مسألة [١٢]: إذا راجع امرأته في ردة أحدهما ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٠/ ٥٦٢): فَإِنْ رَاجَعَهَا فِي رِدَّةِ أَحَدِهِمَا، فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَهُوَ صَحِيحُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الرِّدَّةِ، كَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَقْرِيرُ النِّكَاحِ، وَالرِّدَّةَ تُنَافِي ذَلِكَ، فَلَمْ يَصِحَّ اجْتِمَاعُهُمَا. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ قُلْنَا: تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ بِالرِّدَّةِ. لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ بِهَا. وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ. فَالرَّجْعَةُ مَوْقُوفَةٌ، إنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا فِي الْعِدَّةِ؛ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ ارْتَجَعَهَا فِي نِكَاحِهِ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إمْسَاكٍ، فَلَمْ تَمْنَعْ مِنْهُ الرِّدَّةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ فِي الْعِدَّةِ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ قَبْلَ الرَّجْعَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيمَا إذَا رَاجَعَهَا بَعْدَ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا. اهـ (١)
قلتُ: تقدم أنَّ الراجح أنَّ النكاح موقوف إذا حصل الخلاف في الدين، وعلى هذا فتصح الرجعة، والله أعلم.
مسألة [١٣]: إذا راجع الزوج امرأته، فادَّعت أن عدتها قد انقضت ؟
ذكر أهل العلم أنَّ المرأة يقبل قولها فيما إذا ادعت ذلك في زمنٍ يمكن انقضاؤها فيه عادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وبَوَّب البخاري في «صحيحه» [باب: (٢٤) من كتاب الحيض]: باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض، وما يصدق النساء في الحيض، والحمل فيما يمكن
стр. 4587
من الحيض.
قال: ويُذكر عن علي، وشريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرضى دينه أنها حاضت ثلاثًا في شهرٍ؛ صدقت. وهو من طريق الشعبي عنهما.
ونقل ذلك البخاري عن عطاء، والنخعي.
قال ابن رجب ﵀ -بعد أن وصل الآثار المذكورة-: فهؤلاء كلهم يقولون: إنَّ المراة قد تنقضي عدتها في شهر واحد بثلاثة أقراء، وهو قول كثير من العلماء منهم: مالك، وأحمد، وإسحاق وغيرهم.
قال: وهذا ينبني على أصلين: أحدهما: الاختلاف في الأقراء، هل هي الأطهار، أم الحيض؟ والثاني: الاختلاف في مدة أقل الحيض، وأقل الطهر.
ثم ذكر الخلاف في ذلك.
• ومذهب أبي حنيفة: لا تُصَدَّق في دعوى انقضاء العدة في أقل من ستين يومًا.
• وقال أبو يوسف ومحمد: لا تصدق إلا في كمال تسعة وثلاثين يومًا.
• وقال سفيان الثوري: لا تصدق في أقل من أربعين يومًا.
• وقال الحسن بن صالح: لا تصدق في أقل من خمسة وأربعين يومًا.
قال ابن رجب ﵀: ولم يذكر هؤلاء أنَّ دعواها لا تقبل إلا ببينة، وهو قول
стр. 4588
الخرقي من أصحابنا.
قال: والمنصوص عن أحمد أنَّ دعوى انقضاء العدة في شهر لا تقبل بدون بينة تشهد به من النساء، ودعوى انقضائها في زيادة على شهر تقبل بدون بينة؛ لأنَّ المرأة مؤتمنة على حيضها.
• ومنهم من قال: إنما يقبل ذلك بغير بينة في حق من ليس لها عادة مستقرة، فأما من لها عادة منتظمة؛ فلا تصدق إلا ببينة على الأصح.
• وقال إسحاق، وأبو عبيد: لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر؛ إلا أن تكون لها عادة معلومة قد عرفها بطانة أهلها المرتضى دينهم، وأمانتهم، فيعمل بها حينئذٍ، ومتى لم يكن كذلك فقد وقعت الريبة، فيحتاط، وتعدل الأقراء بالشهور كما في حق الآيسة والصغيرة. انتهى «الفتح» [باب: (٢٤) من كتاب الحيض].
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٥/ ٥٥٩): فصار لها ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن تدعي انقضاء العدة في زمن لا يمكن انقضاؤها فيه، فهذه لا تسمع بينتها أصلًا، ولا يلتفت إليها القاضي.
الحال الثانية: أن تدعي انقضاءها في زمن ممكن، لكنه بعيد، ونادر، فهذه تسمع، ولكن لا تقبل إلا ببينة.
الحال الثالثة: أن تدعي انقضاءها في زمن يمكن انقضاؤها فيه، ولا يندر أن
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا. اهـ (١)
مسألة [١٤]: إذا ادعى الزوج المراجعة وأنكرت ذلك المرأة ؟
إذا ادعى ذلك في زمن عدتها أنه راجعها بالأمس، أو قبل شهر، أو نحو ذلك؛ قبل قوله؛ لأنه يملك الرجعة في ذلك الحين، فأولى أن يصح إقراره بها، ويملك ذلك، وهذا قول الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي وغيرهم من أهل العلم.
وإذا ادعى ذلك الزوج بعد انقضاء عدتها، فيقول: كنت راجعتك في عدتك. فأنكرته؛ فالقول قولها بإجماعهم، قاله ابن قدامة؛ لأنه ادعاها في زمن لا يملكها، والأصل عدمها، وحصول البينونة، وعليها اليمين عند أكثرهم. (٢)
مسألة [١٥]: من راجع امرأته وليس قاصدًا الإصلاح هل تصح رجعته ؟
من راجع قاصدًا الإضرار وقع في الإثم؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وهذا مجمع عليه.
• وجمهور العلماء على أنه إن فعل ذلك صحت الرجعة، ويأثم على ذلك القصد؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
стр. 4591
• وذهب شيخ الإسلام، وابن حزم إلى عدم صحة الرجعة بذلك.
وقال الإمام ابن عثيمين ﵀ في تفسير سورة البقرة: لا حق للزوج في الرجعة إذا لم يرد الإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وقال بعض أهل العلم: إنَّ هذا ليس على سبيل الشرط، ولكنه على سبيل الإرشاد. وهو خلاف ظاهر الآية، والواجب إبقاء الآية على ظاهرها؛ فليس له أن يراجع إلا بهذا الشرط. اهـ
وكلامه يحتمل أنه أراد عدم صحة الرجعة إذا وقعت كذلك.
وقال السعدي ﵀ في «تفسيره»: والصحيح أنه إذا لم يرد الإصلاح؛ لا يملك ذلك كما هو ظاهر الآية الكريمة. اهـ
وقال الشنقيطي ﵀ في «أضواء البيان» (١/ ١٥٧ - ): فالرجعة بقصد الإضرار حرام إجماعًا كما دل عليه مفهوم الشرط ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ المصرح به في قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وصحة الرجعة حينئذ باعتبار ظاهر الأمر، فلو صرح للحاكم بأنه ارتجعها بقصد الإضرار؛ لأبطل رجعته كما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى. اهـ
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: إن قصد الإضرار بالمراجعة، وأظهر ذلك؛ لم تصح الرجعة، ولا يمكن منها، وإن لم يظهر ذلك؛ صحت الرجعة والإثم عليه، والله أعلم. (١)
стр. 4592
مسألة [١٦]: إذا طلق امرأته، ثم راجعها، ثم طلقها قبل دخوله بها، فهل تستأنف العدة، أم تبني ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها تبني على العدة السابقة، وهو قول عطاء، ورواية عن أحمد، وقول للشافعي؛ لأنَّ الرجعة لم يتصل بها دخول؛ فلم يجب بالطلاق منها عدة كما لو نكحها ثم طلقها قبل الدخول.
• وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تستأنف العدة؛ لأنه طلاق جديد في زوجة قد روجعت، وهو قول طاوس، وعمرو بن دينار، وأبي قلابة، وجابر بن زيد، وإسحاق، وأحمد في رواية، وقول للشافعي، وأبي ثور، وأبي عبيد، والثوري، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.
• وحكى أبو الخطاب عن مالك: إن قصد الإضرار بها؛ بنت وإلا استأنفت؛ لأنَّ الله تعالى جعل الرجعة لمن أراد الإصلاح بقوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.
قلتُ: إن علم منه أنه أراد ذلك؛ فهذا القول قريب، وإن لم يعلم؛ فالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [١٧]: إذا ادعى زوج الأمة بعد عدتها أنه كان راجعها في عدتها، فأنكرت الأمة، وصدقه السيد ؟
• جمهور العلماء على أنَّ القول قول الأمة؛ لأنها هي المنكرة، وهي محل الإرجاع، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور وغيرهم.
стр. 4593
• وقال أبو يوسف ومحمد: القول قول الزوج؛ لأنَّ سيدها أقر عليها وهي ملك له. والصحيح القول الأول. (١)
مسألة [١٨]: إن خالع زوجته، أو فسخ، ثم نكحها في عدتها، ثم طلقها ؟
أما إن دخل بها فعليها العدة بالإجماع، وذكر ابن قدامة عدم الخلاف في ذلك.
• وأما إن لم يكن دخل بها فمذهب الحنابلة أنها تبني.
• وعن أحمد رواية أنها تستأنف، وهو قول الحنفية؛ لأنَّ النكاح أقوى من الرجعة، ولو طلقها بعد الرجعة استأنفت العدة؛ فهنا أولى.
وحجة القول الأول: أنه طلاق من نكاح لم يصبها فيه؛ فلم يجب به عدة كما لو نكحها بعد انقضاء عدتها.
تنبيه: هذه المسألة تعتبر تفريعًا على مذهب الجمهور في أن الخلع يحتاج إلى عدة كعدة المطلقة، والذي نختاره أن عليها الاستبراء، لا العدة. (٢)
مسألة [١٩]: إذا راجعها زوجها في عدتها، ولم تعلم، فتزوجت بآخر بعد انقضاء العدة ؟
• أكثر الفقهاء على أنه إذا أقام البينة على ذلك؛ ثبت أنها زوجته، وأنَّ نكاح الثاني فاسد؛ لأنَّه تزوج امرأة غيره، وتُرد إلى الأول، سواء دخل بها الثاني، أو لم
стр. 4594
يدخل بها، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي عبيد، والثوري، وأصحاب الرأي، ورُوي ذلك عن علي ﵁ من طرقٍ تحتمل التحسين كما في «المحلى»، و «سنن البيهقي» و «مصنف ابن أبي شيبة»، وهو قول الظاهرية إلا ابن حزم.
• وقال بعضهم: إن دخل بها الثاني؛ فهي امرأته، وإن لم يدخل بها؛ فهي للأول. وهذا قول مالك، وجماعة من أصحابه، ورواية عن أحمد، وهو قول سعيد بن المسيب، وعبدالرحمن بن القاسم، ونافع؛ لأنَّ كل واحد منهما عقد عليها وهي ممن يجوز له العقد عليها في الظاهر، ومع الثاني مزية الدخول، فقدم بها، وهذا القول رُوي عن عمر من طرق يحسن بها كما في «المحلى» و «مصنف ابن أبي شيبة»، وعزا ابن حزمٍ هذا القول لليث، والأوزاعي أيضًا. وروى ابن القاسم عن مالك أنه رجع عن هذا القول للقول الأول.
• وذهب ابن حزم إلى أنها للزوج الثاني مطلقًا، ويشترط عنده في الرجعة الإعلام؛ لأنه إذا لم يُعلم فلم يرد الإصلاح، والله يقول: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.
والصحيح -والله أعلم- هو القول الأول، وبالله التوفيق.
تنبيه: إذا قصد كتم المراجعة حتى انتهت العدة مع قدرته على إعلامها، أو وليها؛ فلا رجعة له، وهي للزوج الثاني، وبذلك قضى شريح، وقال: ليس له إلا فسوة الضبع. وصح ذلك عن الحسن، وجابر بن زيد.
стр. 4595
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٢٧٣): ولا تصلح الرجعة مع الكتمان بحال، وذكره أبو بكر في «الشافي».
قال: وروي عن أبي طالب قال: سألت أحمد عن رجل طلق امرأته وراجعها، واستكتم الشهود حتى انقضت العدة؟ قال يفرق بينهما، ولا رجعة له عليها. اهـ (١)
فرع: إن دخل بها الثاني؛ ثبت لها المهر؛ لأنه وطء شبهة، ولا تحل للأول حتى تعتد من الثاني.
فرع آخر: إن تزوجها الثاني مع علمهما بالرجعة، أو علم أحدهما؛ فالنكاح باطل بغيرخلاف، والوطء محرم على من علم منهما، وحكمه حكم الزاني في الحد وغيره.
مسألة [٢٠]: إذا لم يكن لمدعي الرجعة بينة ؟
إذا لم يكن لمدعي الرجعة بينة، فإما أن ينكرا قوله، وإما أن يقبلاه؛ فإن أنكراه جميعًا؛ فالنكاح صحيح في حقهما، وإن اعترفا له بالرجعة؛ ثبت، والحكم فيه كما لو قامت به البينة سواء.
وإن أقر له الزوج وحده؛ فقد اعترف بفساد نكاحه فتبين منه، وعليه مهرها إن كان بعد الدخول، أو نصفه إن كان قبله؛ لأنه لا يصدق على المرأة في إسقاط حقها، ولا تسلم المرأة إلى المدعي؛ لأنه لا يقبل قول الزوج الثاني عليها، وإنما
стр. 4596
يلزم في حقه، ويكون القول قولها.
وإن اعترفت المرأة وأنكر الزوج؛ لم يقبل اعترافها على الزوج في فسخ نكاحه؛ لأنَّ قولها إنما يقبل على نفسها في حقها. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
تعريف الإيلاء:
الإيلاء في اللغة: الحلف. يقال: آلى يولي إيلاء، وأليَّة، وجمع الألية ألايا.
قال الشاعر:
قليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا صدرت منه الألية برت
وفي الشرع: هو الحلف على ترك وطء المرأة، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآية.
مسألة [١]: هل يشترط في الإيلاء أن يكون الحلف بالله، أو بصفة من صفاته ؟
• اشترط بعض أهل العلم في الإيلاء أن يكون الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، ولا خلاف في أن الحلف بذلك إيلاء بين أهل العلم، وهذا الشرط اشترطه أحمد في رواية، وهو ظاهر مذهبه، وهو قول الشافعي في القديم، فلا يصح عندهم الحلف بالطلاق، أو العتاق، أو النذر، أو الحج، وقال بذلك ابن حزم.
واستدلوا على ذلك بأنَّ الحلف عند الإطلاق يُراد به الحلف بالله، وبقراءة ابن عباس وأُبي (للذين يقسمون)، والأيمان المذكورة لا تعد قسمًا.
• وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يعد موليًا إذا حلف بالطلاق، أو العتاق وغيره
стр. 4599
مما لا يكون شركًا، أو حلفًا بغير الله، وهو قول الشافعي في الجديد، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، والثوري، وأبي عبيد، وغيرهم.
واستدلوا بالآية: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والإيلاء: الحلف، وهذا عام يشمل الحلف بالله، ويشمل الإيمان الأخرى المباحة؛ ولأنها يمين باتفاق أهل اللغة والفقهاء، ويلزمه بالحنث فيها حق؛ فصح إيلاؤه بها.
وروى البيهقي (٧/ ٣٨١) عن ابن عباس قال: كل يمين منعت جماعها؛ فهي إيلاء. وهو من طريق الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، والحكم لم يسمع من مقسم إلا قدر خمسة أحاديث. وهذا القول هو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهم. (١)
مسألة [٢]: هل يشترط في الإيلاء أن يكون الحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر ؟
• في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: أنه لا يكون إيلاءً إلا إذا حلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر، وهذا القول ثبت عن ابن عباس ﵄، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وهو قول طاوس، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأبي عبيد، واستدلوا بالآية: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]،
стр. 4600
فجعل له تربص أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر، أو ما دونها فلا معنى للتربص؛ لأنَّ مدة الإيلاء تنقضي قبل ذلك، أو مع انقضائه، وتقدير التربص بأربعة أشهر يقتضي كونه في مدة تناولها الإيلاء، ولأنَّ المطالبة إنما تكون بعد أربعة أشهر، فإذا انقضت المدة بأربعة أشهر فما دون؛ لم تصح المطالبة من غير إيلاء.
القول الثاني: أنَّ الإيلاء يكون بأربعة أشهر فما زاد، وهذا قول عطاء، والثوري، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة؛ لأنه ممتنع عن الوطء باليمين أربعة أشهر؛ فكان موليًا كما لو حلف على ما زاد، وقول أبي حنيفة هنا مبني على قوله بأن الفيء يكون قبل انقضاء الأربعة؛ فإن انقضت وقع الطلاق، وخالفه الجمهور كما سيأتي إن شاء الله.
القول الثالث: الحلف على ترك الوط يعتبر إيلاء مطلقا لمدة قليلة، أو كثيرة، فكل من حلف على ترك وطء امرأته ولو لمدة يوم؛ فهو مولي، وهذا قول النخعي، وقتادة، وحماد، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وابن حزم، واستدلوا بعموم الآية ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، وهذا مولي.
والصحيح في هذه المسألة هو القول الأول، وهو ترجيح ابن القيم ﵀ كما يظهر من كلامه في «زاد المعاد». (١)
стр. 4601
مسألة [٣]: تعليق مدة الإيلاء بشرط مستقبل ؟
أما إذا علق المدة بأمر مستحيل؛ فيكون إيلاء، كأن يقول: (والله لا أقربك حتى تطيري، أو تشربي نهر دجلة).
وأما إذا علق المدة بشيء يعلم أنه لا يوجد قبل أربعة أشهر كقيام الساعة فيقول: (والله لا وطئتك حتى تقوم الساعة) فهذا يعتبر إيلاء؛ لأن لها علامات تسبقها.
وأما إذا علق المدة بشيء يغلب على الظن أن لا يوجد قبل أربعة أشهر؛ فهو إيلاء أيضًا، كتعليق المدة بخروج الدجال، والدابة، وبموته، أو موت زيد، وهو صحيح، أو حتى يقدم زيد من الصين، والمعروف أنه لا يقدم إلا بعد مدة أربعة أشهر.
وأما إذا علق مدة الإيلاء بشيء يمكن حصوله قبل الأربعة الأشهر وبعدها؛ فهذا ليس بمولي؛ لأنه لا يعلم أن حلفه على أكثر من أربعة أشهر.
وإن علق مدة الإيلاء بشيء يعلم حصوله قبل الأربعة أشهر؛ فليس بإيلاء، كأن يقول: والله لا وطئتك حتى يفسد هذا البطيخ، أو يجف هذا الثوب ... ، وما أشبه ذلك. (١)
مسألة [٤]: إذا علق الإيلاء على فعل من المرأة هي قادرة عليه ؟
ينقسم ذلك إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يعلقه على فعل مباح، لا مشقة فيه، كقوله: (والله لا أطأُك حتى
стр. 4602
تدخلي الدار، أو تلبسي هذا الثوب) ونحو ذلك؛ فليس بإيلاء؛ لأنه يمكن وجود الفعل بغير ضرر عليها.
الثاني: أن يعلقه على محرم، كقوله: (والله لا أطأك حتى تشربي الخمر، أو تزني، أو تسقطي ولدك) ونحو ذلك؛ فهذا إيلاء؛ لأنه علقه بممتنع شرعًا، فأشبه الممتنع حسًّا.
الثالث: أن يعلق بما عليها فيه مضرة مثل قوله: (والله لا أطأك حتى تسقطي صداقك عني، أو تهبيني مالك) فهذا إيلاء؛ لأنَّ أخذه لمالها محرم، فجرى مجرى شرب الخمر. (١)
مسألة [٥]: إذا قال: والله، لا وطئتك مريضة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٣): وَإِنْ قَالَ: وَاَلله، لَا وَطِئْتُك مَرِيضَةً. لَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا مَرَضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَوْ لَا يَزُولُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ؛ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لَهَا وَهِيَ صَحِيحَةٌ، فَمَرِضَتْ مَرَضًا يُمْكِنُ بُرْؤُهُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ فِيهَا، صَارَ مُولِيًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَزُولُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، صَارَ مُولِيًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ. اهـ
مسألة [٦]: وإن قال: والله، لا وطئتك في هذه البلدة، أو في هذا البيت ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس بمولي، وهو قول الثوري،
стр. 4603
والأوزاعي، وأحمد، والشافعي، والحنفية؛ لأنه يمكنه وطؤها بغير حنث.
• وقال ابن أبي ليلى، وإسحاق: هو مولٍ؛ لأنه حالف على ترك وطئها.
والقول الأول أقرب والله أعلم، إلا أنْ يعجز عن الخروج من بلده. (١)
مسألة [٧]: إذا قال: والله، لا وطئتك إن شاء فلان ؟
قال ابن قدامة ﵀ (١١/ ١٤): فَإِنْ قَالَ: وَاَلله، لَا وَطِئْتُك إنْ شَاءَ فُلَانٌ؛ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا حَتَّى يَشَاءَ، فَإِذَا شَاءَ صَارَ مُولِيًا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُمْتَنِعًا مِنْ الْوَطْءِ مَتَى يَشَاءَ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى يَشَاءَ. وَإِنْ قَالَ: وَاَلله، لَا وَطِئْتُك إنْ شِئْتِ. فَكَذَلِكَ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ جَوَابًا لِكَلَامِهِ صَارَ مُولِيًا، وَإِنْ أَخَّرَتْ المَشِيئَةَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَخْيِيرٌ لَهَا، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ، كَقَوْلِهِ: اخْتَارِي فِي الطَّلَاقِ. وَلَنَا أَنَّهُ عَلَّقَ الْيَمِينَ عَلَى الْمَشِيئَةِ بِحَرْفِ إنْ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَمَشِيئَةِ غَيْرِهَا. اهـ
مسألة [٨]: من حلف على ترك ما سوى الجماع في الفرج، أو حلف على ترك وطء الأمة ؟
اشترط العلماء في الإيلاء أن يكون الحلف على ترك الوطء في الفرج، أما لو حلف على ترك الوطء في الدبر، أو فيما دون الفرج؛ فليس بإيلاء عند أهل العلم.
ومن شروطه: أن يكون الحلف على ترك الوطء في زوجته لا في أمته؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ... ﴾. (٢)
стр. 4604
مسألة [٩]: إذا حلف الرجل على ترك وطء امرأة أجنبية، ثم تزوجها ؟
• قال جماعة من أهل العلم: ليس بمولي؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، وهو قول أحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، وغيرهم. وقال به ابن حزم.
• وقال مالك: إذا بقي من مدة يمينه بعد الزواج أكثر من أربعة أشهر؛ فهو مولي.
• وقال أبو حنيفة: إذا علق اليمين بالزواج بها؛ فهو إيلاء كقوله: إن تزوجت فلانة، فوالله، لا أقربها. وإن قال في امرأة: والله، لا أقربها دون تعليق؛ فليس بإيلاء.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: ما ذكره مالك ﵀ هو الصواب -والله أعلم-؛ لأن المعنى واحد. (١)
مسألة [١٠]: هل يصح الإيلاء من طليقته الرجعية ؟
• مذهب الجمهور أنه يصح الإيلاء؛ لأنها ما زالت زوجة له، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة.
• وحكى ابن حامد رواية عن أحمد أنه لا يصح؛ لأن الطلاق يقطع مدة الإيلاء إذا طرأ عليه؛ فلأن يمنع صحته ابتداء أولى.
وأُجيب بأنها زوجة تشملها الآية.
стр. 4605
• فإذا آلى منها فمذهب الحنابلة، والحنفية أنه يحتسب المدة من حين آلى، وإن كانت في العدة.
• وقال الشافعي، وبعض الحنابلة: يحتسب المدة من حين راجعها.
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: هل يصح الإيلاء من الزوجة الأمة، والزوجة الذمية ؟
ذكر أهل العلم أن الإيلاء يصح في كل زوجة مسلمة، أو كتابية حرة، أو أمة. (٢)
مسألة [١٢]: الإيلاء قبل الدخول بالمرأة ؟
• مذهب الجمهور أن الإيلاء يصح قبل الدخول وبعده؛ لعموم الآية: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وهو قول النخعي، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، والشافعي وغيرهم.
• وقال الزهري، وعطاء، والثوري: إنما يصح الإيلاء بعد الدخول. ولا دليل لهم على هذا التقييد، والله أعلم. (٣)
فائدة: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٢٤): وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ المَجْنُونَةِ وَالصَّغِيرَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِالْفَيْئَةِ فِي الصِّغَرِ وَالْجُنُونِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ المُطَالَبَةِ. فَأَمَّا الرَّتْقَاءُ وَالْقَرْنَاءُ، فَلَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مُتَعَذِّرٌ
стр. 4606
دَائِمًا، فَلَمْ تَنْعَقِدْ الْيَمِينُ عَلَى تَرْكِهِ. اهـ
مسألة [١٣]: الذي ينعقد منه الإيلاء .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٢٥): وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ عَلَى الْوَطْءِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا يَصِحُّ إيلَاؤُهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَجِبُ بِمُخَالَفَتِهِ كَفَّارَةٌ أَوْ حَقٌّ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ مِنْهُمَا كَالنَّذْرِ.
وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الْوَطْءِ؛ فَإِنْ كَانَ لِعَارِضٍ مَرْجُوٍّ زَوَالُهُ، كَالْمَرَضِ وَالْحَبْسِ، صَحَّ إيلَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ، فَصَحَّ مِنْهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ كَالْجُبِّ وَالشَّلَلِ، لَمْ يَصِحَّ إيلَاؤُهُ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى تَرْكِ مُسْتَحِيلٍ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ. اهـ
مسألة [١٤]: إيلاء الذمي .
• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور، وغيرهم أنه يصح إيلاؤه، ويلزمه ما يلزم المسلم إذا تقاضوا إلينا، وإن أسلم فلا ينقطع حكم إيلائه. واستدلوا بعموم الآية.
• وقال مالك: إن أسلم؛ سقط حكم يمينه.
• وقال أبو يوسف، ومحمد: ليس بمولي إذا حلف بالله؛ لأنه لا يحنث إذا جامع؛ لكونه غير مكلف، وإن كانت يمينه بطلاق، أو عتاق، فهو مول؛ لأنه يصح عتقه، وطلاقه. (١)
стр. 4607
مسألة [١٥]: هل يشترط في الإيلاء أن يكون في حال الغضب، وقصد المضارة ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى اشتراط ذلك، فقالوا: لا إيلاء إلا في الغضب على وجه المضارة، روي ذلك عن علي، وابن عباس، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و «سنن ابن منصور»، وفيهما ضعف، الأول فيه جهالة، والثاني انقطاع. وهو قول الحسن، والنخعي، وقتادة، وعطاء، والليث.
• وذهب أكثر أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك، وروي هذا القول عن ابن مسعود، وفيه ضعف. وهو قول ابن سيرين، والشعبي، وسعيد بن جبير، والثوري، والشافعي، ومالك، والأوزاعي، وأبي عبيد، وأهل العراق، وابن المنذر؛ لعدم وجود دليل على هذا الشرط، والآية عامة، وهو قول الظاهرية، ولكن قال مالك، والأوزاعي، وأبو عبيد: من حلف ألا يطأ زوجته حتى تفطم ولده، وقصده الإصلاح لولده؛ فلا يكون إيلاء. والصحيح أنه يعد إيلاء؛ لعموم الآية، وهو قول الجمهور. (١)
مسألة [١٦]: مدة التربص للمولي ؟
يقول الله عزوجل: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ولا خلاف بين أهل العلم أن مدة تربص الحر من الحرة أربعة أشهر للآية.
стр. 4608
• واختلفوا في العبد، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن حكم العبد كحكم الحر يتربص أربعة أشهر؛ لعموم الآية، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، والظاهرية. وهذا القول هو الصحيح.
• وذهب بعضهم إلى أن إيلاء العبد شهران، وهو قول عطاء، والزهري، ومالك قياسا على تنصيف عدد منكوحاته.
• وذهب الحسن، والشعبي إلى أنه إذا كانت زوجته أمةً فشهران، وإن كانت حرة فأربعة أشهر.
• وقال الشعبي، وأبو حنيفة: الإيلاء من الأمة نصف الإيلاء من الحرة، حرًّا كان الزوج، أو عبدًا. (١)
مسألة [١٧]: بعد الأربعة الأشهر هل يقع الطلاق بانقضاء المدة، أم لا يقع إلا بتطليقة ؟
• أكثر أهل العلم على أن الطلاق لا يقع بمجرد انقضائها، وإنما يوقفه الحاكم، ويخيره بين أن يفيء، أو يطلق؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧].
وهذا قول أكثر الصحابة كما ذكره سليمان بن يسار كما في الباب، وصح
стр. 4609
ذلك عن علي، وابن عمر، وجاء عن عثمان، وفي إسناده ضعف، وجاء عن عائشة بإسناد صحيح.
وهو قول سعيد بن المسيب، وعروة، ومجاهد، وطاوس، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والظاهرية، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، وغيرهم.
ووجه استدلالهم بالآية ذكره الفيئة بعد الأربعة أشهر بالفاء المقتضية للتعقيب، ثم قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، ولو وقع بمضي المدة لم يحتج إلى عزم عليه.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه إن لم يفيء خلال الأربعة أشهر؛ وقع عليه الطلاق بانقضائها. وهذا القول صح عن ابن مسعود، وابن عباس، وجاء عن عثمان، وعلي، وزيد، ولم يصح عنهم، وهو قول عكرمة، وجابر بن زيد، وعطاء، والحسن، ومسروق، وقبيصة، والنخعي، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، ويقع عليه عند هؤلاء طلقة بائنة.
• وقال بعضهم: يقع عليه طلقة رجعية. وهو قول الزهري، ومكحول، وأبي بكر بن عبد الرحمن.
قلتُ: الصحيح هو القول الأول، وكيف يقع الطلاق بانقضاء المدة، والله يقول:
стр. 4610
﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. (١)
تنبيه: على القول بالوقف، وهو الصحيح، فلا يحكم عليه بما تقدم إلا بعد أن ترافعه المرأة إلى القاضي. (٢)
مسألة [١٨]: مدة التربص لا تفتقر إلى حكم الحاكم .
قال العِمراني ﵀ في «البيان» (١٠/ ٣٠٣): ولا يفتقر ضرب مدة التربص إلى الحاكم؛ لأنها ثبتت بالنص، والإجماع، فلم يفتقر ضربها إلى الحاكم كمدة العنة، ويكون ابتداؤها من حين اليمين؛ لأن ذلك أول وقت يقتضيه، فهو كالأجل في الثمن. اهـ (٣)
مسألة [١٩]: إذا وطئها قبل انقضاء المدة، أو قبل المطالبة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٢): فَإِنْ وَطِئَهَا؛ فَقَدْ عَجَّلَ حَقَّهَا قَبْلَ مَحِلَّهُ، وَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ، كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ دَفَعَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ. وَهَكَذَا إنْ وَطِئَ بَعْدَ الْمُدَّةِ، قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ أَوْ بَعْدَهَا؛ خَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ. وَسَوَاءٌ وَطِئَهَا وَهِيَ عَاقِلَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ، أَوْ يَقْظَانَةُ أَوْ نَائِمَةٌ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ وَطِئَهَا وَهُوَ مَجْنُونٌ؛ لَمْ يَحْنَثْ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَحْنَثُ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛
стр. 4611
لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ. اهـ
قلتُ: الصحيح أنه لا يحنث؛ لأنه غير مكلف، إلا أن يستمر على ذلك بعد الإفاقة، والله أعلم.
وقال ﵀ (١١/ ١٤): قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ الله: الْمُولِي يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ؟ قَالَ: يَذْهَبُ عَنْهُ الْإِيلَاءُ، وَلَا يُوقَفُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ، وَذَهَبَ الْإِيلَاءُ حِينَ ذَهَبَتْ الْيَمِينُ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَمْنُوعًا مِنْ الْوَطْءِ بِيَمِينِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى. فَإِنْ كَانَ تَكْفِيرُهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ؛ انْحَلَّ الْإِيلَاءُ حِينَ التَّكْفِيرِ، وَصَارَ كَالْحَالِفِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَإِنْ كَفَّرَ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ وَقَبْلَ الْوُقُوفِ؛ صَارَ كَالْحَالِفِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْهَا، إذَا مَضَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ قَبْلَ وَقْفِهِ. اهـ
مسألة [٢٠]: إن وطئ العاقل ناسيًا يمينه، أو جاهلاً للمحلوف عليها ؟
فيه وجهان عند أهل العلم، كحكم وطء المجنون، وقد تقدم بيان الراجح فيه، والله أعلم. (١)
مسألة [٢١]: إن وطئها وطئًا محرمًا ؟
• مذهب الشافعي، وأكثر الحنابلة أنه إن وطئها وطئًا محرمًا أنه يحنث، ويخرج من الإيلاء، كأن يطاها حائضًا، أو نفساء، أو صائمًا، أو مظاهرًا.
• وقال أبو بكر الحنبلي بعدم خروجه من الإيلاء؛ لأنه وطءٌ غير مشروع لا
стр. 4612
يؤمر به في الفيئة، فلا يخرج به من الإيلاء، كالوطء في الدبر.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٣ - ٣٤): لا يصح هذا؛ لأنَّ يمينه انحلت، ولم يبق ممتنعًا من الوطء بحكم اليمين، فلم يبق الإيلاء، كما لو كفر عن يمينه، وفارق الوطء في الدبر؛ فإنه لا يحنث به، وليس محلا للوطء، بخلاف مسألتنا. اهـ
مسألة [٢٢]: إن عفت عن المطالبة بعد وجوبها ؟
• مذهب الحنابلة أنها تسقط، وليس لها بعد ذلك المطالبة؛ لأنها رضيت بإسقاط حقها.
• ومذهب الشافعية وهو احتمال للحنابلة أنه لا يسقط حقها، ولها المطالبة متى شاءت؛ لأنها تثبت برفع الضرر بترك ما يتجدد مع الأحوال، وهذا القول جيد، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٣]: معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ .
فسَّر أهل العلم الفيئة بالجماع.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٨): لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ الله. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْفَيْءَ الْجِمَاعُ.
قال: وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ (٢)، وَبِهِ قَالَ
стр. 4613
مَسْرُوقٌ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. وَأَصْلُ الْفَيْءِ الرُّجُوعُ؛ وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى الْمَشْرِقِ، فَسُمِّيَ الْجِمَاعُ مِنْ الْمُولِي فَيْئَةً؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى فِعْلِ مَا تَرَكَهُ. وَأَدْنَى الْوَطْءِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الْفَيْئَةُ أَنْ تَغِيبَ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ؛ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ. وَلَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي الدُّبُرِ، لَمْ يَكُنْ فَيْئَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْلُوفٍ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ بِفِعْلِهِ. اهـ
مسألة [٢٤]: هل عليه كفارة إذا فاء ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ عليه كفارة، وهو قول ابن سيرين، والنخعي، والثوري، وقتادة، ومالك، والشافعي في ظاهر مذهبه، وأحمد، وأبي عبيد، وأهل المدينة، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩]، ولحديث: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها؛ فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك». (١)
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا كفارة عليه، وهو قول الحسن، والشافعي في قول؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦].
وأُجيب: بأنَّ المغفرة لا تنافي الكفارة؛ فإنَّ الله تعالى قد غفر لرسوله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد قال: «إني والله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا
стр. 4614
منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» متفق عليه. (١)
ورجح شيخ الإسلام قول الجمهور، وهو ترجيح الشيخ ابن باز ﵀، وهو الصحيح، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٥]: إذا كان الحالف حلف بعتقٍ، أو طلاقٍ، فهل يقع عليه إذا فاء ؟
• مذهب الجمهور وقوع الطلاق؛ لأنَّ مذهبهم كما تقدم في الطلاق وقوع الطلاق المعلق، ولا يفصلون بين ما خرج مخرج اليمين، وبين ما خرج مخرج التعليق المحض، ومثله في العتق.
والصحيح هو ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم منهم طاوس، وعكرمة، وبعض أهل الظاهر، وبعض المالكية، والشافعية، وشيخ الإسلام، وابن القيم من أنه إذا خرج مخرج اليمين بأن يكون قصده الحض، أو المنع؛ فإنه يمين له حكم اليمين، والله أعلم. (٣)
مسألة [٢٦]: إذا كان الحلف بالطلاق هو الطلقة الثالثة ؟
• اختلف الجمهور في هذه المسألة هل يمكن من الجماع أم لا؟
• فجماعة من الحنابلة، والشافعية يقولون: لا يمكن من الجماع، بل يحرم
стр. 4615
عليه؛ لأنها بالإيلاج تطلق عندهم، فيصير ما بعد الإيلاج محرمًا، فيكون الإيلاج محرمًا، وهذا كالصائم إذا تيقن أنه لم يبق إلى طلوع الفجر إلا قدر إيلاج الذكر دون إخراجه؛ حرم عليه الإيلاج وإن كان في زمن الإباحة؛ لوجود الإخراج في زمن الحظر، كذلك ههنا يحرم عليه الإيلاج وإن كان قبل الطلاق؛ لوجود الإخراج بعده، وهذا القول هو ظاهر مذهب الحنابلة.
• وجماعة من الحنابلة، وأكثر الشافعية يقولون: لا يحرم عليه الإيلاج؛ لأنها زوجته، ولا يحرم عليه الإخراج؛ لأنه ترك، وإن طلقت بالإيلاج، ويكون المحرم بهذا الوطء استدامة الإيلاج لا الابتداء والنزع، وهذا ظاهر نص الشافعي في المجامع عند طلوع الفجر، وفي المولي.
قال ابن القيم ﵀: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ، وَلَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ الزّوْجَةُ، بَلْ يُوقَفُ وَيُقَالُ لَهُ مَا أَمَرَ اللهُ، إمّا أَنْ تَفِيءَ وَإِمّا أَنْ تُطَلّقَ. قَالُوا: وَكَيْفَ يَكُونُ مُولِيًا، وَلَا يُمَكّنُ مِنْ الْفَيْئَةِ، بَلْ يَلْزَمُ بِالطّلَاقِ، وَإِنْ مُكّنَ مِنْهَا وَقَعَ بِهِ الطّلَاقُ؛ فَالطّلَاقُ وَاقِعٌ بِهِ عَلَى التّقْدِيرَيْنِ مَعَ كَوْنِهِ مُولِيًا؟ فَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ، بَلْ يُقَالُ لِهَذَا: إنْ فَاءَ؛ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطّلَاقُ، وَإِنْ لَمْ يَفِئْ؛ أُلْزِمَ بِالطّلَاقِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَرَى الْيَمِينَ بِالطّلَاقِ لَا يُوجِبُ طَلَاقًا وَإِنّمَا يُجْزِئُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظّاهِرِ، وَطَاوُس، وَعِكْرِمَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيّةَ قَدّسَ اللهُ رُوحَهُ. اهـ (١)
стр. 4616
مسألة [٢٧]: إذا كان المولي لا يستطيع الفيء بالجماع لعذر يمنعه، من مرض، أو حبس، أو غير ذلك ؟
• جمهور العلماء من التابعين، ومن بعدهم يقولون: عليه أن يفيء بلسانه، فيقول: متى قدرت جامعتها. أو نحو ذلك.
وهذا قول جابر بن زيد، والنخعي، والحسن، وعكرمة، والزهري، وأبي قلابة، والثوري، والأوزاعي، وأبي عبيد، وأحمد، وجماعة من الشافعية، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ القصد بالفيئة ترك ما قصده من الإضرار، وقد ترك قصد الإضرار بما أتى به من الاعتذار، والقول مع العذر يقوم مقام فعل القادر؛ ولأنَّ هذا هو غاية ما يستطيعه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
• وقال بعضهم: لا فيء إلا بالجماع. قاله الشعبي، والحكم، ونقل عن سعيد ابن جبير.
• وقال أبو ثور: إذا لم يقدر لم يوقف حتى يصح، أو يَصِل إن كان غائبًا، ولا تلزمه الفيئة باللسان؛ لأنَّ الضرر بترك الوطء لا يزول بالقول.
• وقال بعض الشافعية: يحتاج أن يقول: قد ندمت على ما فعلت، وإن قدرت وطئت.
стр. 4617
والصحيح هو القول الأول، وبالله التوفيق. (١)
تنبيه: من الأعذار أيضًا أن يكون محرمًا، أو معتكفًا اعتكافًا واجبًا. (٢)
مسألة [٢٨]: متى قدر على الوطء، هل يؤمر به، أم تجزئه فيئة اللسان ؟
• مذهب الشافعي، والحنابلة أنه يؤمر بالوطء؛ فإن فعل وإلا أمر بالطلاق.
• وقال بعضهم: إذا فاء بلسانه؛ فلا يطالب بالفيئة مرة أخرى.
وهو قول الحسن، وعكرمة، والأوزاعي، وأبي بكر الحنبلي؛ لأنه فاء مرة، فخرج من الإيلاء.
• وقال أبو حنيفة: تستأنف له مدة الإيلاء ثانية.
وأُجيب: بأنه إنما أخر حقها لعجزه عنه، فإذا قدر عليه؛ لزمه أن يوفيها إياه، كالدين على المعسر إذا قدر عليه.
فالصحيح القول الأول، وما ذكروه فليس بحقها، ولا يزول الضرر عنها به، وإنما وعدها بالوفاء، ولزمها الصبر عليه، وإنظاره كالغريم، والمعسر. (٣)
تنبيه: ليس على من فاء بلسانه الكفارة حتى يجامع. (٤)
стр. 4618
مسألة [٢٩]: إذا أبى أن يفيء، وأبى الطلاق ؟
• قال بعض أهل العلم: يطلق عليه الحاكم. وهو قول أحمد، ومالك، وهو قول للشافعي؛ لأنَّ الطلاق تدخله النيابة، وقد استحقته المرأة، وامتنع من هو عليه الحق، فيقوم الحاكم مقامه، كقضاء الدين.
• وقال بعضهم: لا يطلق عليه الحاكم، ولكن يحبسه، ويضر به حتى يفيء أو يطلق. وهو قول الشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وابن حزم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٧]، فأضاف الطلاق إلى الأزواج؛ فدل على أن غيرهم، والحاكم لا يطلق عليهم، ولحديث: «الطلاق لمن أخذ بالساق». (١)
ورجح الإمام ابن باز، والشيخ صالح الفوزان القول الأول كما في «فتاوى اللجنة» (٢٠/ ٢٦٢)، وهو الأقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣٠]: ما حكم الطلاق الذي يقع من المولي ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه طلاق رجعي، سواء طلق بنفسه، أو أوقعه عليه الحاكم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية.
• وعن أحمد رواية أنَّ طلاق الحاكم وتفريقه يكون بائنًا وهذا الأشهر عن أحمد.
стр. 4619
• وذهب أبو حنيفة، وأبو ثور إلى أنه طلاق بائن مطلقًا. وعند أبي حنيفة: يقع الطلاق بانقضاء المدة كما تقدم.
وحجة أصحاب القول الأول: أنَّ الأصل أنَّ كل طلاق وقع بالشرع؛ فإنه رجعي.
وحجة أصحاب القول الثاني: أنه إن كان رجعيًّا لم يزل الضرر عنها بذلك؛ لأنه يجبرها على الرجعة، والصحيح أنه طلاق رجعي؛ لأنه هو الأصل في الطلاق، والله أعلم. (١)
مسألة [٣١]: هل للحاكم أن يطلق عليه ثلاثًا ؟
• مذهب الحنابلة جواز ذلك؛ لأنه قائم مقام المطلق، وهو الزوج، فيملك من الطلاق ما يملك.
• وقال الشافعي: ليس له إلا واحدة؛ لأنَّ إيفاء الحق يحصل بها، فلم يملك زيادة عليها كما لم يملك الزيادة على وفاء الدين في حق الممتنع، وهذا أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣٢]: إذا راجع امرأته، فهل تستأنف مدة الإيلاء ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ المولي إذا طلَّق، أو طلَّق عليه الحاكم له أن يراجع امرأته، ومن قال: إنها طلقة بائنة فيقول: له مراجعتها بعقد جديد.
يَهْدِمُ الْإِيلَاءَ.
قال: وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْطَعُ مُدَّتَهُ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِمُدَّتِهِ قَبْلَ الرَّجْعَةِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ مِثْلَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُزِيلُ حُكْمَهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا بِالطَّلَاقِ، فَسَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّ حُكْمَ الْيَمِينِ بَاقٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ، فَيَبْقَى الْإِيلَاءُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ، بِخِلَافِ الْفَيْئَةِ؛ فَإِنَّهَا تَرْفَعُ الْيَمِينَ لِحُصُولِ الْحِنْثِ فِيهَا. اهـ
مسألة [٣٣]: إذا وقف بعد الأربعة أشهر، فقال: قد أصبتها. فأنكرت ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم أنها إن كانت ثيبًا؛ فالقول قول الرجل، وعليه اليمين؛ لأنَّ الأصل بقاء النكاح، والمرأة تدعي ما يلزمه به رفعه، وهو يدعي ما يوافق الأصل.
• وعن أحمد رواية: أنه ليس عليه يمين، والصحيح أن عليه اليمين، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، قال: ويستثنى من ذلك إذا دلت القرينة على كذبه، كأن تكون المرأة قد قضت المدة عند أهلها، ونحو ذلك.
• وأما إن كانت بكرًا، فيجعل بعض النساء الثقات يرينها ولو واحدة فإن شهدت ببكارتها؛ فالقول قولها، وإن شهدت بأنها ثيب؛ فالقول قوله، ومثل ذلك لو اختلفا في المدة. (١)
стр. 4622
مسألة [٣٤]: إذا أبان امرأته بعدما آلى منها، ثم تزوجها، فهل يستمر حكم الإيلاء ؟
أما إذا أبان زوجته؛ فإنَّ مدة الإيلاء تنقطع بغير خلاف كما ذكر ابن قدامة ﵀، سواء بانت بفسخ، أو طلاق ثلاث، أو بخلع، أو بانقضاء عدتها من الطلاق الرجعي؛ لأنها صارت أجنبية منه، ولم يبق شيء من أحكام نكاحها.
فإن عاد فتزوجها، ففيه خلاف بين أهل العلم:
• منهم من يقول: يعود حكم الإيلاء، ويستأنف العدة من حينئذٍ. وهو قول مالك، والحنابلة، وبعض الشافعية.
• ومنهم من يقول: إن كان الطلاق أقل من ثلاث، ثم تركها حتى انتهت عدتها، ثم نكحها؛ عاد الإيلاء، وإن استوفى عدد الطلاق؛ لم يعد الإيلاء؛ لأنَّ حكم النكاح الأول زال بالكلية، ولهذا ترجع إليه على طلاق ثلاث. وهذا قول أبي حنيفة، وبعض الشافعية.
• ومنهم من يقول: لا يعود حكم الإيلاء بحال. وهو قول ابن المنذر، وبعض أصحاب الشافعي؛ لأنها صارت بحال لو آلى منها؛ لم يصح إيلاؤه؛ فبطل حكم الإيلاء منها.
قلتُ: وهذا القول أظهر لي، والله أعلم؛ لأنها خرجت عن كونها من نسائه، وانقطع الحكم السابق، لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة:
стр. 4623
٢٢٦ - ٢٢٧]، وهي بعد إبانتها ليست من نسائه؛ فانقطع الحكم، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٥]: إذا ترك وطء امرأته بغير يمين، فهل له حكم الإيلاء ؟
• من أهل العلم من قال: إن ترك ذلك بغير عذر إضرارًا بها؛ فله حكم الإيلاء، فتضرب له المدة، ثم يخير؛ لأنه في معنى الإيلاء، وقد أضرَّ بها في نفس المدة، فيأخذ حكمه، ولأنَّ حكم الإيلاء ثبت لإزالة الضرر عن المرأة، وهو حاصل بدون اليمين. وهذا قول أحمد في رواية، ومالك.
• ومن أهل العلم من قال: لا يعتبر إيلاءً، ولا يأخذ حكمه. وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنَّ تعليق الحكم بالإيلاء يدل على انتفائه عند عدمه؛ إذ لو ثبت هذا الحكم بدونه لم يكن له أثر، والله أعلم. وهذا القول هو الصحيح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: ليس الأمر كما قال المؤلف؛ لأنه لا يمكن أن يعطى حكمًا كحكم مع اختلاف بينهما، بل يقال: إنه يطلب منه إما أن يعاشر بالمعروف، وإما أن يفسخ، أو يطلق، والفرق بينه وبين المولي حنيئذٍ أنَّ المولي آلى وحلف، فترتب على إيلائه التربص كما أمره الله ؛ مراعاةً ليمينه، أما هذا فمجرد إضرار بها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار»، فالصواب أن يقال: إنه إما أن يؤمر بالمعاشرة بالمعروف، أو يفارق. اهـ
стр. 4624
قال القرطبي ﵀ في «تفسيره»: قال علماؤنا: ومن امتنع من وطء امرأته بغير يمين حَلَفَها إضرارًا بها؛ أُمر بوطئها؛ فإن أبى وأقام على امتناعه مضرًّا بها؛ فرق بينه وبينها من غير ضرب أجل. اهـ (١)