بالعتق أم لم يأذن.
• وعن أحمد رواية: إن أذن له سيده في التكفير بالعتق؛ جاز، وهو قول الأوزاعي؛ لأنه بإذن سيده يصير قادرًا على ذلك إذا كان في يده مال. وهذا القول أقرب. (١)
مسألة [١٤]: فإن عجز العبد عن العتق والصيام، فهل عليه الإطعام ؟
• يجزئه عند مالك، وأحمد، والأوزاعي، وأبي ثور وغيرهم إن أذن له السيد في التكفير بالمال، وهو قول بعض الشافعية، وهو الصحيح خلافًا لمن منع من ذلك من الشافعية، والحنابلة، والحنفية. (٢)
تنبيه: الذين منعوا صحة العتق حجتهم في ذلك أنه يتضمن ثبوت الولاء، وليس ممن يثبت له ذلك، ولا يصح منه الإطعام؛ لأنه مملوك لغيره، فيقع تكفيره بالمال بمال غيره، ولا يجزئ.
وأُجيب عن الأول: أنَّ الولاء يثبت له بذلك، ولا يرث به ما دام عبدًا؛ لوجود مانع الرق، وعن الثاني بأنَّ القول بصحته منه موقوف على إذن السيد، وإذا أذن له؛ فقد ملكه، والله أعلم.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٠٧): وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِذَا صَامَ، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
стр. 4657
مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]؛ وَلِأَنَّهُ صَوْمٌ فِي كَفَّارَةٍ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ صَامَ شَهْرًا؛ أَجْزَأَهُ. وَقَالَهُ النَّخَعِيُّ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ. اهـ
مسألة [١٥]: الوقت الذي تعتبر فيه الكفارة ؟
• من أهل العلم من قال: الاعتبار في الكفارة بحالة الوجوب. وهو قول أحمد في الظاهر عنه، وهو أحد قولي الشافعي، وقال به ابن حزم؛ لأنه هو الوقت الذي خوطب بالكفارة، فاعتبر به. قال ابن قدامة: فعلى هذه الرواية يعتبر إعساره ويساره حال وجوبها عليه؛ فإن كان موسرًا حال الوجوب؛ استقر وجوب الرقبة عليه، فلم يسقط باعساره بعد ذلك، وإن كان معسرًا؛ ففرضه الصوم، فإذا أيسر بعد ذلك؛ لم يلزمه الانتقال إلى الرقبة.
• وقال بعض أهل العلم: الاعتبار بأغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين التكفير، فمتى وجد رقبة فيما بين الوجوب إلى حين التكفير؛ لم يجزئه إلا الاعتاق. وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي.
• وقال بعضهم: الاعتبار بحالة الأداء. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، كالوضوء إذا وجد الماء بعد تيممه؛ وذلك لأنه حق ذو بدل من غير
стр. 4658
جنسه، فيعتبر به حال الأداء، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٦]: اشتراط النية .
يُشترط في الكفارة النية؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». (٢)
مسألة [١٧]: من وطئ قبل أن يكفر ؟
يحرم عليه ذلك في العتق والصيام بالإجماع، وفي الإطعام على الصحيح.
• وإذا فعل ذلك؛ فقد عصى ربه، وتستقر الكفارة في ذمته، فلا تسقط بعد ذلك بموتٍ، ولا طلاقٍ، ولا غيره، وتحريم زوجته عليه باقٍ بحاله حتى يكفر، وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ عليه كفارتين، رُوي ذلك عن قبيصة، وسعيد ابن جبير، والزهري، وقتادة؛ لأنَّ الوطء يوجب كفارة والظهار موجب لأخرى.
• وقال أبو حنيفة: لا تثبت الكفارة في ذمته، وإنما هي شرط للإباحة بعد الوطء.
واستدل الجمهور بأحاديث الباب؛ ولأنه وجد الظهار والعود، فتشمله الآية
стр. 4659
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]. (١)
مسألة [١٨]: إذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أبي ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١١٢): لَيْسَ ذَلِكَ بِظِهَارٍ. قَالَ الْقَاضِي: لَا تَكُونُ مُظَاهِرَةً، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ ظِهَارٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، إلَّا أَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ: إذَا قَالَتْ ذَلِكَ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ؛ فَلَيْسَ بِشَيْءِ. وَلَعَلَّهمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ظَاهَرَ مِنْ الْآخَرِ؛ فَكَانَ مُظَاهِرًا كَالرَّجُلِ.
قال: وَلَنَا قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]، فَخَصَّهُمْ بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمًا فِي الزَّوْجَةِ، يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَفْعَهُ، فَاخْتَصَّ بِهِ الرَّجُلُ، كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ الْحِلَّ فِي الْمَرْأَةِ حَقٌّ لِلرَّجُلِ، فَلَمْ تَمْلِكْ الْمَرْأَةُ إزَالَتَهُ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ. اهـ
مسألة [١٩]: وهل عليها الكفارة لظهارها ؟
• منهم من أوجب عليها الكفارة، وهو قول أحمد في رواية، وفعلته عائشة بنت طلحة، وأعتقت، أفتاها أهل المدينة بذلك.
• ومنهم من قال: ليس عليها كفارة؛ لأنه قول منكر، وزور، ولكونه ليس
стр. 4660
بظهار. وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأحمد في رواية.
• وعن أحمد رواية ثالثة: عليها كفارة يمين، وهو قول عطاء، قال ابن قدامة: وهذا أقيس على مذهب أحمد، وأشبه بأصوله. وصوَّبه الإمام ابن عثيمين ﵀. وهذا القول أقرب إن قصدت المرأة اليمين؛ وإلا فالراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٠]: إذا كرر الظهار من زوجة له واحدة ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ عليه كفارة واحدة، فإذا كفَّر، ثم ظاهر بعد التكفير؛ فعليه كفارة ثانية، وسواء نوى بذلك التوكيد، أو الاستئناف، أو أطلق، وهو قول عطاء، وجابر ابن زيد، وطاوس، والشعبي، والزهري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، والشافعي في القديم؛ لأنه قول لم يؤثر تحريمًا؛ فإنها قد حرمت بالقول الأول، ولم يزد تحريمها؛ ولأنه لفظ يتعلق به كفارة، فإذا كرره؛ كفاه كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى.
• وقال بعضهم: إن أراد التأكيد؛ فواحدة، وإن أراد الاستئناف؛ فكفارات. وهو قول الثوري، والشافعي في الجديد، وخُرِّج رواية عن أحمد.
• وقال أصحاب الرأي: إن كرر في مجلس واحد؛ فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس شتى؛ فكفارات. وهو قول قتادة، وعمرو بن دينار، ورُوي عن علي (من طريق: خِلاس بن عمرو عنه، وقد قيل: إنه لم يسمع منه إنما هي كتب.
стр. 4661
والصحيح هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
تنبيه: قال ابن قدامة ﵀: فأما إن كفَّر عن الأول، ثم ظاهر؛ لزمه للثاني كفارة بلا خلاف. (٢)
تنبيه آخر: لا يجوز تقديم كفارة الظهار قبل وقوع الظهار؛ فإن فعل لم يجزئه، وعليه كفارة أخرى بعد الظهار، ثم العود. (٣)
مسألة [٢١]: إذا لم يكفر المظاهر، فهل يكون حكمه كحكم الإيلاء ؟
• ذهب مالك ﵀ إلى أنَّ المظاهر يدخل عليه الإيلاء إذا كان مُضَارًّا، وقال الثوري: يكون له حكم الإيلاء وإن لم يقصد الإضرار، وهو قول قتادة، وجابر ابن زيد.
• وذهب أحمد، والشافعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة وغيرهم إلى أنَّ حكم الظهار خلاف حكم الإيلاء، سواء قصد الإضرار أم لم يقصد، وهو قول ابن المسيب، والحسن، والنخعي، وابن المنذر؛ لأنَّ الله جعل لكل منهما حكمًا خاصًّا، وهذا القول أقرب، والله أعلم، وإذا حصل على المرأة ضرر رفعت أمرها إلى القاضي، وبالله التوفيق. (٤)
مؤكدات بأيمان من الجانبين، وهما الزوج والزوجة، عند أن يقذف الرجل امرأته بالزنى مقرونة بلعن من الزوج، وغضب من الزوجة، وعدد الشهادات أربع، والخامسة أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وفي الزوجة أنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين. (١)
والأصل في اللعان قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] الآيات.
وحديث ابن عمر (الذي في الباب، وبنحوه حديث سهل بن سعد (في «الصحيحين»، وبنحوه حديث ابن عباس (عند البخاري، وهو عند مسلم كذلك مختصر، وجاء عن ابن مسعود (عند مسلم، وجاء عن غيرهم.
مسألة [٢]: إذا قذف الرجل زوجته بالزنى ؟
• عليه حد القذف عند جمهور العلماء؛ إلا أن يأتي ببينة، أو يسقط الحد عن نفسه باللعان؛ فإن لم يأت بالبينة، وأبى اللعان حُدَّ حَدَّ القذف، وأصبح فاسقًا لا تقبل شهادته.
• وقال أبو حنيفة: يجب اللعان دون الحد؛ فإن أبى؛ حُبِس حتى يلاعن للآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية، فلم يوجب بقذف الأزواج إلا اللعان.
واستدل الجمهور بعموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾
стр. 4664
[النور: ٤] الآية، وإنما خصَّ الزوج بأن أقام لعانه مقام الشهادة في نفي الحد، والفسق، ورد الشهادة عنه، ويدل على ذلك قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لهلال بن أمية: «البينة، وإلا حد في ظهرك» أخرجه البخاري برقم (٤٧٤٧) عن ابن عباس ﵄، وقوله لما لاعن: «عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة».
والصحيح هو قول الجمهور. (١)
مسألة [٣]: قذف الزوج لا يشترط له الرؤية .
• ذهب مالك إلى أنَّ الرجل ليس له أن يلاعن إلا أن يرى الزنى، أو ينكر حملها؛ لأنَّ هذا هو الذي حصل لهلال بن أمية.
• وذهب أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة إلى عدم اشتراط ذلك؛ لعموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية، وهو قول عطاء، وأبي ثور وغيرهم. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (٢)
مسألة [٤]: هل يحكم باللعان لكل زوج قذف زوجته ؟
• جماعةٌ من أهل العلم على عمومه لكل زوج، سواء كان الزوجان مسلمين، أو كافرين، أو عدلين، أو فاسقين، أو محدودين في قذف، أو كان أحدهما كذلك، وهذا قول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن، وربيعة، ومالك،
стр. 4665
وأحمد، وإسحاق.
واستدلوا بعموم الآية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، ولأنها أيمان فتصح منهم.
• وذهب بعضهم إلى أنَّ اللعان لا يصح إلا من مسلمين، عدلين، بالغين، حرين، غير محدودين في قذف.
وهذا قول الزهري، والثوري، والأوزاعي، وحماد، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية؛ لأنَّ اللعان شهادة بتنصيص الآية، ولا تصح الشهادة من الكافر، والفاسق، والعبد، وهو قول الشافعي.
• وعن مكحول: ليس بين المسلم والذمية لعان.
• وعن عطاء، والنخعي في المحدود في القذف: يضرب الحد، ولا يلاعن.
والصحيح القول الأول؛ فإن اللعان يمين لا يفتقر إلى ما شرطوه، كسائر الأيمان، ويدل على أنه يمين قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لولا الأيمان؛ لكان لي ولها شأن». (١)
ولأنه يفتقر إلى اسم الله تعالى، ويستوي فيه الذكر والأنثى، وتسميته شهادة؛ فلقوله في يمينه: (أشهد بالله) فسُمِيَّ بذلك شهادة، وإن كان يمينًا، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] الآيتين، وقد أطال ابن القيم في الكلام على هذه المسألة، فأفاد. (٢)
стр. 4666
مسألة [٥]: هل يشمل الحكم السابق الغير مدخول بها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٢٤): وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الزَّوْجَةِ مَدْخُولًا بِهَا، أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، فِي أَنَّهُ يُلَاعِنُهَا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، مِنْهُمْ: عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيُّ، بِظَاهِرِ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.
قال: فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا؛ فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْهُ. كَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا صَدَاقَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِلِعَانِهِمَا جَمِيعًا، فَأَشْبَهَ الْفُرْقَةَ لَعَيْبٍ فِي أَحَدِهِمَا. اهـ
وقال بقول الحسن وسعيد بن جبير: الشعبي، والأوزاعي، وابن المنذر.
والرواية الأخرى، قال بها الزهري، وأبو بردة، وهذا القول أقرب فيما يظهر لي؛ لأن الله أمر بنصف الصداق في حال الطلاق، وليس ههنا طلاق، ولأنه لم يصب منها شيئًا.
وفي المسألة قول ثالث: وهو أن لها الصداق كاملًا، وهو قول الحكم، وأبي الزناد، وحماد. (١)
مسألة [٦]: إذا قذف الطفل زوجته، وإذا جاءت بولد ؟
لا يصح من الطفل القذف، ولا يلزم به حد عند أهل العلم؛ لأنه مرفوع
стр. 4667
عنه القلم.
فإن أتت امرأته بولد؛ فإن كان لدون عشر؛ لم يلحقه الولد، ويكون منفيًّا عنه؛ لأن الله عزوجل لم يجر العادة بأن يولد له لدون ذلك، فينتفي عنه كما لو أتت به المرأة لدون ستة أشهر منذ تزوجها.
• وإن كان ابن عشر فصاعدًا، فقال بعض الحنابلة: لا يلحق به أيضًا إلا بعد البلوغ؛ لأنَّ الولد لا يلحق إلا من الماء، ولو أنزل؛ لبلغ.
• وقال بعض الحنابلة، منهم ابن حامد: يلحق به، وهو ظاهر كلام أحمد، وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّ الولد يلحق بالإمكان، وإن خالف الظاهر، وهذا أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: إذا قذف المجنون زوجته، وإذا جاءت بولد ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٢٦): لَا حُكْمَ لِقَذْفِهِ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ عَنْهُ مَرْفُوعٌ أَيْضًا، وَإِنْ أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ، فَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ؛ لِإِمْكَانِهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى نَفْيِهِ مَعَ زَوَالِ عَقْلِهِ، فَإِذَا عَقَلَ، فَلَهُ نَفْيُ الْوَلَدِ حِينَئِذٍ وَاسْتِلْحَاقُهُ.
قال: وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ ذَاهِبَ الْعَقْلِ حِينَ قَذْفِهُ، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ، وَلِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمَا قَالَ؛ ثَبَتَ قَوْلُهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَالَةٌ عُلِمَ فِيهَا زَوَالُ عَقْلِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ الصِّحَّةُ وَالسَّلَامَةُ. وَإِنْ
стр. 4668
عُرِفَتْ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ، وَلَمْ تُعْرَفْ لَهُ حَالَةُ إفَاقَةٍ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ عُرِفَتْ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ وَحَالَةُ إفَاقَةٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ. اهـ
قلتُ: والأقرب أنَّ القول قوله؛ لأنَّ الأصل براءة ذمته من الحد، فلا يجب بالشك، ولأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهة.
مسألة [٨]: إذا لم يلاعن الزوج، فهل يلحقه النسب ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٢٩): وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا لِعَانَ فِيهِ فَالنَّسَبُ لَاحِقٌ فِيهِ وَيَجِبُ بِالْقَذْفِ مُوجَبُهُ مِنْ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاذِفُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا؛ فَلَا ضَرْبَ فِيهِ وَلَا لِعَانَ. كَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُوعُبَيْدٍ وَأَبُوثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ: وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ
مسألة [٩]: إذا قذف أجنبية، فهل له إسقاط الحد عن نفسه باللعان ؟
اللعان خاصٌّ بالزوجين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور:٦] الآيات، فإذا قذف أجنبية؛ فعليه حد القذف؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:٤] الآيتين، وهذا الحكم لا خلاف فيه. (١)
مسألة [١٠]: إذا قذف أمته بالزنى، فهل عليه اللعان، أو الحد ؟
في «الصحيحين» عن أبي هريرة (، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من قذف مملوكه
стр. 4669
بالزنى؛ يُقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال». (١)
وقد نقل النوويُّ الإجماعَ على أنه لا حدَّ على من قذف مملوكه.
ومن ليس عليه الحد؛ فليس عليه اللعان، والله عزوجل خصَّ ذلك بالزوجات، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ الآية، قال ابن عبد البر: وأجمع العلماء على أنْ لا لعان بين الأمة وسيدها. (٢)
مسألة [١١]: إذا ولدت أمته ولدًا، فهل له أن ينتفي منه، وهل يلاعن على ذلك ؟
إن لم يعترف بوطئها؛ لم يلحقه نسبه، ولم يحتج إلى نفيه، ولا تصير فراشًا عند أهل العلم.
• وأما إن كان قد وطئها؛ فإنها تصير فراشًا عند الجمهور، وإن جاءت بولد لمدة الحمل من يوم الوطء؛ لحقه، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي.
• وقال الثوري، وأبو حنيفة: لا تصير فراشًا له حتى يقر بولدها، فإذا أقرَّ به صارت فراشًا له، ولحقه أولادها بعد ذلك؛ لأنها لو صارت فراشًا بالوطء؛ لصارت فراشًا بإباحته، كالزوجة.
واستدل الجمهور بحديث عائشة في «الصحيحين» عند أن نازع سعد بن أبي
стр. 4670
وقاص عبدَ ابن زمعة في ابن وليدة زمعة، فقال عبدٌ: هو أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. وقال سعد: ابن أخي عتبة، عهد إليَّ أنه ولده. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر». (١)
قال ابن قدامة ﵀: وَقِيَاسُهُمْ الْوَطْءَ عَلَى الْمِلْكِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْوَلَدُ بِدُونِ الْوَطْءِ، وَيُفَارِقُ النِّكَاحَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُرَادُ إلَّا لِلْوَطْءِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، وَلَا يَنْعَقِدُ فِي مَحَلٍّ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهِ. اهـ
والصحيح هو قول الجمهور. (٢)
مسألة [١٢]: فهل له أن ينتفي من ولد أمته الذي يلحقه شرعًا ؟
إذا ادَّعى أنه استبرأها بعد وطئه لها بحيضة؛ فينتفي بذلك، وإن ادعى أنه كان يعزل عنها؛ لم ينتف عنه بذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال للذي يعزل: «سيأتيها ما قدر لها»، ثم حملت، أخرجه مسلم (١٤٣٩) من حديث جابر ﵁، وقال: «كذبت يهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه». (٣)
• وإذا ادعى الوطء في غير الفرج، فوجهان للحنابلة، والشافعية.
وإن ادعى الاستبراء، فهل يستحلف؟
стр. 4671
للحنابلة وجهٌ أنه يقبل قوله بغير يمين، كالمرأة تدعي انقضاء عدتها، ولهم وجه أنه يستحلف، وهو مذهب الشافعي؛ لعموم قوله ﵊: «ولكن اليمين على المدعى عليه»؛ ولأنَّ الاستبراء غير مختص به؛ فلم يقبل قوله فيه بغير يمين كسائر الحقوق بخلاف العدة.
• ومتى لم يدعِ الاستبراء؛ لحقه ولدها، وليس له أن ينتفي عنه، هذا مذهب الحنابلة، وإمامهم.
• وقال الشافعي وأصحابه: له أن ينتفي منه إذا لم يرضه. والمشهور عن الشافعي: بغير لعان. وعنه قولٌ أنه ينتفي عنه بلعان.
والصحيح قول الحنابلة، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣]: إذا نكح امرأة نكاحًا فاسدًا، ثم قذفها ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية أنه إن كان بينهما ولد؛ فله أن يلاعن لنفيه، ولا حدَّ عليه، وإن لم يكن بينهما ولدٌ؛ حُدَّ ولا لعان بينهما؛ لأنه ولد يلحقه بحكم عقد النكاح؛ فكان له نفيه كما لو كان النكاح صحيحًا، ويفارق إذا لم يكن ولد؛ فإنه لا حاجة إلى القذف؛ لكونها أجنبية.
• وقال أبو حنيفة: يلحقه الولد، وليس له نفيه، ولا اللعان؛ لأنها أجنبية؛ فأشبهت سائر الأجنبيات.
стр. 4672
وأُجيب عنه: بأنه يفارق سائر الأجنبيات بأنه لا يلحقه ولدهن؛ فلا حاجة به إلى قذفهن.
قال الجمهور: ويفارق الزوجة؛ فإنه يحتاج إلى قذفها مع عدم الولد؛ لكونها خانته، وغاظته، وأفسدت فراشه، فإذا كان له منها ولد فالحاجة موجودة فيهما. (١)
مسألة [١٤]: إذا أبان زوجته، ثم قذفها بزنى أضافه إلى حال الزوجية ؟
• مذهب أحمد، والشافعي، ومالك أنه إن كان بينها ولدٌ يريد نفيه؛ لاعن، وإلا حُدَّ ولم يلاعن؛ لما تقدم في المسألة السابقة، وثبت هذا القول عن ابن عباس ﵄، كما في «الأوسط»، وسنن ابن منصور، ولكنه قيده في حال العدة.
• وقال أبو حنيفة: يحد، ويلحقه الولد، ولا يلاعن في أي حال، وثبت هذا القول عن ابن عمر ﵄، كما في «الأوسط»، وسنن ابن منصور.
• وقال الحسن، وعثمان البتي: له أن يلاعن، وإن لم يكن بينهما ولد.
والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٥]: إذا قذف مطلقته الرجعية ؟
• عامة أهل العلم يقولون: يلاعن ما دامت حين قذفها في العدة. ثبت ذلك عن ابن عمر، ابن عباس ﵄، وهو قول جابر بن زيد، والنخعي، والزهري،
стр. 4673
وقتادة، والشافعي، وإسحاق، وأحمد، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنها ما زالت زوجة. (١)
مسألة [١٦]: إذا قذف زوجته، ثم أبانها ؟
• له لعانها عند طائفة من أهل العلم، بل أكثرهم، وهو قول الحسن، والقاسم، ومكحول، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنه قذفها وهي زوجته، فتشمله آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.
• وقال الحارث العكلي، وجابر بن زيد، وقتادة، والحكم: يجلد.
• وقال أصحاب الرأي، وحماد: لا حدَّ، ولا لعان؛ لأنَّ اللعان إنما يكون بين الزوجين، وليسا بزوجين، ولا يحد؛ لأنه لم يقذف أجنبية.
وهذا قول باطل، والصحيح قول الجمهور. (٢)
مسألة [١٧]: إذا قذف أجنبية، ثم تزوجها ؟
ذكر أهل العلم أنَّ عليه الحد، ولا يلاعن؛ لأنَّ الحد وجب في حال كونها أجنبية، فلم يملك اللعان كما لو لم يتزوجها
قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٩/ ٤٦٦): وقال كل من نحفظ عنه من أهل العلم: إذا قذفها، وهي غير زوجة، ثم تزوجها: أن عليه الحد، ولا
стр. 4674
يلاعن. اهـ (١)
مسألة [١٨]: إذا قذف امرأته بعد أن تزوجها بزنًى أضافه إلى ما قبل النكاح ؟
• من أهل العلم من يقول: له أن يلاعن؛ لأنه قذف امرأته، فيشمله عموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، وهو قول الحسن، وزرارة بن أوفى، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يحد، وليس له اللعان، سواء كان ثمَّ ولد، أو لم يكن، وهو قول مالك، وأبي ثور، والشافعي في قول، والأوزاعي، والمشهور في مذهب أحمد، وروي عن ابن المسيب، والشعبي؛ لأنه قذفها قذفًا مضافًا إلى حال البينونة أشبه ما لو قذفها وهي بائن.
• وقال الشافعي: إن لم يكن له ولد؛ حُدَّ ولم يلاعن. وفي مذهبه وجهان إن كان هناك ولد.
• وقال أبو عبيد: إن أقام على ما كان قذفها به؛ فهو قاذف لها الآن فعليه اللعان كما قال الحسن، وزرارة بن أوفى، وإن قال: ليست الآن كذلك فعليه الحد لما قال الشعبي، ومالك.
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: قول أبي عبيد أقرب، والله أعلم. (٢)
стр. 4675
مسألة [١٩]: قذف الأخرسِ وملاعنته .
أما إن لم تكن له إشارات مفهمة؛ فلا يصح عنه شيء من ذلك.
• وإن كان له إشارات مفهمة في ذلك؛ صحَّ منه القذف، والملاعنة في مذهب مالك، والشافعي، وعليه أكثر الحنابلة، وابن حزم، كما يصح منه النكاح، والطلاق؛ ولقوله ﵊: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، وقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
• ومن أهل العلم من يقول: لا يصح ذلك منه. وهو قول أحمد في رواية، وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي؛ لاحتمال أن لا يفهم منه، والحدود تُدرأ بالشبهات، ولأنَّ اللعان لفظٌ؛ فلا يصح بالإشارة والكناية، واختاره الشوكاني.
قلتُ: والقول الأول هو الراجح، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٠]: هل يتعرض للرجل بحد القذف، أو اللعان بغير مطالبة المرأة ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم أنه لا يتعرض له بإقامة الحد عليه، ولا طلب اللعان منه حتى تطالبه زوجته بذلك؛ فإنَّ ذلك حق لها، فلا يقام من غير طلبها، واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم
стр. 4676
عليكم حرام»، فأضاف العرض إلينا كإضافة الدم والمال.
• وذهب أبو حنيفة، وابن حزم إلى أنه يُقام عليه الحد، وإن عَفَتِ المرأة، واشترط أبو حنيفة المطالبة، وقالوا: هو حق لله؛ فلا يسقط، وإن عفت المرأة عنه. والقول الأول أقرب والله أعلم، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين كما في «الشرح الممتع» (٦/ ١٦٥ - ). (١)
مسألة [٢١]: هل للزوج أن يلاعن من غير طلب المرأة الحد ؟
• لا يشرع اللعان عند أكثر أهل العلم في كل موضع يسقط فيه حد القذف، كعفو المرأة، أو إقامته البينة بزناها، أو حُدَّ حد القذف ثم أراد لعانها، إلا إذا كان هناك نسب يريد أن ينفيه.
• وقال بعض الشافعية: له الملاعنة؛ لإزالة الفراش. والصحيح عند الشافعية كقول الجمهور؛ لأنَّ إزالة الفراش ممكنة بالطلاق، والتحريم المؤبد ليس بمقصود يشرع اللعان من أجله. (٢)
مسألة [٢٢]: إذا كان هناك ولد، فما حكم الملاعنة ؟
• مذهب الشافعية، والحنابلة أنَّ له أن يلاعن إذا أراد نفيه، وإن لم تطالب المرأة بذلك؛ لينفي عن نفسه النسب الباطل إن كان قد وقع الزنى.
стр. 4677
• وظاهر كلام شيخ الإسلام الوجوب، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين.
• وخالف في ذلك الحنفية، وبعض الظاهرية. (١)
مسألة [٢٣]: إذا مات أحدهما قبل اللعان ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٣٩): وَإِذَا قَذَفَهَا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ لِعَانِهِمَا، أَوْ قَبْلَ إتْمَامِ لِعَانِهِ؛ سَقَطَ اللِّعَانُ، وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ، وَوَرِثَتْهُ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ لَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ. وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ لِعَانَهُ، وَقَبْلَ لِعَانِهَا، فَكَذَلِكَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَبِينُ بِلِعَانِهِ، وَيَسْقُطُ التَّوَارُثُ، وَيَنْتَفِي الْوَلَدُ، وَيَلْزَمُهَا الْحَدُّ، إلَّا أَنْ تَلْتَعِنَ.
قال: وَلَنَا أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ إكْمَالِ اللِّعَانِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ إكْمَالِ الْتِعَانِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا رَتَّبَ هَذِهِ الْأَحْكَامَ عَلَى اللِّعَان التَّامِّ. اهـ
قلتُ: والذي يظهر لي أنَّ الولد لا يلحق به؛ لأنها إما أن تعترف بذلك فتحد حد الزنى، ولا يلحق الولد به، وما زالت زوجة ترثه؛ لأنها لم تلتعن.
وإما أن لا تعترف فتلتعن، فعند ذلك تقع البينونة، ولا يلحق به الولد على الحالين، والله أعلم.
وأما الفراق؛ فلا يقع إلا بإكمال اللعان منهما كما سيأتي إن شاء الله. (٢)
стр. 4678
مسألة [٢٤]: إذا مات المقذوف قبل المطالبة بالحد، هل يسقط ؟
• مذهب الحنابلة أنَّ الحد يسقط، وليس للورثة المطالبة به؛ لأنه هو المالك للمطالبة، وإذا لم يطالب؛ لم يكن لغيره المطالبة عنه.
• ومذهب الشافعية أنَّ المطالبة بالحد تورث؛ لأنها من حقوق المتوفَى.
قلتُ: وقول الشافعية أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٥]: صفة اللعان .
صفته أنَّ الإمام يبدأ بالزوج فيقول له: قل أربع مرات: (أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنى) أو يسميها إن كانت غائبة.
فإذا شهد أربع مرات وقفه الحاكم، وقال له: اتق الله؛ فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. ويأمر رجلًا فيضع يده على فيه حتى لا يبادر بالخامسة قبل الموعظة. ثم يأمر رجلًا فيرسل يده عن فيه؛ فإن رآه يمضي في ذلك، قال له: قل: (وأنَّ لعنة الله عليَّ إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنى).
ثم يأمر المرأة، ويقوله لها: قولي (أشهد بالله أنَّ زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى) فإذا كررت ذلك أربع مرات، وقفها ووعظها كما في حق الزوج؛ فإن رآها تمضي على ذلك قال لها: قولي (وأنَّ غضب الله عليَّ إن كان
стр. 4679
زوجي هذا من الصادقين عليَّ فيما رماني به من الزنى). (١)
مسألة [٢٦]: إذا نَقَص من الأيمان واحدة، أو أكثر ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية أنه إن أخلَّ بواحدة منها؛ لم يصح اللعان، ولا تتعلق به الأحكام، وإن حكم بذلك الحاكم.
• وقال أبو حنيفة: إذا شهد أحدهما مرتين، وأتى باللعان في الثالثة، وحكم الحاكم بالفرقة بذلك، ونفى النسب؛ فقد أخطأ ونفذ حكمه.
واستدل الأولون على قولهم بأنَّ الله تعالى علَّق الحكم بالألفاظ الخمسة، وهو الصحيح، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٧]: هل يصح اللعان عند غير الحاكم ؟
قال ابن رشد ﵀ في «البداية» (٣/ ١٦٦): وأجمعوا على أنَّ من شرط صحته أن يكون بحكم حاكم. اهـ
وذكر غيره زيادة (أو نائبه)، وقال ابن عبد البر: هذا ما لا خلاف فيه. (٣)
مسألة [٢٨]: هل يشترط الابتداء بالرجل ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية اشتراط ذلك، فإذا بدأت المرأة؛ لم يصح اللعان؛ لأنَّ الله عزوجل أمر باللعان كذلك، وفعله كذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «ومن عمل عملًا
стр. 4680
ليس عليه أمرنا؛ فهو رد»، وظاهر الآيات اعتبار الترتيب.
• وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يشترط، ويصح اللعان إذا بدأت المرأة؛ لأنَّ المقصود الأيمان والشهادات، وقد حصلت، وإن لم يرتب. والقول الأول هو ظاهر ترجيح الإمام ابن عثيمين (، وقبله الإمام الشوكاني ﵀، وهو الحق بلا ريب. (١)
مسألة [٢٩]: هل يشترط أن تكون الأيمان بعد طلب الحاكم ذلك ؟
اشترط ذلك الحنابلة، قالوا: فإن بادر أحدهما قبل أن يطالب منه الحاكم؛ لم يصح كما لو حلف قبل أن يحلفه الحاكم، وهو مذهب الشافعية أيضًا. (٢)
مسألة [٣٠]: زيادة: (فيما رميت به هذه من الزنى) بعد قوله: (من الصادقين) وكذلك المرأة بعد قولها: (من الكاذبين) ؟
• اشترط ذلك جمع من الفقهاء من الحنابلة، والشافعية وغيرهم، والصحيح عدم اشتراط ذلك.
قال الوزير ابن هبيرة الحنبلي ﵀: ولا أراه يحتاج إليه؛ لأنَّ الله سبحانه أنزل ذلك وبينه، ولم يذكر هذا الاشتراط. اهـ
وقال الشوكاني ﵀ في «السيل» (ص ٤٥١): قد علمنا اللهُ
стр. 4681
كيف يقول المتلاعنان، فلا حاجة في الزيادة على ذلك، ولا في إحضار الولد. اهـ
وقال بذلك ابن حزم، وشدد القول على من اشترط ذلك، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين؛ لأنَّ الأيمان لا تأويل فيها؛ لحديث: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» (١)، وهو اختيار ابن القيم ﵀. (٢)
مسألة [٣١]: هل يُشترط في اللعان كلمة (أشهد) ؟
• الأصح عند الحنابلة، وهو وجه للشافعية أنه يُشترط أن يتلفظ بالشهادة مع اليمين؛ لأنَّ الله تعالى نصَّ على لفظ الشهادة، فإذا عدل عنه إلى غيره؛ لم يجزه.
• ووجهٌ للحنابلة، والشافعية أنه يصح أن يبدل لفظة (أشهد) بقوله: (أحلف بالله) و (أقسم بالله) و (أولي بالله)؛ لأنَّ المقصود هو اليمين، وهذه الألفاظ صريحة فيه.
• وبعض الحنابلة، والشافعية على جواز ترك كلمة (أشهد) والاقتصار على اليمين بدون هذا اللفظ، وهو قول ابن حزم، والشوكاني وغيرهم، وهو الأظهر، والله أعلم. (٣)
تنبيه: إن أبدل لفظة اللعن بالإبعاد؛ لم يصح عند أكثر الحنابلة، والشافعية، وإن أبدل لفظ اللعن بالغضب؛ لم يجز في قول جماعة من الحنابلة، والشافعية،
стр. 4682
وأجازه جماعة منهم.
وإن أبدلت المرأة لفظ الغضب باللعن؛ لم يجز عندهم، وإن أبدلته بالسخط ففيه وجهان. ورجح ابن القيم عدم إجزاء الإبدال مطلقًا، قال: وهو أصح القولين في مذهب أحمد، ومالك وغيرهما.
قلتُ: الصحيح عدم إجزاء الإبدال مطلقًا كما ذكر ابن القيم ﵀ لقوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» والله تعالى أعلى وأعلم. (١)
مسألة [٣٢]: الالتعان بغير العربية ؟
من يحسن العربية؛ فلا يصح التعانه إلا بها؛ لأنَّ اللعان ورد في القرآن بلفظ العربية، ومن لا يحسن؛ جاز له الالتعان بلسانه مع حضور ترجمان. (٢)
مسألة [٣٣]: هل يحتاج إلى نفي الولد عن نفسه في اللعان ؟
قال ابن القيم ﵀ في «الزاد» (٥/ ٣٧٩): وَمِنْهَا: أَنّ الْحَمْلَ يَنْتَفِي بِلِعَانِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: وَمَا هَذَا الْحَمْلُ مِنّي. وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: وَقَدْ اسْتَبْرَأْتهَا. هَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَهْلِ الظّاهِرِ، وَقَالَ الشّافِعِيّ: يَحْتَاجُ الرّجُلُ إلَى ذِكْرِ الْوَلَدِ وَلَا تَحْتَاجُ الْمَرْأَةُ إلَى ذِكْرِهِ. وَقَالَ الْخِرَقِيّ وَغَيْرُهُ: يَحْتَاجَانِ إلَى ذِكْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا
стр. 4683
الْوَلَدُ مِنْ زِنىً وَلَيْسَ هُوَ مِنّي. وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ، وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ أَصَحّ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ تَدُلّ السّنّةُ الثّابِتَةُ. اهـ
ورجح ذلك الصنعاني أيضًا في «السبل» (٦/ ٢٦٧) وهو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٤]: التلاعن بحضرة الناس .
استحبَّ أهل العلم للحاكم أن يجعل اللعان بمحضر جماعة من الناس يشهدونه؛ فإنَّ ابن عباس، وابن عمر، وسهل بن سعد (حضروه مع حداثة أسنانهم؛ فدل ذلك على أنه حضره جمعٌ كثير؛ فإنَّ الصبيان إنما يحضرون مثل هذا الأمر تبعًا للرجال، وقد قال سهل بن سعد فتلاعنا، وأنا مع الناس عند النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
قال ابن القيم ﵀: وحِكمةُ هذا والله أعلم أنَّ اللعان بُني على التغليظ؛ مبالغةً في الردع والزجر، وفعله في الجماعة أبلغ في ذلك. اهـ (٢)
مسألة [٣٥]: هل يغلظ اللعان في مكانه وزمانه ؟
• من أهل العلم من قال بالتغليظ في المكان، كعند منبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إن كان بالمدينة، أو بين الركن والمقام إن كان بمكة، أو عند الصخرة إن كان ببيت المقدس، وفي غيرها في المساجد، وهذا قول الشافعي، وبعض الحنابلة، وكذلك قالوا بالتغليظ في الزمان، فيجعل في يوم الجمعة.
• ومن أهل العلم من لم يقل بالتغليظ بذلك، وهو قول جماعة من الحنابلة،
стр. 4684
وأبي حنيفة؛ لأنه لم يدل دليل على اعتبار ذلك، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٦]: السيد هل يلاعن بين عبده وأمته ؟
• أجازه الشافعية، كما له أن يقيم الحد على أمته.
• ومنع من ذلك الحنابلة كغيرهما من الأحرار والحرائر، وقالوا: لم يأت في الأدلة: أنَّ السيد أُبيح له الحد على أمته المتزوجة، وبالفرق بين الحد واللعان، فالحد زجر وتأديب، واللعان شهادة ويمين. (٢)
مسألة [٣٧]: التلاعن قيامًا .
قال ابن القيم ﵀ في «الزاد» (٥/ ٣٧٦): وَمِنْهَا أي: فوائد أحاديث اللعان: أَنّهُمَا يَتَلَاعَنَانِ قِيَامًا، وَفِي قِصّةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيّةَ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ لَهُ: «قُمْ فَاشْهَدْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَلله»، وَفِي «الصّحِيحَيْنِ» فِي قِصّةِ الْمَرْأَةِ: ثُمّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ. وَلِأَنّهُ إذَا قَامَ شَاهَدَهُ الْحَاضِرُونَ؛ فَكَانَ أَبْلَغَ فِي شُهْرَتِهِ، وَأَوْقَعَ فِي النّفُوسِ. اهـ
وذكر نحو ذلك ابن قدامة في «المغني» (١١/ ١٧٥)، ثم قال: وليس ذلك واجبًا، وبهذا كله قال أبو حنيفة، والشافعي، ولا أعلم فيه مخالفًا. اهـ
مسألة [٣٨]: موعظة الإمام للمتلاعنين .
قال ابن القيم ﵀ في «الزاد» (٥/ ٣٧٧): وَمِنْهَا: وَعْظُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَلَاعِنَيْنِ عِنْدَ إرَادَةِ الشّرُوعِ فِي اللّعَانِ، فَيُوعَظُ، وَيُذَكّرُ، وَيُقَالُ لَهُ: (عَذَابُ
стр. 4685
الدّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ)، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ؛ أُعِيدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا كَمَا صَحّتْ السّنّةُ بِهَذَا وَهَذَا. اهـ
مسألة [٣٩]: إذا لم تلاعن المرأة، وأبت ؟
• من أهل العلم من قال: إذا أبت اللعان؛ وجب عليها الحد. وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، وبه قال مكحول، والشعبي، وهو قول شيخ الإسلام، وابن القيم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور:٨]، وهذا يدل على أنَّ سبب العذاب الدنيوي قد وجد؛ فلا يزول عنها إلا باللعان، والله عزوجل جعل التعان الزوج بدلًا عن الشهود، وقائمًا مقامهم، بل جعل الأزواج الملتعنين شهداء، وصرَّح بأنَّ لعانهم شهادة.
• ومن أهل العلم من قال: لا حدَّ عليها إذا لم تلاعن. وهو قول الحسن، والأوزاعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وعثمان البتي، والحارث العكلي، وقالوا: إنما دلَّت الآية بالمفهوم على أنها تحد. وقالوا: لو كان لعان الرجل بينة توجب الحد عليها؛ لم تملك إسقاطه باللعان، وتكذيب البينة كما لو شهد عليها أربعة.
قالوا: ولا يصح إثباته بنكول المرأة؛ لأنَّ الحد لا يثبت به؛ فإنه يُدْرأ بالشبهات، ولعلها نكلت لشدة حيائها، أو لعقلة لسانها؛ فلا يجوز إثبات الحد الذي اعتبر فيه من البينة ضعف ما اعتبر في سائر الحدود مع الشهادة بحقيقة الزنى، بشيء مشتبه.
стр. 4686
وقالوا: إنَّ المرأة إذا أقرَّت على نفسها بالزنى، ثم رجعت؛ قُبِل رجوعها، فكيف يثبت عليها الحد بالنكول.
وقد أجاب ابن القيم ﵀ في «زاده» على هذه المعارضات، وبيَّن أنَّ اللعان حكمٌ بنفسه شرعه الله غير مردود إلى أحكام الدعاوى والبينات، وأنَّ الذي أوجب الحد هو مجموع التعانه مع نكولها في حال قدرتها على ذلك. (١)
مسألة [٤٠]: إذا قذف امرأته برجل بعينه ؟
اختلف أهل العلم هل يُحد الرجل بقذفه للرجل المعين بامرأته؟
• فمن أهل العلم من قال: يسقط الحد إذا لاعن امرأته؛ فلا يحد لقذفه لامرأته، ولا بقذفه للرجل. وهذا قول أحمد، وقال به الشافعي في قول، وقال بذلك بعض الشافعية، قالوا: وإن لم يلاعن يحد حدين. ولا خلاف بين الشافعية أنَّ الحد يسقط إذا ذكره في اللعان.
• وقال مالك، وأبو حنيفة أيضًا: عليه الحد وإن لاعن. وهو قول بعض الشافعية فيما إذا لم يذكر الرجل في اللعان.
وحجة أصحاب القول الأول أنه لم يَرِدْ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حدَّ هلال بن أمية بعد لعانه؛ لقذفه شريك بن سحماء بامرأته.
وأجاب مالك، ومن معه: بأنه محمول على أنه لم يطالب بالحد.
стр. 4687
قال ابن القيم ﵀ (٥/ ٣٨٣): وهذا ينقلب حجة عليكم؛ لأنه لما استقر عنده أنه لا حق له في هذا القذف؛ لم يطالب به، ولم يتعرض له، وإلا كيف يسكت عن براءة عرضه، وله طريق إلى إظهارها بحد قاذفه، والقوم كانوا أشد حمية وأنفة من ذلك.
ثم ذكر كلامًا ما معناه: أنَّ الشهادة قد أُقيمت مقام الشهود، وكما أنَّ شهادته وأيمانه درأت عنه الحد من طرف الزوجة؛ فكذلك تدرأ عنه من طرف المقذوف. وانظر بقية كلامه، وهو الراجح إن شاء الله. (١)
تنبيه: أكثر أهل العلم على أنَّ عليه حدين إذا لم يلاعن، وخالف بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، فقالوا: عليه حدٌّ واحد، وهو الأظهر؛ لأنه جمع القذف في وقت واحد، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤١]: متى تحصل الفرقة بين المتلاعنين ؟
• من الفقهاء من يقول: لا تحصل الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما بعد لعانهما. وهو قول بعض الحنابلة، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ في حديث المتلاعنين: «ففرق بينهما رسول الله ﷺ ».
• ومن أهل العلم من يقول: تحصل الفرقة بتلاعنهما، وبالفراغ منه، ولا يشترط في ذلك تفريق الحاكم، وهذا قول مالك، وأحمد في رواية، وجماعة من
стр. 4688
أصحابه، وأبي ثور، وداود، وزفر، وابن المنذر.
واستدل هؤلاء بأنَّ اللعان نفسه معنى يقتضي التحريم المؤبد؛ للحديث: «مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا»، وحديث: «قال: لا يجتمعان أبدًا» أخرجهما البيهقي (٧/ ٤٠١)، والدارقطني (٣/ ٢٧٥ - ) من حديث ابن عمر، وسهل بن سعد ﵄، وهما حديثان ثابتان.
وحديث ابن عمر (الذي في «الصحيحين»: «لا سبيل لك عليها»، فهذه الأدلة تبين أنَّ الفرقة تحصل باللعان، فتفريق النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بينهما إنما كان تبعًا للحكم المترتب على اللعان، ولو كان الأمر للحاكم؛ لساغ له ألا يفرق بينهما إذا كره ذلك الزوجان.
قالوا: وقوله «فرق النبي ﷺ بينهما» يحتمل أمورًا ثلاثة: إنشاء الفرقة، والثاني: الإعلام بها، والثالث: إلزامه بموجبها من الفرقة الحسية.
• وذهب الشافعي إلى أنَّ الفرقة تحصل بانتهاء الزوج؛ لأنها فرقة حاصلة بالقول، فتحصل بقول الزوج وحده كالطلاق، ولا دليل على هذا القول؛ فإنَّ الأحاديث لم يأت فيها التفريق إلا بالفراغ من اللعان.
• وقال أبو عبيد: تحصل الفرقة بمجرد القذف. وهذا القول ضعيف، والصحيح قول مالك ومن معه. (١)
стр. 4689
مسألة [٤٢]: إذا فرق الحاكم قبل تمام اللعان ؟
• مذهب مالك، وأحمد أنَّ تفريقه باطل، لا عبرة به؛ لأنَّ الفرقة إنما تحصل بتمام اللعان.
• وقال الشافعي: إنْ فرق بعد انتهاء الزوج؛ صحَّ. بناءً على ما اختاره في المسألة السابقة.
• وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: إذا فرَّق بينهما بعد أن لاعن كل واحد منهما ثلاث مرات؛ أخطأ السنة، والفرقة جائزة، وإن كان أقل من الثلاث؛ فالفرقة باطلة.
وهذا التفصيل لا دليل عليه، والصحيح قول مالك، وأحمد. (١)
مسألة [٤٣]: هل فرقة اللعان فسخٌ، أم طلاقٌ ؟
• ذهب أبو حنيفة إلى أنه طلاق؛ لأنها فرقة من جهة الزوج؛ فكان كذلك.
• وذهب الجمهور، منهم: أحمد، والشافعي إلى أنه فسخ؛ لأنَّ اللعان ليس صريحًا بالطلاق، ولا نوى به الطلاق، ولو كان طلاقًا لوقع بلعان الزوج قبل لعان المرأة. (٢)
مسألة [٤٤]: هل التحريم الحاصل باللعان مؤبد ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٤٩): تحرم عليه باللعان مؤبدًا؛ فلا
стр. 4690
تحل له، ولا خلاف بين أهل العلم في أنه إذا لم يكذب نفسه لا تحل له، إلا أن يكون قولًا شاذًّا. اهـ
واستدل على ذلك بما في «الصحيحين» عن ابن عمر (أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا سبيل لك عليها»، وبما أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٧٥)، والبيهقي (٧/ ٤٠١) من حديث سهل بن سعد قال: فتلاعنا عند رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ففرق رسول الله بينهما، وقال: «لا يجتمعان أبدًا»، وإسناده صحيح.
وله شاهد من حديث علي (قال: مضت السنة في المتلاعنين ألَّا يجتمعا أبدًا. أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٧٦)، والبيهقي (٧/ ٤١٠)، وفي إسناده قيس بن الربيع، وفيه ضعف.
وكذلك جاء عن ابن مسعود أنه قال: مضت السنة في المتلاعنين ألا يجتمعا أبدًا. وفي إسناده كذلك قيس، ولهما حكم الرفع، أخرجه الدارقطني، (٣/ ٢٧٦).
وجاء عن عمر (من طريق: النخعي عنه أنه قال: يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدًا. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٥١)، وعبدالرزاق (١٢٤٣٣)، وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه.
واختلف أهل العلم فيما إذا كذَّب نفسه، فهل تحل له بعد ذلك؟
• فعامة أهل العلم على أنها تحرم عليه مؤبدًا، وإن كذب نفسه؛ لعموم الأحاديث، والآثار المتقدمة، وبه قال الحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، والنخعي، والزهري، والحكم، ومالك، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، والشافعي،
стр. 4691
وأبو عبيد، وأبو ثور وغيرهم.
• وعن أحمد رواية: إن أكذب نفسه؛ حلت له. قال ابن قدامة: وهي رواية شاذة، شذ بها حنبل عن أصحابه. قال أبو بكر: لا نعلم أحدًا رواها غيره.
• وقال عثمان البتي: اللعان لا يتعلق به فرقة؛ لقوله «فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره ... » في حديث سهل.
• وقال سعيد بن المسيب: إن أكذب نفسه؛ فهو خاطب من الخطاب. وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن.
• وقال سعيد بن جبير: ترد إليه ما دامت في العدة.
والصحيح القول الأول، وهو قول الجمهور. (١)
مسألة [٤٥]: إن كانت الملاعنة أمة، ثم اشتراها ملاعنها، فهل يحل له وطؤها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٥٠): فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَاشْتَرَاهَا مُلَاعِنُهَا؛ لَمْ تَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ، فَحَرُمَتْ بِهِ عَلَى مُشْتَرِيهَا، كَالرَّضَاعِ، وَلِأَنَّ الْمُطَلِّقَ ثَلَاثًا إذَا اشْتَرَى مُطَلَّقَتَهُ، لَا تَحِلُّ لَهُ قَبْلَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، فَهَاهُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ مُؤَبَّدٌ، وَتَحْرِيمُ الطَّلَاقِ لَيْسَ بِمُؤَبَّدٍ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ يَخْتَصُّ النِّكَاحَ، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. (٢)
стр. 4692
مسألة [٤٦]: إذا أكذب نفسه، فهل يُقام عليه الحد ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٥٠): الرَّجُلُ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ؛ فَلَهَا عَلَيْهِ الْحَدُّ، سَوَاءٌ أَكْذَبَهَا قَبْلَ لِعَانِهَا أَوْ بَعْدَهُ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا. اهـ
مسألة [٤٧]: هل يلحقه نسب الولد إذا أكذب نفسه ؟
إن كان الولد حيًّا؛ لحقه بلا خلاف؛ لأنَّ في ذلك مصلحة للولد بحفظ نسبه.
• وإن كان ميتًا فكذلك عند الجمهور.
• وقال الثوري: لا يلحقه الميت إن كان ذا مال.
• وقال أصحاب الرأي: إن كان الولد الميت ترك ولدًا؛ ثبت نسبه من المستلحق، وتبعه نسب ابنه، وإن لم يكن ترك ولدًا؛ لم يصح استلحاقه، ولم يثبت نسبه. والصحيح قول الجمهور إلا أن تظهر قرائن واضحة أنه يريد الميراث، وأنه لم يستلحقه إلا من أجله؛ فلا يثبت كما تقدم في الإقرار، والله أعلم. ورجَّح الشوكاني قول الجمهور. (١)
مسألة [٤٨]: إذا أراد اللعان أثناء إقامة الحد عليه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٥١): فَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ بَعْضَهُ، فَبَذَلَ اللِّعَانَ، وَقَالَ: أَنَا أُلَاعِنُ. قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ يُسْقِطُ جَمِيعَ الْحَدِّ، فَيُسْقِطُ بَعْضَهُ، كَالْبَيِّنَةِ. اهـ
стр. 4693
مسألة [٤٩]: حكم القذف لامرأته .
من القذف ما يكون واجبًا، كأن يرى امرأته تزني في طهرٍ لم يصبها فيه، واعتزلها حتى تبين حملها من الزاني؛ لزمه قذفها، ونفي ولدها؛ لأنه إذا لم يفعل لحقه الولد، وورثه، وورث أقاربه، وورثوا منه، ونظر إلى بناته، وأخواته، وليس ذلك بجائز.
ومنه ما يكون جائزًا، كأن يتحقق الرجل زناها، وليس هناك ولد، فيجوز له قذفها، والأفضل أن يسترها، ويطلقها.
ومنه ما يكون محرمًا، وهو أن يقذف زوجته بمجرد شكوك، وأوهام، أو ما أشبه ذلك؛ فهذا من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣]. (١)
مسألة [٥٠]: إذا قال الرجل: ليس هذا ولدي، ولكني لا أرميها بالزنى ؟
أو قال: لقد وطئت بشبهة. أو قال: اغتصبت على الزنى. أو أكرهت. أو لم يجزم بواحدة، لكن بنفي ولده.
• فمذهب الحنابلة، والحنفية أنه لا حد عليه، ولا لعان؛ لأنه لم يقذفها بالزنى.
• وذكر القاضي رواية فيما إذا قال: أكرهت على الزنى. بأنَّ له اللعان؛ لأنه محتاج إلى نفي الولد. وهو قول الشافعي. (٢)
стр. 4694
وإذا قال الزوج: ليس بولدي إنما التقطته، أو استعارته؟
فهذا القول لا يعتبر قذفًا.
• وإن ادَّعت المرأة أنه ولده؛ فالجمهور على أنه يقبل قولها بالبينة؛ لأنَّ الولادة يمكن إقامة البينة عليها، والأصل عدمها، هذا قول الحنابلة، والشافعية، والحنفية، وأبي ثور.
• وقال بعض الحنابلة: يقبل قولها بغير بينة، كالحيض، والحمل. والصحيح أنه يلزمها أن تقيم البينة. (١)
مسألة [٥١]: إذا قذف امرأته وهي صغيرة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٢٦): فَإِنْ كَانَتْ طِفْلَةً لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يُتَيَقَّنُ كَذِبُهُ فِيهِ، وَبَرَاءَةُ عِرْضِهَا مِنْهُ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ حَدٌّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَهْلُ الدُّنْيَا زُنَاةٌ. وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ؛ لِلسَّبِّ، لَا لِلْقَذْفِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي التَّعْزِيرِ إلَى مُطَالَبَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لَتَأْدِيبِهِ، وَلِلْإِمَامِ فِعْلُهُ إذَا رَأَى ذَلِكَ؛ فَإِنْ كَانَتْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا، كَابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا وَلَا لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ حَتَّى تَبْلُغَ، فَإِذَا بَلَغَتْ فَطَالَبَتْ، فَلَهَا الْحَدُّ، وَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ، وَلَيْسَ لَهُ لِعَانُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ يُرَادُ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ أَوْ نَفْي الْوَلَدِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ قَبْلَ بُلُوغِهَا، وَلَا وَلَدَ فَيَنْفِيَهُ. اهـ (٢)
стр. 4695
مسألة [٥٢]: إن قذف امرأته المجنونة ؟
ذكر أهل العلم أنه إن قذف امرأته بزنى أضافه إلى حال الإفاقة؛ فإنه لا يقام عليه الحد، ولا لعان حتى تفيق، فإما أن تعترف، وإما أن تطالب بالحد، وله أن يزيل الحد باللعان.
• وإن كان هناك ولد يريد نفيه، فمذهب الحنابلة، والحنفية أنه لا يلاعن حتى تفيق، ويلحقه الولد حتى يحصل اللعان.
• ومذهب الشافعي أن له أن يلاعن لنفيه عن نفسه، وهذا أقرب، والله أعلم. (١)