← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

يَهْدِمُ الْإِيلَاءَ. قال: وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْطَعُ مُدَّتَهُ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِمُدَّتِهِ قَبْلَ الرَّجْعَةِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ مِثْلَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُزِيلُ حُكْمَهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا بِالطَّلَاقِ، فَسَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّ حُكْمَ الْيَمِينِ بَاقٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ، فَيَبْقَى الْإِيلَاءُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ، بِخِلَافِ الْفَيْئَةِ؛ فَإِنَّهَا تَرْفَعُ الْيَمِينَ لِحُصُولِ الْحِنْثِ فِيهَا. اهـ مسألة [٣٣]: إذا وقف بعد الأربعة أشهر، فقال: قد أصبتها. فأنكرت ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم أنها إن كانت ثيبًا؛ فالقول قول الرجل، وعليه اليمين؛ لأنَّ الأصل بقاء النكاح، والمرأة تدعي ما يلزمه به رفعه، وهو يدعي ما يوافق الأصل. • وعن أحمد رواية: أنه ليس عليه يمين، والصحيح أن عليه اليمين، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، قال: ويستثنى من ذلك إذا دلت القرينة على كذبه، كأن تكون المرأة قد قضت المدة عند أهلها، ونحو ذلك. • وأما إن كانت بكرًا، فيجعل بعض النساء الثقات يرينها ولو واحدة فإن شهدت ببكارتها؛ فالقول قولها، وإن شهدت بأنها ثيب؛ فالقول قوله، ومثل ذلك لو اختلفا في المدة. (١)

стр. 4622

مسألة [٣٤]: إذا أبان امرأته بعدما آلى منها، ثم تزوجها، فهل يستمر حكم الإيلاء ؟ أما إذا أبان زوجته؛ فإنَّ مدة الإيلاء تنقطع بغير خلاف كما ذكر ابن قدامة ﵀، سواء بانت بفسخ، أو طلاق ثلاث، أو بخلع، أو بانقضاء عدتها من الطلاق الرجعي؛ لأنها صارت أجنبية منه، ولم يبق شيء من أحكام نكاحها. فإن عاد فتزوجها، ففيه خلاف بين أهل العلم: • منهم من يقول: يعود حكم الإيلاء، ويستأنف العدة من حينئذٍ. وهو قول مالك، والحنابلة، وبعض الشافعية. • ومنهم من يقول: إن كان الطلاق أقل من ثلاث، ثم تركها حتى انتهت عدتها، ثم نكحها؛ عاد الإيلاء، وإن استوفى عدد الطلاق؛ لم يعد الإيلاء؛ لأنَّ حكم النكاح الأول زال بالكلية، ولهذا ترجع إليه على طلاق ثلاث. وهذا قول أبي حنيفة، وبعض الشافعية. • ومنهم من يقول: لا يعود حكم الإيلاء بحال. وهو قول ابن المنذر، وبعض أصحاب الشافعي؛ لأنها صارت بحال لو آلى منها؛ لم يصح إيلاؤه؛ فبطل حكم الإيلاء منها. قلتُ: وهذا القول أظهر لي، والله أعلم؛ لأنها خرجت عن كونها من نسائه، وانقطع الحكم السابق، لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة:

стр. 4623

٢٢٦ - ٢٢٧]، وهي بعد إبانتها ليست من نسائه؛ فانقطع الحكم، والله أعلم. (١) مسألة [٣٥]: إذا ترك وطء امرأته بغير يمين، فهل له حكم الإيلاء ؟ • من أهل العلم من قال: إن ترك ذلك بغير عذر إضرارًا بها؛ فله حكم الإيلاء، فتضرب له المدة، ثم يخير؛ لأنه في معنى الإيلاء، وقد أضرَّ بها في نفس المدة، فيأخذ حكمه، ولأنَّ حكم الإيلاء ثبت لإزالة الضرر عن المرأة، وهو حاصل بدون اليمين. وهذا قول أحمد في رواية، ومالك. • ومن أهل العلم من قال: لا يعتبر إيلاءً، ولا يأخذ حكمه. وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنَّ تعليق الحكم بالإيلاء يدل على انتفائه عند عدمه؛ إذ لو ثبت هذا الحكم بدونه لم يكن له أثر، والله أعلم. وهذا القول هو الصحيح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. قال الإمام ابن عثيمين ﵀: ليس الأمر كما قال المؤلف؛ لأنه لا يمكن أن يعطى حكمًا كحكم مع اختلاف بينهما، بل يقال: إنه يطلب منه إما أن يعاشر بالمعروف، وإما أن يفسخ، أو يطلق، والفرق بينه وبين المولي حنيئذٍ أنَّ المولي آلى وحلف، فترتب على إيلائه التربص كما أمره الله ؛ مراعاةً ليمينه، أما هذا فمجرد إضرار بها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار»، فالصواب أن يقال: إنه إما أن يؤمر بالمعاشرة بالمعروف، أو يفارق. اهـ

стр. 4624

قال القرطبي ﵀ في «تفسيره»: قال علماؤنا: ومن امتنع من وطء امرأته بغير يمين حَلَفَها إضرارًا بها؛ أُمر بوطئها؛ فإن أبى وأقام على امتناعه مضرًّا بها؛ فرق بينه وبينها من غير ضرب أجل. اهـ (١)

стр. 4625

١٠٩١ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إنِّي وَقَعْت عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، قَالَ: «فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَك اللهُ». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ إرْسَالَهُ. (١) وَرَوَاهُ البَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَزَادَ فِيهِ: «كَفِّرْ، وَلَا تَعُدْ». (٢) ١٠٩٢ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ فَخِفْتُ أَنْ أُصِيبَ امْرَأَتِي، فَظَاهَرْت مِنْهَا، فَانْكَشَفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ لَيْلَةً، فَوَقَعْت عَلَيْهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «حَرِّرْ رَقَبَةً» فَقُلْت: مَا أَمْلِكُ إلَّا رَقَبَتِي. قَالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قُلْت: وَهَلْ أَصَبْت الَّذِي أَصَبْت إلَّا مِنَ الصِّيَامِ؟ قَالَ: «أَطْعِمْ فَرَقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ. (٣)

стр. 4626

المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين تعريف الظهار: الظِّهار: بكسر الظاء، مشتق من الظهر، وإنما خصوا الظهر من بين سائر أعضاء البدن؛ لأنَّ كل مركوب يسمى ظهرًا؛ لحصول الركوب على ظهره، فشبهت الزوجة به، والمقصود به أن يقول لزوجته (أنت عليَّ كظهر أمي). (١) مسألة [١]: حكم الظهار . كان الظهار في الجاهلية يعد طلاقًا، فنقل في الشرع إلى التحريم، والكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]. وقال تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة:٢]، وقال عزوجل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ

стр. 4627

مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]. (١) والأصل في الظهار وحكمه الكتاب والسنة. فمن كتاب الله عزوجل: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] الآيات. ومن السنة: حديثا الباب، وحديث خويلة بنت ثعلبة حين ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، فنزلت الآية. أخرجه أبو داود (٢٢١٤)، وأحمد (٦/ ٤١٠، ٤١١)، وغيرهما، وهو حديث حسن بشواهده، وطرقه. مسألة [٢]: من يصح منه الظهار ؟ يصح الظهار من كل زوجٍ يصح طلاقه، وهو البالغ العاقل، سواء كان مسلمًا، أو كافرًا، حرًّا، أو عبدًا، والسكران لا يصح ظهاره كما أنَّ الراجح أنه لا يصح طلاقه، والصبي تقدم أنَّ الجمهور لا يعدون طلاقه، فكذلك ظهاره، ووافق على ذلك ههنا بعض الحنابلة، وصححه ابن قدامة، فقال: والصحيح أن ظهار الصبي غير صحيح؛ لأنها يمين موجبة للكفارة، فلم تنعقد منه كاليمين بالله تعالى، ولأنَّ الكفارة وجبت لما فيه من قول المنكر، والزور، وذلك مرفوع عن الصبي؛ لكون القلم مرفوعًا عنه. (٢)

стр. 4628

مسألة [٣]: هل يصح ظهار العبد ؟ • عموم الآية يشمل العبد ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾، فاسم الموصول يفيد العموم، وعلى ذلك أكثر أهل العلم خلافًا لمن منعه. (١) مسألة [٤]: هل يصح ظهار الذمي ؟ • مذهب أحمد، والشافعي أنه يصح ظهار الذمي؛ لأنه يصح طلاقه، فيصح ظهاره. • ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنه لا يصح ظهاره؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعني من المسلمين، وهذا يقتضي خروج الذمي من الخطاب، ولأنه لا تصح منه الكفارة، وهي الرافعة للتحريم، فلا يصح منه التحريم. وأُجيب: بأنَّ قوله ﴿مِنْكُمْ﴾ لا يفيد خصوص الحكم بالمسلم، وبعدم التسليم أن التكفير لا يصح منه؛ فإنه يصح منه العتق والإطعام، وإنما لا يصح منه الصوم، فلا تمتنع صحة الظهار بامتناع بعض أنواع الكفارة. ورجح الإمام الشوكاني ﵀ قول مالك، وأبي حنيفة، وهو ظاهر ترجيح الصنعاني. والذي يظهر أنَّ قول الشافعي، وأحمد أقرب، والله أعلم. (٢)

стр. 4629

مسألة [٥]: من لا يصح طلاقه لا يصح ظهاره . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٧): وَمَنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ، كَالطِّفْلِ، وَالزَّائِلِ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ، أَوْ إغْمَاءٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ غَيْرِهِ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْمُكْرَهِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَصِحُّ ظِهَارُهُ. وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ طَلَاقِهِ، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ. اهـ مسألة [٦]: هل يصح الظهار من كل زوجة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٧): وَيَصِحُّ الظِّهَار مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً، مُمْكِنًا وَطْؤُهَا أَوْ غَيْرَ مُمْكِنٍ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ الَّتِي لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، وَالظِّهَارُ لِتَحْرِيمِ وَطْئِهَا. وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلَاقُهَا، فَصَحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا كَغَيْرِهَا. اهـ (١) مسألة [٧]: ظهار السيد من أمته ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن ظهار السيد من أمته لا يصح، وهو قول مجاهد، وربيعة، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة وأصحابهم.

стр. 4630

واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾؛ ولأنه لفظ يتعلق به تحريم الزوجة، فلا تحرم به الأمة كالطلاق، ولأنَّ الظهار كان طلاقًا في الجاهلية فنقل حكمه وبقي محله. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى صحة ظهار السيد من أمته، وهو قول سعيد ابن المسيب، والحسن، وسليمان بن يسار، ومرة الهمداني، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، والشعبي، وعكرمة، وطاوس، والزهري، وقتادة، وعمرو بن دينار، ومنصور بن المعتمر، وهو قول مالك، والليث، والحسن بن حي، وسفيان الثوري، والظاهرية. • وعن الحسن، وسعيد بن المسيب، والأوزاعي: إن كان يطأها؛ فهو ظهار، وإن لم يكن يطأها؛ فلا كفارة عليه. • وقال عطاء: عليه نصف كفارة حرة. وحجة القائلين بصحة الظهار منها أنها مباحة كالحرة؛ ولأنها من نسائه، كما قال تعالى في آية التحريم: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهو يشمل أم الأمة. قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الذي يظهر أنَّ القول الأول هو الصواب، وأنَّ الآية نزلت في تحريم الزوجات بالظهار، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤].

стр. 4631

مسألة [٨]: إذا قال: أنت علي كظهر أمي . هذا اللفظ يُعتبر ظهارًا بالإجماع، قال ابن قدامة ﵀: هذا ظهارٌ إجماعًا، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن تصريح الظهار أن يقول: أنت عليَّ كظهر أمي. (١) مسألة [٩]: إذا شبه زوجته بظهر من تحرم عليه من ذوي محارمه ؟ كأن يذكر ابنته، أو أخته، أو عمته، أو خالته، أو جدته. • فمذهب الجمهور أنه يعد ظهارًا، وهو قول الحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، والشعبي، والنخعي، والزهري، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، والشافعي في قولٍ، وأصحاب الرأي، وحجتهم في ذلك أنَّ المعنى واحد بجامع الحرمة الأبدية. • ونقل عن الشعبي، وقتادة أنه لا ظهار إلا من أم، أو جدة، وهو قولٌ للشافعي، وهو قول الظاهرية، وحجتهم في ذلك ظاهر القرآن ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]. وقد رجح هذا القول الإمام الإمام الصنعاني، والإمام الإمام الشوكاني رحمهما الله. قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (٣/ ٣٨٨): ولا يخفى أنَّ النص لم يرد

стр. 4632

إلا في الأم، وما ذكر من إلحاق غيرها؛ فبالقياس، وملاحظة المعنى، ولا ينتهض دليلًا على الحكم. اهـ قال الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» (ص ٤٤٢): وأما تشبيه الزوجة بابنته، أو أخته، أو جزء منهما، فهذا خارج عن النص، وإن كان معنى الحرمة موجودًا، والقول بالقياس لا يكون إلا بجامع الحرمة، وجامع الحرمة موجود في الأجنبيات فضلًا عن القرائب؛ فإن أُريد التحريم المؤبد؛ لزم ذلك في مثل الملاعنة. والحاصل أنَّ هذا القياس لا ينبغي أن يقال به ههنا؛ فإنَّ الله سبحانه قد وصف المظاهرين بأنهم ﴿لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]؛ فلا ينبغي توسيع دائرة ما هذا شأنه، بل يقصر على مورد النص، وهن الأمهات من النسب، وقد استرسل بعض أهل العلم في ذلك حتى قال: إن مجرد تحريم الوطء المطلق ظهار، وهو باطل من القول، وغلط في الاستدلال. اهـ وقد رجح الإمام ابن عثيمين ﵀ القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن باز ﵀، ورجح شيخنا مقبل الوادعي ﵀ القول الثاني، وهو الراجح، والله أعلم. (١) تنبيه: مثل الخلاف السابق ما إذا شبهها بمن تحرم عليه تأبيدًا من غير ذوات الرحم، كالأمهات، والأخوات من الرضاعة، وحلائل الآباء، والأبناء، وأمهات النساء، والربائب اللاتي دخل بأمهن. (٢)

стр. 4633

تنبيه آخر: الذين يقولون: لا يُعدُّ ظهارًا. فحكمه عندهم حكم من يقول لامرأته: أنت علي حرام. وقد تقدم ذكره. مسألة [١٠]: إذا شبه امرأته بظهر من تحرم عليه مؤقتًا ؟ • اختلف الجمهور في هذه المسألة، فذهب مالك، وأحمد في رواية إلى أنه ظهار؛ لأنه شبهها بمُحَرَّمة، واختاره الخِرَقي. • ومذهب الشافعي، وأحمد في رواية أنه ليس بظهار؛ لأنها غير محرمة على التأبيد، فلا يكون ظهارًا، كالحائض والمُحْرِمة من نسائه. (١) مسألة [١١]: إذا قال: أنت عليَّ كظهر أبي ؟ • أكثر الجمهور يقولون: ليس بظهار؛ لأنه تشبيه بما ليس بمحل للاستمتاع أشبه ما لو قال: أنت عليَّ كمال زيد. • وعن أحمد رواية أنه ظهار، وهو قول بعض المالكية. (٢) مسألة [١٢]: لو قال: أنت علي كأمي، أو مثل أمي ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٦٠): وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي. أَوْ: مِثْلُ أُمِّي. وَنَوَى بِهِ الظِّهَارَ، فَهُوَ ظِهَارٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَاهُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. قال: وَإِنْ نَوَى بِهِ الْكَرَامَةَ وَالتَّوْقِيرَ، أَوْ أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي الْكِبَرِ، أَوْ الصِّفَةِ؛ فَلَيْسَ

стр. 4634

بِظِهَارٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ. قال: وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِيهِ رِوَايَتَانِ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ حَتَّى يَنْوِيَهُ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْكَرَامَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّحْرِيمِ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِجُمْلَةِ أُمِّهِ؛ فَكَانَ مُشَبِّهًا لَهَا بِظَهْرِهَا. قال: وَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الظِّهَارِ، مِثْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ الْحَلِفِ، فَيَقُولُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي. أَوْ قَالَ ذَلِكَ حَالَ الْخُصُومَةِ، وَالْغَضَبِ، فَهُوَ ظِهَارٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْحَلِفِ، فَالْحَلِفُ يُرَادُ لِلِامْتِنَاعِ مِنْ شَيْءٍ، أَوْ الْحَثِّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ كَوْنَهَا مِثْلُ أُمِّهِ فِي صِفَتِهَا أَوْ كَرَامَتِهَا لَا يَتَعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الظِّهَارَ، وَوُقُوعُ ذَلِكَ فِي حَالِ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَذَاهَا، وَيُوجِبُ اجْتِنَابَهَا، وَهُوَ الظِّهَارُ، وَإِنْ عَدِمَ هَذَا فَلَيْسَ بِظِهَارٍ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِغَيْرِ الظِّهَارِ احْتِمَالًا كَثِيرًا، فَلَا يَتَعَيَّنُ الظِّهَارُ فِيهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. اهـ (١) مسألة [١٣]: إذا قال: أنت علي كظهر أمي. ونوى الطلاق ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٦٢): وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي

стр. 4635

حَرَامٌ. فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ، لَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ، سَوَاءٌ نَوَى الطَّلَاقَ، أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ الله. قال: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي. أَوْ: كَأُمِّي. فَكَذَلِكَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي، إذَا نَوَى الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: لَا أَقْبَلُ قَوْلَهُ فِي نَفْيِ الظِّهَارِ. وَوَجْهُ قَوْلِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ، وَزِيَادَةُ قَوْلِهِ: كَظَهْرِ أُمِّي. بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْفِي الطَّلَاقَ. قال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ الظِّهَارِ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. قال الشوكاني ﵀ في «السيل» (ص ٤٤٣): قد قدمنا لك أن الشرع نسخ ما كانت تفعله الجاهلية من الظهار مريدين به الطلاق، وظاهر هذا أنه لا يقع به الطلاق أصلًا، وإن أراده؛ لأنه أراد ما لم يصح في الشريعة. اهـ وقد تقدم نقل كلام شيخ الإسلام في ذلك في باب كنايات الطلاق. (١) مسألة [١٤]: إذا شبه عضوًا من امرأته بظهر أمه ؟ مثل أن يقول: صدرك مني كظهر أمي. أو يدك كظهر أمي. أو فرجك مني كظهر أمي. أو رأسك ... . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٦): إذَا شَبَّهَ عُضْوًا مِنْ امْرَأَتِهِ بِظَهْرِ أُمِّهِ، أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا؛ فَهُوَ مُظَاهِرٌ، فَلَوْ قَالَ: فَرْجُك، أَوْ ظَهْرُك، أَوْ رَأْسُك، أَوْ

стр. 4636

جِلْدُك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ بَدَنِهَا، أَوْ رَأْسِهَا، أَوْ يَدِهَا؛ فَهُوَ مُظَاهِرٌ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ. قال: وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُظَاهِرٍ حَتَّى يُشَبِّهَ جُمْلَةَ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِاَلله لَا يَمَسُّ عُضْوًا مِنْهَا، لَمْ يَسْرِ إلَى غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ الْمُظَاهَرَةُ، وَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ. اهـ قلتُ: وظاهر كلام الشوكاني، والصنعاني أنَّ هذا ليس بظهار، وهو أقرب، وقد تقدم نقل كلامهما. مسألة [١٥]: لو شبه امرأته بعضو من أعضاء أمه غير الظهر ؟ مثل أن يقول: أنت علي كفرج أمي، أو كبطن أمي، أو كرأس أمي، أو كيد أمي. • فمذهب مالك، والشافعي، وأحمد أنه يعد ظهارًا؛ لأنَّ المعنى في ذلك واحد. • وقال أبو حنيفة: إن شبهها بما يحرم النظر إليه من الأم، كالفرج، والفخذ ونحوهما؛ فهو مظاهر، وإن لم يحرم النظر إليه كالرأس، والوجه؛ لم يكن مظاهرًا، كما لو شبهها بعضو زوجة له أخرى. وهذا قياسٌ فاسد؛ فإنَّ الزوجة لا يقع فيها الظهار، والنظر، وإن لم يحرم؛ فإنَّ التلذذ يحرم، وهو المقصود في هذا الباب. • وذهب ابن حزم، والصنعاني إلى أنه لا يقع الظهار إلا بذكر الظهر.

стр. 4637

واختار الشوكاني، والإمام ابن عثيمين القول الأول. (١) مسألة [١٦]: إذا ظاهر من امرأة أجنبية، ثم تزوجها ؟ • ذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ الظهار يصح، ولا يقربها حتى يكفر، وسواء قال ذلك لامرأة بعينها، أو عمم، وسواء علق ذلك بتزوجها أم لا، وهذا قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وعروة، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وعزاه ابن حزم أيضًا إلى الثوري، وأبي حنيفة، بينما عزا ابن قدامة إليهما القول الثاني وهو أنه لا يصح الظهار قبل التزويج، وهو قول الشافعي، والظاهرية، وبعض الحنابلة، وثبت ذلك عن ابن عباس ﵄. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]؛ ولأنَّ الظهار يمين ورد الشرع بحكمها مقيدًا بنسائه؛ فلم يثبت حكمها في الأجنبية كالإيلاء. واستدل أهل القول الأول بأثر عمر ﵁ أنَّ رجلًا جعل امرأة كظهر أمه إن تزوجها، فقال له عمر: إن تزوجتها فلا تقربها حتى تكفر. وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه؛ فإن القاسم بن محمد يرويه عن عمر، ولم يدركه، وقد ضعفه الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (٧/ ١٧٦)، وقالوا: هي يمين، فتنعقد قبل النكاح. وأجابوا عن آيات الظهار: بأنَّ تخصيص الزوجات فيها خرج مخرج الغالب،

стр. 4638

وبأنَّ الإيلاء اختص حكمه بنسائه؛ لكونه يقصد الإضرار بهن دون غيرهن، والكفارة وجبت ههنا؛ لقول المنكر والزور، ولا يختص ذلك بنسائه، وفرقوا بينه وبين الطلاق بأنَّ الطلاق حل عقدة النكاح فلا يسبقه، والظهار لا يرفع، وإنما يعلق الإباحة على شرط. والراجح هو القول الثاني؛ لأنَّ الإيلاء لا يختص من قَصَد الإضرار، ولأنَّ الظهار الذي جاءت به الأدلة هو الظهار من الزوجة، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [١٧]: تعليق الظهار بشرط . مثل أن يقول: (إن ذهبت إلى بيت فلان فأنت عليَّ كظهر أمي) أو (إن شاء زيد فأنت عليَّ كظهر أمي) أو (إذا جاء رأس الشهر فأنت عليَّ كظهر أمي) وما أشبه ذلك. • فأكثر أهل العلم يقولون: يصح تعليق الظهار بالشروط. وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية وغيرهم؛ لأنه يمين فجاز تعليقه على شرط كالإيلاء، وسائر الأيمان، ولأنَّ أصل الظهار كان طلاقًا، والطلاق يصح تعليقه بشرط. • وذهب ابن حزم إلى عدم صحة الطلاق بصيغة التعليق، ومقتضاه عدم صحة الظهار أيضًا.

стр. 4639

• وذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى أنَّ حكمه حكم الطلاق؛ فإن كان تعليقًا محضًا؛ وقع الظهار، وإن كان خرج مخرج اليمين والحلف؛ فعليه كفارة يمين. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٣١٩ - ): إذا حلف بالظهار، أو الحرام على حض، أو منع، كقوله: إن فعلت هذا فأنت علي كظهر أمي، أو حرام، أو الحرام يلزمني، أو الظهار لا أفعله، أو لأفعلنه. فهذا أصحابنا فيه إذا حنث بالظهار، كما أنه يقع به الطلاق والعتاق، ولهذا قالوا في أيمان المسلمين: منها الظهار. قال: وكنت أفتي بهذا تقليدًا، ولما ذكروه من الحجة من أنه حكم معلق بشرط، كما لو قال: إن فعلت هذا فأنت عليَّ حرام. عقوبة له على فعله. قال: وأفتيت بعد هذا أنَّ عليه كفارة اليمين إذا كان مقصوده عدم الفعل، وعدم التحريم، كما قلنا في مسألة (نذر اللجاج والغضب) وكما قلناه في قوله: هو يهودي، أو نصراني إن فعل كذا. وقوله: هو يستحل الخمر والميتة إن فعل كذا. فإنه لما لم يكن مقصوده الحكم عند الشرط، وإنما الغرض الامتناع من فعل، فكذلك إذا قال: الحل علي حرام إن فعل كذا. وليس غرضه تحريم الحلال عند الفعل، وإنما غرضه الامتناع من الفعل وذكر التزام ذلك تقديرًا تحقيقًا للمنع، كما ذكر التزام التهود والتنصر تقديرًا كما أنه معنى اليمين (هتكت حرمة الإيمان بالله إن فعلت هذا، أو نقضت حرمة الله، أو استخففت بحرمة الله إن فعلت). اهـ قلتُ: وقول شيخ الإسلام هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم بالصواب، وبالله التوفيق.

стр. 4640

مسألة [١٨]: هل يصح أن يكون الظهار مؤقتًا ؟ • ذهب كثير من أهل العلم إلى صحة الظهار المؤقت، وإذا مضى الوقت زال الظهار بغير كفارة، وهذا قول عطاء، وقتادة، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي في قول. واستدلوا بحديث سلمة بن صخر؛ فإنه ظاهر من امرأته حتى ينسلخ شهر رمضان، ولم ينكر عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك، ولم يخبره أنَّ الظهار كذلك لا يصح. • وللشافعي قول آخر أنَّ الظهار لا يصح، وهو قول ابن أبي ليلى، والليث؛ لأنَّ الشرع ورد بلفظ الظهار مطلقًا، وهذا لم يُطلِق، فأشبه ما لو شبهها بمن تحرم عليه في وقتٍ دون وقت. • وقال مالك: يسقط التأقيت، ويكون ظهارًا مطلقًا؛ لأنَّ هذا لفظٌ يوجب تحريم المرأة، فإذا وقته لم يتوقت كالطلاق، وبنحوه قول طاوس؛ فإنه قال: عليه الكفارة وإن برَّ. والصحيح هو القول الأول؛ لحديث سلمة، ولأنَّ الظهار يمين، فله أحكام الأيمان من جواز تقييدها، والله أعلم. (١) مسألة [١٩]: قول الرجل: أنت علي كظهر أمي إن شاء الله . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٧٠): فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ شَاءَ اللهُ. لَمْ يَنْعَقِدْ ظِهَارُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: هِيَ عَلَيْهِ

стр. 4641

كَظَهْرِ أُمِّهِ إنْ شَاءَ الله. فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، هِيَ يَمِينٌ. وَإِذَا قَالَ: مَا أَحَلَّ الله عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ شَاءَ الله. وَلَهُ أَهْلٌ، هِيَ يَمِينٌ، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ مسألة [٢٠]: هل للمظاهر أن يقرب امرأته قبل أن يكفر ؟ أما إذا كانت الكفارة بالعتق، أو الصيام؛ فلا يجوز له أن يمسها قبل الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٤]، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. • واختلفوا: هل له وطؤها قبل أن يكفر بالإطعام؟ على قولين: القول الأول: أنه يحل له وطؤها قبل الكفارة. وهو قول أبي ثور، وأحمد في رواية، وابن حزم؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، ولم يقل من قبل أن يتماسا، كما ذكر ذلك في العتق، والصيام، والله سبحانه لم يقيد ذلك عبثًا، بل لفائدة وهي تقييد ما قيده وإطلاق ما أطلقه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. القول الثاني: لا يحل له ذلك. وهو قول الجمهور، وقال به عطاء، والزهري، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة وأصحابهم. قال ابن القيم ﵀: وَوَجْهُ الْمَنْعِ: اسْتِفَادَةُ حُكْمِ مَا أَطْلَقَهُ مِمّا قَيّدَهُ، إمّا بَيَانًا عَلَى الصّحِيحِ، وَإِمّا قِيَاسًا قَدْ أُلْغِيَ فِيهِ الْفَارِقُ بَيْنَ الصّورَتَيْنِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُفَرّقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] مَرّتَيْنِ، فَلَوْ أَعَادَهُ

стр. 4642

ثَالِثًا؛ لَطَالَ بِهِ الْكَلَامُ، وَنَبّهَ بِذِكْرِهِ مَرّتَيْنِ عَلَى تَكَرّرِ حُكْمِهِ فِي الْكَفّارَاتِ، وَلَوْ ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ مَرّةً وَاحِدَةً؛ لَأَوْهَمَ اخْتِصَاصَهُ بِالْكَفّارَةِ الْأَخِيرَةِ، وَلَوْ ذَكَرَهُ فِي أَوّلِ مَرّةٍ؛ لَأَوْهَمَ اخْتِصَاصَهُ بِالْأُولَى، وَإِعَادَتُهُ فِي كُلّ كَفّارَةٍ تَطْوِيلٌ، وَكَانَ أَفْصَحَ الْكَلَامِ وَأَبْلَغَهُ وَأَوْجَزَهُ مَا وَقَعَ، وَأَيْضًا فَإِنّهُ نَبّهَ بِالتّكْفِيرِ قَبْلَ الْمَسِيسِ بِالصّوْمِ مَعَ تَطَاوُلِ زَمَنِهِ، وَشِدّةِ الْحَاجَةِ إلَى مَسِيسِ الزّوْجَةِ عَلَى أَنّ اشْتِرَاطَ تَقَدّمِهِ فِي الْإِطْعَامِ الّذِي لَا يَطُولُ زَمَنُهُ أَوْلَى. اهـ قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الصواب قول الجمهور، وقال الإمام ابن عثيمين ﵀: هو أحوط. (١) مسألة [٢١]: المباشرة بما دون الجماع في الفرج ؟ • قال جماعةٌ من أهل العلم: يحرم عليه ذلك حتى يكفر. وهو قول الزهري، ومالك، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي، وقول للشافعي. واستدلوا على ذلك بأنه شبهها بمن يحرم وطؤها ودواعيه، وبقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وهذا يعتبر مسًّا. • وقال جماعة من أهل العلم: لا يحرم عليه ذلك. وهو قول أحمد، والثوري، وإسحاق، وأبي حنيفة، وحُكي عن مالك، وهو القول الثاني للشافعي؛ لقوله

стр. 4643

تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ قالوا: المقصود به الجماع، ولا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه، والصائم يحرم منه الوطء دون دواعيه، والمسبية قبل استبرائها يحرم وطؤها دون دواعيه. (١) مسألة [٢٢]: متى تجب عليه الكفارة ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الكفارة تجب بمجرد الظهار، وهذا قول طاوس، ومجاهد، والزهري، وقتادة، وعثمان البتي. قال ابن القيم ﵀: وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أَنّ الْعَوْدَ شَرْطٌ فِي الْكَفّارَةِ، وَلَكِنْ الْعَوْدُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْعَوْدُ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيّةِ. انتهى وقولهم خلاف ظاهر الآية، وقد رده ابن القيم من ثلاثة أوجه كما في «زاد المعاد». • وذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ الكفارة تجب بالعود؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] الآية. • ثم اختلفوا في المقصود بالعود على أقوال: القول الأول: أنَّ المقصود به الوطء. حُكي ذلك عن الحسن، والزهري، وأحمد، وهو الأشهر عند الحنابلة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك في رواية، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم.

стр. 4644

وقال هؤلاء: العود هو فعل ضد قوله، ومنه العائد في هبته، هو الراجع في الموهوب، والعائد في عدته، أي: التارك للوفاء بما وعد، والعائد فيما نُهي عنه فاعل المنهي عنه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨]، فالمظاهر محرم للوطء على نفسه، ومانع لها منه؛ فالعود فعله. وهؤلاء يقولون: المقصود بقوله ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ أي: يريدون العود، فيبدأ بالتكفير، ثم يطأ؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. القول الثاني: أنَّ العود هو مجرد العزم على الوطء، وإن لم يطأ، وهو قول جماعة من الحنابلة، منهم: أبو يعلى، ومالك، وأبي عبيد؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وهذا صريح في أنَّ العود غير التماس. وقالوا: ما يحرم قبل الكفارة لا يجوز كونه متقدمًا عليها، قالوا: ولأنَّ الظهار تحريم، والعزم على وطئها إرادة للاستباحة؛ فيكون عودًا عن التحريم. واختلف هؤلاء فيما إذا ماتت، أو طلق بعد العزم قبل الوطء: • فمذهب الحنابلة أنه لا تجب عليه الكفارة. • ومذهب مالك، وأبي عبيد، وبعض الحنابلة أن عليه الكفارة. القول الثالث: أنَّ إمساكها بعد الظهار مدة يستطيع أن يطلقها فيها يوجب عليه الكفارة، وهو قول الشافعي وأصحابه.

стр. 4645

القول الرابع: أنَّ المراد بالعود هو إعادة الظهار، والتلفظ به مرة أخرى، وهو قول الظاهرية. وقالوا: العود في الشيء هو فعله مرة أخرى، هذا الذي يعقل في لغة العرب ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]. وقد أجاب ابن القيم ﵀ على الأقوال المخالفة في هذه المسألة كما في «زاد المعاد». أما أصحاب القول الثاني فيلزمهم أنه لو طلق، أو ماتت المرأة بعد أن عزم فعليه الكفارة، وكيف تجب عليه الكفارة وهو لم يحنث؟ وأما قول الشافعي: إنه مجرد الإمساك ... فقال ابن القيم ﵀: قَالَ مُنَازِعُوهُ يعني الذي يقول فيه (أنت طالق) إِنّ هَذَا النّفَسَ الْوَاحِدَ لَا يُخْرِجُ الظّهَارَ عَنْ كَوْنِهِ مُوجَبَ الْكَفّارَةِ، فَفِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يُوجِبْ الْكَفّارَةَ إلّا لَفْظُ الظّهَارِ، وَزَمَنُ قَوْلِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ) لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ إيجَابًا وَلَا نَفْيًا، فَتَعْلِيقُ الْإِيجَابِ بِهِ مُمْتَنِعٌ، وَلَا تُسَمّى تِلْكَ اللّحْظَةُ وَالنّفَسُ الْوَاحِدُ مِنْ الْأَنْفَاسِ عَوْدًا لَا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَلَا فِي عُرْفِ الشّارِعِ، وَأَيّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْجُزْءِ الْيَسِيرِ جِدًّا مِنْ الزّمَانِ مِنْ مَعْنَى الْعَوْدِ أَوْ حَقِيقَتِهِ؟ قَالُوا: وَهَذَا لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: (هُوَ إعَادَةُ اللّفْظِ بِعَيْنِهِ)؛ فَإِنّ ذَلِكَ قَوْلٌ مَعْقُولٌ يُفْهَمُ مِنْهُ الْعَوْدُ لُغَةً وَحَقِيقَةً، وَأَمّا هَذَا الْجُزْءُ مِنْ الزّمَانِ فَلَا يُفْهَمُ مِنْ الْإِنْسَانِ فِيهِ الْعَوْدُ

стр. 4646

الْبَتّةَ. قَالُوا: وَنَحْنُ نُطَالِبُكُمْ بِمَا طَالَبْتُمْ بِهِ الظّاهِرِيّةَ: مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَ الشّافِعِيّ؟ قَالُوا: وَاَللهُ سُبْحَانَهُ أَوْجَبَ الْكَفّارَةَ بِالْعَوْدِ بِحَرْفِ (ثُمّ) الدّالّةِ عَلَى التّرَاخِي عَنْ الظّهَارِ، فَلَابُدّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْعَوْدِ وَبَيْنَ الظّهَارِ مُدّةٌ مُتَرَاخِيَةٌ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عِنْدَكُمْ، وَبِمُجَرّدِ انْقِضَاءِ قَوْلِهِ (أَنْتَ عَلَيّ كَظَهْرِ أُمّي) صَارَ عَائِدًا مَا لَمْ يَصِلْهُ بِقَوْلِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ)، فَأَيْنَ التّرَاخِي وَالْمُهْلَةُ بَيْنَ الْعَوْدِ وَالظّهَارِ؟.اهـ وأما قول الظاهرية: فقال ابن القيم ﵀ -في الرد عليهم-: نَظِيرُهَا -أي: آية الظهار- ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨]، وَمَعَ هَذَا فَهَذِهِ الْآيَةُ تُبَيّنُ المُرَادَ مِنْ آيَةِ الظّهَارِ؛ فَإِنَّ عَوْدَهُمْ لِمَا نُهُوا عَنْهُ هُوَ رُجُوعُهُمْ إلَى نَفْسِ المَنْهِيّ عَنْهُ، وَهُوَ النّجْوَى، وَلَيْسَ المُرَادُ بِهِ إعَادَةَ تِلْكَ النّجْوَى بِعَيْنِهَا، بَلْ رُجُوعُهُمْ إلَى المَنْهِيّ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الظّهَارِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة:٣]، أَيْ: لِقَوْلِهِمْ. فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى المَفْعُولِ، وَهُوَ تَحْرِيمُ الزّوْجَةِ بِتَشْبِيهِهَا بِالمُحَرّمَةِ؛ فَالْعَوْدُ إلَى المُحَرّمِ هُوَ الْعَوْدُ إلَيْهِ، وَهُوَ فِعْلُهُ، فَهَذَا مَأْخَذُ مَنْ قَالَ إنّهُ الْوَطْءُ. قال: وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنّ الْقَوْلَ فِي مَعْنَى المَقُولِ، وَالمَقُولُ هُوَ التّحْرِيمُ، وَالْعَوْدُ لَهُ هُوَ الْعَوْدُ إلَيْهِ، وَهُوَ اسْتِبَاحَتُهُ عَائِدًا إلَيْهِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى قَوَاعِدِ اللّغَةِ الْعَرَبِيّةِ وَاسْتِعْمَالِهَا. قال: وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السّلَفِ أَنّهُ فَسّرَ الْآيَةَ بِإِعَادَةِ اللّفْظِ الْبَتّةَ، لَا مِنْ

стр. 4647

الصّحَابَةِ، وَلَا مِنْ التّابِعِينَ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ، وَهَا هُنَا أَمْرٌ خَفِيَ عَلَى مَنْ جَعَلَهُ إعَادَةَ اللّفْظِ، وَهُوَ أَنّ الْعَوْدَ إلَى الْفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ مُفَارَقَةَ الْحَالِ الّتِي هُوَ عَلَيْهَا الْآنَ، وَعَوْدَهُ إلَى الْحَالِ الّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَوّلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الْإِسْرَاءُ:٨] أَلَا تَرَى أَنّ عَوْدَهُمْ مُفَارَقَةُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْإِحْسَانِ، وَعَوْدُهُمْ إلَى الْإِسَاءَةِ، وَكَقَوْلِ الشّاعِرِ: (وَإِنْ عَادَ لِلْإِحْسَانِ فَالْعَوْدُ أَحْمَدُ)، وَالْحَالُ الّتِي هُوَ عَلَيْهَا الْآنَ التّحْرِيمُ بِالظّهَارِ، وَاَلّتِي كَانَ عَلَيْهَا إبَاحَةُ الْوَطْءِ بِالنّكَاحِ الْمُوجِبِ لِلْحِلّ؛ فَعَوْدُ الْمُظَاهِرِ عَوْدٌ إلَى حِلّ كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الظّهَارِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْكَفّارَةِ، فَتَأَمّلْهُ؛ فَالْعَوْدُ يَقْتَضِي أَمْرًا يَعُودُ إلَيْهِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ. قال: وَقَدْ أَمَرَ النّبِيّ ﷺ أَوْسَ بْنَ الصّامِتِ، وَسَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ بِكَفّارَةِ الظّهَارِ، وَلَمْ يَتَلَفّظَا بِهِ مَرّتَيْنِ. اهـ (١) مسألة [٢٣]: إذا ظاهر الرجل من زوجة له أمة، ثم ملكها، فهل يسقط الظهار ؟ تقدم في كتاب النكاح أنَّ من ملك امرأته الأمة انفسخ النكاح، واختلف أهل العلم هل يسقط الظهار أم لا؟ • فأكثر أهل العلم على بقاء الظهار، فلا يحل له وطء أمته حتى يكفر، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد في الأشهر في مذهبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة:٣] الآية، وهذا قد ظاهر من امرأته؛ فلا يحل

стр. 4648

له أن يمسها حتى يكفر؛ ولأنَّ الظهار قد صح فيها، وحكمه لا يسقط بالطلاق المزيل للملك والحل، فبملك اليمين أولى. • وقال بعض الحنابلة: يسقط الظهار بملكه لها، كما لو ظاهر منها وهي أمته. والصحيح القول الأول. (١) مسألة [٢٤]: إذا ظاهر من نسائه بكلمة واحدة ؟ كأن يكون له أربع نسوة، فيقول: أنتنَّ عليَّ كظهر أمي. ففيه خلاف بين أهل العلم. • فأكثر أهل العلم يقولون: عليه كفارة واحدة. صحَّ ذلك عن عمر، وجاء عن علي ﵄، وهو قول عروة، وطاوس، وعطاء، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي في القديم. وحجتهم في ذلك أنه قول عمر، وعلي ﵄، ولا يعلم لهما مخالف؛ ولأنَّ الظهار كلمة تجب بمخالفتها الكفارة، فإذا وجدت في جماعة؛ أوجبت كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى. • وذهب الحسن، والنخعي، والزهري، ويحيى الأنصاري، والحكم، والثوري، والشافعي في الجديد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر إلى أنه يجب عليه لكل امرأة كفارة؛ لأنه وجد الظهار، والعود في حق كل امرأة منهن؛ فوجب

стр. 4649

عليه عن كل واحدة منهن كفارة كما لو أفردها. وأُجيب: بأنه لو أفرد كل واحدة بكلمة؛ فالحكم يخصها؛ لأنَّ كل كلمة تقتضي كفارة ترفعها وتكفر إثمها، وههنا الكلمة واحدة، فالكفارة الواحدة ترفع حكمها، وتمحو إثمها؛ فلا يبقى لها حكم. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٢٥]: إذا ظاهر من امرأته، ثم قال للأخرى: وأنت شريكتها، أو مثلها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٨٠): إذَا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَةٍ، ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى: أَشْرَكْتُك مَعَهَا، أَوْ أَنْتِ شَرِيكَتُهَا، أَوْ كَهِيَ. وَنَوَى الْمُظَاهَرَةَ مِنْ الثَّانِيَةِ؛ صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. قال: وَإِنْ أَطْلَقَ؛ صَارَ مُظَاهِرًا أَيْضًا، إذَا كَانَ عَقِيبَ مُظَاهَرَتِهِ مِنْ الْأُولَى، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ مُظَاهِرًا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الظِّهَارِ، وَلَا نَوَى بِهِ الظِّهَارَ؛ فَلَمْ يَكُنْ ظِهَارًا. اهـ قلتُ: في الحديث: «إنما الأعمال بالنيات» فإذا لم ينو لم يقع ظهارًا، والله أعلم. (٢)

стр. 4650

فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ تنبيه: تقدم ذكر بعض المسائل المتعلقة بذلك في كفارة المجامع امرأته في نهار رمضان، وسنذكر في هذا الفصل بعض المسائل التي لم نذكرها هنالك. مسألة [١]: كفارة الظهار بثلاثة أمور لا يجزئ الثاني منهما إذا كان قادرًا على الأول . لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٣ - ٤]. وقد أجمع أهل العلم على أنَّ المظاهر فرضه في الكفارة العتق إن كان قادرًا عليها؛ فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكينًا. (١) مسألة [٢]: إذا وجد ثمن الرقبة وهو محتاج إليه لنفقةٍ ونحوها ؟ • مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة أنه لا يلزمه شراؤها، بل له أن ينتقل إلى

стр. 4651

الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. • ومذهب مالك، والأوزاعي أنَّ عليه شراء الرقبة وعتقها؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، وهذا واجد؛ فعليه العتق. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: إذا وجد ثمن الرقبة، ولم يجد رقبة يشتريها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٨٧): إنْ وَجَدَ ثَمَنَ الرَّقَبَةِ، وَلَمْ يَجِدْ رَقَبَةً يَشْتَرِيهَا؛ فَلَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ ثَمَنَ الْمَاءِ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَشْتَرِيهِ. اهـ مسألة [٤]: إن وجد رقبة تُباع بزيادة على ثمنها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٨٧): وَإِنْ وَجَدَ رَقَبَةً تُبَاعُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ تُجْحِفُ بِمَالِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الرَّقَبَةِ بِثَمَنٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لَا يُجْحِفُ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بِيعَتْ بِثَمَنِ مِثْلِهَا. وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً بِثَمَنِ مِثْلِهَا، أَشْبَهَ الْعَادِمَ. اهـ

стр. 4652

مسألة [٥]: وجوب التتابع في صيام الشهرين . أجمع أهل العلم على وجوب التتابع في الصيام في كفارة الظهار؛ للآية والحديث، وأجمعوا على أن من صام بعض الشهر، ثم قطعه لغير عذر أنَّ عليه استئناف شهرين متتابعين. (١) مسألة [٦]: إذا أصاب امرأته في أثناء مدة الشهرين ؟ أما إذا أصابها نهارًا متعمدًا غير ناسٍ، فينقطع التتابع، وعليه استئناف شهرين متتابعين. قال ابن المنذر ﵀ في «الإجماع» (ص ١٢٠): وأجمعوا على أنَّ من صام شهرًا عن ظهاره، ثم جامع نهارًا عامدًا أنه يبتدئ الصوم. اهـ وأما إذا أصابها في ليالي الصوم، ففيه خلاف بين أهل العلم. • فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّه يجب عليه استئناف الشهرين؛ لأنَّ الله عزوجل قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، فأمر بالشهرين خاليين عن الوطء، ولم يأت بذلك على ما أُمر، فلم يجزئه كما لو وطئ نهارًا؛ ولأنَّ تحريم الوطء فيه عام يشمل الليل والنهار، وهذا قول مالك، وأحمد، والثوري، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الوطء بالليل لا يقطع التتابع ويبني،

стр. 4653

وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وابن المنذر؛ لأنه وطءٌ لا يبطل الصوم؛ فلا يوجب الاستئناف، كوطء غيرها؛ ولأنَّ التتابع في الصيام عبارة عن اتباع صوم يوم للذي قبله من غير فارق، وهذا متحقق، وإن وطئ ليلًا. قالوا: وارتكاب النهي لم يُخِل بالتتابع، فلا يمنع صحته وإجزاءه، كما لو وطئ قبل الشهرين، أو وطئ ليلة أول الشهرين، ثم أصبح صائمًا، والإتيان بالتتابع قبل التَّماس في حق هذا لا سبيل إليه، سواء بنى أو استأنف. قال الإمام ابن عثيمين ﵀: والصحيح أنه إذا أصابها ليلًا فهو آثم، ولكنه لا ينقطع التتابع؛ وذلك لأنَّ استئناف الشهرين لا يرتفع به إثم الإصابة، فيقال لمن أصابها في أثناء الشهرين ليلًا، يقال له: إنك أخطأت، وأثمت، فعليك أن تتوب، ولكن الشهرين لا ينقطع التتابع فيهما. اهـ قلتُ: وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: إذا أصاب امرأته نهارًا ناسيًا ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يفطر، ولا ينقطع التتابع، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وابن المنذر، وأبي يوسف، وهو الصحيح؛ لأنه معذور غير مؤاخذ بالنسيان. • ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية أنه يفطر، وينقطع التتابع؛ فعليه بعد ذلك الاستئناف. (٢)

стр. 4654

مسألة [٨]: إن وطئ امرأته الأخرى التي لم يظاهر منها ليلاً ؟ لا ينقطع التتابع بغير خلاف؛ لأنَّ ذلك ليس بمحرم عليه، ولا هو مخل باتباع الصوم الصومَ. (١) مسألة [٩]: التتابع في الإطعام، ووطئ امرأته أثناء الإطعام . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٩٨): وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي الْإِطْعَامِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَقِيلَ لَهُ: تَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَيُطْعِمُ الْيَوْمَ وَاحِدًا، وَآخَرَ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَآخَرَ بَعْدُ، حَتَّى يَسْتَكْمِلَ عَشْرَةً؟ فَلَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ فِيهِ. وَلَوْ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ الْإِطْعَامِ، لَمْ تَلْزَمْهُ إعَادَةُ مَا مَضَى مِنْهُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَسْتَأْنِفُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَوَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ، كَالصِّيَامِ. قال: وَلَنَا أَنَّهُ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ مَا لَا يُشْتَرَطُ التَّتَابُعُ فِيهِ، فَلَمْ يُوجِبْ الِاسْتِئْنَافَ، كَوَطْءِ غَيْرِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا، أَوْ كَالْوَطْءِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الصِّيَامَ. اهـ تنبيه: اشترط بعض الحنابلة أن يكون الطعام من الأصناف التي تخرج في زكاة الفطر، وهذا القول ليس عليه دليل، وقد خالفهم بعض الحنابلة، والشافعية، وغيرهم فأجازوا الإطعام من جميع الأقوات، وهو الصحيح. «المغني» (١١/ ٩٩).

стр. 4655

مسألة [١٠]: هل تجزئ القيمة من المال بدل الإطعام ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٠١): ولا تجزئ القيمة في الكفارة، نقلها الميموني والأثرم، وهو مذهب الشافعي. انتهى المراد مسألة [١١]: مصر ف الإطعام . يُطْعِم الفقراء والمساكين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، ولا يطعم غيرهم من الأصناف الثمانية الذين تصرف إليهم الزكاة إلا من كان منهم فقيرًا، أو مسكينًا. (١) مسألة [١٢]: إذا تخلل الشهرين المتتابعين صوم رمضان، وأيام العيد ؟ • لا يقطع التتابع في مذهب الحنابلة؛ لأنه زمن منع الشرع عن صومه في الكفارة. • ومذهب الشافعية أنه ينقطع التتابع، ويلزمه الاستئناف؛ لأنه أفطر في أثناء الشهرين بما كان يمكنه التحرز منه، وقول الحنابلة أقرب، والله أعلم. (٢) مسألة [١٣]: إذا كان المظاهر عبدًا ؟ • من أهل العلم من قال: كفارة العبد الصيام. وهو قول الحسن، والشافعي، وأحمد في رواية، وحُكي عن مالك، وأبي حنيفة، وسواء أذن له سيده

стр. 4656

بالعتق أم لم يأذن. • وعن أحمد رواية: إن أذن له سيده في التكفير بالعتق؛ جاز، وهو قول الأوزاعي؛ لأنه بإذن سيده يصير قادرًا على ذلك إذا كان في يده مال. وهذا القول أقرب. (١) مسألة [١٤]: فإن عجز العبد عن العتق والصيام، فهل عليه الإطعام ؟ • يجزئه عند مالك، وأحمد، والأوزاعي، وأبي ثور وغيرهم إن أذن له السيد في التكفير بالمال، وهو قول بعض الشافعية، وهو الصحيح خلافًا لمن منع من ذلك من الشافعية، والحنابلة، والحنفية. (٢) تنبيه: الذين منعوا صحة العتق حجتهم في ذلك أنه يتضمن ثبوت الولاء، وليس ممن يثبت له ذلك، ولا يصح منه الإطعام؛ لأنه مملوك لغيره، فيقع تكفيره بالمال بمال غيره، ولا يجزئ. وأُجيب عن الأول: أنَّ الولاء يثبت له بذلك، ولا يرث به ما دام عبدًا؛ لوجود مانع الرق، وعن الثاني بأنَّ القول بصحته منه موقوف على إذن السيد، وإذا أذن له؛ فقد ملكه، والله أعلم. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٠٧): وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِذَا صَامَ، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ

стр. 4657

مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]؛ وَلِأَنَّهُ صَوْمٌ فِي كَفَّارَةٍ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ صَامَ شَهْرًا؛ أَجْزَأَهُ. وَقَالَهُ النَّخَعِيُّ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ. اهـ مسألة [١٥]: الوقت الذي تعتبر فيه الكفارة ؟ • من أهل العلم من قال: الاعتبار في الكفارة بحالة الوجوب. وهو قول أحمد في الظاهر عنه، وهو أحد قولي الشافعي، وقال به ابن حزم؛ لأنه هو الوقت الذي خوطب بالكفارة، فاعتبر به. قال ابن قدامة: فعلى هذه الرواية يعتبر إعساره ويساره حال وجوبها عليه؛ فإن كان موسرًا حال الوجوب؛ استقر وجوب الرقبة عليه، فلم يسقط باعساره بعد ذلك، وإن كان معسرًا؛ ففرضه الصوم، فإذا أيسر بعد ذلك؛ لم يلزمه الانتقال إلى الرقبة. • وقال بعض أهل العلم: الاعتبار بأغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين التكفير، فمتى وجد رقبة فيما بين الوجوب إلى حين التكفير؛ لم يجزئه إلا الاعتاق. وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي. • وقال بعضهم: الاعتبار بحالة الأداء. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، كالوضوء إذا وجد الماء بعد تيممه؛ وذلك لأنه حق ذو بدل من غير

стр. 4658

جنسه، فيعتبر به حال الأداء، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [١٦]: اشتراط النية . يُشترط في الكفارة النية؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». (٢) مسألة [١٧]: من وطئ قبل أن يكفر ؟ يحرم عليه ذلك في العتق والصيام بالإجماع، وفي الإطعام على الصحيح. • وإذا فعل ذلك؛ فقد عصى ربه، وتستقر الكفارة في ذمته، فلا تسقط بعد ذلك بموتٍ، ولا طلاقٍ، ولا غيره، وتحريم زوجته عليه باقٍ بحاله حتى يكفر، وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ عليه كفارتين، رُوي ذلك عن قبيصة، وسعيد ابن جبير، والزهري، وقتادة؛ لأنَّ الوطء يوجب كفارة والظهار موجب لأخرى. • وقال أبو حنيفة: لا تثبت الكفارة في ذمته، وإنما هي شرط للإباحة بعد الوطء. واستدل الجمهور بأحاديث الباب؛ ولأنه وجد الظهار والعود، فتشمله الآية

стр. 4659

﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]. (١) مسألة [١٨]: إذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أبي ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١١٢): لَيْسَ ذَلِكَ بِظِهَارٍ. قَالَ الْقَاضِي: لَا تَكُونُ مُظَاهِرَةً، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ ظِهَارٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، إلَّا أَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ: إذَا قَالَتْ ذَلِكَ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ؛ فَلَيْسَ بِشَيْءِ. وَلَعَلَّهمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ظَاهَرَ مِنْ الْآخَرِ؛ فَكَانَ مُظَاهِرًا كَالرَّجُلِ. قال: وَلَنَا قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]، فَخَصَّهُمْ بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمًا فِي الزَّوْجَةِ، يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَفْعَهُ، فَاخْتَصَّ بِهِ الرَّجُلُ، كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ الْحِلَّ فِي الْمَرْأَةِ حَقٌّ لِلرَّجُلِ، فَلَمْ تَمْلِكْ الْمَرْأَةُ إزَالَتَهُ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ. اهـ مسألة [١٩]: وهل عليها الكفارة لظهارها ؟ • منهم من أوجب عليها الكفارة، وهو قول أحمد في رواية، وفعلته عائشة بنت طلحة، وأعتقت، أفتاها أهل المدينة بذلك. • ومنهم من قال: ليس عليها كفارة؛ لأنه قول منكر، وزور، ولكونه ليس

стр. 4660

بظهار. وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأحمد في رواية. • وعن أحمد رواية ثالثة: عليها كفارة يمين، وهو قول عطاء، قال ابن قدامة: وهذا أقيس على مذهب أحمد، وأشبه بأصوله. وصوَّبه الإمام ابن عثيمين ﵀. وهذا القول أقرب إن قصدت المرأة اليمين؛ وإلا فالراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (١) مسألة [٢٠]: إذا كرر الظهار من زوجة له واحدة ؟ • أكثر أهل العلم على أنَّ عليه كفارة واحدة، فإذا كفَّر، ثم ظاهر بعد التكفير؛ فعليه كفارة ثانية، وسواء نوى بذلك التوكيد، أو الاستئناف، أو أطلق، وهو قول عطاء، وجابر ابن زيد، وطاوس، والشعبي، والزهري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، والشافعي في القديم؛ لأنه قول لم يؤثر تحريمًا؛ فإنها قد حرمت بالقول الأول، ولم يزد تحريمها؛ ولأنه لفظ يتعلق به كفارة، فإذا كرره؛ كفاه كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى. • وقال بعضهم: إن أراد التأكيد؛ فواحدة، وإن أراد الاستئناف؛ فكفارات. وهو قول الثوري، والشافعي في الجديد، وخُرِّج رواية عن أحمد. • وقال أصحاب الرأي: إن كرر في مجلس واحد؛ فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس شتى؛ فكفارات. وهو قول قتادة، وعمرو بن دينار، ورُوي عن علي (من طريق: خِلاس بن عمرو عنه، وقد قيل: إنه لم يسمع منه إنما هي كتب.
следующие страницы →