل العوض؛ فيقع الطلاق، ولا يحل له أخذ العوض وعلى المرأة عدة الطلاق.
مسألة [١٠]: هل تجوز المخالعة أثناء حيض المرأة ؟
أجاز أهل العلم ذلك؛ لأنه ليس بطلاق، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يستفصل امرأة ثابت ابن قيس هل هي حائض، أم لا؟ ولعدم وجود دليل على عدم جواز ذلك. (٢)
مسألة [١١]: كم على المختلعة عدة ؟
• تقدم في تخريج أحاديث الباب أنَّ المختلعة ليس عليها عدة، وإنما عليها
стр. 4445
الاستبراء، قضى بذلك عثمان، وقال: إنه متبع في ذلك قضاء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في امرأة ثابت بن قيس، وهو قول ابن عباس ﵄، وآخر القولين عن ابن عمر ﵄، وهو قول أبان بن عثمان، وعكرمة، وأحمد في رواية، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من فقهاء الحديث، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الإمام ابن عثيمين وغيرهم.
• وذهب جمهور الفقهاء من الشافعية، والحنابلة، والمالكية، وأصحاب الرأي وغيرهم إلى أنَّ عدتها عدة المطلقة؛ بناء على ما اختاروه من أنَّ الخلع طلاق، والصحيح القول الأول. (١)
مسألة [١٢]: هل يصح الخلع بغير عوض ؟
• أجاز ذلك بعض أهل العلم، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، وهو اختيار الخِرَقِي وبعض الحنابلة؛ لأنه قطع للنكاح؛ فصح من غير عوض، كالطلاق، ولأنه لو أجابها إلى الفسخ بغير عوض حصل المقصود بالخلع.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يصح الخلع إلا بعوض، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة؛ لأنه إذا لم يكن هناك فليس هناك فداء؛ فعلى هذا فلا فرقة إلا بطلاق، أو خلع كما بينه الله، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أتردين عليه حديقته؟».
стр. 4446
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٥/ ٤٠٨): وقال شيخ الإسلام: يصح أن يخالعها على غير عوض، وعلل ذلك بأمرين: أحدهما: أنَّ العوض حق للزوجة، فإذا أسقطه باختياره فلا حرج، كغيره من الحقوق. الثاني: الحقيقة أنه إذا خالعها، فإنما يخالعها على عوض؛ لأنها تسقط حقها من الإنفاق؛ لأنه لو كان الطلاق رجعيًّا؛ لكانت النفقة مدة العدة على الزوج، فإذا خالعته فلا نفقة عليه؛ فكأنها بذلت له عوضًا فهي قد أسقطت حقها الذي لها على الزوج من النفقة، وهو قد أسقط الحق الذي له على الزوجة من الرجعة، فالرجعة حق للزوج، والنفقة مدة العدة حق للزوجة، فإذا رضيا بإسقاطهما في الخلع فلا مانع.
هكذا قال شيخ الإسلام ﵀، ويجيب عن الاستدلال بالآية بأنَّ الغالب أنَّ الزوج لا يفارق زوجته إلا بعوض؛ لهذا قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وما قاله الشيخ ﵀ جيد؛ لأنه في الحقيقة خلع على عوض، وهو النفقة، وما قاله الشيخ ظاهر جدًّا إلا فيما إذا كان الطلاق آخر ثلاث تطليقات؛ لأنه إذا كان آخر ثلاث تطليقات؛ فإنَّ المطلقة ثلاثًا ليس لها على زوجها نفقة، وحينئذٍ لا يستفيد الزوج، ولكن يقال: إذا رضي بهذا؛ فالحق له.
قال: كذلك إذا خالعها بغير عوض، قلنا: لم يصح، وإذا لم يصح؛ فإنه إن وقع بلفظ الطلاق، أو نيته؛ فهو طلاق، وإن وقع بلفظ الخلع؛ فليس بشيء. اهـ (١)
стр. 4447
مسألة [١٣]: المخالعة على عوض محرم ؟
كأن يخالعها على خنزير، أو خمر، أو مغصوب، وما أشبه ذلك.
• فمذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة أنه لا يصح الخلع؛ لأنَّ العوض المحرم لا قيمة له؛ فصار كالخلع بغير عوض.
• وقال الشافعي: يصح الخلع، ويجب عليها مهر مثلها.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٥/ ٤٠٨): كذلك إذا خالعها على محرم، كأن تقول له: خالعني بخنزير عندها؛ فلا يجوز؛ لأنه محرم، فلا يصح الخلع، لكن بشرط أن يعلما أنه محرم؛ فإن كانا لا يعلمان أنه محرم؛ فإنَّ الخلع يصح، وله قيمته المباحة، مثل لو خالعها على ولد لها من غيره. قالت: أخالعك على هذا الولد لك عبد. فلا يجوز؛ لأنه حرٌّ؛ فإن كان لا يعلمان أنه حر، فله مثل قيمته عبدًا. اهـ
قلتُ: الصحيح أنَّ الخلع يصح، وعليها إعادة مهرها الذي أعطاها. (١)
مسألة [١٤]: المخالعة على عوضٍ مجهول ؟
كأن يخالعها على حمل شجرتها، أو أمتها، أو ما في بيتها من دراهم، أو متاع.
• فمذهب الحنابلة، وأصحاب الرأي صحة ذلك؛ وذلك لأنَّ الخلع إسقاطٌ لحقه من البضع، وليس فيه تمليك شيء، والإسقاط تدخله المسامحة؛ ولذلك جاز من غير عوض، بخلاف النكاح، ولأنَّ هذا ليس معاوضة محضة، وإنما
стр. 4448
الغرض منه التخلص من هذا الزوج، فإذا رضي بأي عوض وهو غير محرم شرعًا؛ فله ذلك.
• وذهب أبو ثور، وبعض الحنابلة إلى أنه لا يصح؛ لأنه معاوضة، فلا يصح بالمجهول كالبيع، وهو قول ابن حزم.
• وقال الشافعي: يصح الخلع، وله مهر مثلها كالنكاح.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: إنْ كان الزوج يعلم القدر الأقل الذي ربما تحصَّل عليه ورضي بذلك فلا إشكال في ذلك، وإن كان لا يعلم فالخلع صحيح، وإن حصل الخلاف فله المهر الذي أعطاها فالخلع صحيح على كلا الوجهين، والله أعلم. (١)
تنبيه: عند الحنابلة إذا خرج العوض المجهول لا شيء؛ فعليها للرجل أقل ما يطلق عليه الاسم.
مسألة [١٥]: الخلع بالمنافع .
يصح الخلع بالمنافع إذا كانت معلومة، كأن يخالع الحامل على نفقة عدتها، أو على إرضاع ولده، وحضانته، أو كفالته. (٢)
مسألة [١٦]: هل يقع على المختلعة في عدتها طلاق ؟
• عامة أهل العلم على أنه لا يقع عليها في عدتها طلاق، صحَّ هذا القول عن عبدالله بن عباس، وعبد الله بن الزبير ﵃، وهو قول عكرمة، وجابر بن زيد،
стр. 4449
والحسن، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم؛ وذلك لأنها بالخلع تبين منه، وليست امرأة له حتى يلحقها طلاقه، فهي امرأة أجنبية لا تحل له إلا بنكاح جديد، فأشبهت المطلقة قبل الدخول، أو المنقضية عدتها.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يلحقها طلاقه، ورُوي نحوه عن سعيد بن المسيب، وشُريح، وطاوس، والزهري، والحكم، وحماد، واستُدِلَّ لهم بحديث: «المختلعة في طلاقٍ ما كانت في العدة» أخرجه عبد الرزاق معضلًا، وقال الثوري: لم نجد له أصلًا. وقال ابن قدامة: حديثهم لا نعرف له أصلًا. والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [١٧]: هل للرجل الرجعة بعد المخالعة ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٧٨ - ٢٧٩): وَلَا يَثْبُتُ فِي الْخُلْعِ رَجْعَةٌ، سَوَاءٌ قُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ. فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُمَا قَالَا: الزَّوْجُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إمْسَاكِ الْعِوَضِ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ، وَبَيْنَ رَدِّهِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إنْ كَانَ الْخُلْعُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ؛ فَلَهُ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ مِنْ حُقُوقِ الطَّلَاقِ، فَلَا تَسْقُطُ بِالْعِوَضِ، كَالْوَلَاءِ مَعَ الْعِتْقِ.
стр. 4450
قال: وَلَنَا قَوْلُهُ : ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِدَاءً إذَا خَرَجَتْ بِهِ عَنْ قَبْضَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَإِذَا كَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ، فَهِيَ تَحْتَ حُكْمِهِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْ الْمَرْأَةِ، فَلَوْ جَازَ ارْتِجَاعُهَا؛ لَعَادَ الضَّرَرُ، وَفَارَقَ الْوَلَاءَ؛ فَإِنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وَالطَّلَاقُ يَنْفَكُّ عَنْ الرَّجْعَةِ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِذَا أَكْمَلَ الْعَدَدَ. اهـ
مسألة [١٨]: إذا اشترط الرجل في الخلع أنَّ له الرجعة ؟
• من أهل العلم من قال: يصح الخلع، ويبطل الشرط. وهو قول أبي حنيفة، ومذهب الحنابلة، ومالك في رواية؛ وذلك لأنه شرط ينافي مقصود الخلع؛ إذ أنَّ مقصود الخلع هو التخلص من الزوج، وبالشرط يفوت هذا المقصود، ولأنَّ الله لم يجعل في الخلع رجعة، وقصر الرجعة في المطلقة رجعيًّا بعد الدخول، فاشتراط الرجعة في ذلك إحداث وتغيير للحكم، و «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد».
• وقال بعضهم: يبطل الخلع مع الشرط. وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة؛ لأنَّ هذا الشرط يبطل المقصود من أصله؛ إذ أنه يجعل الخلع اللازم جائزًا، متى شاء أبطله؛ فهو كما لو وقف شيئًا واشترط أن يبيعه متى شاء.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وهناك قولٌ ثالثٌ بصحة الشرط والخلع، وهو عكس القول الثاني.