← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

أفتى بالطلاق في التعليق الذي يُقصد به اليمين، وهو المعروف عن جمهور السلف، حتى قال به داود وأصحابه، ففرقوا بين تعليق الطلاق الذي يُقصد به اليمين والذى يقصد به الإيقاع، كما فرقوا بينهما في تعليق النذر وغيره، والفرق بينهما ظاهر؛ فإن الحالف يكره وقوع الجزاء وإن وجدت الصفة، كقول المسلم: إن فعلت كذا فأنا يهودي، أو نصراني. فهو يكره الكفر، وإن وجدت الصفة إنما التزامه لئلا يلزم، وليمتنع به من الشرط، لا لقصد وجوده عند الصفة، وهكذا الحلف بالإسلام، لو قال الذمي: إن فعلت كذا فأنا مسلم. اهـ والتفصيل في التعليق هو الصحيح، وقد رجَّح ذلك الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (١) تنبيه: بعض التعليقات محضة لا يدخلها الحلف، كقوله (إن طلعت الشمس فأنت طالق) أو (إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق) فهذه يقع فيها الطلاق إذا وجد الشرط. (٢) مسألة [٣]: إذا قال رجل لامرأة أجنبية: إن فعلت كذا فأنت طالق. ثم تزوجها، ففعلت ؟ ذكر ابن قدامة ﵀ أنه لا خلاف في أنها لا تطلق؛ لأنه طلقها قبل أن يملكها، ولم يعلق ذلك بزواجه بها، والله أعلم. (٣)

стр. 4552

مسألة [٤]: إن علق الزوج الطلاق بشرط، فهل تطلق قبل وجوده، وهل له وطؤها قبل وجوده ؟ أما الطلاق فلا يقع قبل وجود الشرط عند أهل العلم. واختلفوا هل له أن يطأها قبل وجود الشرط؟ • فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ له ذلك؛ لأنها ما زالت امرأته، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة. • وقال بعضهم: لا يطأها؛ لأنَّ الأصل وقوع الطلاق بعد تلفظه به إلا أن يتخلف الشرط. وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، ومالك، وأبي عبيد. • وقال مالك، وربيعة، والأنصاري: يضرب له أجل المولي كما لو حلف أن لا يطأها. والصحيح هو القول الأول. (١) مسألة [٥]: لو قال: أنت طالق. ثم قال: أردت (إن قمت، أو خرجت) ؟ • الأشهر في مذهب أحمد ﵀ أنه يُدَيَّن، ويقبل منه في الفتوى، وأمَّا في الحكم فلا يقبل منه؛ لأنه يدعي خلاف ما يقتضيه إطلاق اللفظ • وقال الشافعية: ينظر في التفسير بخلاف الظاهر، فإن كان لو وصل باللفظ لا

стр. 4553

ينتظم الكلام ولا يستقيم معناه لم يقبل قضاء، ولا ديانة، كأن يقول: أردت طلاقا لا يقع، وإن كان الكلام ينتظم ويستقيم معناه بالوصل، فلا يقبل ظاهرا، ويقبل ديانة. كأن يقول: أردت طلاقا في وثاق، أو: أردت إن دخلت الدار؛ لأن اللفظ يحتمله. واستثنوا من هذا نية التعليق بمشيئة الله تعالى فقالوا: لا يدين فيه على المذهب. (١) مسألة [٦]: إذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق ؟ إذا لم يطلقها؛ يقع الطلاق؛ فإن عيَّن وقتًا؛ طلقت في ذلك الوقت، وإن لم يعين وقتًا ولم يطلقها؛ كان على التراخي، لا يحنث بتأخره؛ لأنَّ كل زمن يمكن أن يفعل فيه ما حلف عليه فلم يفت الوقت، وتطلق في آخر حياة أحدهما؛ لأنه إذا مات أحدهما علمنا حنثه يومئذٍ؛ لأنه لا يمكن إيقاع الطلاق بعدها، فتبين أنه يقع إذا لم يبق من حياته ما يتسع لتطليقها، وهو قول الحنابلة، والشافعية، والحنفية. قال ابن قدامة ﵀: ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا. (٢) مسألة [٧]: إذا كان الطلاق المعلق في الصورة السابقة هي الطلقة الثالثة، فهل يتوارثان ؟ • من أهل العلم من يقول: ترثه إذا مات ولا يرثها إذا ماتت. وهو قول عطاء، ويحيى الأنصاري، وأحمد؛ لأنه أوقع الطلاق عليها في آخر حياته، ولا يصح منه

стр. 4554

ذلك، وهو مقتضى قول مالك. • ومنهم من قال: يقع الطلاق، ولا ترثه ولا يرثها. وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، وأبي عبيد، ووجهٌ للحنابلة، وهو مقتضى قول الشافعية، وهو الصحيح. (١) تنبيه: أدوات الشرط التي يعلق بها الطلاق ليست محصورة، بل كل لفظ تعارف الناس عليه بأنه يفيد الشرط والتعليق؛ وقع التعليق به، وتعلق به الطلاق، وهل هي على الفور، أم التراخي؟ الصحيح أنَّ ذلك راجع إلى نية المتلفظ بالطلاق، وإلى قصده؛ فإن لم يكن له نية، فعرف الناس معتبر في ذلك، والله أعلم. (٢) مسألة [٨]: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى وقوع الطلاق بذلك، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، ومكحول، وقتادة، والزهري، ومالك، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وأبي عبيد؛ لأنَّ هذا ليس بيمين حتى يعلق بالمشيئة. ونُقل هذا القول عن ابن عباس، وقال الإمام الألباني ﵀: لم أجده. ولأنه استثناء برفع جملة الطلاق، فلم يصح كقوله: (أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا).

стр. 4555

• وقال جماعةٌ من أهل العلم: لا يقع الطلاق. وهو قول طاوس، والحكم، وأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه علق الطلاق بمشيئة لا يُعْلَم وجودها؛ فلا يقع، ولحديث: «من حلف فقال: إن شاء الله. لم يحنث». قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٤٤): ولو قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله. ففيه نزاع مشهور، وقد رجحنا التفصيل، وهو أنَّ الكلام يُراد به شيئان، يراد به إيقاع الطلاق تارة، ويراد به منع إيقاعه تارة؛ فإن كان مراده: (أنت طالق بهذا اللفظ) فقوله (إن شاء الله) مثل قوله: (بمشيئة الله) وقد شاء الله الطلاق حين أتى بالتطليق؛ فيقع، وإن كان قد علق؛ لئلا يقع، أو علقه على مشيئة توجد بعد هذا؛ لم يقع به الطلاق حتى يطلق بعد هذا؛ فإنه حينئذٍ شاء الله أن تطلق. قال: وقول من قال: (المشيئة تنجزه) ليس كما قال، بل نحن نعلم قطعًا أنَّ الطلاق لا يقع إلا إذا طلقت المرأة، بأن يطلقها الزوج، أو من يقوم مقامه، من ولي، أو وكيل، فإذا لم يوجد تطليق؛ لم يقع طلاق قط، فإذا قال: (أنت طالق إن شاء الله)، وقصد حقيقة التعليق؛ لم يقع إلا بتطليق بعد ذلك، وكذلك إذا قصد تعليقه؛ لئلا يقع الآن، وأما إن قصد إيقاعه الآن وعلقه بالمشيئة توكيدًا، وتحقيقًا؛ فهذا يقع به الطلاق. اهـ (١)

стр. 4556

مسألة [٩]: إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شئت ؟ • إذا شاءت المرأة الطلاق؛ وقع، سواء شاءته على الفور، أم على التراخي، وهو قول الزهري، وقتادة، ومالك، وأحمد وأصحابه، ومثله لو قال: (كيف شئت) و (حيث شئت) و (أين شئت). • وقال أبو حنيفة: إن قال (أنت طالق كيف شئت)؛ فتطلق في الحال طلقة رجعية؛ لأنَّ هذا ليس بشرطٍ إنما هو صفة للطلاق الواقع بمشيئتها. • وقال الشافعي: يقع الطلاق إذا شاءت في الحال. ووافقه أصحاب الرأي في (إن) وأما إذا لم تشأ في الحال؛ فلا يقع، كقوله (اختاري)، وهو قول الحسن، وعطاء. والصحيح هو القول الأول. وأُجيب عن قول أبي حنيفة: بأنه أضاف الطلاق إلى مشيئتها، فأشبه ما لو قال: حيث شئت. وأُجيب عن قول الشافعي: بأنَّ قوله (اختاري) تخيير، وقوله (إن شئت) تعليق للطلاق على شرط؛ فكان على التراخي كالعتق، وقول أبي حنيفة صحيح إذا كان المتلفظ قد نوى ما ذكره أبو حنيفة، والله أعلم. ومثله لو قال: (إن شاء فلان) فشاءه. (١)

стр. 4557

مسألة [١٠]: إذا قال: أنت طالق إن شئت. فقالت: قد شئت إن شئت. أو قد شئت إن شاء فلان ؟ لا يقع الطلاق بذلك عند أهل العلم؛ لأنها لم تشأ؛ فإنَّ المشيئة أمر حقيقي لا يصح تعليقها على شرطٍ. قال ابن المنذر ﵀: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ الرجل إذا قال لزوجته: أنت طالق إن شئت. فقالت: قد شئت إن شاء فلان. أنها قد ردت الأمر، ولا يلزمها الطلاق، وإن شاء فلان؛ وذلك لأنه لم يوجد منها مشيئة، إنما وجد منها تعليق مشيئتها بشرط، وليس تعليق المشيئة بشرط مشيئةً. اهـ (١) فائدة: من حلف بالطلاق على شيء يعتقد صحته؛ فتبين بخلاف ذلك، فلا حنث عليه على الصحيح، والخلاف فيه كالخلاف في الناسي، وقد تقدم. (٢) مسألة [١١]: إذا قال أنت طالق إلا أن يشاء الله ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٤٧٤): إِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الله. طَلُقَتْ، وَوَافَقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ. وَعَلَّقَ رَفْعَهُ بِمَشِيئَةٍ لَمْ تُعْلَمْ. اهـ قلتُ: الذي يظهر أنه يشمل هذه الصورة تفصيلُ شيخ الإسلام الذي تقدم، والله أعلم.

стр. 4558

مسألة [١٢]: إذا قال: أنت طالق إلا أن تشائي أو يشاء زيد ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٤٧٠): فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ تَشَائِي. أَوْ: يَشَاءَ زَيْدٌ. فَقَالَتْ: قَدْ شِئْت. لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ أَخَّرَا ذَلِكَ؛ طَلُقَتْ، وَإِنْ جُنَّ مَنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَتِهِ؛ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ وَعَلَّقَ رَفْعَهُ بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ. اهـ مسألة [١٣]: إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق. فدخلت ناسية ؟ • قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٦٩): إذا قال: إن دخلت الدار فأنتِ طالق. فدخلت ناسية؛ لم يقع الطلاق في أظهر قولي العلماء، وهو مذهب أهل مكة، كعمرو بن دينار، وابن جريج وغيرهما، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. اهـ • واعتبر الجمهور ظاهر اللفظ؛ فأوقعوا عليه الطلاق. والصحيح ما استظهره شيخ الإسلام، والله أعلم. مسألة [١٤]: إذا طلَّق امرأته بسبب غير صحيح، ثم تبين له ذلك ؟ مثل أن يبلغه أنَّ امرأته كذبت عليه، أو أدخلت بيته رجلًا، فيطلقها ثم يتبين له أنَّ ذلك كذب، ولم تفعل ذلك. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٨٧): وكذلك لو طلق امرأته بصفة، ثم تبين بخلافها، مثل أن يقول: أنت طالق أن دخلت الدار -

стр. 4559

بفتح الهمزة- أي: لأجل دخولك الدار، ولم تكن دخلت؛ فهل يقع به الطلاق؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره، وكذلك إذا قال: أنت طالق لأنك فعلت كذا. ونحو ذلك، ولم تكن فعلته، ولو قيل له: امرأتك فعلت كذا. فقال: هي طالق. ثم تبين أنهم كذبوا عليه؟ ففيه قولان ... قلتُ: وظاهر كلام شيخ الإسلام أنه يرجح عدم الوقوع. وقال الإمام ابن عثيمين ﵀ كما في «الشرح الممتع» (٥/ ٥١٤ - ): فتبين الآن أنَّ السبب يخصص العموم، ويقيد المطلق، فإذا قال: أنت طالق. بناء على سبب من الأسباب؛ فإنها لا تطلق، يعني إذا كان السبب لم يصح، ثم إذا كان السبب مقرونًا بالكلام؛ قُبِل حكمًا، وإن لم يكن مقرونًا بالكلام؛ لم يقبل حكمًا. اهـ وهذا القول أفتى به الإمام ابن باز، وسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والغديان وغيرهم كما في «فتاوى اللجنة الدائمة» (٢٠/ ١٦٥ - ١٧١). قلتُ: ومقتضى قول الجمهور الذين اعتبروا الألفاظ الصريحة بدون النية أنه يقع، وما رجحه الإمامان ابن باز، والعثيمين -رحمهما الله- أقرب، والله أعلم. مسألة [١٥]: الرجوع عن الطلاق المعلق . قال المرداوي ﵀ كما في «الإنصاف» (٩/ ٦٢): إذا علَّق الطلاق على شرط؛ لزمه، وليس له إبطاله، هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة، وقطعوا به، وذكر في «الانتصار» و «الواضح» رواية بجواز فسخ العتق المعلق على شرط. قال في

стр. 4560

«الفروع»: ويتوجه ذلك في الطلاق. ذكره في باب التدبير. قال: وقال الشيخ تقي الدين ﵀ أيضًا: لو قال: (إن أعطيتيني) أو (إذا أعطيتيني) أو (متى أعطيتيني ألفًا فأنت طالق) أنَّ الشرط ليس بلازم من جهته كالكتابة عنده. قال في «الفروع»: ووافق الشيخ تقي الدين ﵀ على شرط محض كـ (إن قام زيد فأنت طالق)، قال الشيخ تقي الدين ﵀: التعليق الذي يقصد به إيقاع الجزاء إن كان معاوضة؛ فهو معاوضة، ثم إن كانت لازمة؛ فلازم، وإلا فلا يلزم الخلع قبل القبول، ولا الكتابة، وقول من قال: (التعليق لازم) دعوى مجردة. انتهى. ومعنى كلام شيخ الإسلام أنَّ له الرجوع فيما كان على سبيل المعاوضة. (١) تنبيه: بعض الطلاق المعلق يكون مقصود قائله في فترة معينة، فهذا له قصده، ولا يقع الطلاق بعد تلك الفترة، والله أعلم. وقد أفتى شيخنا مقبل بن هادي الوادعي ﵀ فيمن قال لامرأته: (إن ذهبت إلى بيت فلان فأنت طالق) ثم أذن لها في الذهاب ورجع عن التعليق السابق أنَّ ذلك جائز، ولا يقع الطلاق. سمعته أفتى بذلك ﵀ في بعض دروسه.

стр. 4561

فَصلٌ في الشك في الطلاق وإبهامه والخطأ فيه مسألة [١]: عدد التطليقات التي يملكها الحر والعبد . • في هذه المسألة أقوال لأهل العلم: الأول: أنَّ العبرة بذلك الرجل؛ فإن كان حرًّا؛ ملك ثلاث تطليقات، سواء كانت المرأة حرة، أو أمة، وإن كان الرجل عبدًا؛ فطلاقه اثنتان؛ حرة كانت المرأة أو أمة. وهذا القول صح عن عمر، وعثمان، وزيد، وابن عباس، وعائشة ﵃، وهو قول عطاء، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وابن المنذر وغيرهم؛ وذلك لأنَّ الله خاطب الرجال بالطلاق؛ فكان لهم، والعبد له نصف الحر في عدد المنكوحات؛ فكذلك في التطليقات. وروى الدارقطني (٤/ ٤٠) عن عائشة ﵂ مرفوعًا: «طلاق العبد اثنتان، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره»، وهو حديث ضعيفٌ منكر، تفرد به مظاهر بن أسلم، وأُنكر عليه، ومظاهر قال فيه ابن معين: ليس بشيء. الثاني: أنَّ العبرة بذلك المرأة؛ فإن كانت المرأة حرة؛ كان لها ثلاث تطليقات، حرًّا كان الرجل أو عبدًا، وإن كانت المرأة أمة؛ فلها تطليقتان، سواء

стр. 4562

كان زوجها حرًّا أو عبدًا، وهذا القول صح عن علي ﵁، وجاء عن ابن مسعود ﵁، وفي إسناده: أشعث بن سوَّار، وهو ضعيف، وهو قول الحسن، وابن سيرين، وعكرمة، وعبيدة، ومجاهد، ومسروق، والزهري، ونافع، والنخعي، والحكم، وحماد، والثوري، وأبي حنيفة؛ لحديث عائشة المتقدم، فقد رواه أبو داود (٢١٨٩) بلفظ: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان»، وتقدم بيان ضعفه، ولأنَّ المرأة محل الطلاق؛ فيعتبر بها كالعدة. الثالث: الحكم للرق خاصَّة، فإذا كان أحدهما رقيقًا؛ فله تطليقتان، وهذا القول رُوي عن ابن عمر ﵄ كما في «المحلى»، ورجاله ثقات، ولكن صحَّ عنه من نفس الوجه عند ابن أبي شيبة القول بأنَّ الحكم والعبرة بالرجل، وهذا القول قال به عثمان البتي. الرابع: يملك الزوج ثلاث طلقات، سواء كان حرًّا، أو عبدًا، وسواء كانت المرأة أمة أو حرة، وهذا قول الظاهرية كلهم؛ لعموم الآيات ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهذا القول اختاره الشوكاني. ومال ابن القيم ﵀ إلى هذا القول، ثم الإمام ابن عثيمين؛ لأنَّ الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة، والصحابة مختلفون في هذه المسألة؛ فنبقى على عموم الآية. (١)

стр. 4563

فائدة: صحَّ عن ابن عباس، وجابر ﵃، أنَّ للسيد أن يطلق زوجة عبده، وأنه ليس للعبد طلاقٌ إلا بإذن سيده، ونقله الشعبي عن أهل المدينة، وعامة أهل العلم على أنَّ طلاق العبد بيده يُطلِّق متى شاء، ويصح طلاقه بدون إذن سيده، وهو ظاهر كلام سائر الصحابة والتابعين، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، والظاهرية. (١) مسألة [٢]: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق نصف طلقة، أو طلقة إلا جزءًا ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المقنع»: وإذا قال: أنت طالق نصف طلقة، أو نصفي طلقة، أو نصف طلقتين. طلقت طلقة، وإذا قال: أنت طالق نصف طلقة، أو جزءًا منها، وإن قلَّ؛ وقع طلقة كاملة في قول عامة أهل العلم إلا داود قال: لا تطلق بذلك. اهـ وقال ابن المنذر كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١٧٠ - ): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنها تطلق بذلك، منهم: الشعبي، والحارث العكلي، والزهري، وقتادة، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأبو عبيد. اهـ وقال أبو عبد الله: وهو قول مالك، وأهل الحجاز، وأهل العراق؛ وذلك لأن ذكر ما لا يتبعض في الطلاق ذكرٌ لجميعه كما لو قال: نصفك طالق. انتهى من «الشرح الكبير».

стр. 4564

مسألة [٣]: إذا قال: نصفك طالقة، أو رأسك طالق، أو دمك طالق ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعية، وأبي ثور، وجماعة من المالكية أنها تطلق كلها، سواء كان الجزء شائعًا، أو معينًا، كبيرًا، أو صغيرًا. • وقال أصحاب الرأي: إن إضافه إلى جزء شائع، أو واحد من أعضاء خمسة: الرأس، والوجه، والرقبة، والظهر، والفرج؛ فتطلق، وإن أضافه إلى جزء معين غير الخمسة؛ لم تطلق؛ لأنه جزء تبقى الجملة بدونه، أو جزء لا يعبر به عن الجملة. وأجاب أصحاب القول الأول بأنه أضاف الطلاق إلى جزء ثابت استباحه بعقد النكاح، فأشبه الجزء الشائع، والأعضاء الخمسة. (١) مسألة [٤]: إذا قال: شعرك، أو ظفرك، أو سنك طالق ؟ • مذهب الحنابلة، والحنفية أنها لا تطلق؛ لأنها أجزاء تنفصل منها في حالة السلامة. • ومذهب مالك، والشافعي أنها تطلق بذلك؛ لأنَّه جزء يستباح بنكاحها، فتطلق بطلاقه، كالإصبع. وهذا القول احتمال لبعض الحنابلة، ورُوي نحوه عن الحسن. (٢)

стр. 4565

مسألة [٥]: إذا أضاف الطلاق إلى ريقها، أو دمعها، أو حملها، أو عرقها ؟ قال ابن قدامة ﵀ كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١٧٨): لا نعلم فيه خلافًا -يعني: في عدم وقوعه-؛ لأنَّ هذه ليست من جسمها؛ فإنَّ الريق، والدمع، والعرق فضلات، والحمل، وإن كان متصلًا بها إلا أنَّ مآله إلى الانفصال؛ فلذلك لم تطلق به، وهو مودع فيها، قال تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨]، أي: في بطن الأم. اهـ مسألة [٦]: إذا علق الطلاق بشيء مستحيل ؟ كأن يقول: أنت طالق إن طرت. أو قلبت الحجر ذهبًا. أو إن جمعت بين الضدين. ونحو ذلك. • فلا تطلق بذلك على الصحيح في مذهب الحنابلة، وهو وجهٌ للشافعية؛ لأنه علق الطلاق بصفة لا توجد، ولأنَّ ما يقصد تبعيده يعلق على المحال كما قال تعالى في حق الكفار: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. • وقال بعض الحنابلة، والشافعية بوقوع الطلاق؛ لأنه أردف الطلاق بما يرفع جملته، ويمنع وقوعه في الحال، فألغيت الصفة، وبقي الطلاق مجردًا. والصحيح هو القول الأول. (١) تنبيه: إذا علق الطلاق بنفي شيء مستحيل؛ طلقت في الحال مثل أن يقول: أنت طالق إن لم تشربي نهر دجلة. (٢)

стр. 4566

فَصْلٌ مسألة [١]: من شك في طلاقه، أو في شرط الطلاق ؟ من شك هل طلق أم لا؟ أو شك هل وقع شرط الطلاق أم لا؟ فلا يقع الطلاق؛ لأنَّ الأصل عدم الطلاق، واليقين لا يزول بشك؛ لحديث عبدالله بن زيد في «الصحيحين»: «فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا»، وإذا استيقن أنه طلق، وشك هل اشترط أم لا؟ فيقع الطلاق؛ لأنَّ الأصل عدم الاشتراط. (١) مسألة [٢]: إذا قال لزوجاته: إحداكن طالق ؟ إن كان له نية في واحدة منهن؛ وقع عليها الطلاق، وإن لم يكن له نية، ففيه خلاف: • من أهل العلم من قال: تخرج المطلقة منهن بالقرعة. وهو قول الحسن، وأبي ثور، والحنابلة؛ قياسًا على العتق، ولأنَّ الحق لغير معين، فوجب تعيينه بالقرعة، وهذا القول صححه ابن القيم بكلام نفيس في «البدائع». • ومنهم من قال: يطلقن جميعًا. وهو قول قتادة، ومالك. • وقال جماعة من أهل العلم: يعين من شاء منهن، فيوقع عليها الطلاق. وهو

стр. 4567

قول حماد، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه يملك إيقاعه ابتداءً، فإذا أوقعه ولم يعينه؛ ملك تعيينه؛ لأنه استيفاء ما ملكه. قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: إن كان قصد التعيين بعد الإبهام؛ فالعمل على القول الأخير، وإن لم يقصد ذلك؛ فالعمل على القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: إذا طلق امرأة من نسائه، ثم نسي من هي التي طلقها ؟ • أكثر الحنابلة على أنها تخرج بالقرعة، فيثبت حكم الطلاق فيها، ويحل له الباقيات. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٥٢٢): وَقَدْ رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُسْتَعْمَلُ هَاهُنَا لِمَعْرِفَةِ الْحِلِّ، وَإِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِمَعْرِفَةِ الْمِيرَاثِ ... ثم ذكر نص أحمد. ثم قال: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَصِيرُ الْقُرْعَةُ عَلَى المَالِ، وَجَمَاعَةُ مَنْ رَوَى عَنْهُ الْقُرْعَةُ فِي المُطَلَّقَةِ المَنْسِيَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي التَّوْرِيثِ، فَأَمَّا فِي الْحِلِّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ بِالْقُرْعَةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قال: فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهَا يعني القرعة؛ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ، فَلَمْ تَحِلَّ لَهُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ بِأَجْنَبِيَّةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا عَقْدٌ، وَلِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُزِيلُ التَّحْرِيمَ مِنْ المُطَلَّقَةِ، وَلَا تَرْفَعُ الطَّلَاقَ عَمَّنْ وَقَعَ عَلَيْهِ. اهـ

стр. 4568

ورجَّح الشيخ ابن عثيمين ﵀ القول بالقرعة، وللحافظ ابن القيم ﵀ بحث نفيس في «البدائع» يرجح القول بالقرعة، وناقش المسألة وأطال فيها، فأفاد وأجاد. (١) مسألة [٤]: إذا مات الرجل قبل أن يتذكر من طلقها ؟ • منهم من قال: يقرع الورثة بينهن، فمن خرج لها الطلاق؛ لم تعط من الميراث، ويقسم الميراث للبواقي. وهذا قول أحمد وأصحابه. • وقال أبو حنيفة: يقسم الميراث بينهن كلهن؛ لأنهن تساوين في احتمال استحقاقه، ولا يخرج الحق عنهن. • وقال الشافعي: يوقف الميراث المختص بهن حتى يصطلحن عليه؛ لأنه لا يُعلم المستحق منهن. • وقد جاء عن علي ﵁ العمل بالقرعة، ولا يصح إسناده. قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول بالقرعة أقرب، وإذا حصل التراضي بين النساء على القسمة بينهن عمل به. (٢) تنبيه: يحصل الإشكال في المسألة السابقة فيما إذا كان الطلاق هو الثالثة، وأما إذا كان رجعيًّا فيمكن الخلاص من ذلك إن لم تنته العدة، والله أعلم.

стр. 4569

مسألة [٥]: هل له أن يتزوج بخامسة قبل تعيين المطلقة منهن ؟ • ذكر أهل العلم أنَّ له ذلك إذا انقضت عدتهن جميعًا، ومتى عينت، أو خرجت فيها القرعة؛ فعدتها من حين طلقها، خلافًا لأبي حنيفة، وبعض الشافعية، حيث قالوا: يبدأ من حين التعيين. (١) مسألة [٦]: إذا مات الزوج قبل البيان؛ فعلى من العدة ؟ على جميع نسائه العدة للوفاة في قول جماعة من أهل العلم، وهم: الشعبي، والنخعي، وعطاء الخراساني. قال أبو عبيد: وهو قول أهل الحجاز، والعراق؛ لأنَّ كل واحدة منهن يحتمل أنها باقية على النكاح، والأصل بقاؤه، فتلزمها عدته. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٥٢٩): وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدَةٍ أَطُولُ الْأَجَلَيْنِ: مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَعِدَّةِ الطَّلَاقِ، لَكِنَّ عِدَّةَ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِ طَلَّقَ وَعِدَّةَ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ؛ فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ، فَلَا تَبْرَأُ يَقِينًا إلَّا بِأَطْوَلِهِمَا، وَهَذَا فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ، فَأَمَّا الرَّجْعِيُّ؛ فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ. اهـ مسألة [٧]: إذا تزوج خامسة، ثم مات قبل تعيين المطلقة ؟ الخامسة تستحق ربع ميراث النسوة بلا خلاف بين أهل العلم، وبقية النسوة على الخلاف السابق. (٢)

стр. 4570

مسألة [٨]: إذا ادَّعت المرأة على زوجها أنه طلقها، فأنكر ذلك الزوج ؟ إن كان للمرأة بينة على ذلك؛ قبل منها، وإلا فالقول قول الزوج؛ لأنه منكر، وعليه اليمين على الصحيح؛ لحديث: «واليمين على من أنكر» هذا من حيث القضاء. • وأما فيما بين المرأة وبين الله تعتبرها طلقة؛ فإن كانت رجعية بقيت مع زوجها، وإن كانت الطلقة الثالثة فجمهور أهل العلم على أنه لا يحل للمرأة أن تمكنه من نفسها، وعليها الفرار منه إذا قدرت على ذلك، أو الفداء إذا قدرت عليه؛ فإن لم تستطع فلا تتزين له، ولا تمكنه من نفسها، ولا يصيبها إلا مغصوبة، مكرهة، وهو قول جابر بن زيد، وابن سيرين، وحماد، وأصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم. • ورُوي عن الحسن، والزهري، والنخعي أنه يستحلف، والإثم عليه. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٥٢٩ - ٥٣٠): وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُونَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَعْلَمُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ؛ فَوَجَبَ عَلَيْهَا الِامْتِنَاعُ وَالْفِرَارُ مِنْهُ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّاتِ. قال: وَهَكَذَا لَوِ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ كَذِبًا، وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدَيْ زُورٍ، فَحَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِالزَّوْجِيَّةِ، أَوْ لَوْ تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا بَاطِلًا وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ بِذَلِكَ؛ فَالْحُكْمُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالْحُكْمِ فِي المُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا. اهـ

стр. 4571

مسألة [٩]: وهل لها أن ترثه في الصورة السابقة ؟ • جمهور أهل العلم على أنها لا ترثه، وهو قول قتادة، وأحمد، والشافعي، وأبي يوسف، وأبي حنيفة، وابن المنذر وغيرهم؛ لأنها تعلم أنها أجنبية منه. • وقال الحسن: ترثه؛ لأنها في حكم الزوجات ظاهرًا. والصحيح قول الجمهور. (١) فائدة: قال أحمد ﵀: ولا تتزوج حتى يُظهرَ طلاقها، وتعلم ذلك، يجيء فيدعيها، فترد عليه، وتعاقب. قال ابن قدامة ﵀: مَنَعَهَا مِنْ التَّزْوِيجِ -يعني أحمد- قَبْلَ ثُبُوتِ طَلَاقِهَا؛ لِأَنَّهَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ زَوْجَةُ هَذَا الْمُطَلِّقِ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَجَبَ عَلَيْهَا فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ الْعُقُوبَةُ وَالرَّدُّ إلَى الْأَوَّلِ، وَيَجْتَمِعُ عَلَيْهَا زَوْجَانِ، هَذَا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَذَاكَ بِبَاطِنِهِ. اهـ مسألة [١٠]: إذا وطئها بعد أن طلقها ثلاثًا ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٥٣١): قَالَ أَحْمَدُ: إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُ وَطِئَهَا؛ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، إنَّمَا أَوْجَبَهُ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالطَّلَاقِ أَجْنَبِيَّةً، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّاتِ، بَلْ هِيَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَطْئًا وَنِكَاحًا. قال: فَإِنْ جَحَدَ طَلَاقَهَا وَوَطِئَهَا، ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِطَلَاقِهِ؛ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا

стр. 4572

قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ جَحْدَهُ لِطَلَاقِهِ يُوهِمُنَا أَنَّهُ نَسِيَهُ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ، وَلَا سَبِيلَ لَنَا إلَى عِلْمِ مَعْرِفَتِهِ بِالطَّلَاقِ حَالَةَ وَطْئِهِ إلَّا بِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ؛ فَإِنْ قَالَ: وَطِئْتهَا عَالِمًا بِأَنَّنِي كُنْت طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا. كَانَ إقْرَارًا مِنْهُ بِالزِّنَى، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى. اهـ مسألة [١١]: إذا طلق امرأته فانقضت عدتها، ثم تزوجها، فهل ترجع بما بقي من الطلاق، أم بثلاث ؟ هذه المسألة لها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يطلقها الثالثة، فتنقضي عدتها، فتتزوج غيره، ويصيبها، ثم يطلقها، وتنتهي عدتها، ثم يتزوجها الأول، فترجع إليه، وله عليها ثلاث طلقات بإجماع أهل العلم. قاله ابن المنذر. الحالة الثانية: أن يطلقها دون الثلاث، ثم تعود إليه برجعة، أو نكاح جديد قبل زوجٍ ثانٍ، فهذه ترجع إليه على ما بقي من طلاقها. قال ابن قدامة: بغير خلاف نعلمه. الحالة الثالثة: أن يطلقها دون الثلاث، ثم تعود إليه بنكاح جديد بعد زوج ثاني، ففيها خلاف: • ذهب أكابر الصحابة، وجمهور العلماء إلى أنها تعود إلى الأول بما بقي

стр. 4573

من طلاقها. وهذا القول صح عن عمر، وأبي بن كعب، وعمران، وأبي هريرة، ورُوي عن علي، ومعاذ ﵃، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وعبيدة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأبي عبيد، وأبي ثور، ومحمد ابن الحسن، وابن المنذر وغيرهم. وحجتهم في ذلك: أنَّ عدم اعتبار الطلاق السابق جاء في حق المطلقة ثلاثًا إذا تزوجت زوجًا آخر، فيقتصر عليه. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها ترجع إليه وله عليها ثلاث طلقات، صح هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر، وهو قول عطاء، والنخعي، وشريح، وأبي حنيفة، وأبي يوسف. وحجتهم في ذلك: أنَّ الزواج بزوج ثاني هدم الثلاث الطلقات، فيهدم ما دونها من باب أولى، ومال إلى ذلك الشوكاني في «وبل الغمام». وأُجيب عن ذلك: بأنَّ وطءَ الثاني في هذه الصورة لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول، فلا يغير حكم الطلاق، كوطء السيد؛ ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث، فأشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني. والقول الأول رجحه الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الأقرب، والله أعلم. (١)

стр. 4574

مسألة [١٢]: لو قال الرجل لامرأته: أنت طالق بعد موتي، أو موتك، أو مع موتي ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٥٤٣): فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ مَوْتِك، أَوْ مَعَ مَوْتِي أَوْ مَوْتِك. لَمْ تَطْلُقْ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، فَلَا يُصَادِفُ الطَّلَاقُ نِكَاحًا يُزِيلُهُ. اهـ مسألة [١٣]: إذا قال لامرأته وأجنبية: أحداكما طالق ؟ أما فيما بينه وبين الله فيقبل قوله أنه أراد الأجنبية، ويدين. • وأما في الحكم، فمذهب أحمد أنه لا يقبل قوله؛ لأنَّ الطلاق لا يقع على الأجنبية. • وعن أحمد رواية: أنه يقبل قوله؛ لأنَّ اللفظ يحتمل ذلك، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [١٤]: إذا كان اسم زوجته زينب، فقال: زينب طالق. وقال: قصدت امرأةً أجنبية ؟ أما فيما بينه وبين الله فيدين، ويقبل منه.

стр. 4575

• وأما في الحكم، فمذهب أحمد، والشافعي عدم قبول ذلك منه؛ لأنه خلاف الظاهر. • وقال أصحاب الرأي، وأبو ثور: يقبل؛ لأنه فسَّر كلامه بما يحتمله. (١) مسألة [١٥]: إن لم ينو زوجته، ولا الأجنبية ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٣٧٥): وَإِنْ لَمْ يَنْوِ زَوْجَتَهُ، وَلَا الْأَجْنَبِيَّةَ؛ طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الطَّلَاقِ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهَا وَيَصْلُحُ لَهَا، وَلَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهَا، فَوَقَعَ بِهِ، كَمَا لَوْ نَوَاهَا. اهـ قلتُ: إن لم ينو فلا يقع؛ لما تقدم من أن اللفظ الصريح أيضًا يحتاج إلى نية، وفي القضاء لا يقبل منه ذلك، والله أعلم. مسألة [١٦]: إذا لقي أجنبية ظنها زوجته، فقال: فلانة، أنت طالق ؟ • مذهب أحمد أنَّ زوجته تطلق؛ لأنه أرادها بالطلاق وتلفظ به كما لو طلقها وهي غائبة. • ومذهب الشافعي عدم وقوع الطلاق؛ لأنه خاطب بالطلاق غيرها. والصحيح قول أحمد. وفي مذهب أحمد وجهان فيما إذا لم يسمها، والصحيح وقوعه أيضًا. تنبيه: محل ذلك فيما إذا لم يكن سبب طلاقها هو رؤيته لها في ذلك المكان؛

стр. 4576

لما تقدم من أنَّ الطلاق إذا كان بسبب غير صحيح لا يقع، والله أعلم. (١) مسألة [١٧]: إذا لقي امرأته، فظنها أجنبية، فقال: أنت طالق ؟ لا يقع الطلاق عند أهل العلم؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». (٢)

стр. 4577

بَاب الرَّجْعَة الرجعة: بفتح الراء، وكسرها، والفتح أشهر، مصدر رجع، وهي المرة من الرجوع. وشرعًا: إعادة المطلقة غير البائن إلى زوجها بغير عقد نكاح. وهي مشروعة بالكتاب، والسنة والإجماع. أما في القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وأما من السنة: فحديث عمر ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- طلق حفصة، ثم راجعها. أخرجه أبو داود (٢٢٨٣)، والنسائي (٦/ ٢١٣). وهو في «الصحيح المسند» (٩٩٣)، وكذلك أحاديث الباب التي سنذكرها. وأجمع المسلمون على مشروعية الرجعة، وهي من نِعَمِ الله على المسلمين.

стр. 4578

١٠٨٥ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ ثُمَّ يُرَاجِعُ، وَلَا يُشْهِدُ، فَقَالَ: أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا. رَوَاهُ أَبُودَاوُد هَكَذَا مَوْقُوفًا، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. (١) وَأَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵁ سُئِلَ عَمَّنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يُشْهِدْ، فَقَالَ: فِي غَيْرِ سُنَّةٍ، فَلْيُشْهِدِ الآنَ. (٢) وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةٍ (٣): وَيَسْتَغْفِرِ اللهَ. (٤) ١٠٨٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٥) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: للزوج إرجاع امرأته المطلقة الرجعية ما دامت في العدة . أجمع أهل العلم على أنَّ للزوج أن يرجع طليقته التي قد دخل بها بعد الطلقة

стр. 4579

الأولى والثانية إذا كان حُرًّا، وبعد الأولى إذا كان عبدًا ما دامت في عدتها، فإذا انقضت عدتها؛ فلا رجعة له. قلتُ: ويدل على ذلك أحاديث الباب، والصحيح أنَّ العبد كالحر كما تقدم. (١) مسألة [٢]: هل يعتبر في الرجعة رضى المرأة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٥٥٣): وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الرَّجْعَةِ رِضَى الْمَرْأَةِ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، فَجَعَلَ الْحَقَّ لَهُمْ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فَخَاطَبَ الْأَزْوَاجَ بِالْأَمْرِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُنَّ اخْتِيَارًا؛ وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ إمْسَاكٌ لِلْمَرْأَةِ بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهَا فِي ذَلِكَ، كَاَلَّتِي فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا. اهـ (٢) مسألة [٣]: الألفاظ في المراجعة . تقدم في أبواب كثيرة أنَّ الصحيح عند المحققين من أهل العلم أنَّ العبرة بالمعاني، والألفاظ تدل عليها، فاللفظ الذي يدل على المعنى يصح به العقد، ولا يشترط للعقود ألفاظ معينة. وقد ذكروا في ألفاظ الرجعة (راجعتك، أو أرجعتك، أو ارتجعتك، أو رددتك، أو أمسكتك) وإن قال: تزوجتك، أو نكحتك. فهل يصح ذلك منه؟ فيه

стр. 4580

وجهان للحنابلة، والشافعية، والراجح صحته إذا نوى الإرجاع، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: هل تفتقر الرجعة إلى ولي وصداق، ورضى المرأة وعلمها ؟ الرَّجْعَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى وَلِيٍّ، وَلَا صَدَاقٍ، وَلَا رِضَى الْمَرْأَةِ، وَلَا عِلْمِهَا، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ فِي أَحْكَامِ الزَّوْجَاتِ، وَالرَّجْعَةُ إمْسَاكٌ لَهَا، وَاسْتِبْقَاءٌ لِنِكَاحِهَا. اهـ • وخالف ابن حزم، واشترط إعلام المرأة، أو وليها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ ومن لم يفعل فلم يرد الإصلاح. (٢) مسألة [٥]: هل يشترط في الرجعة الإشهاد ؟ • في هذه المسألة قولان لأهل العلم: الأول: اشتراط شاهدين، وهو قولٌ للشافعي، وأحمد في رواية؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وظاهر الأمر الوجوب، وهو قول ابن حزم. واستدلوا أيضًا بحديث عمران بن حصين الذي في الباب. الثاني: لا تجب الشهادة، بل تستحب، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي في قولٍ، وأحمد في ظاهر مذهبه؛ وذلك لأنها لا تفتقر إلى قبول، فلم تفتقر

стр. 4581

إلى شهادة، كسائر حقوق الزوج، ولأنَّ ما لا يشترط فيه الولي لا يشترط فيه إلى إشهاد كالبيع، ولحديث ابن عمر؛ فإنه أمره بالمراجعة، ولم يأمره بالإشهاد، ولأنَّ الله أمر بالإشهاد على الطلاق والرجعة، وقد أجمعوا على صحة الطلاق بغير شهود، فكذلك الرجعة، وهذا القول هوالصحيح، والله أعلم. ورجح الإمام ابن عثيمين ﵀ وجوب الإشهاد إذا راجعها بدون علمها، وهو قريب. (١) مسألة [٦]: الرجعية زوجةٌ لها أحكام الزوجة في أمور كثيرة . منها أنه يلحقها ظهاره، وإيلاؤه، ولعانه، والطلاق عند الجمهور، والإرث بالإجماع، وعليه النفقة، والسكنى لها كالزوجة، بل هي زوجته. (٢) مسألة [٧]: هل يباح لزوجها وطؤها، والخلوة بها ومباشرتها ؟ • من أهل العلم من قال: يباح له ذلك. وهو ظاهر مذهب أحمد، وأبي حنيفة، وابن حزم؛ لأنها ما زالت زوجة له، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولأنَّ الله عزوجل نهاها أن تخرج من بيته؛ فدل على جواز ذلك له، ولقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٦/المعارج:٣٠]. • ومنهم من قال: لا يجوز له الاستمتاع بها، ولا مباشرتها، والنظر إليها

стр. 4582

بشهوة، وهو قول عطاء، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، واستدلوا على ذلك بأثر ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي في مسكن حفصة ﵂، وكان ذلك طريقه إلى المسجد، فكان يسلك الطريق الآخر من أدبار البيوت كراهية أن يستأذن عليها حتى راجعها. رواه البيهقي (٧/ ٣٧٢) بإسناد صحيح، ونُقِل هذا القول عن عطاء، وعمرو بن دينار؛ ولأنها مطلقة فكانت محرمة كما لو طلقها بعوض واحدةً. قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الصحيح أنه لا يجوز له وطؤها؛ إلا إذا نوى المراجعة، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: إذا وطئ امرأته، فهل يحصل بذلك الرجعة ؟ • في هذه المسألة أقوال لأهل العلم: الأول: يكون رجعة، سواء نوى به الإرجاع أم لا، وهذا قول سعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، وطاوس، والزهري، والثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأحمد في ظاهر مذهبه، والحنفية؛ لأنه بوطئه لها ارتضاها زوجة له. الثاني: يكون رجعة إذا نوى بذلك الإرجاع، وهذا قول مالك، وإسحاق، وأحمد في رواية، واختاره جماعة من الحنابلة، منهم: شيخ الإسلام، وصححه

стр. 4583

ابن عثيمين. الثالث: لا تكون رجعة بذلك، وهو قول الشافعي، والليث، وأبي ثور، وأبي قلابة، وجابر بن زيد، وأحمد في رواية، وابن حزم، فلا رجعة عندهم إلا بالكلام؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وذلك يحصل بالكلام. ورجح شيخنا مقبل ﵀ القول الثاني؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وهو أقرب فيما يظهر، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: إذا باشرها، أو قبلها، أو نحو ذلك، فهل تعتبر رجعة ؟ • أكثر أهل العلم على عدم حصول الرجعة بذلك، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، والأوزاعي وغيرهم؛ لأنه أمر لا يتعلق به إيجاب العدة، ولا المهر فلا تحصل به الرجعة. • وقال أبو حنيفة، والثوري: يحصل بذلك الرجعة، وكذا لمسها بشهوة، وزاد أبو حنيفة: النظر إلى فرجها. وهو قول بعض الحنابلة، وقال به بعض المالكية: إذا نوى الإرجاع. كما في «تفسير القرطبي». (٢) تنبيه: قال صاحب «الإنصاف» (٩/ ١٥١): وظاهر قوله (والرجعية زوجة)

стр. 4584

أنَّ لها القسم، وهو ظاهركلام أكثر الأصحاب، وصرح المصنف في «المغني» أنه لا قسم لها، ذكره في الحضانة عند قول الخرقي (وإذا أخذ الولد من الأم إذا تزوجت ثم طلقت). وعند الحنفية لا قسم لها إلا إن كان يقصد مراجعتها. (١) مسألة [١٠]: هل يصح تعليق الرجعة بشرط ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعية عدم صحة ذلك، كقوله: (راجعتك إن شئت)، أو يقول: (كلما طلقتك فقد راجعتك) أو ما أشبه ذلك. وحجتهم في عدم صحة الرجعة: أنه استباحة بضع بعقد، فيشترط تنجيزه، ولأنَّ هذا يدل على عدم الرغبة الأكيدة في الرجوع. (٢) قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٥/ ٥٥٢): ولكن هذا التعليل عليل؛ فكونه مأخوذًا بالتعليل أنه إرجاع اشترط تنجيزه فهذا تعليل للحكم بالحكم، فلا يقبل، لو قلت: يجب على الإنسان أن يصلي مع الجماعة؛ لأنه يجب أن يصلي مع الجماعة. فهذا ليس بدليل. فإذا قلنا: إنَّ الرجعة إرجاعٌ يشترط فيه التنجيز؛ فلا يصح معلقًا بشرط. قلنا: هذا تعليل بالحكم؛ فلا يقبل. وأما قولهم: (إنه لا يدل على الرغبة) فهذا أيضًا فيه نظر، فقد يعلقه الإنسان على شرط؛ لأنه يريد أن يتمهل، مثل أن يقول لها -وهو غرض صحيح-: إن لم ترجع أم الأولاد في خلال الحيضتين الأوليين، أو قبل أن تحيض الحيضة الثالثة؛ فأنت مراجعة. فهذا

стр. 4585

غرض صحيح، مقصود؛ فإنَّ الأصل في غير العبادات الحل، حتى يقوم دليل على المنع؛ ولهذا فهناك قولٌ لبعض أهل العلم أنها تصح الرجعة المعلقة بشرط، وهذا القول أصح؛ ولهذا قال الناظم: والأصل في الأشياء حل وامنع ... عبادة إلا بإذن الشارع قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: ما ذكره الإمام العثيمين ﵀ قول قوي، جمعنا الله وإياه في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. مسألة [١١]: إذا كانت المرأة حاملا باثنين، فولدت أحدهما، فهل له الرجعة قبل ولادة الثاني ؟ • عامة أهل العلم على أنَّ له الرجعة مالم تضع الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، واسم الحمل متناول لكل ما في البطن. • وقال عكرمة: تنقضي العدة بوضع الأول. والصحيح قول الجمهور. قال ابن قدامة ﵀: وَأَظُنُّ أَنَّ قَتَادَةَ نَاظَرَ عِكْرِمَةَ فِي هَذَا، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ أَحَدِ الْوَلَدَيْنِ. فَقَالَ لَهُ قَتَادَةُ: أَيَحِلُّ لَهَا بِأَنْ تَتَزَوَّجَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: خُصِمَ الْعَبْدُ. وَلَوْ خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ، فَارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ بَاقِيَهُ صَحَّ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَضَعْ جَمِيعَ حَمْلِهَا، فَصَارَتْ كَمَنْ وَلَدَتْ أَحَدَ الْوَلَدَيْنِ. اهـ (١)

стр. 4586

مسألة [١٢]: إذا راجع امرأته في ردة أحدهما ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٥٦٢): فَإِنْ رَاجَعَهَا فِي رِدَّةِ أَحَدِهِمَا، فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَهُوَ صَحِيحُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الرِّدَّةِ، كَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَقْرِيرُ النِّكَاحِ، وَالرِّدَّةَ تُنَافِي ذَلِكَ، فَلَمْ يَصِحَّ اجْتِمَاعُهُمَا. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ قُلْنَا: تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ بِالرِّدَّةِ. لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ بِهَا. وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ. فَالرَّجْعَةُ مَوْقُوفَةٌ، إنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا فِي الْعِدَّةِ؛ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ ارْتَجَعَهَا فِي نِكَاحِهِ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إمْسَاكٍ، فَلَمْ تَمْنَعْ مِنْهُ الرِّدَّةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ فِي الْعِدَّةِ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ قَبْلَ الرَّجْعَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيمَا إذَا رَاجَعَهَا بَعْدَ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا. اهـ (١) قلتُ: تقدم أنَّ الراجح أنَّ النكاح موقوف إذا حصل الخلاف في الدين، وعلى هذا فتصح الرجعة، والله أعلم. مسألة [١٣]: إذا راجع الزوج امرأته، فادَّعت أن عدتها قد انقضت ؟ ذكر أهل العلم أنَّ المرأة يقبل قولها فيما إذا ادعت ذلك في زمنٍ يمكن انقضاؤها فيه عادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وبَوَّب البخاري في «صحيحه» [باب: (٢٤) من كتاب الحيض]: باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض، وما يصدق النساء في الحيض، والحمل فيما يمكن

стр. 4587

من الحيض. قال: ويُذكر عن علي، وشريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرضى دينه أنها حاضت ثلاثًا في شهرٍ؛ صدقت. وهو من طريق الشعبي عنهما. ونقل ذلك البخاري عن عطاء، والنخعي. قال ابن رجب ﵀ -بعد أن وصل الآثار المذكورة-: فهؤلاء كلهم يقولون: إنَّ المراة قد تنقضي عدتها في شهر واحد بثلاثة أقراء، وهو قول كثير من العلماء منهم: مالك، وأحمد، وإسحاق وغيرهم. قال: وهذا ينبني على أصلين: أحدهما: الاختلاف في الأقراء، هل هي الأطهار، أم الحيض؟ والثاني: الاختلاف في مدة أقل الحيض، وأقل الطهر. ثم ذكر الخلاف في ذلك. • ومذهب أبي حنيفة: لا تُصَدَّق في دعوى انقضاء العدة في أقل من ستين يومًا. • وقال أبو يوسف ومحمد: لا تصدق إلا في كمال تسعة وثلاثين يومًا. • وقال سفيان الثوري: لا تصدق في أقل من أربعين يومًا. • وقال الحسن بن صالح: لا تصدق في أقل من خمسة وأربعين يومًا. قال ابن رجب ﵀: ولم يذكر هؤلاء أنَّ دعواها لا تقبل إلا ببينة، وهو قول

стр. 4588

الخرقي من أصحابنا. قال: والمنصوص عن أحمد أنَّ دعوى انقضاء العدة في شهر لا تقبل بدون بينة تشهد به من النساء، ودعوى انقضائها في زيادة على شهر تقبل بدون بينة؛ لأنَّ المرأة مؤتمنة على حيضها. • ومنهم من قال: إنما يقبل ذلك بغير بينة في حق من ليس لها عادة مستقرة، فأما من لها عادة منتظمة؛ فلا تصدق إلا ببينة على الأصح. • وقال إسحاق، وأبو عبيد: لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر؛ إلا أن تكون لها عادة معلومة قد عرفها بطانة أهلها المرتضى دينهم، وأمانتهم، فيعمل بها حينئذٍ، ومتى لم يكن كذلك فقد وقعت الريبة، فيحتاط، وتعدل الأقراء بالشهور كما في حق الآيسة والصغيرة. انتهى «الفتح» [باب: (٢٤) من كتاب الحيض]. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٥/ ٥٥٩): فصار لها ثلاث حالات: الحال الأولى: أن تدعي انقضاء العدة في زمن لا يمكن انقضاؤها فيه، فهذه لا تسمع بينتها أصلًا، ولا يلتفت إليها القاضي. الحال الثانية: أن تدعي انقضاءها في زمن ممكن، لكنه بعيد، ونادر، فهذه تسمع، ولكن لا تقبل إلا ببينة. الحال الثالثة: أن تدعي انقضاءها في زمن يمكن انقضاؤها فيه، ولا يندر أن

стр. 4589

تنقضي فيه، أي: أنَّ مثيلاتها كثير، مثل لو ادعت انقضاءها في مدة شهرين، فهذا أمر يقع كثيرًا، فتقبل بلا بينة؛ وذلك لأنَّ هذا أمر ممكن وكثير، فليس هناك ما يمنع قولها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.اهـ هذا فيما إذا ادَّعت انقضاء العدة بالحيض، وأما إذا ادعت انقضاءها بوضع الحمل: فقال ابن قدامة: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَدَّعِيَ وَضْعَ الْوَلَدِ لِتَمَامٍ، أَوْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ قَبْلَ كَمَالِهِ؛ فَإِنِ ادَّعَتْ وَضْعَهُ لِتَمَامٍ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ إمْكَانِ الْوَطْءِ بَعْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْمُلُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا مِنْ حِينِ إمْكَانِ الْوَطْءِ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ سَقْطٍ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ مَا أَتَى عَلَيْهِ ثَمَانُونَ يَوْمًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً بَعْدَ الثَّمَانِينَ، وَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُضْغَةً بِحَالٍ، وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ. قال: الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَدَّعِيَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِالشُّهُورِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِيهِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الزَّوْجُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا؛ لِيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ نَفَقَتَهَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: طَلَّقْتُكِ فِي شَوَّالٍ. فَتَقُولَ هِيَ: بَلْ فِي ذِي الْحِجَّةِ.

стр. 4590

فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا. اهـ (١) مسألة [١٤]: إذا ادعى الزوج المراجعة وأنكرت ذلك المرأة ؟ إذا ادعى ذلك في زمن عدتها أنه راجعها بالأمس، أو قبل شهر، أو نحو ذلك؛ قبل قوله؛ لأنه يملك الرجعة في ذلك الحين، فأولى أن يصح إقراره بها، ويملك ذلك، وهذا قول الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي وغيرهم من أهل العلم. وإذا ادعى ذلك الزوج بعد انقضاء عدتها، فيقول: كنت راجعتك في عدتك. فأنكرته؛ فالقول قولها بإجماعهم، قاله ابن قدامة؛ لأنه ادعاها في زمن لا يملكها، والأصل عدمها، وحصول البينونة، وعليها اليمين عند أكثرهم. (٢) مسألة [١٥]: من راجع امرأته وليس قاصدًا الإصلاح هل تصح رجعته ؟ من راجع قاصدًا الإضرار وقع في الإثم؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وهذا مجمع عليه. • وجمهور العلماء على أنه إن فعل ذلك صحت الرجعة، ويأثم على ذلك القصد؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
следующие страницы →