مذهب سفيان الثوري. وحجةُ هذا القول أن اللفظ يحتمل لما ذكر.
القول التاسع: أنه طلقة واحدة بائنة بكل حال، وهذا مذهب حماد بن أبي سليمان، وحجة هذا القول أنَّ التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث، بل يصدق بأقله، والواحدة متيقنة، فجعل اللفظ عليها؛ لأنها اليقين، فهو نظير التحريم بانقضاء العدة، وهو قول في مذهب مالك.
القول العاشر: إن نوى ثلاثًا؛ فثلاث، وإن نوى واحدة، أو لم ينو شيئًا؛ فواحدة بائنة، وهو قول إبراهيم النخعي.
القول الحادي عشر: أنه طلقة رجعية، قال ابن القيم ﵀: حكاه ابن الصباغ وصاحبه أبو بكر الشاشي، عن الزهري، عن عمر بن الخطاب ﵁، وهو قولٌ في مذهب مالك.
القول الثاني عشر: الفرق بين أن يوقع التحريم منجزًا، أو معلقًا تعليقًا مقصودًا، وبين أن يخرجه مخرج اليمين؛ فالأول ظهار بكل حال، ولو نوى به الطلاق، والثاني يمين يلزمه به كفارة اليمين.
فلو قال: (أنت عليَّ حرام، أو إذا دخل رمضان فأنت علي حرام)؛ فهو ظهار، وإن قال: (إن سافرتُ، أو إن أكلتُ هذا الطعام، أو كلمتُ فلانًا؛ فامرأتي عليَّ حرام)؛ فيمين مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: وهو مقتضى المنقول عن ابن عباس؛ فإنه مرة جعله ظهارًا، ومرة جعله يمينًا.
стр. 4517
قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين»: وَعَلَيْهِ يَدُلُّ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ؛ فَإِنَّهُ إذَا أَوْقَعَهُ كَانَ قَدْ أَتَى مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا، وَكَانَ أَوْلَى بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ مِمَّنْ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِالْمُحَرَّمَةِ، وَإِذَا حَلَفَ بِهِ كَانَ يَمِينًا مِنْ الْأَيْمَانِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ بِالْتِزَامِ الْعِتْقِ، وَالْحَجِّ، وَالصَّدَقَةِ، وَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ وَالْفِقْهِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: مدار هذه المسألة على الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢].
• وقد اختلف العلماء: هل سبب الآية تحريم العسل، أو تحريم أم ولده؟
والصحيح عند المحققين أنَّ الآية نزلت بالسببين كما قرر ذلك الحافظ في «الفتح» في تفسير سورة التحريم.
ولكن قوله تعالى: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ هل المراد منه أنَّ من قال: (امرأتي عليَّ حرام) يُعتبر يمينًا كما تقدم عن طائفة من أهل العلم، أو أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حرَّم ذلك على نفسه بيمينٍ حلفها؟
الذي قرره الصنعاني في هذه المسألة كما في رسالته في ذلك أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حلف مع التحريم كما في «صحيح البخاري» من حديث عائشة، وفيه قال: «فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا».
قال: وهذا هو المعهود في القرآن في لفظ (اليمين).
стр. 4518
قال: ولا يليق أن ينسب إلى رسول الله ﷺ رأس أهل الإيمان أن يحرم على نفسه شيئًا أحله الله له.
قال: وكيف يحلف النبي ﷺ بالتحريم، وهو القائل: «من حلف بغير الله؛ فقد أشرك». انتهى بتصرف.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٥٢٦٦): وحمل بعضهم قوله: «حلفت» على التحريم، ولا يخفى بُعْده، والله أعلم. اهـ
قلتُ: فقول من حمل ذلك على أنه يمين فيه نظر، وقول من قال: لغو مطلقًا. فيه نظر أيضًا؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ولفظ التحريم فيه كناية عن الطلاق؛ فيقع إذا نواه، وقول من حمله على الطلاق مطلقًا خطأ ظاهر.
فالصحيح في هذه المسألة أنه إذا أراد به الطلاق؛ وقع طلقة رجعية لا ثلاثًا، وإن لم ينو الطلاق فهو كلامُ لغوٍ يأثم عليه؛ لأنَّ الله نهى عن ذلك إلا أن يكون قصد بذلك اليمين؛ فله حكم اليمين، كما أفتى بذلك الصحابة رضوان الله عليهم. (١)
مسألة [٨]: إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة بائنة، أو غير رجعية ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها تطلق طلقة واحدة رجعية؛ لأنه وصفها بوصف لا تتصف به شرعًا، فيكون لغوًا، وهذا القول عزاه ابن القيم للجمهور، وهو قول أحمد، والشافعي، وأهل الظاهر، وبعض المالكية.
стр. 4519
• وعن أحمد رواية أنها تطلق ثلاثًا، وهو قول بعض المالكية.
• وعنه أنها تطلق واحدة بائنة، وهو قول بعض المالكية.
والصحيح القول الأول، ورجحه ابن القيم ﵀. (١)
مسألة [٩]: إذا قال لزوجته: أنا منك طالق ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها لا تطلق؛ لأنه أوقع الطلاق في غير محله، وهو قول أحمد، والثوري، وأبي عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
• وقال جماعة: يقع الطلاق إن نواه. وهو قول عطاء، والنخعي، والقاسم، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وبعض الحنابلة؛ لأنه إن لم يكن صريحًا في الطلاق؛ فلا يَقِلُّ عن أن يكون كناية، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٠]: إذا قال لزوجته: أنا منك بائن، أو بريء، أو حرام ؟
• للحنابلة وجهان في ذلك، هل يعد كناية، أم لا؟ والصواب أنه يعد كناية، ويقع الطلاق إذا نواه، والله أعلم. (٣)
مسألة [١١]: إذا قال الرجل لامرأته: وهبتك لأهلك ؟
• في هذه المسألة أقوال:
стр. 4520
القول الأول: إن قبلوها؛ فواحدة رجعية، وإن لم يقبلوها؛ فلا شيء. صح ذلك عن ابن مسعود ﵁، وهو قول عطاء، ومسروق، والزهري، ومكحول، وقال به مالك، وأحمد، وإسحاق.
القول الثاني: إن قبلوها؛ فواحدة بائنة، وإن لم يقبلوها؛ فواحدة رجعية، وهو قول النخعي، وجاء عن علي، وإسناده ضعيفٌ؛ لأنه من طريق: يحيى الجزار عنه، ولم يسمع منه إلا ثلاثة أحاديث ليس هذا منها.
القول الثالث: إن قبلوها؛ فثلاث، وإن لم يقبلوها؛ فواحدة رجعية، وهو قول الحسن، ورواه عن زيد بن ثابت، ولم يسمع منه، وقال به أحمد في رواية.
القول الرابع: أنها ثلاث، وهو قول أبي الزناد، وربيعة، ويحيى بن سعيد، ومالك.
القول الخامس: أنها على نيته، إن نوى ذلك طلاقًا ثلاثًا؛ فكذلك، وإن نوى أقل؛ فكذلك، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ووكيع، إلا أنَّ أبا حنيفة يقول: إذا نوى اثنتين يقع واحدة.
والصحيح أنَّ الطلاق في هذا اللفظ يقع إذا نوى ذلك، ويقع طلقة واحدة رجعية، ولا يشترط قبول أهلها لها، وأصحاب القول الأول راعوا اللفظ، وجعلوا شرط الهبة القبول؛ فإن كان من عرفهم ذلك؛ فلا يقع إلا بقبولهم، والله أعلم. (١)
стр. 4521
مسألة [١٢]: إذا جعل الرجل لامرأته الخيار بين البقاء معه والفراق ؟
أهل العلم على أنَّ ذلك مشروع، وعلى وقوع الطلاق إذا اختارت الفراق.
• وخالف ابن حزم الظاهري، فقال: لا يصح ذلك في الطلاق.
ولا يقع الطلاق عنده إلا بثلاثة ألفاظ كما تقدم، وهو قول الظاهرية.
• وإذا اختارت المرأة زوجها فلا يقع الطلاق عند عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم.
وصحَّ ذلك عن عمر، وعائشة، وابن عباس، وزيد بن ثابت ﵃، وقال به عمر بن عبد العزيز، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر وغيرهم.
ودليل هذا القول حديث عائشة في «الصحيح» (١) «خيرنا رسول الله ﷺ ، فاخترناه، فلم يعده طلاقًا».
• وعن الحسن أنه يقع واحدة رجعية، وصحَّ ذلك عن علي ﵁، وهو رواية عن أحمد.
• وقال زيد بن ثابت: واحدة بائنة.
والصحيح القول الأول أنَّ الطلاق لا يقع إذا اختارت زوجها. (٢)
стр. 4522
مسألة [١٣]: إذا اختارت نفسها ؟
• من أهل العلم من قال: تقع واحدة رجعية. صح هذا القول عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وجاء عن زيد بن ثابت، وابن عباس، وهو قول عمر بن عبدالعزيز، وابن أبي ليلى، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور وغيرهم؛ لأنَّ تفويض الأمر إليها بذلك يقع بالواحدة.
• ومنهم من قال: هي واحدة بائنة، صح ذلك عن علي، ورُوي عن ابن مسعود بسند منقطع، وهو قول أبي حنيفة.
• ومنهم من قال: هي ثلاث. صحَّ عن زيد بن ثابت، وهو قول الحسن، ومالك، والليث، واستثنى مالك غير المدخول بها؛ فيقع عليها ما نوى.
والصحيح هو القول الأول.
تنبيه: الخلاف في هذه المسألة هو فيما إذا لم ينويا الثلاث، أما إذا نوياه؛ فيقع عند الجمهور، والصحيح عدم وقوع الثلاث كما تقدم، لا من الرجل، ولا من المرأة، والله أعلم. (١)
مسألة [١٤]: إذا ردت المرأة الخيار من أصله، ولم تقبل التفويض إليها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٣٨٢): وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَوْلِ -يعني قوله: (أمرك بيدك) وقوله: (اختاري) و (تخيري) - مَا لَمْ يَنْوِ بِهِ إيقَاعَ
стр. 4523
طَلَاقِهَا فِي الْحَالِ، أَوْ تُطَلِّقْ نَفْسَهَا.
قال: وَمَتَى رَدَّتْ الْأَمْرَ الَّذِي جُعِلَ إلَيْهَا؛ بَطَلَ، وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: ابْنُ عُمَرَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَسْرُوقٌ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: إنْ رَدَّتْ؛ فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وَلَنَا أَنَّهُ تَوْكِيلٌ، أَوْ تَمْلِيكٌ لَمْ يَقْبَلْهُ الْمُمَلَّكُ؛ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ، كَسَائِرِ التَّوْكِيلِ وَالتَّمْلِيكِ، فَأَمَّا إنْ نَوَى بِهَذَا تَطْلِيقَهَا فِي الْحَالِ؛ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى قَبُولِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: حَبْلُك عَلَى غَارِبِك. اهـ
مسألة [١٥]: هل يفتقر التخيير من الزوج والاختيار من الزوجة إلى النية ؟
• أما في حق الزوج فمذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة أنه يفتقر إلى نيته كما في سائر الكنايات، أو إلى دلالة الحال عند أحمد؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات».
• وأما مالك فعنده أنَّ ذلك من الكنايات الظاهرة، ولا يلتفت عنده في الكنايات الظاهرة إلى مقصود المتكلم بها مالم تظهر قرائن واضحة تدل على خلاف ذلك.
والصحيح هو القول الأول، وبالله التوفيق.
• وأما في حق المرأة، فمذهب أحمد، والشافعي أنها لو قالت: اخترت نفسي. أو فسخت نكاحَكَ. أنه يفتقر إلى نيتها، إذا كان ذلك بالكناية دون الصريح كأن
стр. 4524
تقول: (طلقت نفسي، أو اخترت الطلاق).
• وقال أبو حنيفة: لا يفتقر وقوع الطلاق إلى نيتها إذا نوى الزوج، كما لو قال: (إن تكلمت فأنت طالق) فتكلمت.
• وقال أصحاب مالك: إن قالت: (اخترت نفسي، أو قبلت نفسي)؛ لزم الطلاق؛ ولو قالت: (لم أرده) وإن قالت: (قبلت أمري)؛ سُئل عن مقصودها في ذلك، واعتبر نيتها.
والصحيح هو قول الشافعي، وأحمد، ويُعتبر نيتها في الصريح أيضًا على الراجح كما تقدم في حق الرجل، والله أعلم. (١)
تنبيه: ألفاظ الكناية إذا اختارت بها الزوجة؛ وقعت واحدة على الصحيح رجعيةً، ومذهب الجمهور وقوع ما نوت، وعن أبي حنيفة واحدة بائنة. وهنالك تفصيل عند جماعةٍ من الفقهاء بين ألفاظ الكنايات كما تقدم في حق الزوج. (٢)
مسألة [١٦]: هل للزوج الرجوع فيما جعل إليها ؟
• من أهل العلم من قال: له الرجوع، ويبطل خيارها. وهو قول عطاء، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق؛ لأنه توكيل، وللموكل الرجوع فيما وكل فيه. وهو قول بعض الشافعية.
стр. 4525
• ومنهم من قال: ليس له الرجوع. وهو قول الزهري، والثوري، ومالك، وأصحاب الرأي، وبعض الشافعية؛ وذلك لأنه تمليك منه لها، فلا رجوع له.
والصحيح هو القول الأول؛ لأنَّ جعل الأمر إليها توكيل لا تمليك، فالله عزوجل ملك الزوج الطلاق، وليس ذلك ملكًا لغيره، ولا ينتقل عنه إلا على سبيل الإنابة، وهذا الباب من ذلك.
وأيضًا: لو كان ذلك تمليكًا؛ لكانت المرأة مالكة للطلاق، وحينئذٍ يجب أن لا يبقى الزوج مالكًا؛ لاستحالة كون الشيء الواحد بجميع أجزائه ملكًا لمالكين في زمن واحد، والزوج مالك للطلاق بعد التخيير، فلا تكون هي مالكة، بخلاف ما إذا كان توكيلًا؛ فإنَّ الزوج يكون مالكًا وهي نائبة ووكيلة عنه.
وأيضًا: فإنه لو قال لها: (طلقي نفسك) ثم حلف أن لا يطلق، فطلقت نفسها؛ حنث؛ فدل على أنها نائبة عنه.
وأيضًا: قولهم (إنه تمليك) إما أن يريدوا به أنه ملكهانفسها، أو أنه ملكها أن تطلق؛ فإن أردتم الأول؛ لزمكم أن يقع الطلاق بمجرد قولها: (قبلت)؛ لأنه أتى بما يقتضي خروج بضعها عن ملكه، واتصل به القبول، وإن أردتم الثاني؛ فهو معنى التوكيل، وإن غيرت العبارة. انتهى ملخصًا من «الزاد». (١)
مسألة [١٧]: إن طلقت نفسها ثلاثًا، فقال الزوج: لم أجعل إليها إلا واحدة ؟
• قال بعض أهل العلم: يقع الطلاق ثلاثًا. وهو قول سعيد بن المسيب،
стр. 4526
وعطاء، والزهري، وأحمد، ونُقل عن عثمان، وابن عباس، وفضالة بن عبيد أنهم قالوا: القضاء ما قَضَتْ.
ولم تصح هذه الآثار، ففي أسانيدها ضعفٌ، وهي مع كونها ضعيفة؛ محتملةٌ أنهم قصدوا أصل الطلاق.
• وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تعد واحدة فقط. صحَّ ذلك عن عمر، وابن مسعود ﵄، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.
وصح عن ابن عمر أنه قال: القضاء ما قضت؛ فإن تناكرا حَلَفَ. (١)
مسألة [١٨]: إذا جعل أمر امرأته بيدها، فقالت: أنت طالق ؟
• جماعةٌ من أهل العلم على أنَّ الطلاق لا يقع، وهو قول أحمد، والثوري، وأبي عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي؛ لأنه أوقع الطلاق في غير محله، وصحَّ عن ابن عباس أنه سئل عن امرأة فعلت ذلك، فقال: خطَّأ الله نوءها، لو قالت: أنا طالق؛ لكان كما قالت. وفي رواية قال: الطلاق لك عليها، وليس لها عليك.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الطلاق يقع عليها إذا نوت ذلك، وهو قول عطاء، والقاسم، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وبعض الحنابلة، وصح ذلك عن عمر، وابن مسعود، وهو الصواب؛ لأنَّ هذا اللفظ لا يقل عن كونه كناية، والله أعلم. (٢)
стр. 4527
مسألة [١٩]: هل التخيير للمرأة على الفور، أم على التراخي ؟
• أما في قول الرجل لامرأته (تخيري) و (اختاري)، فأكثر الفقهاء أنه على الفور، تختار ما دامت في المجلس، فإذا انصرفت من المجلس قبل الاختيار انقطع خيارها، جاء ذلك عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وجابر، ولا يثبت ذلك عنهم، ففي الأسانيد عنهم ضعف، وهو قول عطاء، وجابر بن زيد، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي. واستدلوا بالآثار الواردة عن الصحابة.
• وذهب الزهري، وقتادة، وأبو عبيد، وابن المنذر، ومالك في رواية، وبعض الشافعية، والحنابلة إلى أنه على التراخي؛ لعدم وجود دليل يجعله على الفور، ولحديث عائشة ﵂ في «الصحيحين» «إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستشيري أبويك» (١)، وهذا القول أرجح فيما يظهر، والله أعلم. (٢)
وأما في قول الرجل (أمرك بيدك) فقد وافق أحمد قول من قال على التراخي، وقال بذلك أيضًا الحكم، وأبو ثور وغيرهم؛ لأنَّ ظاهره التوكيل مطلقًا، وهذا هو الصواب، خلافًا لمالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. (٣)
تنبيه: إذا قيد الخيار بوقت معلوم؛ تقيد به. (٤)
стр. 4528
مسألة [٢٠]: إذا اختلفا، فقال الزوج: لم أنو الطلاق. وادَّعت عليه أنه نوى ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٣٩٦): إذَا اخْتَلَفَا، فَقَالَ الزَّوْجُ: لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ بِلَفْظِ الِاخْتِيَارِ وَأَمْرُك بِيَدِك. وَقَالَتْ: بَلْ نَوَيْت. كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ جَوَابَ سُؤَالٍ، أَوْ مَعَهَا دَلَالَةُ حَالٍ. وَإِنْ قَالَ: لَمْ تَنْوِ الطَّلَاقَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِك. وَقَالَتْ: بَلْ نَوَيْت. فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي. وَأَنْكَرَ وُجُودَ الِاخْتِيَارِ مِنْهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لَهُ، وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُهُ عِلْمُهُ، وَيُمْكِنُهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى دُخُولِ الدَّارِ، فَادَّعَتْهُ، فَأَنْكَرَهُ. اهـ
مسألة [٢١]: إذا قال الرجلُ لامرأته: (أنت علي كظهر أمي) يريد به الطلاق ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٧٤): ولو قال: أنت عليَّ كظهر أمي. وقصد به الطلاق؛ فإنَّ هذا لا يقع به الطلاق عند عامة العلماء، وفي ذلك أنزل الله القرآن؛ فإنهم كانوا يعدون الظهار طلاقًا، والإيلاء طلاقًا، فرفع الله ذلك كله، وجعل في الظهار الكفارة الكبرى، وجعل الإيلاء يمينًا يتربص فيها الرجل أربعة أشهر، فإما أن يمسك بمعروف، أو يسرح بإحسان. اهـ (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: من طلق امرأة ليست زوجة له ؟
أما إن كان الطلاق منجزًا بغير توكيل؛ فلا يقع بالإجماع.
• واختلف أهل العلم في الطلاق المعلق بنكاحها، كأن يقول: فلانة إن تزوجتها فهي طالق. أو هي طالق بعد أن أتزوجها. أو يقول: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. أو كل امرأة أتزوجها من هذه القرية فهي طالق. ففي ذلك مذاهب
стр. 4531
لأهل العلم.
• المذهب الأول: أنَّ الطلاق لا يقع في جميع الصور المذكورة العامة منها والخاصة، وهذا قول جمهور الفقهاء، والمحدثين، والتابعين، وهو قول أحمد، والشافعي، وإسحاق، وابن مهدي، وداود الظاهري وغيرهم.
وصح ذلك عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وجاء عن علي بسند منقطع.
واستدلوا على ذلك بحديث الباب.
واستدل ابن عباس ﵄ بالآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] الآية، ونقل هذا القول عن ما يقارب عشرين رجلًا من التابعين، ورجحه البخاري ﵀ في «صحيحه» [باب: (٩) من كتاب الطلاق].
• المذهب الثاني: الوقوع مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، واستدل آخرون عليه بمشروعية الوصية.
قال الحافظ ﵀: كُلُّ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ فِيْهِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاق لَيْسَ مِنْ الْعُقُود، وَالنَّذْر يُتَقَرَّب بِهِ إِلَى الله، بِخِلَافِ الطَّلَاق؛ فَإِنَّهُ أَبْغَض الْحَلَال إِلَى الله، وَمِنْ ثَمَّ فَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْن تَعْلِيق الْعِتْق وَتَعْلِيق الطَّلَاق، فَأَوْقَعَهُ فِي الْعِتْق دُون الطَّلَاق، وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ
стр. 4532
مَنْ قَالَ: لله عَلَيَّ عِتْق. لَزِمَهُ، وَلَوْ قَالَ: لله عَلَيَّ طَلَاق. كَانَ لَغْوًا، وَالْوَصِيَّة إِنَّمَا تَنْفُذ بَعْد الْمَوْت، وَلَوْ عَلَّقَ الْحَيُّ الطَّلَاقَ بِمَا بَعْد الْمَوْت؛ لَمْ يَنْفُذ.
قال: وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِصِحَّةِ تَعْلِيق الطَّلَاق، وَأَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ دَخَلْت الدَّار فَأَنْتِ طَالِق. فَدَخَلَتْ؛ طَلُقَتْ. وَالْجَوَاب: أَنَّ الطَّلَاق حَقّ مِلْك الزَّوْج، فَلَهُ أَنْ يُنْجِزهُ وَيُؤَجِّلهُ، وَأَنْ يُعَلِّقهُ بِشَرْطٍ، وَأَنْ يَجْعَلهُ بِيَدِ غَيْره كَمَا يَتَصَرَّف الْمَالِك فِي مِلْكه، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجًا، فَأَيّ شَيْء مَلَكَ حَتَّى يَتَصَرَّف؟ اهـ
• المذهب الثالث: إن خصص امرأة بعينها، أو بلدة بعينها، أو ما أشبه ذلك؛ يقع الطلاق، وإن عمم جميع النساء؛ فلا يقع. وهو قول ابن مسعود، والنخعي، وحماد، والشعبي، وآخرين من أهل الكوفة، وهو قول مالك في المشهور عنه، وعليه جمهور المالكية.
وحجتهم أنه طلاق معلق بشرط؛ فيقع عند وقوعه.
قال ابن العربي: ونظر مالك، ومن قال بقوله في مسألة الفرق بين المعينة وغيرها أنه إذا عم؛ فقد سد على نفسه باب النكاح الذي ندب الله إليه، فعارض عنده المشروع؛ فسقط.
قال: وهذا على أصل اختلف فيه، وهو تخصيص الأدلة بالمصالح، وإلا فلو كان هذا لازمًا في الخصوص للزم في العموم، والله أعلم. اهـ
وأجاب الجمهور: بأنه علَّق الطلاق بشرط قبل أن يملكه؛ فلا يصح عنه، ولو
стр. 4533
صح لما كان هناك فرقًا بين التعميم والتخصيص.
• المذهب الرابع: التوقف. وهو رواية عن مالك، والثوري، وأبي عبيد.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول الأول هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم. (١)
стр. 4534
١٠٨٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: من الذي يقع منه الطلاق ؟
أولا: الطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة بإجماع المسلمين؛ لأنَّ الله تعالى خاطب به الرجال في القرآن، والأدلة على ذلك متواترة، وهو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة.
وثانيًا: يقع الطلاق من الرجل العاقل، البالغ، المختار، بلا خلافٍ بين أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن قدامة، وابن القيم وغيرهما. (٢)
стр. 4535
مسألة [٢]: طلاق من زال عقله بغير المسكر .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٣٤٥): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الزَّائِلَ الْعَقْلُ بِغَيْرِ سُكْرٍ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ. كَذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ (١)، وَعَلِيٌّ (٢) وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قال: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ فِي حَالِ نَوْمِهِ، لَا طَلَاقَ لَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل»، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْعَقْلُ، كَالْبَيْعِ.
قال: وَسَوَاءٌ زَالَ عَقْلُهُ لَجُنُونٍ، أَوْ إغْمَاءٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ، أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ شُرْبُهُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُزِيلٌ لِلْعَقْلِ، فَكُلُّ هَذَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ (٣)
مسألة [٣]: هل يقع طلاق من شرب الخمر مختارًا فسكر ؟
• من أهل العلم من قال: يقع طلاقه. وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وميمون بن مهران،
стр. 4536
والحكم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد في رواية، والشافعي، وأصحاب الرأي.
واستدلوا بحديث: «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه»، وبأن عمر استشار الصحابة فيمن شربوا الخمر، فقال علي: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى؛ فحدُّه حد المفتري. فَجَلَدَه عمرُ ثمانين. فقالوا: فيه مؤاخذة للشارب بما يقول في سكره. وقالوا: هو مكلف، ويؤاخذ بجنايته.
• وقال بعضهم: يقع طلاقه؛ عقوبة له. وقالوا: قد ورد عن بعض الصحابة أنهم أوقعوا طلاقه. جاء ذلك عن عمر، أن رجلًا طلق امرأته وهو سكران، فشهد أربع نسوة بذلك، ففرق عمر ﵁ بينهما. وكذا جاء عن معاوية أنه أجاز طلاق السكران، وجاء عن ابن عباس ﵄.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقع طلاق السكران. وهو قول عمر بن عبدالعزيز، والقاسم، وطاوس، وربيعة، ويحيى الأنصاري، والليث، والعنبري، وإسحاق، وأبي ثور، والمزني، وأحمد في رواية، وصحَّ عن عثمان بن عفان عند ابن أبي شيبة (٥/ ٣٠)، وغيره قال: ليس لمجنون ولا سكران طلاق.
وهذا قولٌ للشافعي، والظاهرية، واستقر عليه مذهب أحمد، وقال به من الحنفية: أبو جعفر الطحاوي، وأبو الحسن الكرخي.
وصحَّ هذا القول أيضًا عن ابن عباس، علَّقه البخاري عنه بصيغة الجزم في
стр. 4537
[كتاب الطلاق باب (١١)]، ووصله ابن أبي شيبة (٥/ ٤٨).
واستدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣]، فجعل سبحانه قول السكران غير معتبر؛ لأنه لا يعلم ما يقول، وصحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه أمر بالمقِر بالزِّنى أن يستنكه (١) ليعتبر قوله الذي أقرَّ به، أو يلغى.
وفي «الصحيحين» (٢) أن حمزة لما سكر قبل تحريم الخمر، قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومن معه: «هل أنتم إلا عبيد لأبي»، وهذا القول لو قاله غير سكران؛ لكان رِدَّةً وكفرًا، ولم يؤاخذ بذلك حمزة.
قالوا: ولأنه عند أن زال عقله أشبه المجنون والنائم؛ ولأنه مفقود الإرادة، فأشبه المكره.
وهذا القول هو اختيار البخاري، ورجَّحه شيخ الإسلام، وابن القيم وغيرهما من المحققين، وهو الصواب في هذه المسألة.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول، فحديثهم: «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه» حديث شديد الضعف، أخرجه الترمذي (١١٩١)، من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: عطاء ابن العجلان، وهو شديد الضعف.
стр. 4538
وأما خبر أنَّ الصحابة جعلوه كالصاحي في القذف؛ فهو حديث ضعيفٌ، أخرجه مالك (٢/ ٨٤٢) بإسناد منقطع، ووصله البيهقي (٨/ ٣٢١) بإسناد ضعيف، فيه يحيى بن فُليح، وهو مجهول.
وأما قولهم (هو مكلف) فباطل؛ إذ الإجماع منعقد على أنَّ شرط التكليف العقل، وهو لا يعقل، فليس بمكلف.
وأما كون الله خاطبهم فقال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فليس فيه ذلك، بل المقصود أنه خاطب الصاحي، وأمره أن لا يسكر إذا أراد الصلاة، وأما من لا يعقل فلا يؤمر ولا ينهى.
وأما كونه يلزم بالجنايات؛ فهو كالمجنون في ذلك، يتحمل الجنايات وليه، وذلك من الأحكام الوضعية، وقد دلَّت الأدلة على أنه لا يلزم بأقواله في حال فقد عقله.
وأما قولهم (يقع عقوبة له) فقول ضعيفٌ؛ فإنَّ الحد يكفيه عقوبة الشرع، وقد رضي الله سبحانه من هذه العقوبة بالحد، ولا عهد لنا بالشريعة بالعقوبة بالطلاق والتفريق بين الزوجين.
وأما قولهم (إنَّ إيقاع الطلاق من ربط الأحكام بالأسباب) ففي غاية الفساد، والسقوط؛ فإنَّ هذا يوجب إيقاع الطلاق ممن سكر مكرهًا، أو جاهلًا بأنه خمر، وبالمجنون، بل وبالنائم، ثم يقال: وهل ثبت لكم أنَّ طلاق السكران سبب حتى
стр. 4539
يربط الحكم به، وهل النزاع إلا في ذلك؟
وأما ما نقلوه عن الصحابة من إيقاع الطلاق، فأثر عمر لم يثبت؛ فإنه من طريق: أبي لبيد عن عمر كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٣٨)، وأبو لبيد هو لمازة بن زبار، ولم يلق عمر كما في «التهذيب».
وأما أثر معاوية فثابت عنه، أخرجه أبو عبيد بإسناد صحيح كما في «زاد المعاد»، وأما أثر ابن عباس، فلم يثبت عنه، ففي إحدى طريقيه: الحجاج بن أرطاة، وفي الأخرى: إبراهيم بن أبي يحيى، قاله ابن حزم، وقد ثبت عنه خلافه كما تقدم.
وقد لخصنا هذه الردود من كلام ابن القيم في «زاد المعاد»، فراجعه؛ فإنه مفيد. (١)
تنبيه: الحكم في عتق السكران، ونذره، وبيعه، وشرائه، وردته، وإقراره، وقتله، وقذفه، وسرقته كالحكم في طلاقه؛ لأنَّ المعنى في الجميع واحد. (٢)
تنبيه آخر: حد السكر الذي وقع الاختلاف فيه هو الذي يخلط في كلامه ولا يعي ما يقول؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، أما إذا كان السكر غير
стр. 4540
مطبق بحيث يعي ما يقول؛ فإنه يقع طلاقه. (١)
مسألة [٤]: هل يقع طلاق الصبي ؟
أما إذا كان الصبي غير مميز، ولا يعقل، فلا خلاف في أنه لا طلاق له.
وأما الذي يعقل معنى الطلاق، ويعلم أنَّ زوجته تبين منه، وتحرم عليه، ففيه خلاف بين أهل العلم.
• فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى وقوع طلاقه، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، والشعبي، وأحمد في الأشهر عنه، وإسحاق، واستدلوا بحديث: «الطلاق لمن أخذ بالساق»، وحديث: «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله»، وقال علي: اكتموا الصبيان النكاح. وفائدته أن لا يطلقوا.
• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى عدم وقوعه، وهو قول النخعي، والزهري، وحماد، والثوري، وأبي عبيد، وأحمد في رواية، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي وغيرهم، واستدلوا بحديث عائشة الذي في الباب.
• وعن عطاء: يقع إذا بلغ اثنتي عشرة سنة.
• وعن مالك رواية: إذا ناهز الاحتلام.
• وأما إسحاق فقال: إذا جاوز اثنتي عشرة. وعن أحمد تحديده بمجاوزة
стр. 4541
العشر. وعن سعيد إذا عقل الصلاة والصيام.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: أما حديث: «الطلاق لمن أخذ بالساق» فقد أخرجه ابن ماجه (٢٠٨١)، من حديث ابن عباس ﵄، وفي إسناده ضعف، ففيه ابن لهيعة، وقد رواه موصولًا، ومرسلًا عن عكرمة، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وله طرق شديدة الضعف لا تصلح لتقويته، وقد حسَّنه بها الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (٢٠٤١).
وأما حديث: «كل الطلاق جائز ... » فقد تقدم في المسألة السابقة أنه حديث شديد الضعف، وأما أثر علي ففي إسناده رجل مبهم كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، ورُوي من طريق مرجوحة تسميته (عاصم بن ضمرة) ولا عبرة بها.
وقد جاء عن ابن عباس أنَّ طلاقه لا يجوز، وفي إسناده حجاج بن أرطاة، ولم يصرح بالتحديث.
وقد رجح الشوكاني ﵀ عدم وقوعه كما في «السيل» (ص ٤٠٢)؛ للحديث المتقدم، وهو الأقرب، والله أعلم. (١)
تنبيه: تقدم في باب الخلع أنه يجوز للأب أن يطلق زوجة ابنه الصغير، وهو قول عطاء، وقتادة، وقول في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام خلافًا لمالك
стр. 4542
والشافعي، وأبي حنيفة. (١)
تنبيه آخر: المجنون من أجاز لوليه تزويجه فالقياس أنَّه يجوز له الطلاق عنه إذا رأى له مصلحة في ذلك، وقد صرَّح بذلك جمعٌ من التابعين كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٣٩٥ - ٣٩٦). (٢)
مسألة [٥]: هل يقع طلاق السفيه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٣٥٠): فَأَمَّا السَّفِيهُ، فَيَقَعُ طَلَاقُهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَمَنَعَ مِنْهُ عَطَاءٌ. وَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، مَالِكٌ لِمَحَلِّ الطَّلَاقِ، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ كَالرَّشِيدِ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهِ، كَالْمُفْلِسِ. اهـ
مسألة [٦]: طلاق الغضبان .
تقدم الحديث: «لا طلاق، ولا عتاق في إغلاق» (٣)، وقد فسر الإغلاق بالإكراه وبالغضب، وممن فسره بالغضب أحمد، وأبو داود.
قال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن»: قال شيخنا: والإغلاق انسداد باب العلم، والقصد عليه، فيدخل فيه طلاق المعتوه، والمجنون، والسكران،
стр. 4543
والمكره، والغضبان الذي لا يعقل ما يقول؛ لأنَّ كُلًّا من هؤلاء قد أغلق عليه باب العلم والقصد، والطلاق إنما يقع من قاصد له، عالم به، والله أعلم. اهـ
وهذا التفسير هو الصواب، وعلى هذا فطلاق الغاضب على أقسام.
قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (٤/ ٥٠): وقسم شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه الغضب إلى ثلاثة أقسام: قسم يزيل كالسكر، فهذا لا يقع معه طلاق بلا ريب، وقسم يكون في مبادئه بحيث لا يمنعه من تصور ما يقول وقصده؛ فهذا يقع معه الطلاق. وقسم يشتد بصاحبه ولا يبلغ به زوال عقله، بل يمنعه من التثبت والتروي، ويخرجه عن حال اعتداله، فهذا محل اجتهاد. اهـ
قال ابن القيم في القسم الأول: وهذا لا يتوجه فيه نزاع أنه لا يقع. وقال في الثاني: لا إشكال في وقوع طلاقه، وعتقه، وصحة عقوده.
وقال في القسم الثالث: هذا موضع الخلاف، ومحل النظر، والأدلة الشرعية تدل على عدم نفوذ طلاقه، وعتقه، وعقوده التي يعتبر فيها الرضى، وهو فرع من الإغلاق الذي فسره الأئمة.
ثم ساق أدلةً كثيرة، وأوجهًا عديدة في ترجيح ذلك بلغت أكثر من عشرين وجهًا، وعزا القول بعدم وقوعه إلى الجمهور، وصرح به أصحاب أحمد، والشافعي، ومالك، ورجحه الإمام ابن عثيمين. (١)
стр. 4544
مسألة [٧]: التوكيل في الطلاق .
• أجاز أهل العلم للرجل أن يوكل آخرًا في طلاق امرأته، وخالف ابن حزم، فلم يجزه، والصحيح جوازه، والدليل آية التخيير.
ولا يُوَكَّل إلا من يصح طلاقه بنفسه، فلا يُوكل الصبي، والمجنون؛ لأنه لا يصح الطلاق منهما؛ فلا يصح أن يكونا وكيلين فيه، وإذا وكَّل صبيًّا، أو مجنونًا، فطلق واحد منهم؛ لم يقع طلاقه. وقال الحنفية: يقع. والصحيح عدم وقوعه؛ لأنهما ليسا من أهل التصرف، ولا يصح منهم ذلك. (١)
فرع: من وُكِّل بالطلاق فله أن يطلق متى شاء إلا أن يُحَدَّ له حدًّا، وليس له الطلاق أكثر من واحدة، إلا أن يجعل ذلك إليه؛ لأنَّ التوكيل المطلق يتناول ما يقع عليه الاسم، وهو يقع بالواحدة. (٢)
مسألة [٨]: إذا وكل اثنين بطلاق امرأته، فهل لواحد منهما أن ينفرد بذلك ؟
ليس لأحدهما أن ينفرد بذلك؛ إلا أن يجعل الأمر إلى كل واحد منهما، وأما إذا وكلهما جميعًا في ذلك؛ فلا يصح انفراد واحد منهما في ذلك، وهو قول
стр. 4545
الحسن، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، وابن المنذر، وإسحاق وغيرهم. (١)
مسألة [٩]: إذا وكَّل امرأته في طلاق نفسها ؟
أجاز أهل العلم ذلك، وقالوا: إذا طلَّقت نفسها؛ يقع الطلاق، وله أن يرجع عن ذلك قبل أن تطلق.
• فإذا رجع قبل أن تطلق؛ بطل التوكيل عند أحمد، والشافعي.
• وقال مالك، وأبو حنيفة: إذا خيَّرها؛ فليس له أن يرجع ولا يبطل التفويض إليها بالطلاق كما لو قال لها: إذا اخترت؛ فأنت طالق. ثم رجع قبل أن تختار.
والصحيح هو القول الأول، والله أعلم، واستدلوا عليه بآية التخيير. (٢)
стр. 4546
فَصْل فِي أَقْسَامِ الطّلاقِ مِنْ حَيْثُ صِيْغَتِهِ
الطلاق من حيث صيغة وقوعه له ثلاثة أقسام:
القسم الأول: صيغة التنجيز، مثل أن يقول: امرأتي طالق، أو أنت طالق، أو فلانة طالق، أو هي مطلقة، ونحو ذلك. فهذا يقع به الطلاق على التفاصيل المتقدمة في المسائل السابقة.
القسم الثاني: أن يحلف بذلك، فيقول: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا، أو لا أفعلُ كذا. أو يقول: عليَّ طلاق امرأتي إن فعلت كذا. يحلف به على حضٍّ، أو منعٍ، أو تصديق، أو تكذيب.
القسم الثالث: تعليق الطلاق بحصول شيء، كأن يقول: إن كان كذا، وكذا؛ فعليَّ الطلاق. أو يقول: علي الطلاق إن لم أفعل كذا. (١)
مسألة [١]: الحلف بالطلاق هل يقع أم لا ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٣١، ٢١٦): فيه قولان لعلماء المسلمين: القول الأول: لا يقع الطلاق. وهذا منصوص عن أبي حنيفة نفسه، وهو قول طائفة من أصحاب الشافعي، كالقفال، وأبي سعيد المتولي، صاحب «التتمة»، وبه يفتي ويقضي في هذه الأزمنة المتأخرة طائفةٌ من أصحاب
стр. 4547
أبي حنيفة، والشافعي، وغيرهم من أهل السنة، والشيعة في بلاد الشرق، والجزيرة، والعراق، وخراسان، والحجاز، واليمن وغيرها، وهو قول داود وأصحابه، كابن حزم وغيره.
قال: وهو قول طائفة من السلف، كطاوس وغير طاوس، وبه يفتي كثير من علماء المغرب في هذه الأزمنة المتأخرة، من المالكية وغيرهم، وكان بعض شيوخ مصر يفتي بذلك.
قال: وقد دل على ذلك كلام الإمام أحمد بن حنبل المنصوص عنه، وأصول مذهبه في غير موضع.
قال: القول الثاني: أنه يقع الطلاق إذا حنث في يمينه، وهذا هو المشهور عند أكثر الفقهاء المتأخرين، حتى اعتقد طائفة منهم أنَّ ذلك إجماع؛ ولهذا لم يذكر عامتهم عليه حجة، وحجتهم عليه ضعيفة جدًّا، وهي أنه التزم أمرًا عند وجود شرطه، فلزمه ما التزمه.
قال: وهذا منقوض بصور كثيرة، وبعضها مجمع عليه، كنذر الطلاق، والمعصية، والمباح، وكالتزام الكفر على وجه اليمين، مع أنه ليس له أصلٌ يقاس به إلا وبينهما فرق مؤثر في الشرع، ولا دلَّ عليه عموم نصٍّ ولا إجماع، لكن لما كان موجب العقد لزوم ما التزمه صار يظن في بادئ الرأي أنَّ هذا عقد لازم، وهذا يوافق ما كانوا عليه في أول الإسلام قبل أن ينزل الله كفارة اليمين موجبة ومحرمة، ثم فرض الله للمسلمين تحلة أيمانهم، وجعل لهم أن يحلوا عقد اليمين بما فرضه
стр. 4548
من الكفارة. انتهى بتصرف.
قلتُ: القول الأول هو الصواب، وهو ترجيح ابن القيم ﵀، والشوكاني.
واختلف القائلون بعدم وقوعه هل عليه فيه كفارة يمين، أم لا؟
• فمذهب الظاهرية أنه لا شيء عليه فيه؛ لأنه لغو.
قال شيخ الإسلام: ويذكر ما يدل عليه عن طائفة من السلف، بل هو مأثور عن طائفة صريحًا، كأبي جعفر الباقر. اهـ
• وذهب جماعةٌ إلى أنَّ عليه كفارة يمين إذا لم يوقع الطلاق.
قال شيخ الإسلام: وهو أصح الأقوال، وهو الذي يدل عليه الكتاب، والسنة، والاعتبار؛ فإنَّ هذه يمين من أيمان المسلمين، فيجري فيها ما يجري في أيمان المسلمين، وهو الكفارة عند الحنث؛ إلا أن يختار الحالف إيقاع الطلاق؛ فله أن يوقعه ولا كفارة، وهذا قول طائفة من السلف والخلف، كطاوس وغيره، وهو مقتضى المنقول عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وبه يفتي كثير من المالكية وغيرهم، وهو مقتضى نصوص أحمد بن حنبل، وأصوله في غير موضع. اهـ (١)
فائدة: قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢٢٣): صيغة القسم كما إذا قال: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا. فهذه يمين باتفاق أهل اللغة، والفقهاء. اهـ (٢)
стр. 4549
مسألة [٢]: تعليق الطلاق بشرط .
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٤٦): والثالث صيغة تعليق، كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق. ويُسمى هذا طلاقًا بصفة، فهذا إما أن يكون قصد صاحبه الحلف وهو يكره وقوع الطلاق إذا وجدت الصفة، وإما أن يكون قصده إيقاع الطلاق عند تحقق الصفة. فالأول حكمه حكم الحلف بالطلاق باتفاق الفقهاء، والثاني وهو أن يكون قصد إيقاع الطلاق عند الصفة؛ فهذا يقع به الطلاق إذا وجدت الصفة، كما يقع المنجز عند عامة السلف والخلف، وكذلك إذا وقت الطلاق بوقت كقوله: أنت طالق عند رأس الشهر. وقد ذكر غير واحد الإجماع على وقوع هذا الطلاق المعلق، ولم يعلم فيه خلافًا قديمًا، لكن ابن حزم زعم أنه لا يقع به الطلاق، وهو قول الإمامية. اهـ المراد
وقال ﵀ في (٣٣/ ٥٩): والنوع الثالث من الصيغ: أن يعلق الطلاق، أوالعتاق، أو النذر بشرطٍ، فيقول: إن كان كذا؛ فعليَّ الطلاق، أو الحج، أو فعبيدى أحرار. ونحو ذلك، فهذا ينظر إلى مقصوده؛ فإن كان مقصوده أن يحلف بذلك، ليس غرضه وقوع هذه الأمور، كمن ليس غرضه وقوع الطلاق إذا وقع الشرط؛ فحكمه حكم الحالف، وهو من باب اليمين، وأما إن كان مقصوده وقوع هذه الأمور، كمن غرضه وقوع الطلاق عند وقوع الشرط، مثل أن يقول: لإمرأته إن ابرأتيني من طلاقك فأنت طالق. فتبرئه، أو يكون غرضه أنها إذا فعلت فاحشة أن يطلقها، فيقول: إذا فعلت كذا فأنت طالق. بخلاف من كان غرضه أن يحلف
стр. 4550
عليها ليمنعها، ولو فعلته؛ لم يكن له غرض في طلاقها؛ فإنها تارة يكون طلاقها أكره إليه من الشرط؛ فيكون حالفًا، وتارة يكون الشرط المكروه أكره إليه من طلاقها؛ فيكون موقعًا للطلاق إذا وجد ذلك الشرط؛ فهذا يقع به الطلاق. اهـ
وقال ﵀ (٣٣/ ٢٢٣): والثالث صيغة التعليق، فهذه إن قصد بها اليمين؛ فحكمها حكم الثاني باتفاق العلماء، وأما إن قصد وقوع الطلاق عند الشرط، مثل أن يختار طلاقها إذا أعطته العوض، فيقول: إن أعطيتني كذا فأنت طالق. ويختار طلاقها إذا أتت كبيرة، فيقول: أنت طالق إن زنيت، أو سرقت. وقصده الإيقاع عند الصفة لا الحلف؛ فهذا يقع به الطلاق باتفاق السلف؛ فإنَّ الطلاق المعلق بالصفة رُوي وقوع الطلاق فيه عن غير واحد من الصحابة، كعلي، وابن مسعود، وأبي ذر، وابن عمر، ومعاوية، وكثير من التابعين ومن بعدهم، وحكى الإجماع على ذلك غيرُ واحد، وما علمت أحدًا نقل عن أحد من السلف أنَّ الطلاق بالصفة لا يقع وإنما علم النزاع فيه عن بعض الشيعة، وعن ابن حزم من الظاهرية، وهؤلاء الشيعة بلغتهم فتاوى عن بعض فقهاء أهل البيت فيمن قصده الحلف، فظنوا أن كل تعليق كذلك، كما أن طائفة من الجمهور بلغتهم فتاوى عن بعض الصحابة والتابعين فيمن علق الطلاق بصفة أنه يقع عندها، فظنوا أن ذلك يمين، وجعلوا كل تعليق يمينًا كمن قصده اليمين، ولم يفرقوا بين التعليق الذى يقصد به اليمين والذى يقصد به الإيقاع، كما لم يفرق أولئك بينهما في نفس الطلاق، وما علمت أحدًا من الصحابة أفتى في اليمين بلزوم الطلاق، كما لم أعلم أحدًا منهم
стр. 4551
أفتى بالطلاق في التعليق الذي يُقصد به اليمين، وهو المعروف عن جمهور السلف، حتى قال به داود وأصحابه، ففرقوا بين تعليق الطلاق الذي يُقصد به اليمين والذى يقصد به الإيقاع، كما فرقوا بينهما في تعليق النذر وغيره، والفرق بينهما ظاهر؛ فإن الحالف يكره وقوع الجزاء وإن وجدت الصفة، كقول المسلم: إن فعلت كذا فأنا يهودي، أو نصراني. فهو يكره الكفر، وإن وجدت الصفة إنما التزامه لئلا يلزم، وليمتنع به من الشرط، لا لقصد وجوده عند الصفة، وهكذا الحلف بالإسلام، لو قال الذمي: إن فعلت كذا فأنا مسلم. اهـ
والتفصيل في التعليق هو الصحيح، وقد رجَّح ذلك الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (١)
تنبيه: بعض التعليقات محضة لا يدخلها الحلف، كقوله (إن طلعت الشمس فأنت طالق) أو (إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق) فهذه يقع فيها الطلاق إذا وجد الشرط. (٢)
مسألة [٣]: إذا قال رجل لامرأة أجنبية: إن فعلت كذا فأنت طالق. ثم تزوجها، ففعلت ؟
ذكر ابن قدامة ﵀ أنه لا خلاف في أنها لا تطلق؛ لأنه طلقها قبل أن يملكها، ولم يعلق ذلك بزواجه بها، والله أعلم. (٣)
стр. 4552
مسألة [٤]: إن علق الزوج الطلاق بشرط، فهل تطلق قبل وجوده، وهل له وطؤها قبل وجوده ؟
أما الطلاق فلا يقع قبل وجود الشرط عند أهل العلم.
واختلفوا هل له أن يطأها قبل وجود الشرط؟
• فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ له ذلك؛ لأنها ما زالت امرأته، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة.
• وقال بعضهم: لا يطأها؛ لأنَّ الأصل وقوع الطلاق بعد تلفظه به إلا أن يتخلف الشرط. وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، ومالك، وأبي عبيد.
• وقال مالك، وربيعة، والأنصاري: يضرب له أجل المولي كما لو حلف أن لا يطأها.
والصحيح هو القول الأول. (١)
مسألة [٥]: لو قال: أنت طالق. ثم قال: أردت (إن قمت، أو خرجت) ؟
• الأشهر في مذهب أحمد ﵀ أنه يُدَيَّن، ويقبل منه في الفتوى، وأمَّا في الحكم فلا يقبل منه؛ لأنه يدعي خلاف ما يقتضيه إطلاق اللفظ
• وقال الشافعية: ينظر في التفسير بخلاف الظاهر، فإن كان لو وصل باللفظ لا
стр. 4553
ينتظم الكلام ولا يستقيم معناه لم يقبل قضاء، ولا ديانة، كأن يقول: أردت طلاقا لا يقع، وإن كان الكلام ينتظم ويستقيم معناه بالوصل، فلا يقبل ظاهرا، ويقبل ديانة. كأن يقول: أردت طلاقا في وثاق، أو: أردت إن دخلت الدار؛ لأن اللفظ يحتمله. واستثنوا من هذا نية التعليق بمشيئة الله تعالى فقالوا: لا يدين فيه على المذهب. (١)
مسألة [٦]: إذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق ؟
إذا لم يطلقها؛ يقع الطلاق؛ فإن عيَّن وقتًا؛ طلقت في ذلك الوقت، وإن لم يعين وقتًا ولم يطلقها؛ كان على التراخي، لا يحنث بتأخره؛ لأنَّ كل زمن يمكن أن يفعل فيه ما حلف عليه فلم يفت الوقت، وتطلق في آخر حياة أحدهما؛ لأنه إذا مات أحدهما علمنا حنثه يومئذٍ؛ لأنه لا يمكن إيقاع الطلاق بعدها، فتبين أنه يقع إذا لم يبق من حياته ما يتسع لتطليقها، وهو قول الحنابلة، والشافعية، والحنفية.
قال ابن قدامة ﵀: ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا. (٢)
مسألة [٧]: إذا كان الطلاق المعلق في الصورة السابقة هي الطلقة الثالثة، فهل يتوارثان ؟
• من أهل العلم من يقول: ترثه إذا مات ولا يرثها إذا ماتت. وهو قول عطاء، ويحيى الأنصاري، وأحمد؛ لأنه أوقع الطلاق عليها في آخر حياته، ولا يصح منه
стр. 4554
ذلك، وهو مقتضى قول مالك.
• ومنهم من قال: يقع الطلاق، ولا ترثه ولا يرثها. وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، وأبي عبيد، ووجهٌ للحنابلة، وهو مقتضى قول الشافعية، وهو الصحيح. (١)
تنبيه: أدوات الشرط التي يعلق بها الطلاق ليست محصورة، بل كل لفظ تعارف الناس عليه بأنه يفيد الشرط والتعليق؛ وقع التعليق به، وتعلق به الطلاق، وهل هي على الفور، أم التراخي؟
الصحيح أنَّ ذلك راجع إلى نية المتلفظ بالطلاق، وإلى قصده؛ فإن لم يكن له نية، فعرف الناس معتبر في ذلك، والله أعلم. (٢)
مسألة [٨]: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى وقوع الطلاق بذلك، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، ومكحول، وقتادة، والزهري، ومالك، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وأبي عبيد؛ لأنَّ هذا ليس بيمين حتى يعلق بالمشيئة.
ونُقل هذا القول عن ابن عباس، وقال الإمام الألباني ﵀: لم أجده. ولأنه استثناء برفع جملة الطلاق، فلم يصح كقوله: (أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا).
стр. 4555
• وقال جماعةٌ من أهل العلم: لا يقع الطلاق. وهو قول طاوس، والحكم، وأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه علق الطلاق بمشيئة لا يُعْلَم وجودها؛ فلا يقع، ولحديث: «من حلف فقال: إن شاء الله. لم يحنث».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٤٤): ولو قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله. ففيه نزاع مشهور، وقد رجحنا التفصيل، وهو أنَّ الكلام يُراد به شيئان، يراد به إيقاع الطلاق تارة، ويراد به منع إيقاعه تارة؛ فإن كان مراده: (أنت طالق بهذا اللفظ) فقوله (إن شاء الله) مثل قوله: (بمشيئة الله) وقد شاء الله الطلاق حين أتى بالتطليق؛ فيقع، وإن كان قد علق؛ لئلا يقع، أو علقه على مشيئة توجد بعد هذا؛ لم يقع به الطلاق حتى يطلق بعد هذا؛ فإنه حينئذٍ شاء الله أن تطلق.
قال: وقول من قال: (المشيئة تنجزه) ليس كما قال، بل نحن نعلم قطعًا أنَّ الطلاق لا يقع إلا إذا طلقت المرأة، بأن يطلقها الزوج، أو من يقوم مقامه، من ولي، أو وكيل، فإذا لم يوجد تطليق؛ لم يقع طلاق قط، فإذا قال: (أنت طالق إن شاء الله)، وقصد حقيقة التعليق؛ لم يقع إلا بتطليق بعد ذلك، وكذلك إذا قصد تعليقه؛ لئلا يقع الآن، وأما إن قصد إيقاعه الآن وعلقه بالمشيئة توكيدًا، وتحقيقًا؛ فهذا يقع به الطلاق. اهـ (١)