← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ (١): أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ أَحَدُهُمْ إذَا بَرَدَ عَلَيْهِ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَدَعَهُ. وَلَنَا قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥].انتهى المراد.

стр. 492

١٣١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ الأُخْرَى. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: التيمم لكل صلاة . • ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الواجب هو التيمم لكل صلاة مكتوبة، واستدلوا بحديث ابن عباس، وكثير منهم بنى ذلك على قوله: إن التيمم مبيحٌ، وليس برافع للحدث. والراجح كما تقدم أنه رافع للحدث. ومن قال بأنه رافع للحدث يقول بأنه يجوز له أن يصلي ما شاء بتيممه حتى تنتقض طهارته؛ ولذلك قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٢٠٥): والأصل أنه تعالى قد جعل التراب قائمًا مقام الماء، وقد عُلِمَ أنه لا يجب الوضوء بالماء؛ إلا من الحدث، فالتيمم مثله، وإلى هذا ذهب جماعة من أئمة الحديث، وغيرهم، وهو الأقوم دليلًا. اهـ قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٣٦ - ٤٣٧): وَقِيلَ: بَلْ التَّيَمُّمُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ مُطْلَقًا يَسْتَبِيحُ بِهِ كَمَا يُسْتَبَاحُ بِالْمَاءِ، وَيَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ كَمَا يَتَوَضَّأُ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَيَبْقَى بَعْدَ الْوَقْتِ كَمَا تَبْقَى طَهَارَةُ الْمَاءِ بَعْدَهُ، وَإِذَا تَيَمَّمَ لِنَافِلَةِ صَلَّى بِهِ الْفَرِيضَةَ كَمَا أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ لِنَافِلَةِ صَلَّى بِهِ الْفَرِيضَةَ، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَالَ أَحْمَد:

стр. 493

هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ؛ فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ التَّيَمُّمَ مُطَهِّرًا كَمَا جَعَلَ الْمَاءَ مُطَهِّرًا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة:٦] الْآيَةَ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُطَهِّرَنَا بِالتُّرَابِ كَمَا يُطَهِّرُنَا بِالْمَاءِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِخَمْسِ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَأُحِلَّتْ لَنَا الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدِ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، وَفِي لَفْظٍ: «فَأَيُّمَا رَجُلٌ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ مِنْ أُمَّتِي فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ، وَطَهُورُهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ عَامَّةً»، وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثِ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا»، فَقَدْ بَيَّنَ ﷺ أَنَّ اللهَ جَعَلَ الْأَرْضَ لِأُمَّتِهِ طَهُورًا كَمَا جَعَلَ الْمَاءَ طَهُورًا، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْته الْمَاءَ فَأَمْسِسْهُ بَشَرَتَك؛ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ»، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَأَخْبَرَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورَ الْمُسْلِمِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَنْ قَالَ: إنَّ التُّرَابَ لَا يُطَهِّرُ مِنْ الْحَدَثِ فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَإِذَا كَانَ مُطَهِّرًا مِنْ الْحَدَثِ؛ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْحَدَثُ بَاقِيًا مَعَ أَنَّ اللهَ طَهَّرَ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّيَمُّمِ مِنْ الْحَدَثِ فَالتَّيَمُّمُ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ مُطَهِّرٌ لِصَاحِبِهِ، لَكِنْ رَفْعٌ مُوَقَّتٌ إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْمَاءِ، فَهُوَ مُطَهِّرٌ مَا دَامَ الْمَاءُ مُتَعَذِّرًا. اهـ

стр. 494

فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ أُخْرَى مُلْحَقَةٌ فِي هَذَا البَاب مسألة [١]: التيمم لخوف فوات وقتِ الفريضة . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٧٠): إذا دخل وقت الصلاة، وهو مستيقظ، والماء بعيد منه يخاف إن طلبه أن تفوته الصلاة، أو كان الماء باردًا يخاف إن سخنه، أو ذهب إلى الحمام، فاتت الصلاة؛ فإنه يصلي بالتيمم في مذهب أحمد، وجمهور العلماء. وقال (٢١/ ٤٧١): أما المسافر إذا وصل إلى ماء وقد ضاق الوقت فإنه يصلي بالتيمم على قول جمهور العلماء وكذلك لو كان هناك بئر لكن لا يمكن أن يصنع له حبلا حتى يخرج الوقت أو يمكن حفر الماء ولا يحفر حتى يخرج الوقت فإنه يصلي بالتيمم. اهـ قلتُ: يدلُّ على هذه المسألة قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وهذا في صورة من لم يجد الماء؛ لأنه عاجز عن استعماله قبل خروج الوقت. مسألة [٢]: من استيقظ آخر الوقت، وإن اشتغل بطهارة الماء، خرج الوقت، فهل له أن يتيمم ؟ قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٢٠ - ٢١): ومن استيقظ آخر الوقت، وهو جنبٌ، يغتسل، وإن خرج الوقت، وكذا من نسيها، بخلاف من استيقظ أول الوقت، فليس له أن يفوت وقت الصلاة، بل يتيمم ويصلي. اهـ

стр. 495

وقال ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٧٠): وإن استيقظ آخر الوقت، وخاف إن تَطَهَّرَ طلعت الشمس؛ فإنه يصلي هنا بالوضوء بعد طلوع الشمس؛ فإن عند جمهور العلماء اختلافًا كإحدى الروايتين عن مالك؛ فإنه هنا إنما خوطب بالصلاة بعد استيقاظه، ومن نام عن صلاة صلاها إذا استيقظ، وكان ذلك وقتها في حقه. اهـ قلتُ: والدليل على ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ حديث أنس في «الصحيحين» (١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من نام عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها»، وفي رواية: «فوقتها أن يصليها إذا ذكرها». وهو ظاهر اختيار ابن القيم ﵀، وعزاه للجمهور كما في «مفتاح دار السعادة» (ص ٣٤٧). مسألة [٣]: التيمم لخوف فوت صلاة الجنازة . • ذهب جماعة من أهل العلم إلى مشروعية التيمم؛ لخوف فوات صلاة الجنازة، وهو مذهب النخعي، والحسن، والزهري، والليث، وسعد بن إبراهيم، ويحيى الأنصاري، وربيعة وإسحاق، وسفيان، ورواية عن أحمد، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهذا القول رجَّحَهُ شيخ الإسلام كما في «الاختيارات» (ص ٢٠)، قال: وقد ثبت أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تيمم لردِّ السلام. قلتُ: وقد جاء هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر، كما في «الأوسط» لابن

стр. 496

المنذر (٢/ ٧٠)، وكلاهما ضعيفٌ؛ فأثر ابن عباس في إسناده: المغيرة بن زياد، وقد أخطأ في إسناده؛ فإن الصحيح فيه أنه عن عطاء موقوفًا عليه، وقد جعله هو عن عطاء، عن ابن عباس، كما بين ذلك البيهقي في «السنن» (١/ ٢٣١)، وأما أثر ابن عمر؛ ففي إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف. وقد استُدِلَّ لهذا القول بالقياس على من خاف فوات وقت الفريضة. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم مشروعية التيمم لصلاة الجنازة إذا وُجِدَ الماء، وإن فاتته الصلاة، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، ورواية عن أحمد؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وهذا واجد للماء. (١) مسألة [٤]: التيمم لفوات صلاة العيد، والجمعة . • ذهب الأوزاعي، والحنفية إلى أنه يتيمم لهما إذا خاف فواتهما. والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من أنه لا يتيمم لهما؛ لأنَّ صلاة العيد، وإن فاتت مع الإمام، فله أن يصليها جماعة ثانية؛ لأنَّ وقتها ممتد إلى زوال الشمس، وأمَّا الجمعة؛ فإنها إذا فاتته صلَّاها ظهرًا، والله أعلم. (٢) مسألة [٥]: إذا نسي الماء في رحله، أو في موضع يمكنه استعماله، وصلَّى بالتيمم، ثم وجد الماء ؟ • ذهب أبو ثور، وأبو حنيفة، ومالك في رواية إلى أنَّ صلاته تجزئه، ولا إعادة

стр. 497

عليه؛ لأنَّه مع النسيان غير قادر على استعمال الماء، فهو كالعادم. • وذهب الشافعي، وأحمد، ومالك في رواية إلى أنه يعيد الصلاة؛ لأنَّه واجد للماء، مفرطٌ في طلبه، وعدم وجوده شرط لصحة التيمم، والصلاة، والشرط لا يفوت بالنسيان، وهذا القول هو ترجيح الإمام النووي، فقد نصر هذا القول ببحث مفيد في «المجموع». (١) مسألة [٦]: إذا ضلَّ عليه رحله الذي فيه الماء، أو كان يعرف بئرًا، فطلبها، فلم يجدها، فصلى بتيمم، ثم وجدها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣١٨ - ٣١٩): وَإِنْ ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ، أَوْ كَانَ يَعْرِفُ بِئْرًا فَضَاعَتْ عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهَا، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَالنَّاسِي، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لِلْمَاءِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ، بِخِلَافِ النَّاسِي. اهـ مسألة [٧]: إذا تيمم جماعة من موضع واحد ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣٣٤): وَيَجُوزُ أَنْ يَتَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَضَّأَ جَمَاعَةٌ مِنْ حَوْضٍ وَاحِدٍ، فَأَمَّا مَا تَنَاثَرَ مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بَعْدَ مَسْحِهِمَا بِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ عند الحنابلة، والشافعية. انتهى بتصرف يسير.

стр. 498

والراجح من الوجهين هو الجواز؛ لأنَّ استعمال التراب لا يفقده طهوريته، كما هو الراجح في الماء أيضًا، كما تقدم. مسألة [٨]: إذا كان معه ماء، وخاف العطش ؟ قال ابن المنذر ﵀: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ المسافر إذا كان معه ماء، وخَشِيَ العطشَ أنه يبقى ماءه للشرب، ويتيمم. (١) مسألة [٩]: إذا كان غيره هو المضطر للماء ؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ٢٠): ويجب بَذْلُ الماء للمضطر، المعصوم، ويعدل إلى التيمم، كما قاله جمهور العلماء. اهـ مسألة [١٠]: إذا نسي الجنابة، وتيمم للحدث ؟ • ذهب أحمد، ومالك، وأبو ثور، إلى أنه لا يجزئه؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، ولأنهما طهارتان، مختلفتان، وسببهما مختلف. • وذهب الشافعي، وأبو حنيفة إلى أنه يجزئه؛ لأن طهارتهما واحدة، فسقطت إحداهما بفعل الأخرى، كالبول، والغائط. والراجح هو القول الأول. وأما قياسهم فهو مع الفارق؛ لأنَّ ما قاسوا عليه حكمهما واحد، وهو الحدث الأصغر؛ ولهذا تجزئ نية أحدهما عن نية الآخر في طهارة الماء.

стр. 499

وأما مسألتنا فحكمها مختلفٌ؛ فإنَّ فيها حدثًا أكبر، وحدثًا أصغر، والله أعلم. (١) وأما إذا تيمم لرفع الجنابة؛ فالصحيح أنها تجزئه لرفع الحدث الأصغر، كما أنه إذا تطهر بالماء للجنابة ارتفع عنه الحدث الأصغر أيضًا، كما تقدم، على الصحيح أيضًا، وانظر المسألة في [باب الغسل]. مسألة [١١]: هل يتيمم عن الأغسال المستحبة إذا لم يجد الماء ؟ قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٥/ ١١٠ - ١١١): قال شيخ الإسلام: جميع الأغسال المستحبة إذا لم يستطع أن يقوم بها؛ فإنه لا يتيمم عنها؛ لأن التيمم إنما شرع للحدث؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦]. ومعلوم أن الأغسال المستحبة ليست للتطهير؛ لأنه ليس هناك حدث حتى يتطهر منه، وعلى هذا، فلو أن الإنسان وصل إلى الميقات وهو يريد العمرة، أو الحج، ولم يجد الماء، أو وجده وكان بارداً لا يستطيع استعماله، أو كان مريضًا،

стр. 500

فلا يتيمّم بناء على هذا، والفقهاء ﵏ يقولون: يتيمّم، والصحيح خلاف ذلك. انتهى. مسألة [١٢]: التيمم لرفع النجاسة . • ذهب أحمد إلى مشروعية التيمم لرفع النجاسة. والصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن النجاسة لا يُتَيَمَّم لرفعها، وأنَّ الشرع جاء بالتيمم لرفع الأحداث كما تقدم في الآية المذكورة قريبًا. والواجب عليه أن يتخلص من تلك النجاسة بإزالتها، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. (١) مسألة [١٣]: التسمية على التيمم . • ذهب جمهور العلماء من الشافعية، والحنابلة، وغيرهم إلى استحباب التسمية على التيمم قياسًا على الوضوء؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الصعيد وضوء المسلم». (٢)

стр. 501

بَابُ الحَيْضِ يقال: حاضت المرأة، تحيض حيضًا، ومحيضًا؛ فهي حائض، بحذف الهاء؛ لأنه صفة للمؤنث خاصَّة. والحيض في اللغة: السيلان، من قولهم: حاض الوادي، إذا سال. وفي الشرع: دمٌ يخرج من رحم المرأة في أوقات مخصوصة. وللحيض أسماء في اللغة، جمعها بعضهم في بيت، وهو: حَيضٌ نِفَاسٌ دِرَاسٌ طَمْسٌ اِعْصَارُ ... ضَحِكٌ عِرَاكٌ فِرَاكٌ طَمْثٌ اِكْبَارُ (١) مسألة [١]: أنواع الدماء التي تخرج من فرج المرأة . ١) دم الحيض، وهو دمٌ طبيعي، خارج على جهة الصحة، عند بلوغ المرأة، ثم ينتابها في أوقات معلومة. ٢) دم النفاس، وهو الخارج بعد فراغ الرحم من الجنين، أو نحوه. ٣) دم الاستحاضة، وهو دم فساد ليس بعادة، ولا طبع، وإنما يخرج بسبب انقطاع عرقٍ. مسألة [٢]: الفرق بين دم الاستحاضة، والحيض . قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٤٢٣): التمييز بينهما له

стр. 502

أربع علامات: الأولى: اللَّون، فدم الحيض أسودُ، والاستحاضةُ أحمرُ. الثانية: الرِّقة، فدم الحيض ثخينٌ غليظٌ، والاستحاضةُ رقيقٌ. الثالثة: الرَّائحة، فدم الحيض منتنٌ كريهٌ، والاستحاضةُ غيرُ منتنٍ؛ لأنه دَمُ عِرْقٍ عادي. الرَّابعةُ: التَّجمُّد، فدم الحيض لا يتجمَّد إذا ظهر؛ لأنه تجمَّد في الرَّحم، ثم انفجر وسال، فلا يعود ثانية للتجمُّد، والاستحاضة يتجمَّد؛ لأنه دم عِرْقٍ. وقال ﵀ في «شرح البلوغ»: وقيل: إنه لابد أن يتجمد، لكن لا يتجمد إلا ببطء، بخلاف الدم العادي يتجمد بسرعة. اهـ فائدة: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣٨٦): خَلَقَ اللهُ الحَيْضَ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، فَإِذَا حَمَلَتْ انْصَرَفَ ذَلِكَ الدَّمُ بِإِذْنِ الله إلَى تَغْذِيَتِهِ؛ وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ، فَإِذَا وَضَعْت الْوَلَدَ قَلَبَهُ اللهُ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ الطِّفْلُ؛ وَلِذَلِكَ قَلَّمَا تَحِيضُ الْمُرْضِعُ، فَإِذَا خَلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ حَمْلٍ وَرَضَاعٍ، بَقِيَ ذَلِكَ الدَّمُ لَا مَصْرِفَ لَهُ، فَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَان، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْغَالِبِ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةً، وَقَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقِلُّ، وَيَطُولُ شَهْرُ الْمَرْأَةِ وَيَقْصُرُ، عَلَى حَسَبِ مَا رَكَّبَهُ اللهُ تَعَالَى فِي الطِّبَاعِ. انتهى بتصرف يسير.

стр. 503

فائدة أخرى: جاء في «الصحيحين» (١)، عن عائشة ﵂، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في الحيض: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم». فهذا يدلُّ على أنَّ الحيض عامٌّ في جميع النساء من عهد آدم ﵇، خلافًا لمن قال: إنه ابتدأ بالنساء من عهد نساء بني إسرائيل. مسألة [٣]: أكبر سن تحيض فيه المرأة . • ذهب أحمد في رواية، وإسحاق إلى أن أكثره خمسون، وعن أحمد رواية أخرى ستون سنة. • وذهب الشافعي، ومالك إلى أنه لا حَدَّ لأكثره. وهذا القول هو الصحيح، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبدالرحمن السعدي، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «زاد المعاد» (٥/ ٦٦٢): وليس في الكتاب، والسنة تحديد اليأس بوقتٍ، ولو كان المراد الآيسة من المحيض من لها خمسون سنة، أو ستون سنة، أو غير ذلك؛ لقيل: واللائي يبلغن من السن كذا، وكذا، ولم يقل: ﴿يَئِسْنَ﴾ ... ، وانظر بقية كلامه ﵀. وقال ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٤٠): ولا حدَّ لسنٍّ تحيض فيه المرأة، بل لو قدر أنها بعد ستين، أو سبعين رأت الدم المعروف من الرحم؛ لكان حيضًا. اهـ (٢)

стр. 504

مسألة [٤]: أقل سن تحيض فيه المرأة . • ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ أقل سن تحيض فيه المرأة (تسع سنين)، وإن خرج منها شيءٌ قبل التسع فليس بحيض، بل هو دم فساد، ولا تثبت له أحكام دم الحيض، وحجتهم أنه لم يوجد من النساء من حاضت فيما دون هذا السن، واستدلوا بقول عائشة ﵂: إذا بلغت المرأة تسع سنين فهي امرأة. • وذهب الدارمي، وشيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه لا حد لأقله، وهذا القول هو الراجح؛ لعدم وجود دليل على تحديد ذلك، وأما أثر عائشة ﵂، فقد ذكره الترمذي بعد حديث (١١٠٩)، ولم يُوقف له على إسناد. وقد رجح هذا القول الشيخ السعدي. (١) مسألة [٥]: أقل الحيض، وأكثره، وأقل الطهر، وأكثره . قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٣٨٠): أجمع العلماء على أنَّ أكثر الطهر لا حد له، قال ابن جرير: وأجمعوا على أنها لو رأت الدم ساعة، وانقطع لا يكون حيضًا، وهذا الإجماع الذي ادَّعاه غير صحيح؛ فإن مذهب مالك أن أقل الحيض يكون دفعة فقط، واختلفوا فيما سوى ذلك: فمذهبنا المشهور: أن أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، قال ابن المنذر ﵀: وبه قال عطاء، وأحمد، وأبو ثور. وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: أكثر الحيض عشرة أيام، وأقله ثلاثة أيام. قال: وبلغني عن نساء الماجشون أنهن كن يحضن

стр. 505

سبع عشرة. قال أحمد: أكثر ما سمعناه سبع عشرة. قال ابن المنذر ﵀: وقال طائفة: ليس لأقل الحيض، ولا لأكثره حَدٌّ بالأيام، بل الحيض إقبال الدم المنفصل عن دم الاستحاضة، والطهر إدباره. وقال الثوري: أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يومًا. قال أبو ثور: وذلك مما لا يختلفون فيه فيما نعلم. وأنكر أحمد، وإسحاق التحديد في الطهر، قال أحمد: الطهر ما بين الحيضتين على ما يكون. وقال إسحاق: توقيتهم الطهر بخمسة عشر باطل. هذا نقل ابن المنذر، وحكى أصحابنا عن أبي يوسف أقل الحيض يومان، وأكثر الثالث. وعن مالك لا حَدَّ لأقله، وقد يكون دفعة واحدة، وحكى الماوردي عن مالك ثلاث روايات في أكثر الحيض، إحداها: خمسة عشر، والثانية: سبعة عشر، والثالثة: غير محدود. وعن مكحول أكثره سبعة أيام، قال العبدري: واختلف أصحاب مالك في أقل الطهر، فروى ابن القاسم أنه غير محدود، وأنه ما يكون مثله طهرًا في العادة، وروى عبد الملك بن الماجشون أنه خمسة أيام، وقال سحنون: ثمانية أيام. وقال غيره: عشرة أيام. وقال محمد بن مسلمة: خمسة عشر. وهو الذي يعتمده أصحابه البغداديون، وقال أحمد في رواية الأثرم، وأبي طالب: أقل الطهر ثلاثة عشر يومًا. وقال الماوردي: قال أكثر العلماء: أقل الطهر خمسة عشر. ثم ذكر أدلة بعض هذه المذاهب، انتهى. «المجموع» (٢/ ٣٨٠، ٣٨٢). (١) والراجح من هذه المذاهب قول من قال: لا تحديد لأقل الحيض، ولا

стр. 506

لأكثره، ولا لأقل الطهر، ولا لأكثره، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبدالرحمن السعدي، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم. (١) مسألة [٦]: إذا تغيرت عادة المرأة بنقصٍ، أو زيادةٍ، أو تقدمٍ، أو تأخرٍ ؟ • في هذه المسألة أقوال: الأول: وهو المشهور في مذهب أحمد، أنَّهُ لابد من تكرر خلاف العادة ثلاثًا، حتى يحكم بتغيير العادة، وإن لم تتكرر ثلاثًا، فلا تَعدُّ ما زاد، أو نقص، أو تقدم، أو تأخر. الثاني: قال أبو حنيفة: ما رأته قبل العادة ليس بحيض حتى يتكرر مرتين، وما تراه بعدها؛ فهو حيضٌ. الثالث: أنه يكون حيضًا من غير اشتراط التكرار، وهذا قول الشافعي، ورواية عن أحمد، اختارها جماعة من الحنابلة، منهم: ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٤٣٤): وَهَذَا أَقْوَى عِنْدِي. ثم قال: لِأَنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا، وَلَمْ يَحُدُّهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ النَّاسَ فِيهِ إلَى عُرْفِهِمْ، وَالْعُرْفُ بَيْنَ النِّسَاءِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى رَأَتْ دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، اعْتَقَدَتْهُ حَيْضًا، وَلَوْ كَانَ عُرْفُهُنَّ اعْتِبَارَ الْعَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ؛ لَنُقِلَ، وَلَمْ يَجُزْ التَّوَاطُؤُ عَلَى كِتْمَانِهِ، مَعَ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ بَعْضُ

стр. 507

أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ، فَجَاءَهَا الدَّمُ، فَانْسَلَّتْ مِنْ الْخَمِيلَةِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «مَا لَك، أَنَفِسْت؟» قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَمَرَهَا أَنْ تَأْتَزِرَ، وَلَمْ يَسْأَلْهَا النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ وَافَقَ الْعَادَةَ، أَوْ جَاءَ قَبْلَهَا؟ وَلَا هِيَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ، وَلَا سَأَلَتْ عَنْهُ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّتْ عَلَى الْحَيْضَةِ بِخُرُوجِ الدَّمِ، فَأَقَرَّهَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَكَذَلِكَ حِينَ حَاضَتْ عَائِشَةُ فِي عُمْرَتِهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، إنَّمَا عَلِمَتْ الْحَيْضَةَ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ لَا غَيْرُ، وَلَمْ تَذْكُرْ عَادَةً، وَلَا ذَكَرَهَا لَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ اسْتَكْرَهَتْهُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا، وَبَكَتْ حِينَ رَأَتْهُ، وَقَالَتْ: وَدِدْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ حَجَجْت الْعَامَ. وَلَوْ كَانَتْ تَعْلَمُ لَهَا عَادَةً تَعْلَمُ مَجِيئَهُ فِيهَا، وَقَدْ جَاءَ فِيهَا، مَا أَنْكَرَتْهُ، وَلَا صَعُبَ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ مُعْتَبَرَةً، عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَذْهَبِ، لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ، وَلَمَا وَسِعَهُ تَأْخِيرُ بَيَانِهِ؛ إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِهِ، وَأَزْوَاجُهُ، وَغَيْرُهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ يَحْتَجْنَ إلَى بَيَانِ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِيُغْفِلَ بَيَانَهُ، وَمَا جَاءَ عَنْهُ ﵇ ذِكْرُ الْعَادَةِ، وَلَا بَيَانُهَا، إلَّا فِي حَقِّ الْمُسْتَحَاضَةِ لَا غَيْرُ، وَأَمَّا امْرَأَةٌ طَاهِرٌ تَرَى الدَّمَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ عَنْهَا، فَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَقِّهَا عَادَةً أَصْلًا. اهـ المراد. قال شيخ الإسلام ﵀ (١٩/ ٢٣٩): وكذلك المرأة المنتقلة إذا تغيرت عادتها بزيادة أو نقص، أو انتقال، فذلك حيض حتى يعلم أنه استحاضة باستمرار الدم؛ فإنها كالمبتدأة. اهـ قلتُ: وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح الشيخ عبد الرحمن السعدي،

стр. 508

والشيخ ابن عثيمين أيضًا، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: إذا رأت المرأة يومًا دمًا، ويومًا نقاءً، قبل أن تستكمل أيامها المعتادة ؟ • في هذه المسألة أقوال: الأول: أيام الدم يكون حيضًا، وأيام النقاء يكون طهرًا، وهذا قول مالك، وأحمد، ورواية عن الشافعي، وهذا القول يُسَمَّى (التلفيق). الثاني: أيام الدم، وأيام النقاء، كلها تكون حيضًا، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي وهو الرَّاجح عند الشافعية، وهذا القول يُسَمَّى (السحب). الثالث: وجهٌ عند الحنابلة، رجَّحه ابن قدامة في «المغني»، فقال: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ مَتَى نَقَصَ عَنْ الْيَوْمِ، فَلَيْسَ بِطُهْرٍ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا فِي النِّفَاسِ، أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا دُونَ الْيَوْمِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللهُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَجْرِي مَرَّةً، وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، وَفِي إيجَابِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ تَطْهُرُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ حَرَجٌ يَنْتَفِي بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا انْقِطَاعَ الدَّمِ سَاعَةً طُهْرًا، وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ الدَّمِ، أَفْضَى إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ لَهَا حَيْضٌ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ انْقِطَاعُ الدَّمِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ طُهْرًا، إلَّا أَنْ تَرَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُهُ فِي آخِرِ عَادَتِهَا، أَوْ تَرَى الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. اهـ وهذا القول رجَّحهُ الشيخ ابن عثيمين.

стр. 509

والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني، إن كانت المرأة تعرف انتهاء حيضها بخروج القصة البيضاء، وإن كانت تعرف حيضتها بالجفاف، ولا عادة لها معلومة؛ فالعمل على القول الثالث. (١) مسألة [٨]: علامات الطُّهْرِ . للطُّهْرِ علامتان: الأولى: خروج القصة البيضاء، وهو ماءٌ أبيض، يدفعه الرَّحِم عَقِبَ الحيض، وهو حاصل عند كثير من النساء. وصحَّ عن عائشة ﵂، أنها كانت تقول للنساء: لا تعجلنَ حتى ترين القصة البيضاء. أخرجه مالك (١/ ٥٩)، وعلقه البخاري في [كتاب الحيض باب رقم (١٩)]. الثانية: الجفاف، وذلك في حقِّ النساء اللاتي لا يخرج منهن القصة البيضاء، وذلك بأن تحتشي بقطنة بيضاء، أي: تدخلها محل الحيض، وتخرج ولم تتغير، والعلامة الأُولى أضبط؛ لأنه قد يحصل الجفاف لتأخر خروج الدم، لا لانقطاعه، والله أعلم. مسألة [٩]: هل يأتي الحاملَ الحيضُ ؟ • في المسألة قولان: الأول: أن الحامل لا يأتيها الحيض، وهذا قول جمهور التابعين، منهم: سعيد

стр. 510

ابن المسيب، وعطاء، والحسن، وجابر بن زيد، وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، والشعبي، ومكحول، وحماد، وهو مذهب أحمد، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، وهو ظاهر ترجيح البخاري. واستدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وقال في الحامل: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]. واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعمر: «مره، فليراجعها، ثم ليطلقها طاهراً، أو حاملًا» (١)، فجعل الحمل عَلَمًا على عدم الحيض، كما جعل الطُّهْرَ عَلَمًا عليه، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في السبايا: «لا توطأُ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة» (٢)، فجعل وجود الحيض عَلَمًا على براءة الرحم، واحتجوا بالواقع عند النساء، أن الحامل لا تحيض، حتى قال أحمد: إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم. الثاني: أنَّ الحامل قد تحيض إذا كان ما يأتيها من الدم هو الحيض المعروف، المعتاد، وهذا قول مالك، والشافعي، والليث، وإسحاق، وأحمد في رواية، قيل: إنه رجع إليه، وعن مالك رواية كالقول الأول، واحتج هؤلاء بالوجود، قال صاحب «الإنصاف»: وهو الصواب، وقد وجد في زماننا وغيره أنها تحيض مقدار حيضها قبل ذلك، ويتكرر في كل شهر على صفة حيضها.

стр. 511

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والحامل إذا رأت الدم على الوجه المعروف لها؛ فهو دم حيض، بناءً على الأصل. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٣١٨): وما ادَّعاه المخالف من أنه رشح من الولد، أو من فضل غذائه، أو دمِ فساد لعلة، فمحتاج إلى دليل، وما ورد في ذلك من خبر، أو أثر لا يثبت؛ لأنَّ هذا دمٌ بصفات دم الحيض، وفي زمان إمكانه، فله حكم دم الحيض، فمن ادَّعى خلافه؛ فعليه البيان. اهـ وقد رجح الشيخ ابن عثيمين ﵀ هذا القول، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة:٢٢٢]، فإذا خرج هذا الأذى، ووجد، ثبت حكمه. وقد رَجَّح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ محمد بن إبراهيم، وغيرهم. وهذا القول هو الراجح -والله أعلم-، وأما كون عدة الحامل وضع الحمل، فلا ينافي أنه قد يحصل الحيض عند بعض النساء، ولكنها لا تعتد به، وإنما تعتد بوضع الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، وأما جعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استبراء الأَمَة بالحيضة؛ فذلك لأنَّ غالب النساء لا يحضن أثناء الحمل، وإلا فلو وُجِدَ أمة تحيض أثناء حملها؛ لما اكتفي للاستبراء بحيضة، بل لابد من معرفة عدم وجود الحمل، والله أعلم. (١)

стр. 512

مسألة [١٠]: إذا عاود المرأة الدمُ بعد طهرها ؟ له حالتان: الأولى: أن يعاودها بعد طهرها، أثناء عِدَّتِها المعلومة. • فذهب أحمد في رواية، وهو مذهب الشافعي، والثوري، وأبي حنيفة، أنه يُعَدُّ حيضًا؛ لأنه صادف زمن العادة، فأشبه ما لم ينقطع، ولأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، فإذا وُجِدَ الحيض تعين حكمه. • وذهب أحمد في رواية إلى أنه ليس بحيض. قال ابن قدامة ﵀: وهو ظاهر كلام الخِرَقِي، واختيار ابن أبي موسى، ومذهب عطاء؛ لأنه عاد بعد طهر صحيح، فأشبه ما لو عاد بعد العادة، وعلى هذه الرواية يكون حكمه حكم ما لو عاد بعد العادة. قلتُ: والراجح هو القول الأول؛ لما تقدم، والله أعلم. الثانية: أن يعاودها الدم بعد العادة. فهذه المسألة قد تقدم الكلام عليها في المسألة [رقم:٦]، والراجح أنها تعد حيضًا، كما تقدم، إذا كان على صفات حيضها المعلوم عندها، والله أعلم. (١)

стр. 513

١٣٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ دَمَ الحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ (١) ١٣٣ - وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد: «وَلْتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ المَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالعَصْرِ، غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا، وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ». (٢) ١٣٤ - وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْت أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: «إنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ،

стр. 514

أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُك، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، فَإِنْ قَوِيت عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِي حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ المَغْرِبَ [وَتُعَجِّلِينَ] (١) العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ، قَالَ: وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إلَيَّ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ البُخَارِيُّ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: كيف تصنع المستحاضة ؟ المستحاضة على قسمين: إما مبتدئة، أو معتادة. القسم الأول: المبتدئة، وهي التي لم ترَ الدم قبل ذلك، فلها حالتان: الأولى: أن يكون لها تمييز، الثانية: لا يكون لها تمييز.

стр. 515

أما الحالة الأولى: وهي أن يكون لها تمييز. فأوَّلًا: معنى كونها مميزة أن تعرف إقبال حيضها من إدباره؛ وذلك لأن لدم الحيض علامات، وقد تقدمت، وأما حكمها؛ فإنها تعمل بالتمييز، فإذا ميزت دم الحيض، تحيضت، وإذا أدبر اغتسلت، وصَلَّتْ. • وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. ودليلهم: حديث فاطمة بنت أبي حبيش: «إنَّ دم الحيض أسود يعرف»، وهو ضعيفٌ كما تقدم في الباب. واستدلوا بحديث عائشة مرفوعًا: «إذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم، وصَلِّي». (١) وأثر ابن عباس -وسنده صحيح-: أما ما رأت الدم البحراني، فلا تصلي. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٨)، والدارمي (٨٢٧). • وقد خالف أبو حنيفة، وقال: العبرة بالعادة. واستدل بالأحاديث التي فيها الإرجاع إلى العادة. • وجواب الجمهور عن استدلال أبي حنيفة هو: أنَّ مسألتنا في امرأة مبتدئة، ليس لها عادة. وأما الحالة الثانية: المبتدئة التي ليس لها تمييز.

стр. 516

فالراجح في هذه الحالة -والله تعالى أعلم- أنها طالما ابتدأ فيها الدم، وهو غير متميز بصفة دم الحيض، أنه لا يُعَدُّ حيضًا، ولا تترك الصلاة، والصيام، حتى يظهر فيه صفة من صفات دم الحيض، وذلك بقاءً على الأصل، وهو أنه لا تترك ما وجب عليها إلا إذا رأت دم الحيض، مع العلم أنه لا يلزم من المرأة أن تحيض، فهناك من النساء من لا تحيض، ويقال لها: (ضهياء). وهذا الذي تقدم أنه الراجح، هو رواية عن مالك، وهو قول داود، وابن حزم. وأما مذاهب العلماء الآخرين في هذه المسألة فهي كما يلي: • الرَّاجح عند الشافعية هو القول بترك الصلاة، والصيام، يومًا وليلة، ولهم قول أنها ترد إلى أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، والمشهور من مذهب أحمد العمل على اليوم والليلة، وهذا القول لزُفَر. • ومذهب عطاء، والأوزاعي، والثوري: أنها تجلس عادة نسائها وأقاربها؛ فإنْ لم يكن لها أقارب؛ فإنها ترد إلى الغالب من الحيض، وهو ستة، أو سبعة أيام، وهو رواية عن أحمد. • وأما أبو حنيفة فعنده أنها ترد إلى أكثر الحيض، وهو عنده عشرة أيام. • وأما مذهب مالك، فعنه روايتان، الأولى: ترد إلى خمسة عشر يومًا، والثانية: ترد إلى أقرانها. وهاتان الروايتان هما روايتان عن أحمد؛ إلا أنَّ مالكًا يعتبر ذلك في الشهر الأول فقط، فأما ما بعده فلا تجلس فيه شيئًا، بل تغتسل وتصلي أبدًا.

стр. 517

القسم الثاني: المعتادة، وهي التي كانت لها عادة سليمة قبل الاستحاضة، والمعتادة لها حالتان: الأولى: أن لا يكون لها تمييز، الثانية: أن يكون لها تمييز. أما الحالة الأولى: وهي المعتادة التي ليس لها تمييز. فالراجح أنها تعمل بالعادة، أي أنها تقعد قدر عادتها المعروفة، وهذا قول جمهور أهل العلم، ودليلهم حديث عائشة في شأن فاطمة بنت أبي حبيش مرفوعًا «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها». وحديث عائشة ﵂ في شأن أم حبيبة مرفوعًا: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك» أخرجه مسلم (٣٣٤). وأيضًا حديث أم سلمة مرفوعًا: «لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن». (١) • وخالف الإمام مالك، فقال: لا اعتبار بالعادة، وإنما الاعتبار بالتمييز، فإذا لم تكن مميزة استطهرت بعد زمان عدتها بثلاثة أيام، إن لم تجاوز خمسة عشر يومًا، وهي بعد ذلك مستحاضة، وليس له دليل في مسألة الاستطهار. وأما الحالة الثانية: المعتادة التي لها تمييز. فهذه إن اتفقت عادتها، وتمييزها، عملت بهما، والحمد لله. • وإن اختلفت العادة، والتمييز، ففيها قولان:

стр. 518

القول الأول: يقدم التمييز على العادة، وهذا قول مالك، والشافعي، وداود، وهو رواية عن أحمد، وظاهر كلام الخِرَقِي. واستدلوا بحديث فاطمة بنت أبي حبيش الذي فيه: «دم الحيض أسود يعرف ... »، الحديث، وقالوا: إنَّ التمييز علامة ظاهرة، بخلاف العادة، فهي زمان ينقضي. وقالوا أيضًا: ربما إذا حصلت لها الاستحاضة تتغير العادة، فتنتقل مثلًا من أول الشهر إلى آخره، وما دام عندنا علامة مميزة؛ فإنَّ الواجب الرجوع إلى التمييز، ويستدل لهم أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، فعَلَّق أحكام الحيض بوجود الأذى، وحملوا أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالرجوع إلى العادة على أنه في غير المميزة. القول الثاني: تقديم العادة على التمييز، وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي عبيد، وأحمد في أظهر الروايتين عنه، وإسحاق، وهو وجه عند الشافعية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. ودليلهم: حديث عائشة في شأن فاطمة مرفوعًا: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها» أخرجه البخاري برقم (٣٢٥). وحديث عائشة أيضًا مرفوعًا في شأن أم حبيبة: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك»، رواه مسلم.

стр. 519

وحديث أم سلمة: «لتنظر عدد الأيام، والليالي التي كانت تحيضهن». قالوا: ففي هذه الأحاديث رَدَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المستحاضة إلى العادة، ولم يستفصل: هل هي مميزة، أم لا؟ مع أنها يحتمل أن تكون مميزة، فلمَّا لم يستفصل، عُلِمَ أنها ترجع إلى العادة مطلقًا، فَمِنَ القواعد المقررة في أصول الفقه: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال، يُنزَّل منزلة العموم في المقال. وقالوا أيضًا: العادة قد ثبتت، واستقرت، والتمييز معرض للزوال؛ فالأصل بقاء الحيض دون غيره. انتهى. قلتُ: والقولان قويان، والأول أرجح والله أعلم؛ لأنَّ التمييز أضبط عند النساء من العادة. (١) مسألة [٢]: المستحاضة التي نسيت عادتها ولا تمييز لها ؟ • قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٣٠٦): ذهب أبو حنيفة إلى أنها تقعد العادة، تجلس أقل الحيض ثم تغتسل وتصلي. • ومذهب مالك: أنها تقعد التمييز أبدًا، وتغتسل لكل صلاة. • وللشافعي فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تجلس أقلَّ الحيض.

стр. 520

والثاني: تجلس غالبه: ستًّا، أو سبعًا. والثالث: -وهو الصحيح عند أصحابه- كقول مالك: أنها لا تجلس شيئًا، بل تغتسل لكل صلاة، وتصلي. ومذهب أحمد: أنَّ الناسية لعادتها تجلس غالب عادات النساء: ستًّا، أو سبعًا من كل شهر، ثم تغتسل، وتصلي، وتصوم، هذا هو المشهور عنه، وحكي عنه رواية: أنها تجلس أقل الحيض، ثم تغتسل، وتصلي. ورواية ثالثة: أنها تجلس عادة نسائها، أو أقاربها، ثم تغتسل، وتصلي. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الذي يظهر أنَّ مذهب مالك، والأصح عند الشافعية هو الراجح، والله أعلم؛ لعدم إمكان معرفة وقت الحيض، ولا يجوز ترك الصلاة والصوم لأمر محتمل، وبالله التوفيق.

стр. 521

١٣٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الدَّمَ، فَقَالَ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك ثُمَّ اغْتَسِلِي» فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ»، وَهِيَ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: غسل المستحاضة . قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٥٣٥ - ٥٣٦): مذهبنا أن طهارة المستحاضة الوضوء، ولا يجب عليها الغسل لشيء من الصلوات؛ إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها، وبهذا قال جمهور السلف والخلف، وهو مروي عن: علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة، ﵃، وبه قال عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبوحنيفة، ومالك، وأحمد، وروي عن ابن عمر، وابن الزبير، وعطاء بن أبي رباح ﵃، أنهم قالوا: يجب عليها الغسل لكل صلاة. وروي هذا أيضًا عن: علي، وابن عباس، وروي عن عائشة أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلًا واحدًا، وعن ابن المسيب، والحسن، أنهما قالا: تغتسل من صلاة الظهر إلى الظهر دائمًا.

стр. 522

ودليلنا: أن الأصل عدم الوجوب، فلا يجب إلا ما ورد الشرع به، ولم يصح عن النبي ﷺ أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع الحيض، وهو قوله ﷺ : «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي» (١)، وليس في هذا ما يقتضي تكرار الغسل. وأما الأحاديث الواردة في «سنن أبي داود، والبيهقي»، وغيرهما أن النبي ﷺ أمرها بالغسل لكل صلاة؛ فليس فيها شيء ثابت، وقد بَيَّنَ البيهقي، ومن قبله ضعفها، وإنما صح في هذا ما رواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» أنَّ أم حبيبة بنت جحش ﵂ استحاضت، فقال لها النبي ﷺ : «إنما ذلك عرق، فاغتسلي، ثم صَلِّي»، فكانت تغتسل عند كل صلاة (٢)، قال الشافعي ﵁: إنما أمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة. قال: ولا أشك أن غسلها كان تطوعًا غير ما أمرت به، وذلك واسع لها. هذا لفظ الشافعي ﵀، وكذا قاله شيخه سفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وغيرهما، والله أعلم. اهـ قلتُ: الراجح أنه ليس عليها إلا غسل واحد، إذا أدبرت حيضتها، وقد تكلم البيهقي على روايات الأمر بالغسل عند كل صلاة في «سننه الكبرى» (١/ ٣٤٩ - )، فأجاد ﵀. وأما قول النووي ﵀: (وهو مروي عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة) فقد أخرجها ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ١٥٩)؛ إلا أثر ابن مسعود،

стр. 523

وفي إسناد أثر علي ﵁: الحارث الأعور، وهو كذاب. وأما أثر ابن عباس، وعائشة ﵃ فثابتان، وأما قول علي، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير ﵃ في أنَّ عليها الغسل لكل صلاة فصحيح عنهم كما في «الأوسط» (١/ ١٦٢). (١). مسألة [٢]: وضوء المستحاضة . تقدم الكلام على هذه المسألة في باب نواقض الوضوء.

стр. 524

١٣٦ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الكدرة، والصُفْرَة . الكُدْرَةُ: ماء مُتَّسِخٌ، ومتكَدِّرٌ، وليس بدمٍ، والصُّفْرَةُ: ماء يعلوه الصفرة، كماء الجروح. • ذهب جمهور العلماء إلى أن الكدرة، والصفرة في أيام الحيض من الحيض، وإنْ رأته بعد أيام حيضها، وطهرها فلا تعتد به، واستدلوا بحديث أم عطية الذي في الباب، وبما ثبت عن عائشة ﵂ أنَّ النسوة كُنَّ يرسلن إليها بالدُّرْجَة فيها الكرسف، فيه الصفرة، فتقول عائشة: لا تَعْجَلْنَ حتى ترين القَصَّة البيضاء. • وذهب أبو يوسف، وأبو ثور إلى أنه لا يكون حيضًا؛ إلا أنْ يتقدمه دمٌ، واستحسنه ابن المنذر. • والصحيح عند الشافعية أنها في زمن إمكان الحيض، حيض، ولا تقيد بالعادة، وهو قول مالك. • وذهب الظاهرية، وابن حزم إلى أنهما ليسا بحيض مطلقًا.

стр. 525

والراجح -والله أعلم- هو مذهب الجمهور؛ لما تقدم من الأدلة، وهذا ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ثم الشيخ ابن عثيمين ﵀. وعليه فإنَّ الصفرة، والكدرة إذا سبقت دمَ الحيض، فلا تترك المرأة الصلاة، والصيام حتى ترى دم الحيض؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا أقبلت حيضتك، فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم، وصَلِّي». وهو قول أبي ثور، وابن المنذر كما تقدم. وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام حيث قال كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٢٠): والصحيح أنها إن كانت في العادة مع الدم الأسود، والأحمر، فهي حيضٌ، وإلا فلا. اهـ. (١)

стр. 526

١٣٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ اليَهُودَ كَانَتْ إذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) ١٣٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: جماع الحائض، ومباشرتها . قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩): فَاعْلَمْ أَنَّ مُبَاشَرَة الْحَائِض أَقْسَام: أَحَدهَا: أَنْ يُبَاشِرهَا بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْج؛ فَهَذَا حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، بِنَصِّ الْقُرْآن الْعَزِيز، وَالسُّنَّة الصَّحِيحَة. القِسْم الثَّانِي: الْمُبَاشَرَة فِيمَا فَوْق السُّرَّة، وَتَحْت الرُّكْبَة بِالذَّكَرِ، أَوْ بِالْقُبْلَةِ، أَوْ الْمُعَانَقَة، أَوْ اللَّمْس، أَوْ غَيْر ذَلِكَ، وَهُوَ حَلَال بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء، وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد الْإِسْفَرَايِينِي، وَجَمَاعَة كَثِيرَة الْإِجْمَاع عَلَى هَذَا، وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَبَيْدَة السَّلْمَانِيّ، وَغَيْره، مِنْ أَنَّهُ لَا يُبَاشِر شَيْئًا مِنْهَا بِشَيْءٍ مِنْهُ؛ فَشَاذّ، مُنْكَر، غَيْر مَعْرُوف، وَلَا مَقْبُول، وَلَوْ صَحَّ عَنْهُ؛ لَكَانَ مَرْدُودًا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة الْمَذْكُورَة فِي «الصَّحِيحَيْنِ»، وَغَيْرهمَا فِي مُبَاشَرَة النَّبِيّ ﷺ فَوْق الْإِزَار، وَإِذْنه فِي ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ قَبْل الْمُخَالِف وَبَعْده.

стр. 527

القِسْم الثَّالِث: الْمُبَاشَرَة فِيمَا بَيْن السُّرَّة، وَالرُّكْبَة فِي غَيْر الْقُبُل وَالدُّبُر، وَفِيهَا ثَلَاثَة أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا: أَصَحّهَا عِنْد جَمَاهِيرهمْ وَأَشْهَرهَا فِي الْمَذْهَب: أَنَّهَا حَرَام. وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَرَامٍ، وَلَكِنَّهَا مَكْرُوهَة كَرَاهَة تَنْزِيه، وَهَذَا الْوَجْه أَقْوَى مِنْ حَيْثُ الدَّلِيل، وَهُوَ الْمُخْتَار. وَالْوَجْه الثَّالِث: إِنْ كَانَ الْمُبَاشِر يَضْبِط نَفْسه عَنْ الْفَرْج، وَيَثِق مِنْ نَفْسه بِاجْتِنَابِهِ إِمَّا لِضَعْفِ شَهْوَته، وَإِمَّا لِشِدَّةِ وَرَعه؛ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا الْوَجْه حَسَن، قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاس الْبَصْرِيّ مِنْ أَصْحَابنَا. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى الْوَجْه الْأَوَّل وَهُوَ التَّحْرِيم مُطْلَقًا مَالِك، وَأَبُو حَنِيفَة، وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء، مِنْهُمْ: سَعِيد بْن الْمُسَيِّب، وَشُرَيْح، وَطَاوُسٌ، وَعَطَاء، وَسُلَيْمَان بْن يَسَار، وَقَتَادَة. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى الْجَوَاز: عِكْرِمَة، وَمُجَاهِد، وَالشَّعْبِيّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَم، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَد بْن حَنْبَل، وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن، وَأَصْبَغ، وَإِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو ثَوْر، وَابْن الْمُنْذِر، وَدَاوُدُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا الْمَذْهَب أَقْوَى دَلِيلًا. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَنَس الْآتِي: «اِصْنَعُوا كُلّ شَيْء إِلَّا النِّكَاح»، قَالُوا: وَأَمَّا اِقْتِصَار النَّبِيّ ﷺ فِي مُبَاشَرَته عَلَى مَا فَوْق الْإِزَار، فَمَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب، وَالله أَعْلَمُ.

стр. 528

قلتُ: ويدل على الجواز قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ولفظ: ﴿الْمَحِيضِ﴾، يحتمل أن يكون اسمًا لمكان الحيض، أو أن يكون مصدرًا للحيض. والراجح أن المراد بالآية الأول؛ لأمرين: أحدها: أنه لو أراد الحيض؛ لكان أمرًا باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماع بخلافه. الثاني: أن الآية عند أن نزلت قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، وهذا تفسير لمراد الله تعالى. وقد استدل القائلون بالتحريم بحديث: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، ما يحل لي من امرأتي، وهي حائض؟ فقال: «ما فوق الإزار»، وهو حديث حسن، وسيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله. وقد أجيب عنه: بأنه يدل على حِلِّ ما فوق الإزار، ولا يدل على تحريم المباشرة؛ إلا بالمفهوم، والأدلة التي ذكرناها تدل بمنطوقها على جواز ذلك، والمنطوق مقدم على المفهوم. والراجح -والله أعلم- هو الجواز، وأما إنْ خاف على نفسه من الوقوع في المحرم، فيكره له. (١)

стр. 529

مسألة [٢]: متى يحل للرجل إتيان امرأته الحائض إذا انقطع دمها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٤١٩): وَطْءُ الْحَائِضِ قَبْلَ الْغُسْلِ حَرَامٌ، وَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قال ابن المنذر ﵀: هَذَا كَالْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرُّوذِيُّ: لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ، حَلَّ وَطْؤُهَا، وَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ ذَلِكَ، لَمْ يُبَحْ حَتَّى تَغْتَسِلَ، أَوْ تَتَيَمَّمَ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ كَالْجَنَابَةِ. قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، فَشَرَطَ لِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ شَرْطَيْنِ: انْقِطَاعَ الدَّمِ، وَالِاغْتِسَالَ، فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِهِمَا. انتهى بتصرف. وقد أجاز ابن حزم إتيان الحائض إذا انقطع دمها، إن تيممت، أو غسلت موضع الدم، وإن لم تغتسل؛ لأنَّ هذا كله يطلق عليه طهارة، والله يقول: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، فهذا اللفظ عامٌّ، يَعُمُّ ما ذُكِرَ. والجواب عنه: أنَّ هذا اللفظ مشترك، وقد اختلف أهل الأصول في اللفظ المشترك، هل يكون من باب العموم، أم من باب المجمل؟ والرَّاجح عند المحققين من أهل الأصول أنَّ اللفظ المشترك من الألفاظ المجملة، فلا يعمل بها حتى يتبين المراد منها، وقد بيَّنَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ المراد هو

стр. 530

الغسل، كقوله لأم حبيبة بنت جحش: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلي»، ومثله لفاطمة بنت أبي حبيش. فالراجح هو قول الجمهور، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي، وقبلهما شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمة الله عليهم أجمعين. (١) مسألة [٣]: ما حكم إتيان المستحاضة ؟ • جاء عن ابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وهو رواية عن أحمد أنهم منعوا من ذلك؛ لأنَّ بها أذى كالحائض. • وخالفهم سائر أهل العلم، فقالوا بالجواز؛ لأنَّ النهي جاء في حقِّ الحائض، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، والأصل الإباحة حتى يأتي دليل على التحريم. وهذا القول هو الراجح. (٢)
следующие страницы →