محمد بن نصر المروزي في كتاب «اختلاف العلماء».
واستدل لهم بما رواه أبو داود (٢١٩٩) من طريق: أيوب عن غير واحد، عن طاوس، أنَّ رجلًا يُقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أنَّ الرجل كان إذا طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر، وعمر صدرًا من إمارته، فلما رأى أنَّ الناس قد تتابعوا فيهن قال: أجيزوهن عليهم. وفي إسناده رجلٌ مبهم؛ فهو ضعيفٌ، ولأنَّ أصحاب طاوس الثقات رووه عنه بدون ذكر «قبل أن يدخل بها» منهم: إبراهيم ابن ميسرة، وعبد الله بن طاوس، وهما ثقتان، فالرواية المذكورة ضعيفة إن لم تكن منكرة، وقد ضعفها الإمام الألباني ﵀ كما في «ضعيف أبي داود».
وقالوا: إنَّ غير المدخول بها تَبِيْنُ بقوله (طالق)، فَذِكْرُ الثلاث يصادفها وهي بائن؛ فتلغوا وأما المدخول بها فتصادفها وهي غير بائن؛ فتقع، ونقل صاحب «المغني» هذا القول عن عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وجابر بن زيد.
• وذهب بعض المبتدعة إلى عدم وقوع الطلاق مطلقًا، لا واحدة ولا ثلاثًا، وهذا قول الرافضة، وقول إبراهيم بن عُليَّه، وهشام بن الحكم الرافضي.
قال الشوكاني ﵀: وبه قال أبو عبيدة، وبعض أهل الظاهر، وحجتهم أنه طلاق مبتدع؛ فلا يقع. والجواب أنَّ المبتدع هو الزيادة على الطلقة الواحدة. اهـ
стр. 4482
وقد أجاب الجمهور على حديث ابن عباس ﵄ بأجوبة عديدة:
أحدها: تضعيف الحديث بأنَّ طاوسًا شذَّ فيه، ولم يذكر ذلك غيره، قال أحمد عند أن سأله الأثرم عن حديث ابن عباس ﵄ بأي شيء تدفعه؟ فقال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه.
وقال البيهقي ﵀ في «سننه»: أخرجه مسلم، وتركه البخاري، وأظنه تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس ... . وساق الروايات.
ثم قال: فهذه رواية سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن بكير كلهم عن ابن عباس أنه أجاز الثلاث وأمضاهن، قال ابن المنذر: فغير جائز أن نظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ شيئًا ثم يُفتي بخلافه. اهـ
ونقل ابن رجب عن الجوزجاني أنه قال: هو حديث شاذ. ونقل عن إسماعيل القاضي أنه قال في «أحكام القرآن»: طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة، منها هذا الحديث.
الثاني: أنَّ الحديث منسوخ؛ ولذلك لم يقل به ابن عباس؛ لأنه علم في ذلك ناسخًا، قاله الشافعي، وأيَّده البيهقي بما أخرجه أبو داود من طريق: يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك، وقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
стр. 4483
الثالث: أنه ورد في صورة خاصة، قال ابن سريج: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق)، وكانوا قبلُ على سلامة صدروهم يُقبل منهم أنهم أرادوا التوكيد، فلما كثر الناس في زمان عمر، وكثر الخداع؛ حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، وأمضاه عليهم، وهذا القول ارتضاه القرطبي، وقال النووي: هو أصح الأجوبة.
الرابع: أنَّ المقصود بالحديث «كان الطلاق الذي يوقعه المطلق الآن ثلاثًا، يوقعه على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأبي بكر واحدة» فهو إخبار عن الواقع لا عن المشروع، بمعنى أنهم كانوا يطلقون واحدة ثم صاروا في عهد عمر يطلقون ثلاثًا.
الخامس: ليس في الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي كان يجعل الثلاث واحدةً، ولا أنه علم بذلك، فأقره.
السادس: أنَّ المقصود بالحديث طلاق (البتة)، فكان يقبل قولهم أنهم أرادوا واحدة، فَلمَّا كان عمر جعلها ثلاثًا؟
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الراجح هو القول الثاني؛ لصحة دليله، وهو حديث نصٌّ في المسألة.
وأما أدلة الجمهور فالجواب عنها كما يلي:
أولا: قولهم (آيات الطلاق تعم من أوقعها متفرقة ومجموعة).
قال ابن القيم ﵀: وغاية ما تمسكتم به إطلاق القرآن للفظ الطلاق، وذلك
стр. 4484
لا يعم جائزه ومحرمه، كما لا يدخل تحته طلاق الحائض، وطلاق الموطوءة في طهرها، ومعلوم أنَّ القرآن لم يدل على جواز كل طلاق حتى تُحَمِّلُوه ما لا يطيقه، وإنما دل على أحكام الطلاق، والمبين عن الله بيَّن حلاله وحرامه. وأما حديث الملاعن فأجابوا عنه بأنَّ الطلاق في ذلك الحين لغوٌ؛ لأنَّ الفرقة قد حصلت في اللعان، وقد بين ابن عباس أنَّ النبي ﷺ كان لا ينفذ هذا الطلاق. اهـ
وأما حديث امرأة رفاعة القرظي ففي بعض الروايات أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، وهي رواية في «الصحيح»، وكذلك حديث فاطمة بنت قيس كما تقدم في المسألة السابقة.
وأما حديثهم في قصة ركانة؛ فضعيفٌ كما بينا، وكذا أحاديثهم الأخرى.
وأما ما ذكروه عن حديث ابن عباس، فالجواب عنه كما يلي:
الأول: تضعيفهم الحديث.
قال ابن القيم ﵀: هذا المسلك من أضعف المسالك؛ إذ لم يعرف أحد من الحفاظ قَدَحَ في هذا الحديث، ولا ضعَّفه، وكما قيل للإمام أحمد: بأي شيء ترد حديث ابن عباس؟ فقال: برواية الناس عنه خلافه. ولم يرده بتضعيف، ولا قدح في صحته، ولا سبيل إلى ذلك؛ لأنَّ رواته كلهم أئمةٌ حُفَّاظٌ، وكون البخاري لم يخرج هذا الحديث في «صحيحه» ليس دليلًا على كونه مضطربًا غير صالح للاستدلال. (١)
قلتُ: ومن حكم عليه بالشذوذ، كالجوزجاني وإسماعيل القاضي ليسوا
стр. 4485
بمرتبة مسلم، وكذا الدارقطني؛ فإنه لم يذكره في «التتبع» ولا غيره من الحفاظ المتقدمين ثم إن ابن عباس قد صحَّ عنه القول بما يوافق هذا الحديث، فالقول الذي يوافق الحديث أولى، ولعله كان يقول بأحد القولين فرجع إلى الآخر، والله أعلم.
الثاني: دعوى النسخ.
تحتاج إلى دليل يثبت ذلك، وأما حديث عكرمة عن ابن عباس فليس فيه حجة، فإنما فيه أنَّ الرجل كان يطلق امرأته، ويراجعها بغير عدد، فنسخ ذلك، وقصر على ثلاث فيها تنقطع الرجعة، فأين ذلك في الإلزام بالثلاث بفم واحد؟
ثم كيف يستمر العمل بالمنسوخ إلى عهد عمر مع حاجة الناس إليه؛ لكونه مما يتعلق بالفروج؟!!
الثالث: حمل الحديث على تكرار اللفظ.
لا يساعده سياق الحديث، وهذا الذي أولوا فيه الحديث لم يتغير الحكم فيه بوفاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يختلف على عهده وعهد خلفائه، ومن ينويه في قصد التأكيد لا يفرق بين بَرٍّ وفاجر، وصادق وكاذب، بل يرده إلى نيته، وكذلك من لا يقبله في الحكم، لا يقبله مطلقًا، برًّا كان أو فاجرًا.
الرابع: حملهم الحديث على المعنى المذكور.
باطلٌ لا تساعده ألفاظ الحديث.
الخامس: أنه ليس في الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي كان يجعل الثلاث واحدة.
قال ابن القيم ﵀ في «الزاد»: يُقَالَ: سُبْحَانَك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ أَنْ يَسْتَمِرّ هَذَا
стр. 4486
الْجَعْلُ الْحَرَامُ الْمُتَضَمّنُ لِتَغْيِيرِ شَرْعِ الله، وَدِينِهِ، وَإِبَاحَةُ الْفَرْجِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَتَحْرِيمُهُ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ حَلَالٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَأَصْحَابِهِ خَيْرِ الْخَلْقِ، وَهُمْ يَفْعَلُونَهُ وَلَا يَعْلَمُونَهُ، وَلَا يَعْلَمُهُ هُوَ، وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُقِرّهُمْ عَلَيْهِ، فَهَبْ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، وَكَانَ الصّحَابَةُ يَعْلَمُونَهُ وَيُبَدّلُونَ دِينَهُ وَشَرْعَهُ، وَاَلله يَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَا يُوحِيهِ إلَى رَسُولِهِ وَلَا يُعْلِمُهُ بِهِ، ثُمّ يَتَوَفّى الله رَسُولَهُ ﷺ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.
قال: وَتَالله، لَوْ كَانَ جَعْلُ الثّلَاثِ وَاحِدَةً خَطَأً مَحْضًا؛ لَكَانَ أَسْهَلَ مِنْ هَذَا الْخَطَأِ الّذِي ارْتَكَبْتُمُوهُ، وَالتّأْوِيلِ الّذِي تَأَوّلْتُمُوهُ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ الْمَسْأَلَةَ بِهَيْئَتِهَا؛ لَكَانَ أَقْوَى لِشَأْنِهَا مِنْ هَذِهِ الْأَدِلّةِ وَالْأَجْوِبَةِ. اهـ
السادس: قولهم: إنَّ المقصود بالحديث طلاق ألبتة.
هذا التأويل يخالف ألفاظ الحديث ولا يساعده لفظ الحديث من قريب أو بعيد.
وقد رجَّح القول الثاني شيخنا الإمام مقبل الوادعي ﵀، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، والإمام ابن باز رحمة الله عليهما. (١)
وأحسن مرجع لهذه المسألة هوكتاب ابن القيم ﵀ «إغاثة اللهفان» فقد
стр. 4487
تناول المسألة بتوسع من كل جانب (١/ ٤٢٥ - ٤٩٥).
تنبيه: مثل الخلاف السابق أن يقول: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق) وأن يقول: (طالق، وطالق، وطالق) أو يقول: (أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق) أو يقول: (أنت طالق) ثم يقول: (أنت طالق) ثم يقول: (أنت طالق) أو (أنت طالق عشرًا) أو (مائة) ونحو ذلك من العبارات. قال ذلك شيخ الإسلام ﵀ (٣٣/ ٧ - ٨) (٣٣/ ٧٢).
ويُستثنى من ذلك ما إذا أراد بتكراره ثلاثًا التأكيد، لا التطليق ثلاثًا؛ فإنه يقع واحدة عند أكثر أهل العلم، وصحَّ عن الثوري أنه قال: تقضى عليه بثلاث. وهو قول الشافعي. (١)
تنبيه آخر: لو طلقها الثانية قبل الرجعة؛ فالأمر فيه كالخلاف السابق حتى ولو كان في طهر آخر. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: طلاق الهازل .
الهازل: هو الذي يتلفظ بالطلاق قاصدًا التلفظ به، عالمًا معناه؛ إلا أنه لا يريد وقوعه.
قال ابن المنذر ﵀ في كتابه «الإجماع»: وأجمعوا على أنَّ جد الطلاق وهزله سواء. اهـ
ونقله ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٣٧٣) ولم يتعقب عليه بشيء، بينما عزا هذا القول ابن القيم ﵀ للجمهور.
قال ﵀ في «أعلام الموقعين» (٣/ ١٣٦): فَأَمَّا طَلَاقُ الْهَازِلِ فَيَقَعُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَذَلِكَ نِكَاحُهُ صَحِيحٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّصُّ، وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَحَكَاهُ أَبُو حَفْصٍ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِهِ، وَقَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْهَازِلِ لَا يَصِحُّ بِخِلَافِ طَلَاقِهِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ: أَنَّ هَزْلَ النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ لَازِمٌ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ. وَرَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ أَنَّ نِكَاحَ الْهَازِلِ لَا يَجُوزُ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: فَإِنْ قَامَ دَلِيلُ الْهَزْلِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقٌ، وَلَا نِكَاحٌ، وَلَا طَلَاقٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ، وَأَمَّا بَيْعُ الْهَازِلِ وَتَصَرُّفَاتُهُ الْمَالِيَّةُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَكْثَرِ
стр. 4490
أَصْحَابِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ: يَصِحُّ بَيْعُهُ كَطَلَاقِهِ، وَخَرَّجَهَا بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَمَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ؛ قَاسَ سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالرَّجْعَةِ.
قال: وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الْهَازِلَ أَتَى بِالْقَوْلِ غَيْرَ مُلْتَزِمٍ لِحُكْمِهِ، وَتَرْتِيبُ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأَسْبَابِ لِلشَّارِعِ لَا لِلْعَاقِدِ، فَإِذَا أَتَى بِالسَّبَبِ؛ لَزِمَهُ حُكْمُهُ، شَاءَ أَمْ أَبَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْهَازِلَ قَاصِدٌ لِلْقَوْلِ مَرِيدٌ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِمَعْنَاهُ وَمُوجِبِهِ، وَقَصْدُ اللَّفْظِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْمَعْنَى قَصْدٌ لِذَلِكَ الْمَعْنَى؛ لِتَلَازُمِهِمَا، إلَّا أَنْ يُعَارِضَهُ قَصْدٌ آخَرُ، كَالْمُكْرَهِ، وَالْمُخَادِعِ الْمُحْتَالِ؛ فَإِنَّهُمَا قَصَدَا شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ مَعْنَى الْقَوْلِ وَمُوجِبِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكْرَهَ قَصَدَ دَفْعَ الْعَذَابِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ السَّبَبَ ابْتِدَاءً، وَالْمُحَلِّلُ قَصَدَ إعَادَتَهَا إلَى الْمُطَلِّقِ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِقَصْدِهِ مُوجِبَ السَّبَبَ، وَأَمَّا الْهَازِلُ فَقَصَدَ السَّبَبَ وَلَمْ يَقْصِدْ حُكْمَهُ، وَلَا مَا يُنَافِي حُكْمَهُ؛ فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ. اهـ المراد
وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢٣٩)، والإمام الشوكاني كما في «السيل» و «وبل الغمام»، والإمام ابن باز كما في «فتاوى اللجنة الدائمة» (٢٠/ ٦٥)، والإمام ابن عثيمين كما في «الشرح الممتع».
• وذهب بعضهم إلى أنه لا يُعدُّ طلاقًا، وهو الصحيح؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وهذا القول قال به بعض المالكية كما أشار إلى ذلك ابن القيم في كلامه المتقدم، وهو
стр. 4491
ظاهر اختيار البخاري، وعزاه الماوردي في «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٥٤) إلى داود الظاهري، وهو ظاهر اختيار ابن حزم كما في «المحلى» (١٦٧٢)(١٩٦٠)، وهذان الأخيران كلامهم صريح في أنَّ الطلاق الصريح يحتاج إلى نية، فيحتمل دخول الهازل في كلامهم، وعن أحمد رواية أيضًا بأنَّ صريح الطلاق لابد له من نية أيضًا. (١)
стр. 4492
١٠٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل يقع طلاق من نوى الطلاق بقلبه بدون أن يتلفظ به ؟
دلَّ حديث الباب على عدم وقوع الطلاق، وهو قول عامة أهل العلم من التابعين، وأصحاب المذاهب وغيرهم.
• ونقل عن ابن سيرين أنه قال فيمن طلَّق في نفسه: أليس قد عَلِمَه الله، ثم توقف.
• وعن مالك رواية بوقوعه، وهو قول الزهري إذا جزم؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»؛ ولأنَّ الإنسان يأثم على أعمال القلوب، ويؤجر عليها.
وأُجيب عن الحديث بأنَّه حجة عليهم؛ لأنه أخبر فيه أن العمل مع النية هو المعتبر، لا النية وحدها، وأما الثواب والعقاب على أعمال القلوب؛ فحق، ولا تلازم بينها وبين الطلاق؛ لأنها طاعات، ومعاص قلبية بخلاف الطلاق. (٢)
مسألة [٢]: ألفاظ الطلاق هل يُعتبر فيها النية ؟
أما صريح الطلاق فيكون بلفظ (الطلاق)، وما اشتق منه، وهل (الفراق)
стр. 4493
و (السراح) من صريح الطلاق، أم لا؟
• مذهب الشافعي، وجماعة من الحنابلة كالخرقي، وأبي يعلى وغيرهما على أنها من صريح الطلاق؛ لمجيء القرآن بذلك؛ لقوله تعالى ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨]، وقوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ (الفراق) و (السراح) ليسا من الصريح، وهو قول جماعة من الحنابلة، عزاه شيخ الإسلام لجمهورهم، ومنهم: أبو بكر، وابن حامد، وأبو الخطاب، وغيرهم. وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وبعض الشافعية؛ لأنَّ لفظ الفراق والسراح استعملتا كثيرًا في غير الطلاق حتى في القرآن، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] إلى قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٣١] وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. (١)
• فأما صريح الطلاق فمذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، والحنفية، وغيرهم أنه يقع، ولا يعتبر قصده، فإذا تكلم به؛ حكم عليه به، وإن قال: إنه لم يقصد الطلاق.
• وعن أحمد رواية أنه يُعتبر له النية، وهو قول داود الظاهري، وأبي عبيد، وابن
стр. 4494
حزم، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهم. (١)
• والمالكية وإن كان إمامهم مالك يعتبر النية في الطلاق أيضًا إلا أنه لا يعتبرها هنا؛ لأنه موضع تهمة، ولذلك قال جماعة من المالكية: إذا اقترن بالحال قرينة تدل على صدق دعواه؛ فإنه يقبل قوله.
والقول باعتبار النية هو الصواب، والله أعلم. (٢)
تنبيه: بعض الصيغ المشتقة من لفظ (الطلاق) فيها خلاف، هل هي صريحة، أم لا؟ كقوله (أنت مطلقة) لم يعدها أبو حنيفة صريحًا، وكذلك أحمد في رواية، وكذا لفظ (الطلاق) عند طائفة من الشافعية ليست صريحة، وكذا لفظ (الإطلاق) ليست صريحة في الطلاق عند جماعة من الحنابلة، وهو قول أكثرهم، وعدها بعضهم صريحة. (٣)
فائدة: قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ٣٢١): وَتَقْسِيمُ الْأَلْفَاظِ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، وَإِنْ كَانَ تَقْسِيمًا صَحِيحًا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَالْأَزْمِنَةِ، وَالْأَمْكِنَةِ، فَلَيْسَ حُكْمًا ثَابِتًا لِلّفْظِ لِذَاتِهِ، فَرُبّ لَفْظٍ صَرِيحٍ عِنْدَ قَوْمٍ كِنَايَةٌ عِنْدَ آخَرِينَ، أَوْ صَرِيحٌ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ كِنَايَةٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الزّمَانِ
стр. 4495
وَالْمَكَانِ، وَالْوَاقِعُ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، فَهَذَا لَفْظُ السّرَاحِ لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَسْتَعْمِلُهُ فِي الطّلَاقِ لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً، فَلَا يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَنْ تَكَلّمَ بِهِ؛ لَزِمَهُ طَلَاقُ امْرَأَتِهِ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَيَدّعِي أَنّهُ ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشّرْعِ وَالِاسْتِعْمَالُ؛ فَإِنّ هَذِهِ دَعْوَى بَاطِلَةٌ شَرْعًا وَاسْتِعْمَالًا، أَمّا الِاسْتِعْمَالُ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُطَلّقُ بِهِ ألْبَتّةَ، وَأَمّا الشّرْعُ فَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ الطّلَاقِ. اهـ، ثم ذكر بعض الأدلة المتقدمة.
مسألة [٣]: إذا قال لامرأته: (أنت طالق)، وأراد (من وثاقي)، أو (من زوج قبلي) ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣١٧): وقد قال الفقهاء: إنه إذا قال: أنت طالق. ونوى (من وثاقي) أو (من زوجٍ قبلي) لم يقع به الطلاق فيما بينه وبين الله، وهل يقبل منه في الحكم؟ على قولين معروفين هما روايتان عن أحمد. اهـ
قلتُ: القول الأول: أنه لا يقبل منه في الحكم. وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية. القول الثاني: يقبل في الحكم إذا ظهرت القرينة بصدق قوله كما إذا لم يكن في حالة غضب، أو في حال سؤالها الطلاق. وهو قول أحمد في رواية، وجماعة من المالكية، وهو قول جابر بن زيد، والشعبي، والحكم.
تنبيه: إذا قال: أردت أنها مطلقة من زوج قبلي. وكانت لم تتزوج قبله؛ فلا يُعتبر بقوله. (١)
стр. 4496
مسألة [٤]: إذا قيل له: (أطلقت أمرأتك؟) قال: (نعم) كاذبًا، فهل تطلق ؟
ومثل ذلك لو قيل له (امرأتك طالق) قال: (نعم) وأراد الكذب، أو (ألك امرأة) قال: (قد طلقتها).
• فالصحيح في مذهب الحنابلة، وهو قول بعض الشافعية أنه يقع عليها الطلاق؛ لأنَّ (نعم) صريح في الجواب، والجواب الصريح للفظ الصريح صريح.
• ومذهب الشافعية، وبعض الحنابلة أنه يقع في الحكم دون ما بينه وبين الله.
• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى أنه لا يقع؛ لأنه ليس لفظًا صريحًا. وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: لو ضرب امرأته، أو لطمها، وقال: هذا طلاقك ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٣٦٠): فَأَمَّا إذَا لَطَمَهَا، وَقَالَ: هَذَا طَلَاقُك. فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: لَيْسَ هَذَا كِنَايَةً، وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ، وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُؤَدِّي مَعْنَى الطَّلَاقِ، وَلَا هُوَ سَبَبٌ لَهُ، وَلَا حُكْمٌ؛ فَلَمْ يَصِحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: غَفَرَ اللهُ لَك.
قال: وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: أَوْقَعْت عَلَيْك طَلَاقًا هَذَا الضَّرْبُ مِنْ أَجْلِهِ.
стр. 4497
قال: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ سَبَبٌ لِطَلَاقِك؛ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ مُعَلَّقًا عَلَيْهِ، فَصَحَّ أَنْ يُعَبِّرَ بِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ بِصَرِيحِ؛ لِأَنَّهُ احْتَاجَ إلَى تَقْدِيرٍ، وَلَوْ كَانَ صَرِيحًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لَهُ وَلَا مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا؛ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْكِنَايَاتِ.
قال: وَعَلَى قِيَاسِهِ مَا لَوْ أَطْعَمَهَا، أَوْ سَقَاهَا، أَوْ كَسَاهَا، وَقَالَ: هَذَا طَلَاقُك. فَهُوَ مِثْلُ لَطْمِهَا. اهـ باختصار.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: إنْ كان قصده ما ذكره ابنُ حامد؛ وقع الطلاق، وإلا فلا، وفي الحكم يُديَّن فيما بينه وبين الله. (١)
مسألة [٦]: لو قال لامرأته: أنت طالق لا شيء، أو طلاقًا ليس بشيء ؟
ومثله: أنت طلاق طلقة لا تقع عليك. أو طالق طلقة لا ينقص بها عدد الطلاق.
قال ابن قدامة ﵀ كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١١٨) -بعد أن حكى وقوعه عن الحنابلة والشافعي-: ولا نعلم فيه مخالفًا. اهـ (٢)
مسألة [٧]: إذا كتب الطلاق في ورقة فهل يقع ؟
أمَّا إذا كتب الطلاق وتلفظ به، ونواه؛ فلا نزاع في وقوعه.
• وأما إذا كتب الطلاق، ونواه، ولم يتلفظ به، فمذهب مالك، وأبي حنيفة،
стр. 4498
والشافعي، وأحمد وقوعه، وهو قول النخعي، والشعبي، والزهري، والأوزاعي، والحسن بن حي؛ لأنَّ التعبير عما في النفس يحصل بالكتابة كما يحصل بالقول، وفي الحديث: «ما لم تعمل أو تتكلم»، وعزاه الحافظ للجمهور، وذكر أنَّ مالكًا اشترط الإشهاد.
• ورُوي عن الحسن، وقتادة، والشعبي: ليس بشيء؛ إلا أن يمضيه، أو يتكلم به. وقال به عطاء.
• وذهب ابن حزم إلى عدم وقوعه، وحُكي قولًا للشافعي، وقال به نزر من الحنابلة؛ لأنه قادر على النطق، فاعتبر نطقه.
والقول الأول رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: إذا كتب الطلاق، ولم ينوه ؟
• مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة عدم وقوعه، وهو رواية عن أحمد؛ لأنَّ الكتابة قد يقصد بها تجويد الخط، وغمُّ الأهل وجعلوه كالكناية لا يقع إلا بالنية.
• وعن أحمد رواية أنه يقع، وإن لم ينوه.
والصحيح القول الأول؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». (٢)
стр. 4499
تنبيه: إذا ادَّعى أنه نوى تجويد الخط، أو غم الأهل، أو ما أشبه ذلك، فيقبل قوله في الحكم عند الجمهور، خلافًا لأحمد في رواية. (١)
مسألة [٩]: إذا كتب في شيء لا يَبِين، كأن يكتب ذلك في الهواء، أو في الماء ؟
• في هذه المسألة وجهان للحنابلة، والأصح عندهم عدم وقوعه كالهمس بالفم بما لا يستبين، وثمَّ لا يقع فههنا أولى. (٢)
مسألة [١٠]: إذا كتب في كتابه: (إذا أتاكِ كتابي فأنت طالق) ؟
لا يقع الطلاق؛ إلا إذا وصل إلى امرأته ما كتبه، فإذا لم تصل الورقة، أو وصلت وقد انمحى المكتوب فلا يقع الطلاق. (٣)
مسألة [١١]: لو قال لشخص: اكتب طلاق زوجتي ؟
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٥/ ٤٦٦ - ٤٦٧): إن كان يريد منه أن يكتب طلاقًا سابقًا وقع منه، فهنا قد وقع الطلاق بالكلام السابق، ويكون الأمر هنا للتوثيق فقط، أما إذا كان يقول: اكتب طلاق زوجتي. كتوكيلٍ منه له أن يطلقها الآن فإنها لا تطلق حتى يكتبه؛ لأنه وكَّله في إيقاع الطلاق بالكتابة. اهـ
مسألة [١٢]: طلاق الأخرس بالإشارة المفهمة .
قال ابن قدامة ﵀ كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١١٩): من لا يقدر على
стр. 4500
الكلام كالأخرس إذا طلق بالإشارة؛ طلقت زوجته، وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم؛ لأنه لا طريق له إلى الطلاق إلا بالإشارة، فقامت إشارته مقام النطق من غيره فيه كالنكاح. اهـ (١)
مسألة [١٣]: إذا أشار الناطق بالطلاق ونواه ؟
• لا يقع في مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم، وعن بعض الشافعية وقوع ذلك، وليس بصحيح. (٢)
مسألة [١٤]: طلاق الأعجمي .
إذا تلفظ بالطلاق بِلُغَتِه وقع بغير خلاف عند أهل العلم إذا نواه، وإن تلفظ العجمي بالطلاق باللغة العربية عالمًا بمعناه؛ وقع أيضًا، وإن لم يعلم معنى ذلك فلا يقع، وإن تلفظ العربي بالطلاق بلغة العجم وهو عالم بمعناه ناويًا للطلاق؛ وقع، وإن كان لا يعلم معناه؛ فلا يقع. (٣)
стр. 4501
١٠٧٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالحَاكِمُ، وَقَالَ أَبُوحَاتِمٍ: لَا يَثْبُتُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: من أراد أن يقول (أنت طاهر) فقال (أنت طالق) خطأ ؟
ومثل أن يريد أن يقول: (طلبتك) فيخطئ، ويقول: طلقتك.
стр. 4502
• قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» [باب: (١١) من كتاب الطلاق]: وكذلك اختلف في طلاق المخطئ، فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع، وعن الحنفية فيمن أراد أن يقول لامرأته شيئًا فسبقه لسانه فقال: أنت طالق. يلزمه الطلاق. اهـ
قلتُ: وبقول الحنفية يقول الحكم، والزهري، وقتادة، وربيعة، ومكحول، ومالك، وابن أبي ليلى، والثوري.
وقول الجمهور هو الصواب؛ لأنَّ المخطئ لا قصد له في الطلاق.
وهو قول الشعبي، وطاوس، وعطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، وأحمد، وإسحاق.
ولكن هل يقبل منه ذلك في الحكم؟
• فيه روايتان عن الإمام أحمد:
إحداهما: يقبل قوله إن لم يكن هناك قرينة على الطلاق، كالغضب، أو سؤال امرأته الطلاق، أو ما أشبه ذلك.
والثانية: لا يقبل قوله. وهو مقتضى قول مالك، والشافعي. (١)
مسألة [٢]: من علَّق طلاقه بفعل شيء، ثم فعله ناسيًا ؟
• من أهل العلم من قال: يقع طلاقه. وهو قول قتادة، والزهري، ومجاهد،
стр. 4503
وعمر بن عبد العزيز، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية، والشافعي في قول؛ لأنه علق طلاقه بشيء فإذا حصل ذلك الشيء وقع طلاقه، كقوله: أنت طالق إذا جاء يوم الجمعة.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم وقوع طلاقه، وهو قول عطاء، وعمرو ابن دينار، وابن أبي نجيح، وإسحاق، والشافعي في أظهر قوليه، ورواية عن أحمد، وعزاه الحافظ ابن حجر للجمهور.
ورجَّح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأنه بفعله ذلك ليس قاصدًا إيقاع الطلاق، وفي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات».
وليس هو تعليقًا محضًا مقصوده وقوع الشرط والجزاء، كقوله: (إذا جاء يوم الجمعة فأنت طالق)، وإنما مقصوده توكيد ما علق عليه الطلاق.
وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ الناسي لا يُؤَاخَذ، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وهذا تصويب الشيخ ابن عثيمين ﵀.
تنبيه: مثل الخلاف السابق لو أخطأ ففعل ما علَّق الطلاق به معتقدًا أنه غيره؛ فلا يُؤاخَذ بذلك أيضًا على الصحيح عند أهل العلم. (١)
стр. 4504
مسألة [٣]: من أكره على الطلاق هل يقع طلاقه ؟
• أكثر أهل العلم على أن طلاق المكره لا يقع، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وقال بذلك من التابعين عكرمة، والحسن، وأبو الشعثاء، وشريح، وعطاء، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. ونقل عن جماعة من الصحابة.
واستدلوا بحديث الباب: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»، وحديث عائشة عند أبي داود (٢١٩٣)، وغيره: «لا طلاق في إغلاق»، وفي إسناده: محمد بن عبيد المكي، وهو ضعيف، ولكن له طريق أخرى من حديث صفية بنت شيبة عند الحاكم (٢/ ١٩٨)، وفي إسناده: قزعة بن سويد، ضعيف، والحديث حسن بطريقيه، وانظر: «الإرواء» (٢٠٤٧) إلا أنَّ بعضهم فسروا الإغلاق بالغضب، وقالوا: لم يؤاخذ بكلمة الكفر، ففي الطلاق أولى، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقع، وهو قول أبي قلابة، والشعبي، والنخعي، والزهري، والثوري، وأبي حنيفة وصاحبيه؛ لأنه طلاق من مكلف في محل يملكه، فينفذ كطلاق غير المكره.
• وعن الشعبي: وقوعه إذا كان الإكراه من السلطان، ولا يقع إذا كان الإكراه
стр. 4505
من اللصوص. وهو قول الثوري، وابن عيينة. (١)
مسألة [٤]: ضابط الإكراه .
يكون الرجل مكرهًا إذا أصابه شيء من العذاب، كالضرب، والخنق وغير ذلك، وهل يكون مكرهًا إذا توعد بذلك، وبأشد منه؟
• الجمهور على أنه مكره، وهو الصحيح، إذا علم أنه سيحصل به ذلك إذا امتنع، وعن أحمد رواية أنه ليس بمكره. (٢)
مسألة [٥]: شروط الإكراه .
الأول: أن يكون الإكراه من قادر بسلطان، أو تغلب، كاللص ونحوه، وحكي عن الشعبي أنه إذا أكرهه اللص؛ لم يقع، وإن أكرهه السلطان؛ وقع، والصحيح العموم المتقدم.
الثاني: أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى طلبه.
الثالث: أن يكون مما يستضر به ضررًا كثيرًا، كالقتل، والضرب الشديد، والقيد، والحبس الطويل.
الرابع: أن يكون المتهدد به مما يحرم على المكرِه تعاطيه منه، فلو قال ولي
стр. 4506
القصاص للجاني: طلق امرأتك وإلا اقتصصت منك. لم يكن ذلك إكراهًا.
الخامس: أن يكون المتهدد به عاجلًا، ويغلب على ظن المكلف أنه سيوقع به ذلك ناجزًا، ولا يستطيع الدفع عن نفسه. (١)
مسألة [٦]: إذا أكره على طلاق امرأة من زوجاته، فطلق أخرى ؟
ذكر أهل العلم أنَّ الطلاق يقع عليها؛ لأنه ليس مكرها في تطليقها. (٢)
على غاربك، رفعت يدي عنك، أنت أعلم بشأنك، ذوقي وتجرعي، اجمعي ثيابك، أنفقي على نفسك من مالك) وغير ذلك.
وكذلك (السراح والفراق) عند من لم يجعلها صريحة. (١)
مسألة [٢]: وقوع الطلاق إذا تلفظ بألفاظ الكناية مع النية .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٥٢): والسلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وجماهير الخلف من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم متفقون على أنَّ اللفظ الذي يحتمل الطلاق وغيره إذا قصد به الطلاق؛ فهو طلاق، وإذا قصد به غير الطلاق؛ لم يكن طلاقًا، وليس للطلاق عندهم لفظ معين؛ فلهذا يقولون: إنه يقع بالصريح والكناية.
وقال ﵀ (٣٢/ ٣٠٢): إن الطلاق لم يجعل له الشارع لفظًا معينًا، بل إذا وقع الطلاق بأي لفظ يحتمله؛ وقع عند الصحابة، والسلف، وعامة العلماء، ولم ينازع في ذلك إلا بعض متأخري الشيعة، والظاهرية، ولا يعرف في ذلك خلاف عن السلف. اهـ
• وخالف ابن حزم، فرأى أنه لا يقع الطلاق إلا بلفظ (الطلاق) و (السراح) و (الفراق) وما اشتق منها؛ لأنه هو الذي ورد في القرآن، والصحيح القول الأول، والله أعلم. (٢)
стр. 4509
مسألة [٣]: إذا أتى بالكناية في حال الغضب بدون نية الطلاق ؟
• أكثر أهل العلم على عدم وقوع الطلاق بذلك، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، ومالك قاله في الكنايات الخفية دون الكنايات الظاهرة، واستثنى أبو حنيفة قوله (اعتدي، وأمرك بيدك).
• وقال أحمد في رواية: قرينة الغضب، وكذا سؤال المرأة الطلاق تقوم مقام النية في الكناية، وهو قول بعض أصحابه، واحتمل ابن قدامة أن تحمل هذه الرواية على ما كان من الكنايات يستعمل في غير الفرقة نادرًا.
• وأما مالك فيرى أنَّ الكنايات الظاهرة لا يعتبر فيها قصد صاحبها كالطلاق الصريح، كالبتة، والبائن، والخلية، وما أشبه ذلك، ووافق أبو حنيفة أحمد على عدم اعتبار قصده إذا كان ذلك عند ذكر الطلاق.
والصحيح من هذه الأقوال هو: اعتبار النية، ولا يقع الطلاق إلا بالنية، والله أعلم. وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
فائدة: قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٥/ ٤٧١): الضابط في الكنايات الظاهرة هي كل لفظ احتمل الفراق على وجه البينونة.
وقال: الظاهرة ليست معناها الظاهرة في المعنى، بل هي التي تحتمل الفراق على وجه البينونة. اهـ
стр. 4510
قلتُ: قول ابن قدامة (تحمل هذه الرواية على ما كان من الكنايات يستعمل في غير الفرقة نادرًا) يشعر بأن الكنايات الظاهرة ما كان على ذلك الحال.
مسألة [٤]: كم عدد الطلاق الواقع بالكناية ؟
أما الكنايات الظاهرة كقوله: (برية، وخلية، وبتة، وبائن) وغيرها، فاختلف فيها أهل العلم.
• فعن أحمد أنها ثلاث، وجاء عن علي بن أبي طالب ﵁ القول بذلك من طرقٍ يعضد بعضها بعضًا.
وصحَّ عن أبي هريرة، وابن عباس، وعائشة ﵃ أنهم قالوا في البتة: «ثلاث». وهو قول مكحول، والزهري، وغيرهما.
وعن زيد بن ثابت بإسناد حسن أنه قال في البرية، والبتة، والحرام: ثلاث ثلاث. وصح عن ابن عمر أنه قال في الخلية، والبرية، والبتة: ثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. وصح عنه أيضًا مثل ذلك في البائن.
• وقال بعض أهل العلم: هي على ما نوى، إن نوى واحدة؛ فواحدة، وإن نوى ثلاثًا؛ فثلاث، وإن نوى اثنتين؛ فاثنتين. وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، وهو قول شريح، وطاوس من التابعين.
• وقال أبو حنيفة، والثوري: إن نوى ثلاثًا؛ فثلاث، وإن نوى واحدة، أو اثنتين؛ فهي واحدة.
стр. 4511
• وقال مالك: هي ثلاث في المدخول بها، وأما غير المدخول بها فنيته.
• وقال النخعي: إن نواها واحدة؛ فهي طلقة بائنة، وإن نواها ثلاثًا؛ فهي ثلاث. وهي رواية عن أحمد.
• ومن أهل العلم من قال: هي واحدة رجعية. صح ذلك عن ابن مسعود، وصح عن عمر بن الخطاب في قوله: «البتة». وجاء عنه أيضًا أنها واحدة في الألفاظ الأخرى بإسناد منقطع. وهو قول أبان بن عثمان، وسعيد بن جبير، وأبي ثور، وداود الظاهري.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: وهذا القول هو الصواب، وليس للرجل أن يطلق أكثر من طلقة، وهو قول من يقول: إن طلاق الثلاث مجموعة تعتبر واحدة. وقد تقدمت المسألة. (١)
• وأما الكنايات الخفية، فتقع واحدة، وإن نوى أكثر من ذلك؛ وقعت عند الجمهور إلا أبا حنيفة، فعنده إذا نوى اثنتين وقعت واحدة.
والصحيح أنها لا تقع إلا واحدة كما قررناه في الطلاق الصريح إذا جمع أكثر من واحدة، والله أعلم. (٢)
стр. 4512
مسألة [٥]: هل الطلاق الواقع بالكناية رجعي ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٣٧٠): وَالطَّلَاقُ الْوَاقِعُ بِالْكِنَايَاتِ رَجْعِيٌّ، مَا لَمْ يَقَعْ الثَّلَاثُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلُّهَا بَوَائِنُ، إلَّا: اعْتَدِّي. وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك. وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ، فَتَقَعُ الْبَيْنُونَةُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
قال: وَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَلَا اسْتِيفَاءِ عَدَدٍ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ رَجْعِيًّا، كَصَرِيحِ الطَّلَاقِ، وَمَا سَلَّمُوهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ. اهـ
مسألة [٦]: إذا نوى الطلاق وتلفظ بما لا يدل عليه ؟
كقوله: (اقعدي، واقربي، واطعميني، واسقيني، ويا فلانة، وبارك الله فيك، وغفر الله لك، وأنت قبيحة، أنت مليحة) وغير ذلك.
• مذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية أنه لا يقع الطلاق؛ لأننا إذا أوقعناه بذلك كنا قد اعتبرنا النية فقط، وقد تقدم أنه لا يقع بها على الصحيح.
• واستثنى بعض الشافعية قوله (كلي، واشربي)؛ لأنه يحتمل أن يكون المقصود: كلي ألم الطلاق، واشربي كأس الفراق، وقاسوه على قوله: ذوقي وتجرعي.
وأُجيب: بأنَّ اللفظ المذكور (كلي) و (اشربي) لا يستعمل بمفرده إلا فيما لا ضرر فيه، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩ /المرسلات:٣٤]
стр. 4513
﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]؛ فلا يكون كناية كقوله: (اطعميني)، وفارق، (ذوقي، وتجرعي)؛ فإنه يستعمل في المكاره، كقول الله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وكذلك التجرع ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧].
• وقال مالك: إذا خاطبها بأي لفظ كان، وقصد الطلاق طلقت، حتى لو قال: (يا فلانة) يريد به الطلاق؛ فهو طلاق. وبه قال الحسن بن صالح بن حي.
والصحيح هو القول الأول، وقد رجحه الإمام النسائي في «سننه» (٣٤٣٨)، وبوب عليه، واستدل عليه بحديث أبي هريرة ﵁، وهو في «البخاري» (٣٥٣٣)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش، وذمهم، يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد». (١)
مسألة [٧]: إذا قال لامرأته أنت علي حرام ؟
• اختلف أهل العلم في مسألة التحريم إلى أقوال كثيرة:
أحدها: أنَّ عليه فيه كفارة يمين، وهذا القول صحَّ عن ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وجاء عن أبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وعائشة ﵃، بأسانيد ضعيفة لا تثبت.
وهذا قول عكرمة، وعطاء، ومكحول، وقتادة، والحسن، والشعبي، وسعيد
стр. 4514
ابن المسيب، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، ونافع، والأوزاعي، وأبي ثور، وخلقٍ كثير سواهم.
وحجة هذا القول ظاهر القرآن ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]؛ فإن الله تعالى ذكر فرض تحلة الأيمان عقب تحريم الحلال؛ فلا بد أن يتناوله يقينًا.
القول الثاني: أنه لغوٌ، لا شيء فيه، وهو قول مسروق، والشعبي، وأبي سلمة ابن عبدالرحمن، وحميد بن عبد الرحمن، وهو قول أهل الظاهر، واختاره الصنعاني، وحجتهم أنه تحريم منه لشيء أحله الله؛ فلا عبرة بقوله؛ فإن التحريم، والتحليل ليس له، ويشمله الآية ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، واستدلوا بحديث «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
القول الثالث: أنها تقع عليه ثلاثًا، نقل عن علي، وزيد بن ثابت، وابن عمر ﵃، ولا يثبت عنهم ذلك، وهو قول الحسن، وابن أبي ليلى، والحكم، وحجة هذا القول أنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث؛ فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حرامًا عليه.
القول الرابع: أنه ثلاث في حق المدخول بها، وفي غير المدخول بها على ما نواه، وهذا في الزوجة لا في الأمة، وهو قول مالك.
القول الخامس: إن نَوى الطلاق؛ كان طلاقًا، وإن لم ينوه؛ فهو مولٍ، وإن نوى الكذب؛ فليس بشيء، وإن نوى الطلاق؛ فإن نواه ثلاثًا؛ وقع ذلك، وإن نواه دون
стр. 4515
الثلاث؛ وقعت واحدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
القول السادس: مذهب الشافعي، وتفصيله: إن نوى الطلاق؛ وقع، وعدده على ما نواه، وإن نوى الظهار؛ كان ظهارًا، وإن نوى اليمين؛ كان يمينًا، وإن نوى تحريم عينها من غير طلاق، ولا ظهار؛ فعليه كفارة يمين، وإن لم ينو شيئًا، ففيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه شيء. والثاني: يلزمه كفارة اليمين.
وإن كان أمة فنوى العتق؛ وقع، وإن نوى الظهار؛ لم يصح.
القول السابع: مذهب أحمد، أنه بإطلاقه ظهار؛ إلا أن يصرفه بنيته إلى الطلاق، أو اليمين. وعنه رواية أنه يمين بإطلاقه إلا أن يصرفه بالنية إلى الطلاق، أو الظهار. وعنه رواية ثالثة أنه ظهار بكل حال.
وحجةُ هذا القول أن الله تعالى جعل تشبيه المرأة بِأُمِّهِ المحرَّمة عليه ظهارًا، وجعله منكرًا من القول وزورًا، فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله ظهارًا؛ فإذا صرح بتحريمها كان أولى بالظهار.
وممن قال بأنَّ فيه كفارة الظهار: أبو قلابة، وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وعثمان التيمي، وغيرهم، وصح أيضًا عن ابن عباس ﵄ كما في «مصنف عبدالرزاق» (٦/ ٤٠٤).
القول الثامن: إن نوى ثلاثًا؛ فهي ثلاث، وإن نوى به واحدة؛ فهي واحدة بائنة، وإن نوى به يمينًا؛ فهي يمين، وإن لم ينو شيئًا؛ فهي كذبة لا شيء فيها. وهو
стр. 4516
مذهب سفيان الثوري. وحجةُ هذا القول أن اللفظ يحتمل لما ذكر.
القول التاسع: أنه طلقة واحدة بائنة بكل حال، وهذا مذهب حماد بن أبي سليمان، وحجة هذا القول أنَّ التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث، بل يصدق بأقله، والواحدة متيقنة، فجعل اللفظ عليها؛ لأنها اليقين، فهو نظير التحريم بانقضاء العدة، وهو قول في مذهب مالك.
القول العاشر: إن نوى ثلاثًا؛ فثلاث، وإن نوى واحدة، أو لم ينو شيئًا؛ فواحدة بائنة، وهو قول إبراهيم النخعي.
القول الحادي عشر: أنه طلقة رجعية، قال ابن القيم ﵀: حكاه ابن الصباغ وصاحبه أبو بكر الشاشي، عن الزهري، عن عمر بن الخطاب ﵁، وهو قولٌ في مذهب مالك.
القول الثاني عشر: الفرق بين أن يوقع التحريم منجزًا، أو معلقًا تعليقًا مقصودًا، وبين أن يخرجه مخرج اليمين؛ فالأول ظهار بكل حال، ولو نوى به الطلاق، والثاني يمين يلزمه به كفارة اليمين.
فلو قال: (أنت عليَّ حرام، أو إذا دخل رمضان فأنت علي حرام)؛ فهو ظهار، وإن قال: (إن سافرتُ، أو إن أكلتُ هذا الطعام، أو كلمتُ فلانًا؛ فامرأتي عليَّ حرام)؛ فيمين مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: وهو مقتضى المنقول عن ابن عباس؛ فإنه مرة جعله ظهارًا، ومرة جعله يمينًا.
стр. 4517
قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين»: وَعَلَيْهِ يَدُلُّ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ؛ فَإِنَّهُ إذَا أَوْقَعَهُ كَانَ قَدْ أَتَى مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا، وَكَانَ أَوْلَى بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ مِمَّنْ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِالْمُحَرَّمَةِ، وَإِذَا حَلَفَ بِهِ كَانَ يَمِينًا مِنْ الْأَيْمَانِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ بِالْتِزَامِ الْعِتْقِ، وَالْحَجِّ، وَالصَّدَقَةِ، وَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ وَالْفِقْهِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: مدار هذه المسألة على الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢].
• وقد اختلف العلماء: هل سبب الآية تحريم العسل، أو تحريم أم ولده؟
والصحيح عند المحققين أنَّ الآية نزلت بالسببين كما قرر ذلك الحافظ في «الفتح» في تفسير سورة التحريم.
ولكن قوله تعالى: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ هل المراد منه أنَّ من قال: (امرأتي عليَّ حرام) يُعتبر يمينًا كما تقدم عن طائفة من أهل العلم، أو أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حرَّم ذلك على نفسه بيمينٍ حلفها؟
الذي قرره الصنعاني في هذه المسألة كما في رسالته في ذلك أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حلف مع التحريم كما في «صحيح البخاري» من حديث عائشة، وفيه قال: «فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا».
قال: وهذا هو المعهود في القرآن في لفظ (اليمين).
стр. 4518
قال: ولا يليق أن ينسب إلى رسول الله ﷺ رأس أهل الإيمان أن يحرم على نفسه شيئًا أحله الله له.
قال: وكيف يحلف النبي ﷺ بالتحريم، وهو القائل: «من حلف بغير الله؛ فقد أشرك». انتهى بتصرف.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥٢٦٦): وحمل بعضهم قوله: «حلفت» على التحريم، ولا يخفى بُعْده، والله أعلم. اهـ
قلتُ: فقول من حمل ذلك على أنه يمين فيه نظر، وقول من قال: لغو مطلقًا. فيه نظر أيضًا؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ولفظ التحريم فيه كناية عن الطلاق؛ فيقع إذا نواه، وقول من حمله على الطلاق مطلقًا خطأ ظاهر.
فالصحيح في هذه المسألة أنه إذا أراد به الطلاق؛ وقع طلقة رجعية لا ثلاثًا، وإن لم ينو الطلاق فهو كلامُ لغوٍ يأثم عليه؛ لأنَّ الله نهى عن ذلك إلا أن يكون قصد بذلك اليمين؛ فله حكم اليمين، كما أفتى بذلك الصحابة رضوان الله عليهم. (١)
مسألة [٨]: إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة بائنة، أو غير رجعية ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها تطلق طلقة واحدة رجعية؛ لأنه وصفها بوصف لا تتصف به شرعًا، فيكون لغوًا، وهذا القول عزاه ابن القيم للجمهور، وهو قول أحمد، والشافعي، وأهل الظاهر، وبعض المالكية.
стр. 4519
• وعن أحمد رواية أنها تطلق ثلاثًا، وهو قول بعض المالكية.
• وعنه أنها تطلق واحدة بائنة، وهو قول بعض المالكية.
والصحيح القول الأول، ورجحه ابن القيم ﵀. (١)
مسألة [٩]: إذا قال لزوجته: أنا منك طالق ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها لا تطلق؛ لأنه أوقع الطلاق في غير محله، وهو قول أحمد، والثوري، وأبي عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
• وقال جماعة: يقع الطلاق إن نواه. وهو قول عطاء، والنخعي، والقاسم، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وبعض الحنابلة؛ لأنه إن لم يكن صريحًا في الطلاق؛ فلا يَقِلُّ عن أن يكون كناية، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٠]: إذا قال لزوجته: أنا منك بائن، أو بريء، أو حرام ؟
• للحنابلة وجهان في ذلك، هل يعد كناية، أم لا؟ والصواب أنه يعد كناية، ويقع الطلاق إذا نواه، والله أعلم. (٣)
مسألة [١١]: إذا قال الرجل لامرأته: وهبتك لأهلك ؟
• في هذه المسألة أقوال:
стр. 4520
القول الأول: إن قبلوها؛ فواحدة رجعية، وإن لم يقبلوها؛ فلا شيء. صح ذلك عن ابن مسعود ﵁، وهو قول عطاء، ومسروق، والزهري، ومكحول، وقال به مالك، وأحمد، وإسحاق.
القول الثاني: إن قبلوها؛ فواحدة بائنة، وإن لم يقبلوها؛ فواحدة رجعية، وهو قول النخعي، وجاء عن علي، وإسناده ضعيفٌ؛ لأنه من طريق: يحيى الجزار عنه، ولم يسمع منه إلا ثلاثة أحاديث ليس هذا منها.
القول الثالث: إن قبلوها؛ فثلاث، وإن لم يقبلوها؛ فواحدة رجعية، وهو قول الحسن، ورواه عن زيد بن ثابت، ولم يسمع منه، وقال به أحمد في رواية.
القول الرابع: أنها ثلاث، وهو قول أبي الزناد، وربيعة، ويحيى بن سعيد، ومالك.
القول الخامس: أنها على نيته، إن نوى ذلك طلاقًا ثلاثًا؛ فكذلك، وإن نوى أقل؛ فكذلك، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ووكيع، إلا أنَّ أبا حنيفة يقول: إذا نوى اثنتين يقع واحدة.
والصحيح أنَّ الطلاق في هذا اللفظ يقع إذا نوى ذلك، ويقع طلقة واحدة رجعية، ولا يشترط قبول أهلها لها، وأصحاب القول الأول راعوا اللفظ، وجعلوا شرط الهبة القبول؛ فإن كان من عرفهم ذلك؛ فلا يقع إلا بقبولهم، والله أعلم. (١)