قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٥/ ٤٠٨): وقال شيخ الإسلام: يصح أن يخالعها على غير عوض، وعلل ذلك بأمرين: أحدهما: أنَّ العوض حق للزوجة، فإذا أسقطه باختياره فلا حرج، كغيره من الحقوق. الثاني: الحقيقة أنه إذا خالعها، فإنما يخالعها على عوض؛ لأنها تسقط حقها من الإنفاق؛ لأنه لو كان الطلاق رجعيًّا؛ لكانت النفقة مدة العدة على الزوج، فإذا خالعته فلا نفقة عليه؛ فكأنها بذلت له عوضًا فهي قد أسقطت حقها الذي لها على الزوج من النفقة، وهو قد أسقط الحق الذي له على الزوجة من الرجعة، فالرجعة حق للزوج، والنفقة مدة العدة حق للزوجة، فإذا رضيا بإسقاطهما في الخلع فلا مانع.
هكذا قال شيخ الإسلام ﵀، ويجيب عن الاستدلال بالآية بأنَّ الغالب أنَّ الزوج لا يفارق زوجته إلا بعوض؛ لهذا قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وما قاله الشيخ ﵀ جيد؛ لأنه في الحقيقة خلع على عوض، وهو النفقة، وما قاله الشيخ ظاهر جدًّا إلا فيما إذا كان الطلاق آخر ثلاث تطليقات؛ لأنه إذا كان آخر ثلاث تطليقات؛ فإنَّ المطلقة ثلاثًا ليس لها على زوجها نفقة، وحينئذٍ لا يستفيد الزوج، ولكن يقال: إذا رضي بهذا؛ فالحق له.
قال: كذلك إذا خالعها بغير عوض، قلنا: لم يصح، وإذا لم يصح؛ فإنه إن وقع بلفظ الطلاق، أو نيته؛ فهو طلاق، وإن وقع بلفظ الخلع؛ فليس بشيء. اهـ (١)
стр. 4447
مسألة [١٣]: المخالعة على عوض محرم ؟
كأن يخالعها على خنزير، أو خمر، أو مغصوب، وما أشبه ذلك.
• فمذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة أنه لا يصح الخلع؛ لأنَّ العوض المحرم لا قيمة له؛ فصار كالخلع بغير عوض.
• وقال الشافعي: يصح الخلع، ويجب عليها مهر مثلها.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٥/ ٤٠٨): كذلك إذا خالعها على محرم، كأن تقول له: خالعني بخنزير عندها؛ فلا يجوز؛ لأنه محرم، فلا يصح الخلع، لكن بشرط أن يعلما أنه محرم؛ فإن كانا لا يعلمان أنه محرم؛ فإنَّ الخلع يصح، وله قيمته المباحة، مثل لو خالعها على ولد لها من غيره. قالت: أخالعك على هذا الولد لك عبد. فلا يجوز؛ لأنه حرٌّ؛ فإن كان لا يعلمان أنه حر، فله مثل قيمته عبدًا. اهـ
قلتُ: الصحيح أنَّ الخلع يصح، وعليها إعادة مهرها الذي أعطاها. (١)
مسألة [١٤]: المخالعة على عوضٍ مجهول ؟
كأن يخالعها على حمل شجرتها، أو أمتها، أو ما في بيتها من دراهم، أو متاع.
• فمذهب الحنابلة، وأصحاب الرأي صحة ذلك؛ وذلك لأنَّ الخلع إسقاطٌ لحقه من البضع، وليس فيه تمليك شيء، والإسقاط تدخله المسامحة؛ ولذلك جاز من غير عوض، بخلاف النكاح، ولأنَّ هذا ليس معاوضة محضة، وإنما
стр. 4448
الغرض منه التخلص من هذا الزوج، فإذا رضي بأي عوض وهو غير محرم شرعًا؛ فله ذلك.
• وذهب أبو ثور، وبعض الحنابلة إلى أنه لا يصح؛ لأنه معاوضة، فلا يصح بالمجهول كالبيع، وهو قول ابن حزم.
• وقال الشافعي: يصح الخلع، وله مهر مثلها كالنكاح.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: إنْ كان الزوج يعلم القدر الأقل الذي ربما تحصَّل عليه ورضي بذلك فلا إشكال في ذلك، وإن كان لا يعلم فالخلع صحيح، وإن حصل الخلاف فله المهر الذي أعطاها فالخلع صحيح على كلا الوجهين، والله أعلم. (١)
تنبيه: عند الحنابلة إذا خرج العوض المجهول لا شيء؛ فعليها للرجل أقل ما يطلق عليه الاسم.
مسألة [١٥]: الخلع بالمنافع .
يصح الخلع بالمنافع إذا كانت معلومة، كأن يخالع الحامل على نفقة عدتها، أو على إرضاع ولده، وحضانته، أو كفالته. (٢)
مسألة [١٦]: هل يقع على المختلعة في عدتها طلاق ؟
• عامة أهل العلم على أنه لا يقع عليها في عدتها طلاق، صحَّ هذا القول عن عبدالله بن عباس، وعبد الله بن الزبير ﵃، وهو قول عكرمة، وجابر بن زيد،
стр. 4449
والحسن، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم؛ وذلك لأنها بالخلع تبين منه، وليست امرأة له حتى يلحقها طلاقه، فهي امرأة أجنبية لا تحل له إلا بنكاح جديد، فأشبهت المطلقة قبل الدخول، أو المنقضية عدتها.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يلحقها طلاقه، ورُوي نحوه عن سعيد بن المسيب، وشُريح، وطاوس، والزهري، والحكم، وحماد، واستُدِلَّ لهم بحديث: «المختلعة في طلاقٍ ما كانت في العدة» أخرجه عبد الرزاق معضلًا، وقال الثوري: لم نجد له أصلًا. وقال ابن قدامة: حديثهم لا نعرف له أصلًا. والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [١٧]: هل للرجل الرجعة بعد المخالعة ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٢٧٨ - ٢٧٩): وَلَا يَثْبُتُ فِي الْخُلْعِ رَجْعَةٌ، سَوَاءٌ قُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ. فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُمَا قَالَا: الزَّوْجُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إمْسَاكِ الْعِوَضِ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ، وَبَيْنَ رَدِّهِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إنْ كَانَ الْخُلْعُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ؛ فَلَهُ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ مِنْ حُقُوقِ الطَّلَاقِ، فَلَا تَسْقُطُ بِالْعِوَضِ، كَالْوَلَاءِ مَعَ الْعِتْقِ.
стр. 4450
قال: وَلَنَا قَوْلُهُ : ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِدَاءً إذَا خَرَجَتْ بِهِ عَنْ قَبْضَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَإِذَا كَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ، فَهِيَ تَحْتَ حُكْمِهِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْ الْمَرْأَةِ، فَلَوْ جَازَ ارْتِجَاعُهَا؛ لَعَادَ الضَّرَرُ، وَفَارَقَ الْوَلَاءَ؛ فَإِنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وَالطَّلَاقُ يَنْفَكُّ عَنْ الرَّجْعَةِ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِذَا أَكْمَلَ الْعَدَدَ. اهـ
مسألة [١٨]: إذا اشترط الرجل في الخلع أنَّ له الرجعة ؟
• من أهل العلم من قال: يصح الخلع، ويبطل الشرط. وهو قول أبي حنيفة، ومذهب الحنابلة، ومالك في رواية؛ وذلك لأنه شرط ينافي مقصود الخلع؛ إذ أنَّ مقصود الخلع هو التخلص من الزوج، وبالشرط يفوت هذا المقصود، ولأنَّ الله لم يجعل في الخلع رجعة، وقصر الرجعة في المطلقة رجعيًّا بعد الدخول، فاشتراط الرجعة في ذلك إحداث وتغيير للحكم، و «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد».
• وقال بعضهم: يبطل الخلع مع الشرط. وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة؛ لأنَّ هذا الشرط يبطل المقصود من أصله؛ إذ أنه يجعل الخلع اللازم جائزًا، متى شاء أبطله؛ فهو كما لو وقف شيئًا واشترط أن يبيعه متى شاء.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وهناك قولٌ ثالثٌ بصحة الشرط والخلع، وهو عكس القول الثاني.
стр. 4451
وقال: ما دام أنَّ هذا الشرط ثبت باختيارهما، ولا إكراه عليه؛ فالأصل في الشروط الصحة، وكونه ينافي مقتضى الخلع فهذا صحيح، ولكن الخلع من حقها، فإذا رضيت بإسقاطه؛ فلها الحق في ذلك.
قال: لكن المذهب في هذه هو أقرب الأقوال؛ لأنها قد تغتر عند عقد الخلع، وتوافق على هذا الشرط، ثم تندم؛ فالصحيح في هذه المسألة المذهب: أنَّ الشرط فاسدٌ، وأنَّ الخلع صحيح، وأما من قالوا: إنَّ الخلع لا يصح؛ لأنه يجب عليه أن يرد عليها ما أخذ منها، وله أن يراجعها. فلا وجه له؛ لأنَّ العقد وقع باشتراطهما، ورضاهما. اهـ
قلتُ: وما استقربه الإمام العثيمين ﵀ هو الراجح عندي، والله أعلم. (١)
مسألة [١٩]: إذا شرط في الخلع الخيار للرجل، أو المرأة لمدة معلومة ؟
• مذهب الحنابلة أنَّ الخلع يصح، ويبطل شرط الخيار؛ لما تقدم ذكره في المسألة السابقة.
• وقال أبو حنيفة: يصح الخيار إذا كان للمرأة، ولا يصح الخيار للرجل.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: الذي يظهر أنه يصح الشرط؛ لأنَّ هذه المسألة ليست كالمسألة الأولى، فالرجعة في المسألة الأولى للزوج، وأما هذا الخيار لهما جميعًا، فلكلٍّ منهما أن يختار، لكن قد يقول قائل: إن الزوج لو اختار؛ فإنَّ الزوجة
стр. 4452
تجبر على موافقته، وحينئذٍ نعود إلى أنه كشرط الرجعة تمامًا إلا أنَّ الرجعة من جانب واحدٍ، وهذا من جانبين، لكن بدلًا من هذا كله نسلك شيئًا لا خلاف فيه، وهو العقد، فنقول: بدلًا من أن أعطيها الدراهم وأرد الخلع، نقول: هذه الدراهم مهر لك. اهـ
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: يظهر لي -والله أعلم- أنَّ قول أبي حنيفة في هذه المسألة أرجح؛ لأن الرجل لا يشترط رضاه؛ فللقاضي إلزامه بالخلع، ولولم يرض، وعلى هذا فالخيار من قبل المرأة فحسب. (١)
مسألة [٢٠]: هل للأب خلع زوجة ابنه الصغير والطلاق عنه ؟
• من أهل العلم من قال: له ذلك. وهو قول عطاء، وقتادة، وأحمد في رواية، ومالك في الخلع بعوض؛ لأنَّ له الولاية عليه، فكما يملك إنكاحه فيملك إزالة النكاح.
• ومنهم من قال: ليس له ذلك. وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، ومالك في الطلاق؛ لأنَّ الطلاق بيد الزوج؛ فكذلك الفرقة بالفسخ، ولأنه حق للصغير؛ فليس لغيره إسقاطه.
والصحيح هو القول الأول، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وصححه ابن عثيمين، والله أعلم. (٢)
стр. 4453
تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١٤): والقول في زوجةِ عَبْدِهِ الصغير كالقول في زوجة ابنه الصغير؛ لأنه في معناه، فأما غير الأب؛ فليس له تطليق امرأة المولى عليه، سواء كان ممن يملك التزويج، كوصي الأب، والحاكم على قول ابن حامد، أو لا يملكه، لا نعلم في هذا خلافًا. (١)
مسألة [٢١]: هل للأب خلع ابنته الصغيرة بشيء من مالها ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس له ذلك؛ لأنه ليس له التصرف في مالها، إلا فيما فيه الحظ، وليس في هذا حظ، وهذا مذهب كثير من الحنابلة، والشافعية.
• وقال بعض أهل العلم: له ذلك إذا رأى في ذلك مصلحة لها. وهو قول مالك، وبعض الحنابلة، والشافعية. وصحح هذا القول الإمام ابن عثيمين؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢/الإسراء:٣٤] يشمل ما كان أحسن له في ماله، أو في دينه، أو في بدنه، أو في أي شيء يكون. (٢)
مسألة [٢٢]: إذا خالعت السفيهة .
إذا خالعت المحجور عليها لسفهها؛ فإنَّ خلعها لا يصح؛ لأنَّه تصرف في المال، وهي محجورة عنه، بخلاف المحجور عليها لفلس؛ فإنه يصح خلعها. (٣)
стр. 4454
مسألة [٢٣]: هل يصح خلع الأجنبي عن المرأة ؟
• أكثر أهل العلم على صحته من الأجنبي، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، كما يجوز أن يفتدي الأسيرة، وكما يجوز أن يبذل الأجنبي لسيد العبد عوضًا ليعتقه.
قال شيخ الإسلام ﵀: ولهذا ينبغي أن يكون ذلك مشروطًا بما إذا كان قصده تخليصها من رق الزوج؛ لمصلحتها في ذلك كما يُفتدي الأسير. اهـ
• وذهب أبو ثور، وبعض الحنابلة إلى أنه لا يصح، وهو قول بعض الشافعية؛ لأنها كالإقالة، والإقالة لا تصح من الأجنبي.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٠٧): هو شبيه بإعتاق العبد، وفك الأسير، لا بالإقالة في البيع؛ فلهذا يجوز باتفاق الأئمة بدون الصداق المسمى، وجوزه الأكثرون بأكثر من الصدقات، ويجوز أيضًا بغير جنس الصداق، وليست الإقالة كذلك، بل الإقالة المقصود بها تراد العوض. اهـ (١)
مسألة [٢٤]: مخالعة الأمة .
إذا خالعت الأمة زوجها؛ صحَّ الخلع، سواء كان بإذن سيدها، أم لم يكن.
قال ابن قدامة ﵀ كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١٥): فإن كان الخلع بغير إذن سيدها على شيء في ذمتها؛ فإنه يتبعها إذا عتقت؛ لأنه رضي بذمتها، وإن كان
стр. 4455
على عين، فقال الخرقي: إنه يثبت في ذمتها مثله، أو قيمته إن لم يكن مثليًّا؛ لأنه لا تملك العين، وما في يدها من شيء؛ فهو لسيدها؛ فيلزمها، كما لو خالعها على عبد فخرج حُرًّا، أو مستحقًّا.
قال: وقياس المذهب أنه لا شيء له؛ لأنه إذا خالعها على عين، وهو يعلم أنها أمة؛ فقد علم أنها لا تملك العين؛ فيكون راضيًا بغير عوض، فلا يكون له شيء كما لو قال: خالعتك على هذا المغصوب، أو هذا الحر. وكذلك ذكر القاضي، وهذا قول مالك.
قال: وقال الشافعي: يرجع عليها بمهر المثل. كقوله في الخلع على الحر، والمغصوب.
قال ابن قدامة: وإن كان الخلع بإذن السيد؛ تعلَّق العوض بذمته في قياس المذهب كما لو أذن لعبده أن يستدين.
قال: ويحتمل أن يتعلق برقبة الأمة. اهـ
وقال العِمراني في «البيان» (١٠/ ١٣): إن كانت مأذونًا لها في التجارة؛ أدَّت المال مما في يدها، وإن كانت مكتسبة؛ أدَّت العوض من كسبها، وإن كانت غير مكتسبة ولا مأذون لها؛ ثبت في ذمتها إلى أن تعتق. اهـ
وللشافعية وجهٌ أنه على السيد، كقول الحنابلة، كما في «البيان» (١٠/ ١٣).
قلتُ: الصواب أنه يكون في ذمتها، والله أعلم.
стр. 4456
تنبيه: قال ابن قدامة كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١٦): وإن خالعته على معين بإذن السيد فيه؛ ملكه، وإن أذن في قدرٍ من المال، فخالعت بأكثر منه؛ فالزيادة في ذمتها، وإن أطلق الإذن؛ اقتضى الخلع بالمسمى لها؛ فإن خالعت به، أو بما دونه؛ لزم السيد، وإن كان بأكثر منه؛ تعلقت الزيادة بذمتها كما لو عين لها قدرًا فخالعت بأكثر منه، وإن كانت مأذونًا لها في التجارة؛ سلمت العوض مما في يدها. اهـ
مسألة [٢٥]: الخلع بدون تحديد العوض .
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٢٥٢): والذي يقتضيه القياس أنهما إذا أطلقا الخلع؛ صحَّ بالصداق، كما لو أطلقا النكاح ثبت صداق المثل، فكذا الخلع وأولى. اهـ
فائدة: الخلع لا يسقط ما على الرجل من حقوقٍ للمرأة؛ إلا أن تدخل تلك الحقوق في ضمن العوض. (١)
تمَّ بحمد الله ومنته يوم الثلاثاء الموافق (١١/ربيع الثاني/١٤٢٧ هـ)
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
стр. 4457
كِتَابُ الطَّلاقِ
تعريف الطلاق:
الطلاق في اللغة: حل الوثاق، مشتقٌّ من الإطلاق، وهو الإرسال، والترك. ويقال: فلان طلق اليد في الخير، أي: كثير البذل.
وفي الشرع: هو حل عقدة النكاح.
وطَلُقت المرأة، بفتح الطاء، وضم اللام، وبفتحها أيضًا وهو أفصح، وطُلِّقت أيضًا بضم أوله، وكسر اللام الثقيلة؛ فإن خففت فهو خاصٌّ بالولادة، والمضارع فيها بضم اللام، والمصدر في الولادة طلْقًا ساكنة اللام فهي طالق فيهما. (١)
مشروعية الطلاق:
دلَّ على مشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
وأما من السنة: فأحاديث الباب التي سنذكرها.
وأجمع العلماء على مشروعيته في الجملة. (٢)
стр. 4458
١٠٦٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَبْغَضُ الحَلَالِ إلَى اللهِ الطَّلَاقُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَرَجَّحَ أَبُوحَاتِمٍ إرْسَالَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم الطلاق .
الطلاق تجري فيه الأحكام الخمسة:
فيكون الطلاق واجبًا على الزوج في صورٍ منها: طلاق المولي بعد التربص إذا أبى الفيئة، وطلاق الحكمين في الشقاق إذا رأيا ذلك، وطلاق المرأة إذا كانت غير عفيفة على الصحيح.
ويكون الطلاق محرما فيما إذا كان بدعيًّا، كأن يطلقها في الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه.
قال ابن قدامة ﵀: أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على تحريمه، ويسمى طلاق البدعة؛ لأنَّ المطلق خالف السنة. اهـ
ويكون الطلاق مستحبًّا إذا رأى في الزواج ضررًا على المرأة، أو كرهت المرأة، فأرادت الخلع، فيستحب له أن يطلقها؛ إحسانًا إليها، أو كانت المرأة
стр. 4459
فاسقة بغير الزنى، ولم يستطع تقويمها.
ويكون الطلاق مباحًا إذا احتاج إليه الرجل بعد صبره على المرأة، ولم يحصل المقصود.
ويكون مكروهًا إذا طلقها لغير حاجة، والحال بينهما مستقيمة، جزم بذلك الشافعية، وأكثر الحنابلة، وعن أحمد رواية في تحريمه إذا كان لغير حاجة، وهو قول الحنفية.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٩٠): الطلاق إذا لم تَدْعُ الحاجة إليه منهي عنه باتفاق العلماء، إما نهي تحريم، وإما نهي تنزيه. اهـ
وقال في (٣٣/ ٨١): الأصل في الطلاق الحظر وإنما أُبيح منه قدر الحاجة. اهـ
ثم استدل بحديث أنَّ إبليس يضع عرشه على البحر، ويبعث سراياه، فأحبهم إليه الذي يفرق بين الرجل وامرأته. أخرجه مسلم برقم (٢٨١٣) من حديث جابر ﵁، وبأنَّ هذا عمل السحرة. (١)
مسألة [٢]: هل يجب على الرجل أن يطيع أباه في طلاق امرأته ؟
ثبت في الترمذي (١١٨٩)، عن ابن عمر ﵄ أنَّ أباه أمره أن يطلق امرأته، فقال له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «طلِّقْها».
وثبت عن أبي الدرداء عند أحمد (٥/ ١٩٦)، وغيره، أنه سئل عن رجل أمرته
стр. 4460
أمُّه أن يفارق امرأته؟ فقال: ما أنا بالذي آمرك أن تفارق، ولا أنا بالذي آمرك أن تمسك، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة؛ فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه».
وقد نصَّ الإمام أحمد في رواية أنه يجب على الولد طاعة أبيه الصالح العدل إذا أمره بذلك.
وقال شيخ الإسلام ﵀ (٣٣/ ١٦): والأب الصالح إذا أمر ابنه بالطلاق لما رآه من مصلحة الولد؛ فعليه أن يطيعه، كما قال أحمد وغيره، كما أمر النبي ﷺ عبد الله بن عمر أن يطيع أباه لما أمره بطلاق امرأته. اهـ
وسئل شيخ الإسلام كما في «الفتاوى» (٣٣/ ١١٢) عن رجل متزوج وله أولاد، ووالدته تكره زوجته، وتشير عليه بطلاقها، فهل يجوز له طلاقها؟
فقال: لا يحل له أن يطلقها لقول أمه، بل عليه أن يبر أمه، وليس تطليق امرأته من برها، والله أعلم. اهـ
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «شرح رياض الصالحين» (٣٣٣): ولكن ليس كل والد يأمر ابنه بطلاق زوجته تجب طاعته؛ فإنَّ رجلًا سأل الإمام أحمد، فقال: إنَّ أبي يقول: طلِّق امرأتك. وأنا أُحِبُّها؟ قال: لا تطلقها. قال: أليس النبي ﷺ قد أمر ابن عمر أن يطلق زوجته لما أمره عمر؟ فقال له الإمام أحمد: وهل أبوك عمر؟ لأن عمر نعلم علم اليقين أنه لن يأمر عبد الله بطلاق زوجته إلا لسبب
стр. 4461
شرعي، وقد يكون ابن عمر لم يعلمه؛ لأنه من المستحيل أنَّ عمر يأمر ابنه بطلاق زوجته ليفرق بينه وبين زوجته بدون سبب شرعي، هذا بعيد، وعلى هذا فإنْ أمر أبوك، أو أمك بأن تطلق امرأتك وأنت تحبها، ولم تجد عليها مأخذًا شرعيًّا؛ فلا تطلقها؛ لأنَّ هذه من الحاجات الخاصة التي لا يتدخل أحد فيها بين الإنسان وبين زوجته. اهـ (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: ضابط الطلاق المشروع .
الطلاق المشروع: هو أن يطلق الرجل امرأته وهي طاهر، ولم يمسها في ذلك الطهر، أو تكون حاملًا قد تبين حملها، وإن كان قد مسَّها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]، وكذلك أحاديث الباب دالة على ذلك.
ولا خلاف بين أهل العلم أنَّ من طلَّق امرأته في طهر لم يصبها فيه، ثم تركها حتى تنقضي عدتها أنه مصيب للسنة، قال ابن مسعود ﵁: طلاق السنة أن يطلقها من غير جماع. أخرجه النسائي (٦/ ١٤٠) بإسناد صحيح.
والسنة أن يطلقها واحدة، وأما أكثر من واحدة فخلاف السنة، ولو طلقها واحدة في كل طهر؛ فخلاف السنة أيضًا إذا لم يراجع، وهو قول أحمد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبي عبيد، وصحَّ عن ابن مسعود، وجاء عن علي بسند منقطع.
• وعدَّ ذلك بعضُهم طلاق سنة، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وابن مسعود في قولٍ، وليس لهم على ذلك دليل صحيح يعتمد عليه. (١)
стр. 4464
مسألة [٢]: إذا طلق امرأته حال حيضها، أو في طهرٍ أصابها فيه، ولم يتبين حملها، هل يقع طلاقه ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ الطلاق يقع، ويأثم الرجل على ذلك الطلاق، حتى قال ابن المنذر، وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال. ولعلهما عنيا بذلك إبراهيم ابن عُليَّه، وهشام بن الحكم، والشيعة.
واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمره بمراجعتها. وبقول ابن عمر ﵄: وحُسِبت علي تطليقة.
وأخرج ابن وهب في «جامعه» عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، وفيه: مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، وهي واحدة. وأخرجه أيضًا الدارقطني (٤/ ٩) من طريق: يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب به.
وللمخالف أن يقول: إن ابن أبي ذئب تفرد بهذه الزيادة عن نافع، ولم يذكرها الثقات الأثبات في نافع، وهم: مالك، وعبيد الله، والليث، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومعهم محمد بن إسحاق، وروايتهم في «الصحيحين» و «السنن».
وبيَّن المعلمي أنَّ الدارقطني فهم أن مقصود ابن أبي ذئب أن ابن عمر طلق واحدة لا ثلاثًا كما قال بعضهم. (١)
واستدلوا على ذلك بأنَّ ابن عمر كان يفتي بذلك كما في حديث الباب.
стр. 4465
وروى مسلم في «صحيحه» عن محمد بن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم أنَّ ابن عمر طلَّق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فأُمر أن يراجعها، فجعلتُ لا أتهمهم، ولا أعرف الحديث حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير الباهلي، وكان ذا ثبت، فحدثني أنه سأل ابن عمر، فحدثه أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، فأُمر أن يراجعها.
قال ابن رجب ﵀: استنكار ابن سيرين لرواية الثلاث يدل على أنه لم يعرف قائلًا معتبرًا قال: إنَّ الطلاق المحرم غير واقع، وأنَّ هذا القول لا وجه له.
قال: وسُئل أحمد عمَّن قال: لا يقع الطلاق المحرم؛ لأنه يخالف ما أمر به؟ فقال: هذا قول سوءٍ، رديء.
ثم ذكر قصة ابن عمر، وأنه احتسب بطلاقه في الحيض.
قال: وقال أبو عبيد: الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار، حجازهم، وتهامهم، ويمنهم، وشامهم، وعراقهم، ومصرهم. اهـ
• وذهب ابن حزم، وشيخ الإسلام، وابن القيم، والشوكاني إلى عدم وقوع الطلاق.
واستدلوا على ذلك برواية أبي الزبير المتقدمة، وهي رواية منكرة كما تقدم، وقد روى الحديث عن ابن عمر نافع، وسالم، وأنس بن سيرين، وطاوس، ويونس ابن جبير، وعبد الله بن دينار، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران وغيرهم، ولم
стр. 4466
يذكروا ما ذكره أبو الزبير، بل صرح بعضهم عن ابن عمر أنها حسبت عليه بتطليقة.
واستدلوا بما رواه سعيد بن منصور (١٥٥٢) بإسناده عن ابن عمر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ليس ذلك بشيء»، وهي رواية ضعيفة، منكرة؛ فإن شيخ سعيد: حديج ابن معاوية فيه ضعف، والراوي عن ابن عمر هو عبد الله بن مالك بن الحارث الهمداني مجهول الحال، وقد خالف الأثبات من تلاميذ ابن عمر كما تقدم.
واستدلوا على ذلك بأنه صح عن ابن عمر أنه قال: لا يعتد بها. وصحَّ أيضًا مثل ذلك عن خلاس بن عمرو، وقالوا: هذا طلاق بدعة فلا يصح؛ لحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
وقالوا: النكاح متيقن؛ فلا يزول إلا بيقين مثله من كتاب، أو سنة، أو إجماع.
وقالوا: ليس في الأحاديث أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- احتسب عليه تلك الطلقة، بل فيه أنها حسبت من طلاقه، ولم يذكر من الذي احتسبها عليه.
وقالوا: أما قوله: «فليراجعها» فالمقصود أن يجتمعا كما كانا قبل الطلاق.
وقد أطال ابن القيم ﵀ في الدفاع عن هذا القول، وأطال الحافظ ابن حجر في نصر القول الأول، وهو الذي يظهر، والله أعلم؛ لأنَّ أدلة القائلين بعدم الوقوع ضعيفة.
وأما قولهم (بأنه طلاق محرم مبتدع؛ فلا يقع) فيقال: هذا هو الأصل لو لم
стр. 4467
تثبت الأحاديث باعتداد تلك الطلقة، وأما مع ثبوتها كما تقدم؛ فهي لازمة.
وأما ما نقلوه عن ابن عمر، وخلاس بن عمرو، فقد بين وجه ذلك الحافظ ابن رجب ﵀.
فقال ﵀ كما في «جامع العلوم والحكم»: وأمَّا ما حكاه ابنُ حزم عن ابن عمر أنَّه لا يقع الطلاقُ في الحيضِ، مستندًا إلى ما رواه من طريق محمد بن عبد السلام الخشني الأندلسي، حدَّثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عبد الوهَّاب الثقفي، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابنِ عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال: لا يُعتَدُّ بها. وبإسناده عن خِلاس نحوه؛ فإنَّ هذا الأثرَ قد سقط من آخره لفظة وهي قال: لا يعتد بتلك الحيضة. كذلك رواه أبو بكر بنُ أبي شيبة في كتابه (١) عن عبد الوهَّاب الثقفي، وكذا رواه يحيى بنُ معين، عن عبد الوهَّاب أيضًا، وقال: هو غريب لم يحدث به إلا عبدُ الوهَّاب، ومرادُ ابنِ عمر أنَّ الحيضة التي طلق فيها المرأة لا تعتدُّ بها المرأة قرءًا، وهذا هو مرادُ خِلاس وغيره. وقد روي ذلك أيضًا عن جماعةٍ منَ السَّلف، منهم: زيدُ بنُ ثابت، وسعيد بنُ المسيب، فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم كما وهم ابنُ حزم، فحَكَوا عن بعضِ من سمينا أنَّ الطلاق في الحيض لا يقع، وهذا سببُ وهمهم، واللهُ أعلم. اهـ
وأما قولهم: (لم يصرح ابن عمر بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي حسبها عليه).
فقال الحافظ ابن حجر ﵀: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الْآمِر بِالْمُرَاجَعَةِ، وَهُوَ
стр. 4468
الْمُرْشِد لِابْنِ عُمَر فِيمَا يَفْعَل إِذَا أَرَادَ طَلَاقهَا بَعْد ذَلِكَ، وَإِذَا أَخْبَرَ اِبْنُ عُمَر أَنَّ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ حُسِبَتْ عَلَيْهِ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ الَّذِي حَسَبَهَا عَلَيْهِ غَيْر النَّبِيّ ﷺ بَعِيدًا جِدًّا، مَعَ اِحْتِفَاف الْقَرَائِن فِي هَذِهِ الْقِصَّة بِذَلِكَ.
ثم ذكر رواية ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر «هي واحدة».
قال: وَهَذَا نَصّ فِي مَوْضِع الْخِلَاف؛ فَيَجِب الْمَصِير إِلَيْهِ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ بَعْض الْعُلَمَاء عَلَى اِبْنِ حَزْم، فَأَجَابَهُ بِأَنَّ قَوْله «هِيَ وَاحِدَة» لَعَلَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيّ ﷺ ، فَأَلْزَمَهُ بِأَنَّهُ نَقَضَ أَصْله؛ لِأَنَّ الْأَصْل لَا يُدْفَع بِالِاحْتِمَالِ.
قال: وَعِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ أَنَسِ بْن سِيرِينَ، عَنْ اِبْنِ عُمَر فِي الْقِصَّة، فَقَالَ عُمَر: يَا رَسُول الله، أَفَتُحْتَسَب بِتِلْكَ التَّطْلِيقَة؟ قَالَ: «نَعَمْ».
قلتُ: هي عند الدارقطني (٤/ ٥)، ورجاله ثقات؛ إلا عبد الملك بن محمد الرقاشي؛ فإنه حسن الحديث له أوهام، وقد وهم؛ فجعل السؤال موجهًا للنبي ﷺ ، وقوله: (نعم) من قول النبي ﷺ ، والمحفوظ في طرق الحديث من أوجهٍ كثيرة، أنه من فتوى ابن عمر ﵄، وأنه هو الذي سئل عن ذلك.
قال الحافظ: وَعِنْده -يعني الدارقطني- مِنْ طَرِيق سَعِيد بنِ عَبْد الرَّحْمَن الْجُمَحِيِّ، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر، عَنْ نَافِع، عَنْ اِبْنِ عُمَر، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: إِنِّي طَلَّقْت اِمْرَأَتِي الْبَتَّة وَهِيَ حَائِض. فَقَالَ: عَصَيْت رَبَّك، وَفَارَقْتَ اِمْرَأَتك. قَالَ: فَإِنَّ رَسُول الله ﷺ أَمَرَ اِبْنَ عُمَر أَنْ يُرَاجِع اِمْرَأَته، قَالَ: إِنَّهُ أَمَرَ اِبْنَ عُمَر أَنْ يُرَاجِعَهَا
стр. 4469
بِطَلَاقٍ بَقِيَ لَهُ، وَأَنْتَ لَمْ تُبْقِ مَا تَرْتَجِع بِهِ اِمْرَأَتك. وَفِي هَذَا السِّيَاق رَدّ عَلَى مَنْ حَمَلَ الرَّجْعَة فِي قِصَّة اِبْنِ عُمَر عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيّ.
قلتُ: الحديث الأخير عند الدارقطني (٤/ ٧ - ٨)، وإسناده حسن، وقد فهم ابن عمر بالارتجاع المعنى الشرعي، وهو المخاطب بذلك؛ فبطل حمل المراجعة على معنى الاجتماع فقط، والله أعلم.
وقد رجَّح قول الجمهور الإمام الألباني، وشيخنا مقبل الوادعي رحمهما الله، ورجح القول الثاني الإمام ابن باز، والسعدي، وابن عثيمين ﵏. (١)
مسألة [٣]: هل يجوز تطليق الغير المدخول بها وهي حائض ؟
قال ابن القيم ﵀ في «الزاد» (٥/ ٢١٩): وَأَمّا مَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ فَيَجُوزُ طَلَاقُهَا حَائِضًا وَطَاهِرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [الْبَقَرَةُ:٢٣٦]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الْأَحْزَابُ: ٤٩]، وَقَدْ دَلّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلَاقُ: ١]، وَهَذِهِ لَا عِدّةَ لَهَا، وَنَبّهَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ بِقَوْلِهِ: «فَتِلْكَ الْعِدّةُ الّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النّسَاءُ»، وَلَوْلَا هَاتَانِ الْآيَتَانِ اللّتَانِ فِيهِمَا إبَاحَةُ الطّلَاقِ قَبْلَ الدّخُولِ؛ لَمَنَعَ مِنْ طَلَاقِ مَنْ
стр. 4470
لَا عِدّةَ لَهُ عَلَيْهَا. اهـ (١)
مسألة [٤]: إذا طلق امرأته وهي حائضٌ، هل يجب عليه مراجعتها ؟
• ذهب طائفة من أهل العلم إلى وجوب المراجعة عليه؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر عبد الله بن عمر بذلك، وهو قول مالك، وداود، وأحمد في رواية، والذي عليه مالك، وأكثر أصحابه أنه يجبر مالم تَنْقَضِ عدتها، وقال أشهب: يجبر في الحيضة الأولى.
• وذهب جماعة إلى استحباب الرجعة، وعدم وجوبها، وهو الأظهر في مذهب أحمد، وقال به الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه طلاق لا يرتفع بالرجعة؛ فلم تجب عليه الرجعة فيه، كالطلاق في طهر مسَّها فيه؛ فإنهم أجمعوا على أنَّ الرجعة لا تجب، حكاه ابن عبد البر. (٢)
مسألة [٥]: إذا راجعها، فهل يمسكها حتى تطهر من حيضها فقط، أو ينتظر الحيضة الأخرى والطهر منها، ثم يطلق ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجب عليه إمساكها حتى تحيض حيضة أخرى وتطهر منها، ثم يطلق، وهذا قول مالك، ووجهٌ للشافعية، ونقله الحافظ ابن حجر عن أبي يوسف، ومحمد من كتب الحنفية، وعن ابن تيمية في «المحرر».
стр. 4471
واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر الذي في الباب، وهو من طريق: نافع عنه.
• وذهب جماعةٌ إلى أنه يجوز له تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلَّق فيها، وهو قول أحمد في رواية، وأبي حنيفة، والأشهر في مذهب أحمد القول الأول.
والقول الثاني قال به بعض الشافعية، واستدلوا على ذلك بأنَّ يونس بن جبير، وسعيد بن جبير، وأنس بن سيرين، وزيد بن أسلم، وأبا الزبير رووا عن ابن عمر ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمره أن يراجعها حتى تطهر، ولأنه تشمله الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
قال الحافظ ابن حجر ﵀: رواية الزهري عن سالم موافقة لرواية نافع، وقد نبَّه على ذلك أبو داود، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما إذا كان حافظًا. اهـ
قال ابن عبد البر ﵀: وذلك لوجوه عند أهل العلم، منها: أنَّ الرجعة لا تكاد تُعلم صحتها إلا بالوطء؛ لأنه المبتغى من النكاح، ولا يحصل الوطء إلا في الطهر، فإذا وطئها حرم طلاقها فيه حتى تحيض، ثم تطهر، واعتبرنا مظنة الوطء ومحله لا حقيقته. ومنها: أنَّ الطلاق كُره في الحيض؛ لتطويل العدة، فلو طلقها عقيب الرجعة من غير وطءٍ كانت في معنى المطلقة قبل الدخول، وكانت تبني على عدتها، فأراد الرسول ﷺ قطع حكم الطلاق بالوطء، واعتبر الطهر الذي هو
стр. 4472
موضع الوطء، فإذا وطئ؛ حرم طلاقها حتى تحيض، ثم تطهر. اهـ المراد
ومنها: أنه عوقب على إيقاعه في الوقت المحرم بمنعه منه في الوقت الذي يُباح له.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وقيل: الحكمة فيه أن لا تصير الرجعة فيه لغرض الطلاق، فإذا أمسكها زمانًا يحل له فيه طلاقها ظهرت فائدة الرجعة؛ لأنه قد يطول مقامه معها، فقد يجامعها فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها. اهـ
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول الأول أرجح، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: العلة من منع طلاق الحائض .
قال شيخ الإسلام ﵀: وتنازعوا في علة منع طلاق الحائض: هل هو تطويل العدة كما يقول أصحاب مالك، والشافعي، وأكثر أصحاب أحمد؟ أو لكونه حال الزهد في وطئها، فلا تطلق إلا في حال الرغبة في الوطء؛ لكون الطلاق ممنوعًا لا يُباح إلا لحاجة كما يقوله أصحاب أبي حنيفة، وأبو الخطاب من أصحاب أحمد؟ أو هو تعبد لا يعقل معناه كما يقوله بعض المالكية؟.اهـ (٢)
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول الأول أقرب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فتلك العدة التي
стр. 4473
أمر الله أن تطلق لها النساء»، وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ولا يمنع ذلك أن هناك عللًا أخرى لا نعلمها.
مسألة [٧]: إذا سألته المرأة الطلاق في وقت الحيض، فهل يزول التحريم ؟
• الأشهر في مذهب أحمد، والشافعي أنه يزول التحريم، وهو مقتضى قول الأكثر من المالكية؛ لأنهم عللوا المنع بتطويل العدة.
• وذهب جماعةٌ من الحنابلة، والشافعية، والمالكية إلى أنه لا يزول؛ لأنَّ الله نهى عن هذا الطلاق، وكونه من العلل في ذلك عدم تطويل عدة المرأة لا يمنع وجود علل أخرى. وهذا أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: إذا علق طلاقها بصفة، فوافق وقت حيضها ؟
• اختلف الفقهاء في ذلك، فمنهم من قال: طلاق مباح. ومنهم من قال: طلاق بدعي. ومنهم من قال: طلاق بدعي ولا إثم عليه. وهذا أقربها، والله أعلم. (٢)
مسألة [٩]: متى يطلقها، بانقطاع الدم، أم بعد غسلها من الحيض ؟
• مذهب الشافعي، وأحمد أنه يطلقها بانقطاع الدم إذا شاء؛ لأنه في ذلك الوقت يصح منها الصوم، ووجوب الصلاة في ذمتها، وقيل: هي في هذه الحالة أشبهت الجنب، والمرأة الجنب لا يحرم طلاقها.
стр. 4474
• وعن أحمد رواية أنه لا يطلقها إلا بعد غسلها من الحيض، كما لا يحل وطؤها، ولا تصح صلاتها إلا بذلك، وهي ليست كالجنب؛ فإنها لو كانت كالجنب؛ لحلَّ وطؤها.
وأخرج النسائي في «سننه» (٣٣٩٦) من حديث المعتمر بن سليمان قال: سمعت عبيدالله، عن نافع، عن عبد الله أنه طلق امرأته وهي حائض ... ، فذكر الحديث، وفيه: «فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى؛ فلا يمسها حتى يطلقها؛ فإن شاء أن يمسكها فليمسكها؛ فإنها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء». وهو على شرط الشيخين.
قال ابن القيم ﵀: وهو مفسِّرٌ لقوله: «فإذا طهرت»، فيجب حمله عليه. اهـ
• وقال أبوحنيفة: إن طهرت لأكثر الحيض؛ حل طلاقها بانقطاع الدم، وإن طهرت لدون أكثره؛ لم يحل طلاقها حتى تغتسل، أو تتيمم. (١)
مسألة [١٠]: إذا كانت المرأة لا تحيض؛ لصغرها، أو كبرها ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٧): وإن كانت المرأة ممن لا تحيض؛ لصغرها، أو كبرها؛ فإنه يطلقها متى شاء، سواء كان وطئها، أو لم يكن يطؤها؛ فإنَّ هذه عدتها ثلاثة أشهر، ففي أي وقت طلقها لعدتها؛ فإنها لا تعتد بقروء ولا بحمل، لكن من العلماء من يسمي هذا (طلاق سنة) ومنهم من لا يسميه طلاق سنة، ولا بدعة. اهـ (٢)
وَقَدْ رَوَى أَبُودَاوُد مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ: أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ ألبَتَّةَ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَرَدْت بِهَا إلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ . (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: هل الجمع لثلاث تطليقات في طهر لم يمسها فيه طلاق مباح أو بدعة ؟
• من أهل العلم من قال: إنه طلاق غير محرم. وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وهو قول ابن سيرين، والشعبي، ونقله ابن سيرين عن
стр. 4477
عبدالرحمن بن عوف، وهو منقطع كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١١)، وقال بذلك ابن حزم كما في «المحلى» (١٩٥٣).
واستدلوا على ذلك بحديث عويمر العجلاني لَمَّا لاعن امرأته، قال: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها. فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. متفق عليه (١)، ولم ينكر عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وفي حديث عائشة ﵂ أنَّ امرأة رفاعة قالت: يا رسول الله، إنَّ رفاعة طلقني فَبَتَّ طلاقي. متفق عليه. (٢)
وفي حديث فاطمة بنت قيس ﵂ أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات. أخرجه مسلم (١٤٨٠)؛ ولأنه جاز تفريقه، فيجوز جمعه.
• وقال جماعة من أهل العلم: هو طلاق محرم، وبدعة. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، ونقل عن جماعةٍ من الصحابة، منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم ﵃. (٣) وقال به من التابعين: الحسن، والزهري وغيرهما.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
стр. 4478
وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآيات.
واستدلوا على ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي في الكتاب، ولأنه ضرر وإضرار بنفسه، وامرأته.
وحديث المتلاعنين غير لازم؛ لأنَّ الفرقة لم تقع بالطلاق؛ فإنها وقعت بمجرد لعانهما، وعند الشافعي بمجرد لعان الزوج، والطلاق بعده طلاقٌ بعد انفساخ النكاح.
وحديث امرأة رفاعة قد جاء في بعض ألفاظه أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، وكذا حديث فاطمة بنت قيس في بعض ألفاظه أنه أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها.
والقول الثاني هو الراجح، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: إذا طلق امرأته ثلاثًا، فهل يقع ذلك ؟
• أكثر أهل العلم على وقوع الطلاق البائن، فتقع ثلاث تطليقات، ولا تحل بعد ذلك حتى تنكح زوجًا غيره، لا فرق في ذلك بين قبل الدخول وبعده.
стр. 4479
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فكما يجوز الجمع بين الاثنتين؛ يجوز بين الثلاث.
واستدلوا على ذلك بحديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين، وبحديث فاطمة بنت قيس المتقدم، وكذا حديث امرأة رفاعة.
واستدلوا على ذلك بحديث محمود بن لبيد، وقالوا: الظاهر أنه أجازها، ولم ينقل أنه قال: إنما هي واحدة.
واستدلوا على ذلك بحديث ركانة الذي فيه أنه طلق امرأته البتة، فاستحلفه أنه ما أراد إلا واحدة. يدل على أنه لو قصد ثلاثًا ما أعادها إليه.
واستدلوا بالآيات التي فيها ذكر الطلاق مطلقًا.
واستدلوا على ذلك بحديث علي عند الدارقطني (٤/ ٢٠)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من طلَّق البتة؛ ألزمناه ثلاثًا، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره»، وهو حديث ضعيفٌ، فيه إسماعيل بن أمية القرشي، وهو ضعيف، وفي إسناده مجاهيل.
واستدلوا بحديث معاذ بن جبل ﵁ عند الدارقطني (٤/ ٢٠) بنحو حديث علي ﵁، وفيه أيضًا إسماعيل بن أمية، وهو ضعيف.
وصحَّ هذا القول عن ابن عباس، وابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وابن عمر وغيرهم ﵃، كما تقدم.
стр. 4480
• والقول الثاني في هذه المسألة من ذهب إلى أنه يقع واحدة رجعية، وهذا القول ثابت عن ابن عباس ﵄، وقال به ابن إسحاق. قال ابن القيم: وهو قول طاوس، وعكرمة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
ورجَّحه ابن القيم، ثم الشوكاني، والصنعاني، وقال به نفر يسير من أصحاب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وهو قول داود.
واستدل هؤلاء بحديث ابن عباس ﵄ الذي ذُكر في الباب، وفي «صحيح مسلم» أيضًا من طريق طاوس أنَّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم.
وعنده أيضًا بلفظ: ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم.
واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس في طلاق ركانة امرأته ثلاثًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هي واحدة»، وقالوا: هو طلاق بدعة، والبدعة مردودة: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها، فتقع الثلاث في المدخول بها، وأما غير المدخول بها فتقع واحدة، قال ابن القيم: هذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس، وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه
стр. 4481
محمد بن نصر المروزي في كتاب «اختلاف العلماء».
واستدل لهم بما رواه أبو داود (٢١٩٩) من طريق: أيوب عن غير واحد، عن طاوس، أنَّ رجلًا يُقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أنَّ الرجل كان إذا طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر، وعمر صدرًا من إمارته، فلما رأى أنَّ الناس قد تتابعوا فيهن قال: أجيزوهن عليهم. وفي إسناده رجلٌ مبهم؛ فهو ضعيفٌ، ولأنَّ أصحاب طاوس الثقات رووه عنه بدون ذكر «قبل أن يدخل بها» منهم: إبراهيم ابن ميسرة، وعبد الله بن طاوس، وهما ثقتان، فالرواية المذكورة ضعيفة إن لم تكن منكرة، وقد ضعفها الإمام الألباني ﵀ كما في «ضعيف أبي داود».
وقالوا: إنَّ غير المدخول بها تَبِيْنُ بقوله (طالق)، فَذِكْرُ الثلاث يصادفها وهي بائن؛ فتلغوا وأما المدخول بها فتصادفها وهي غير بائن؛ فتقع، ونقل صاحب «المغني» هذا القول عن عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وجابر بن زيد.
• وذهب بعض المبتدعة إلى عدم وقوع الطلاق مطلقًا، لا واحدة ولا ثلاثًا، وهذا قول الرافضة، وقول إبراهيم بن عُليَّه، وهشام بن الحكم الرافضي.
قال الشوكاني ﵀: وبه قال أبو عبيدة، وبعض أهل الظاهر، وحجتهم أنه طلاق مبتدع؛ فلا يقع. والجواب أنَّ المبتدع هو الزيادة على الطلقة الواحدة. اهـ
стр. 4482
وقد أجاب الجمهور على حديث ابن عباس ﵄ بأجوبة عديدة:
أحدها: تضعيف الحديث بأنَّ طاوسًا شذَّ فيه، ولم يذكر ذلك غيره، قال أحمد عند أن سأله الأثرم عن حديث ابن عباس ﵄ بأي شيء تدفعه؟ فقال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه.
وقال البيهقي ﵀ في «سننه»: أخرجه مسلم، وتركه البخاري، وأظنه تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس ... . وساق الروايات.
ثم قال: فهذه رواية سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن بكير كلهم عن ابن عباس أنه أجاز الثلاث وأمضاهن، قال ابن المنذر: فغير جائز أن نظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ شيئًا ثم يُفتي بخلافه. اهـ
ونقل ابن رجب عن الجوزجاني أنه قال: هو حديث شاذ. ونقل عن إسماعيل القاضي أنه قال في «أحكام القرآن»: طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة، منها هذا الحديث.
الثاني: أنَّ الحديث منسوخ؛ ولذلك لم يقل به ابن عباس؛ لأنه علم في ذلك ناسخًا، قاله الشافعي، وأيَّده البيهقي بما أخرجه أبو داود من طريق: يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك، وقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
стр. 4483
الثالث: أنه ورد في صورة خاصة، قال ابن سريج: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق)، وكانوا قبلُ على سلامة صدروهم يُقبل منهم أنهم أرادوا التوكيد، فلما كثر الناس في زمان عمر، وكثر الخداع؛ حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، وأمضاه عليهم، وهذا القول ارتضاه القرطبي، وقال النووي: هو أصح الأجوبة.
الرابع: أنَّ المقصود بالحديث «كان الطلاق الذي يوقعه المطلق الآن ثلاثًا، يوقعه على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأبي بكر واحدة» فهو إخبار عن الواقع لا عن المشروع، بمعنى أنهم كانوا يطلقون واحدة ثم صاروا في عهد عمر يطلقون ثلاثًا.
الخامس: ليس في الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي كان يجعل الثلاث واحدةً، ولا أنه علم بذلك، فأقره.
السادس: أنَّ المقصود بالحديث طلاق (البتة)، فكان يقبل قولهم أنهم أرادوا واحدة، فَلمَّا كان عمر جعلها ثلاثًا؟
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الراجح هو القول الثاني؛ لصحة دليله، وهو حديث نصٌّ في المسألة.
وأما أدلة الجمهور فالجواب عنها كما يلي:
أولا: قولهم (آيات الطلاق تعم من أوقعها متفرقة ومجموعة).
قال ابن القيم ﵀: وغاية ما تمسكتم به إطلاق القرآن للفظ الطلاق، وذلك
стр. 4484
لا يعم جائزه ومحرمه، كما لا يدخل تحته طلاق الحائض، وطلاق الموطوءة في طهرها، ومعلوم أنَّ القرآن لم يدل على جواز كل طلاق حتى تُحَمِّلُوه ما لا يطيقه، وإنما دل على أحكام الطلاق، والمبين عن الله بيَّن حلاله وحرامه. وأما حديث الملاعن فأجابوا عنه بأنَّ الطلاق في ذلك الحين لغوٌ؛ لأنَّ الفرقة قد حصلت في اللعان، وقد بين ابن عباس أنَّ النبي ﷺ كان لا ينفذ هذا الطلاق. اهـ
وأما حديث امرأة رفاعة القرظي ففي بعض الروايات أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، وهي رواية في «الصحيح»، وكذلك حديث فاطمة بنت قيس كما تقدم في المسألة السابقة.
وأما حديثهم في قصة ركانة؛ فضعيفٌ كما بينا، وكذا أحاديثهم الأخرى.
وأما ما ذكروه عن حديث ابن عباس، فالجواب عنه كما يلي:
الأول: تضعيفهم الحديث.
قال ابن القيم ﵀: هذا المسلك من أضعف المسالك؛ إذ لم يعرف أحد من الحفاظ قَدَحَ في هذا الحديث، ولا ضعَّفه، وكما قيل للإمام أحمد: بأي شيء ترد حديث ابن عباس؟ فقال: برواية الناس عنه خلافه. ولم يرده بتضعيف، ولا قدح في صحته، ولا سبيل إلى ذلك؛ لأنَّ رواته كلهم أئمةٌ حُفَّاظٌ، وكون البخاري لم يخرج هذا الحديث في «صحيحه» ليس دليلًا على كونه مضطربًا غير صالح للاستدلال. (١)
قلتُ: ومن حكم عليه بالشذوذ، كالجوزجاني وإسماعيل القاضي ليسوا
стр. 4485
بمرتبة مسلم، وكذا الدارقطني؛ فإنه لم يذكره في «التتبع» ولا غيره من الحفاظ المتقدمين ثم إن ابن عباس قد صحَّ عنه القول بما يوافق هذا الحديث، فالقول الذي يوافق الحديث أولى، ولعله كان يقول بأحد القولين فرجع إلى الآخر، والله أعلم.
الثاني: دعوى النسخ.
تحتاج إلى دليل يثبت ذلك، وأما حديث عكرمة عن ابن عباس فليس فيه حجة، فإنما فيه أنَّ الرجل كان يطلق امرأته، ويراجعها بغير عدد، فنسخ ذلك، وقصر على ثلاث فيها تنقطع الرجعة، فأين ذلك في الإلزام بالثلاث بفم واحد؟
ثم كيف يستمر العمل بالمنسوخ إلى عهد عمر مع حاجة الناس إليه؛ لكونه مما يتعلق بالفروج؟!!
الثالث: حمل الحديث على تكرار اللفظ.
لا يساعده سياق الحديث، وهذا الذي أولوا فيه الحديث لم يتغير الحكم فيه بوفاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يختلف على عهده وعهد خلفائه، ومن ينويه في قصد التأكيد لا يفرق بين بَرٍّ وفاجر، وصادق وكاذب، بل يرده إلى نيته، وكذلك من لا يقبله في الحكم، لا يقبله مطلقًا، برًّا كان أو فاجرًا.
الرابع: حملهم الحديث على المعنى المذكور.
باطلٌ لا تساعده ألفاظ الحديث.
الخامس: أنه ليس في الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي كان يجعل الثلاث واحدة.
قال ابن القيم ﵀ في «الزاد»: يُقَالَ: سُبْحَانَك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ أَنْ يَسْتَمِرّ هَذَا