مسألة [١٨]: إذا مات زوج المطلقة رجعيًّا وهي في عدتها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٢٢٥): وَإِذَا مَاتَ زَوْجَ الرَّجْعِيَّةِ؛ اسْتَأْنَفَتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، بِلَا خِلَافٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، وَيَنَالُهَا مِيرَاثُهُ، فَاعْتَدَّتْ لِلْوَفَاةِ، كَغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ. اهـ. (١)
مسألة [١٩]: إذا مات زوج المطلقة البائن ؟
• أكثر أهل العلم على أنها تكمل عدتها عدة الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]؛ ولأنها أجنبية منه في نكاحه وميراثه، والحل له، وغير ذلك.
• وقال أبو حنيفة، والثوري: عليها أطول الأجلين؛ لأنَّ عليها العدة كالرجعية. ووافق أحمد، ومحمد بن الحسن على هذا القول فيما إذا كان الطلاق في مرض موته؛ لأنها ترث كالرجعية. والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٠]: إذا خرج بعض الحمل ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ العدة تنتهي بخروجه كاملًا، وانفصال جميعه، وإن ظهر بعضه فهي في عدتها حتى ينفصل باقيه؛ لأنها لا تكون واضعة لحملها حتى يخرج كله. (٣)
стр. 4727
مسألة [٢١]: إذا كانت حاملا باثنين، فخرج أحدهما ؟
• عامة أهل العلم على أنَّ العدة لا تنتهي إلا بوضع الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فعلَّق الانتهاء بوضع الحمل كاملًا.
• وقال عكرمة، وأبو قلابة: تنتهي بوضع الأول ولا يحل لها الزواج حتى تضع الثاني.
والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٢٢]: ضابط الحمل الذي تنتهي به العدة، وتتعلق به أحكام الحمل ؟
أما إن كان قد نُفِخ فيه الروح، وما زاد على ذلك؛ فهذا تتعلق به أحكام الحامل بلا خلاف، وتنتهي العدة بوضعه.
وأما إن كان ما زال نطفة، أو دمًا لا يشبه العلقة؛ فهذا لا تتعلق به أحكام الحامل عند أهل العلم، ولا تنتهي العدة بوضعه.
• وأما إن كان علقة -وهو الدم المتجمد- فأكثر أهل العلم على أنه لا تتعلق به أحكام الحامل، فإذا ألقت علقة فلا تنتهي العدة بذلك؛ لاحتمال أن يكون دم فساد.
• وبعض أهل العلم يعلق بذلك الأحكام، وهو قول الحسن وبعض الحنابلة.
стр. 4728
وأما إن كان مضغة، فإما أن تكون قد ظهرت فيها خلقة الآدمي، وتميز؛ فهذه تتعلق بها الأحكام بلا خلاف بين أهل العلم.
• وأما إن كانت لم تبن فيها الخلقة، ولكن شهدت القوابل الثقات أن فيها تصوير آدمي غير ظاهر؛ فلها حكم التي قبلها.
قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٩/ ٥٣٠): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن عدة المرأة المطلقة تنقضي بالسقط تسقطه إذا علم أنه ولد.
• وأما إن كانت لم تبن فيها الخلقة، ولكن شهد القوابل الثقات أنها مبتدأ خلق آدمي؛ فظاهر مذهب الشافعي، وهو قول الحسن، وبعض الحنابلة أنها تتعلق بها الأحكام وتنتهي بها العدة.
• وخالف الحنابلة، وبعض الشافعية.
• وأما إن لم يشهدن بأنه بدء خلق آدمي، فمذهب الحنابلة، والشافعية أنه لا تتعلق بها الأحكام، بل هو قول عامة العلماء كما أشرنا إلى ذلك في [كتاب الحيض]. (١)
مسألة [٢٣]: أقل مدة الحمل، وأقصى مدته .
ذكر أهل العلم أنَّ أقل مدة الحمل ستة أشهر، ونُقِلَ الإجماع على ذلك، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وبقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، وقد استدل بذلك علي بن أبي طالب (، كما في
стр. 4729
«البيهقي» (٧/ ٤٤٢) بإسناد لا بأس به. (١)
واختلف العلماء في أقصى مدة الحمل:
• فمنهم من قال: سنتان. وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وأحمد في رواية، وقد وُلِد الضحاك بن مزاحم، وهرم بن حيان لسنتين، وجاء هذا القول عن عائشة ﵂: أخرجه ابن حزم من طريق جميلة بنت سعد، عنها، وهي مجهولة.
• وقال الليث: أقصاه ثلاث سنين، حملت مولاة لعمر بن عبدالله ثلاث سنين.
• وقال مالك، وأحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي: أقصاه أربع سنين؛ لأنه وجد ذلك، وهو أقصى ما وجد، فقد بقي محمد بن عجلان في بطن أمه أربع سنوات، بل حملت ثلاث بطون على ذلك. وكذلك بقي محمد بن الحسن بن الحسن بن علي في بطن أمه أربع سنين، ونُقِل عن غيرهما.
• وقال عباد بن العوام: خمس سنين. وحكي عن ابن عجلان أن امرأته كانت تحمل خمس سنين.
• وقال الزهري: قد تحمل ست سنين، وسبع سنين.
• وقال أبو عبيد: لا حد لأكثره. (٢)
стр. 4730
١١٠٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُمِرَتْ بَرِيرَةُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: كم عدة من عتقت تحت زوجها واختارت الفراق ؟
• جمهور العلماء على أنَّ عدتها عدة المطلقة ثلاثة قروء، واستدلوا بحديث الباب، واستدلوا أيضًا بقياسها على المطلقة؛ لأنها مفارقة في الحياة، وبعضهم قاسها على المختلعة.
стр. 4731
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا عدة عليها، وإنما عليها الاستبراء، صح هذا القول عن ابن عمر ﵄، وهذا مذهب مالك، وأحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم؛ لأنها ليست بمطلقة إنما هو فسخ، وقياسها على الخلع قياس صحيح، ولكن الخلع نفسه الراجح أنه ليس فيه عدة، وإنما فيه الاستبراء كما تقدم في باب الخلع، وعلى هذا فمقتضى ذلك أن هذا يعتبر قولًا لعثمان، وابن عباس ﵃؛ لأنهم يقولون بأنَّ الخلع فيه الاستبراء.
ومثل هذا الخلاف فرقة اللعان، والرضاع، والفسخ بالعيب، واختلاف الدين وغيره، وكذا الموطوءة بشبهة، وبنكاح فاسد.
والصحيح في ذلك قول من قال: عليها الاستبراء، وليس عليها العدة. والاستبراء أولى بذلك من الاستبراء في حالة الخلع. (١)
مسألة [٢]: كم عدة المزني بها ؟
• من أهل العلم من قال: عليها عدة المطلقة. وهو قول الحسن، والنخعي، وأحمد في رواية؛ لأنه وطئها، وقد اعتبر الشارع عدة الزوجة ثلاثة قروء، فيعتبر به هنا.
• ومنهم من يقول: عليها الاستبراء بحيضة. وهو قول مالك، وأحمد في رواية،
стр. 4732
واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وهو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين؛ لأنها ليست بزوجة، ولا موجب للعدة.
• ومنهم من يقول: ليس عليها العدة، ولا الاستبراء. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والثوري، لكن قال أبو حنيفة: إن كانت حاملًا؛ فلا يقربها حتى تضع؛ وذلك لأنَّ الزاني لا حرمة لمائه.
وأُجيب: بأنَّ الاستبراء لحرمة الزوج الذي سيتزوج بها؛ فإنها إذا لم تستبرء اختلطت الأنساب.
والقول الثاني هو الراجح، والله أعلم.
стр. 4733
١١٠٤ - وَعَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي المُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا-: «لَيْسَ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
١١٠٥ - (٢) وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قُلْت يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: المطلقة الرجعية هل لها السكنى والنفقة ؟
لا خلاف بين أهل العلم في أنَّ المطلقة الرجعية لها السكنى، والنفقة؛ لأنها ما زالت زوجة له، ولقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١] إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:١ - ٢]. (٤)
مسألة [٢]: المطلقة البائن هل لها السكنى، والنفقة ؟
• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لها السكنى، وليس لها النفقة.
وهو قول عامة الفقهاء السبعة، ومالك، والثوري، والشافعي وأصحابهم،
стр. 4734
وحجتهم في وجوب السكنى عموم قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١]، وبقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦].
واستدلوا بعدم وجوب النفقة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] دلَّ على أن غير ذات الحمل لا نفقة لها، وبحديث فاطمة بنت قيس، وقد عُزي هذا القول للجمهور.
القول الثاني: لها السكنى والنفقة. وهو قول أبي حنيفة، وآخرين، وصح عن عمر، وابن مسعود ﵄، واستدلوا على ذلك بأنها إذا وجب عليها السكنى؛ فيجب لها النفقة، وإلا فكيف تحبس، وقال به شريح، والنخعي، وغيرهم.
القول الثالث: لا سكنى لها ولا نفقة. وهو قول فاطمة بنت قيس، وجابر بن عبد الله، ونقل عن ابن عباس ﵃، وقال به عطاء، وطاوس، والحسن، وعمرو بن ميمون، وعكرمة، وإسحاق، وأحمد، وأبو ثور، وداود الظاهري، وغيرهم. واستدل أصحاب هذا القول بحديث فاطمة بنت قيس الذي في الباب: «لَيْسَ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةٌ».
وقد أُجيب عن حديث فاطمة بنت قيس ﵂ بأجوبة عديدة، منها: أنَّ عمر ابن الخطاب ﵁ قال كما في «صحيح مسلم» (١٤٨٠): لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة، لا ندري أحفظت أم نسيت.
стр. 4735
وبقول عائشة ﵂ في «الصحيحين» (١): لا خير لها أن تذكر ذلك. تعني فاطمة. وقالت عائشة كما في «البخاري» (٥٣٢٦): إنَّ فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فأرخص لها رسول الله ﷺ .
وقيل: كانت فاطمة سيئة الخلق مع أهل زوجها، فأمرها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالانتقال. أشار إلى ذلك مروان كما في «البخاري» (٥٣٢٣)، وصرح بذلك سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار.
وقد أُجيب عن هذه المطاعن: بأنها صحابية جليلة من المهاجرات الأُوَل، فلم لا يقبل خبرها، وإن كانت امرأة، فقد قُبلت أخبار كثيرة من النساء، وهي تحكي قصة حصلت لها، وصاحب القصة أحفظ لها من غيره. وأما كونها خالفت القرآن في ذلك، فَرُدَّ بنقيضه، وقالوا: بل وافقت القرآن؛ فإنَّ الآيات من أول سورة الطلاق سياقها في المطلقة الرجعية، ولو فرض العموم في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾؛ لكان حديث فاطمة مخصصًا للآية، ولا تعارض بين عام وخاص.
وأما قولهم: إنما كان ذلك لفحش من لسانها. فتأويل بعيد، فكيف لم ينكر عليها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هذا الفحش، ويقول لها: اتقي الله، وكفي لسانك عن أذى أهل زوجك. وكيف يعدل عن هذا إلى قوله: «لَيْسَ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةٌ».
وأما قولهم: إنها كانت في مكان وحش. فهو تأويل أقوى مما قبله، ولكن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بين في الألفاظ الأخرى أنَّ السكنى ليس لها على الزوج من الأصل،
стр. 4736
فلعلها -أعني فاطمة ﵂ - ظنَّت في بداية الأمر أنه يجب عليها السكنى، فاستأذنته في التحول، فأذن لها، وبين لها عدم وجوب ذلك، ولا تعارض في ذلك، والله أعلم.
ومن أقوى ما استدلوا به على السكنى أنهم قالوا: الآية في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ المقصود بها المطلقة ثلاثًا، ويدل عليه تخصيص الحامل بالنفقة بقوله ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، والرجعية تجب لها النفقة حاملًا، أو حائلًا، فما فائدة تخصيص الحامل بالنفقة؟
قال ابن القيم ﵀ في «الزاد»: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَائِدَةُ فِي تَخْصِيصِ نَفَقَةِ الرّجْعِيّةِ بِكَوْنِهَا حَامِلًا؟ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَقْتَضِي أَنّهُ لَا نَفَقَةَ لِلرّجْعِيّةِ الْحَائِلِ، بَلْ الرّجْعِيّةُ نَوْعَانِ قَدْ بَيّنَ اللهُ حُكْمَهُمَا فِي كِتَابِهِ، حَائِلٌ: فَلَهَا النّفَقَةُ بِعَقْدِ الزّوْجِيّةِ؛ إذْ حُكْمُهَا حُكْمُ الْأَزْوَاجِ. أَوْ حَامِلٌ: فَلَهَا النّفَقَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ إلَى أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا فَتَصِيرُ النّفَقَةُ بَعْدَ الْوَضْعِ نَفَقَةَ قَرِيبٍ لَا نَفَقَةَ زَوْجٍ، فَيُخَالِفُ حَالُهَا قَبْلَ الْوَضْعِ حَالَهَا بَعْدَهُ؛ فَإِنّ الزّوْجَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَحْدَهُ إذَا كَانَتْ حَامِلًا، فَإِذَا وَضَعَتْ صَارَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الطّفْلِ، وَلَا يَكُونُ حَالُهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا كَذَلِكَ بِحَيْثُ تَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الطّفْلِ؛ فَإِنّهُ فِي حَالِ حَمْلِهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا، فَإِذَا انْفَصَلَ كَانَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ، وَانْتَقَلَتْ النّفَقَةُ مِنْ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ، فَظَهَرَتْ فَائِدَةُ التّقْيِيدِ وَسِرّ الِاشْتِرَاطِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ مِنْ كَلَامِهِ. اهـ (١)
стр. 4737
١١٠٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ قَالَ: لَا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا: عِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالِانْقِطَاعِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها ؟
• من أهل العلم من قال: ليس عليها عدة، وإنما عليها الاستبراء بحيضة. وهذا قول ابن عمر، وعائشة، والحسن، والشعبي، والقاسم، وأبي قلابة، ومكحول، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وأبي ثور وغيرهم؛ لأنها ليست زوجة، ولا دليل يوجب العدة.
• ومن أهل العلم من قال: عليها عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر، وهو قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وابن جبير، ومجاهد، وعمر بن عبدالعزيز، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، ورُوي ذلك عن عمرو بن العاص، وحجتهم حديث الباب، ورُوي ذلك عن علي من طريق خِلاس عنه، ولم يسمع منه.
стр. 4738
• وقال بعضهم: عدتها شهران، وخمسة أيام، وهو قول عطاء، وطاوس، والزهري؛ لأنه مات عنها وهي أمة.
• وقال جماعة: عليها عدة المطلقة ثلاثة قروء. وهو قول عطاء، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، ورُوي عن علي، وابن مسعود، ولا يثبت ذلك عنهما.
والصحيح من هذه الأقوال هو القول الأول، والله أعلم. (١)
стр. 4739
١١٠٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إنَّمَا الأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: ما هو المراد بالأقراء، الأطهار، أم الحيض ؟
جاءت اللغة العربية بتفسير الأقراء بالحيض وبالطهر، وأنشدوا في الأمرين أشعارًا تدل على ذلك.
واختلف أهل العلم في المقصود بالآية على قولين:
• القول الأول: أنَّ المقصود بذلك الحيض.
صحَّ هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وأبي موسى، وجاء ذلك عن عثمان، وأبي بكر، وابن عباس، وفي الأسانيد إليهم ضعف.
وكذا عن أبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، والإسناد إليهما منقطع.
وهذا قول علقمة، والأسود، وإبراهيم، وشريح، والشعبي، والحسن، وقتادة، وسعيد بن جبير، وطاوس، وسعيد بن المسيب، والثوري، والأوزاعي، والعنبري، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي.
وهذا القول هو الذي استقر عليه قول أحمد كما ذكر ذلك أصحابه.
стр. 4740
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة وهي:
١) قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤]، فنقلهن عند عدم الحيض إلى الاعتداد بالأشهر، فدل ذلك على أنَّ الأصل الحيض.
٢) المعهود في استعمال الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، ولم يأت في موضع واحد استعمال الشرع له بمعنى الطهر.
٣) ظاهر قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] أنهن يتربصن ثلاثة كاملة، ومن جعل القروء الأطهار لم يوجب ثلاثة؛ لأنه يكتفي بطهرين، وبعض الثالث، ولو بجزء يسير، فيخالف ظاهر النص.
٤) أنَّ العدة استبراء فكانت بالحيض، كاستبراء الأمة.
٥) قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهو الحيض والحمل عند عامة المفسرين.
٦) أنَّ الذي يدل على براءة الرحم هو الحيض لا الطهر.
• القول الثاني: أنَّ الأقراء هي الأطهار. وهذا القول صح عن عائشة، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن عمر، وابن عباس، وهو قول القاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وأبان ابن عثمان، وعمر بن عبدالعزيز، والزهري، ومالك، والشافعي،
стр. 4741
وداود، وأبي ثور وأصحابهم، وقال به أحمد في رواية.
واستدلوا على ذلك بأدلة:
١) قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أو في عدتهن كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، أي: في يوم القيامة، فاللام لام الوقت، وكذا ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقد فسَّر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- العدة حين أمر عبدالله أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، ثم قال: «فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».
٢) قراءة ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبلِ عِدَّتِهِنَّ﴾، أي: مستقبلة عدتها؛ وذلك بأن يطلقها طاهرًا؛ لأنها حينئذٍ تستقبل عدتها، ولو طلقت حائضًا لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض.
٣) قالوا: وأما قول المخالف: (ثلاثة كاملة) فبقية الطهر، وإن كان قليلًا يعتبر قُرءًا كاملًا، وكذلك العرب توقع اسم الجمع على اثنين، وبعض الثالث، كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
٤) قالوا: وتأنيث اللفظ بقوله ﴿ثَلَاثَة﴾ يدل على أنه قصد الأطهار؛ لأنه مذكر، لا الحيضة؛ لأنها مؤنثة.
٥) قالوا: الحديث الوارد: «تدع الصلاة أيام أقرائها» أجاب عنه الشافعي بأنَّ أيوب شكَّ في اللفظ فقال: «تدع الصلاة عدد الليالي والأيام التي كانت
стр. 4742
تحيضهن، أو أيام أقرائها» قال: وقد رواه نافع بإسناده عن أم سلمة: «لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها ما أصابها، ثم لتدع الصلاة .. »، وقد روى أيوب الحديث بهذا اللفظ بدون شك؛ فوجب الأخذ به لموافقته لنافع عليه.
وقال البيهقي ﵀: وقد رُوي هذا اللفظ الذي احتجوا به في أحاديث ذكرناها في كتاب الحيض، وتلك الأحاديث في نفسها مختلف فيها، فبعض الرواة قال فيها: «أيام أقرائها»، وبعضهم قال فيها: «أيام حيضها» أو في معناه، وكل ذلك من جهة الرواة، كل واحد منهم يعبر بما يقع له، والأحاديث الصحاح متفقة على العبارة عنه بأيام الحيض دون لفظ الأقراء، والله أعلم.
٦) قالوا: استدلال المخالف بالآية: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨] لا يدل على أنَّ الأقراء الحيض؛ لأنَّ المرأة إذا كتمت مجيء الحيض فقد كتمت انقضاء الطهر.
٧) وقالوا: استدلال المخالف بالآية: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] ليس فيه أنَّ الأقراء الحيض، وإنما فيه أنَّ التي لا تحيض تعتد بالأشهر.
ونحن نقول: الأطهار لا يمكن وجودها إلا مع الحيض، والقول الأول هو الصواب.
стр. 4743
وأما الجواب عن أدلة أصحاب هذا القول فكما يلي:
١) استدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أجاب عنه ابن القيم ﵀، فقال: أَمّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ فَهُوَ إلَى أَنْ يَكُونَ حُجّةً عَلَيْكُمْ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى أَنْ يَكُونَ حُجّةً لَكُمْ؛ فَإِنّ الْمُرَادَ طَلَاقُهَا قَبْلَ الْعِدّةِ ضَرُورَةً؛ إذْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى الطّلَاقِ فِي الْعِدّةِ؛ فَإِنَّ هَذَا مَعَ تَضَمّنِهِ لِكَوْنِ اللّامِ لِلظّرْفِيّةِ بِمَعْنَى (فِي) فَاسِدٌ مَعْنَى؛ إذْ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الطّلَاقِ فِي الْعِدّةِ؛ فَإِنّهُ سَبَبُهَا وَالسّبَبُ يَتَقَدّمُ الْحُكْمَ، وَإِذَا تَقَرّرَ ذَلِكَ فَمَنْ قَالَ: الْأَقْرَاءُ (الْحِيَضُ)، فَقَدْ عَمِلَ بِالْآيَةِ وَطَلّقَ قَبْلَ الْعِدّةِ.
قال: فَإِنْ قُلْتُمْ: وَمَنْ قَالَ: إنّهَا الْأَطْهَارُ. فَالْعِدّةُ تَتَعَقّبُ الطّلَاقَ؛ فَقَدْ طَلّقَ قَبْلَ الْعِدّةِ.
قال: قُلْنَا: فَبَطَلَ احْتِجَاجُكُمْ حِينَئِذٍ، وَصَحّ أَنّ الْمُرَادَ الطّلَاقُ قَبْلَ الْعِدّةِ، لَا فِيهَا، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ يَصِحّ أَنْ يُرَادَ بِالْآيَةِ.
ثم ذكر كلامًا في تقرير أنَّ اللام هنا ليست للظرفية، وإنما هي تفيد مُضِي زمن الفعل أو استقباله.
ثم قال: وَإِذَا تَقَرّرَ هَذَا مِنْ قَوَاعِدِ الْعَرَبِيّةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ مَعْنَاهُ: لِاسْتِقْبَالِ عِدّتِهِنّ لَا فِيهَا، وَإِذَا كَانَتْ الْعِدّةُ الّتِي يُطَلّقُ لَهَا النّسَاءُ مُسْتَقْبَلَةً بَعْدَ الطّلَاقِ؛ فَالْمُسْتَقْبَلُ بَعْدَهَا إنّمَا هُوَ الْحَيْضُ؛ فَإِنّ الطّاهِرَ لَا
للمستحاضة: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، والطهر الذي يتعقبه حيض هو قرء؛ فالقرء اسم للجميع.
قال: وأما الطهر المجرد؛ فلا يسمى قرءًا؛ ولهذا إذا طلقت في أثناء حيضة لم تعتد ذلك قرءًا؛ لأنَّ عليها أن تعتد بثلاثة قروء، وإذا طلقت في أثناء طهر كان القرء الحيضة مع ما تقدمها من الطهر؛ ولهذا كان أكابر الصحابة على أنَّ الأقراء الحيض، كعمر، وعثمان، وعلي، وأبي موسى وغيرهم؛ لأنها مأمورة بتربص ثلاثة قروء، فلو كان القرء هو الطهر؛ لكانت العدة قُرأين، وبعض الثالث؛ فإنَّ النزاع من الطائفتين في الحيضة الثالثة؛ فإنَّ أكابر الصحابة ومن وافقهم يقولون: هو أحق بها مالم تغتسل من الحيضة الثالثة. وصغار الصحابة يقولون: إذا طعنت في الحيضة الثالثة؛ فقد حلَّت. فقد ثبت بالنص والإجماع أنَّ السنة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، وقد مضى بعض الطهر، والله أمر أن يطلق لاستقبال العدة لا في أثناء العدة وقوله ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] عدد ليس هو كقوله ﴿ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] فإنَّ ذلك صيغة جمع لا عدد، فلابد من ثلاثة قروء كما أمر الله، لا يكفي بعض الثالث. انتهى.
قلتُ: ويلزم القائلين بالأطهار أنه إذا طلقها في آخر جزء من الحيض؛ فقد طلقها لعدتها؛ لأنها تستقبل الأطهار، وهم لا يقولون بذلك.
ويلزمهم أنه إذا طلقها في آخر جزء من الطهر؛ فقد طلقها لغير عدتها؛ لأنه طلقها مستقبلة الحيض، وهم لا يقولون بذلك، بل يقولون: إنه طلقها طلاقًا
стр. 4746
شرعيًّا؛ فدلَّ على أنَّ الأقراء هي الحيض، ويدخل الطهر فيه تبعًا، والله أعلم.
٢) وقولهم: (إن بعض الطهر ولو كان لحظة يُعتبر قُرءًا كاملًا) فيحتاجون إلى إثبات ذلك من لغة العرب، أو لسان الشارع دون قول هؤلاء أنفسهم.
وقولهم: (إنَّ العرب توقع اسم الجمع على اثنين وبعض الثالث).
فقال ابن القيم ﵀: إِنّمَا يَقَعُ هَذَا فِي أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ الّتِي هِيَ ظَوَاهِرُ فِي مُسَمّاهَا، وَأَمّا صِيَغُ الْعَدَدِ الّتِي هِيَ نُصُوصٌ فِي مُسَمّاهَا، فَكَلّا وَلَمَّا، وَلَمْ تَرِدْ صِيغَةُ الْعَدَدِ إلّا مَسْبُوقَةً بِمُسَمّاهَا، كَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التّوْبَةَ:٣٦]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الْكَهْفَ:٢٥]، وَقَوْلُهُ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [الْبَقَرَةَ:١٩٦]، وَقَوْلُهُ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الْحَاقّةَ:٧]، وَنَظَائِرُهُ مِمّا لَا يُرَادُ بِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ دُونَ مُسَمّاهُ مِنْ الْعَدَدِ، وَقَوْلُهُ: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ اسْمُ عَدَدٍ لَيْسَ بِصِيغَةِ جَمْعٍ، فَلَا يَصِحّ إلْحَاقُهُ بِأَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنّ اسْمَ الْعَدَدِ نَصٌّ فِي مُسَمّاهُ لَا يَقْبَلُ التّخْصِيصَ الْمُنْفَصِلَ بِخِلَافِ الِاسْمِ الْعَامّ؛ فَإِنّهُ يَقْبَلُ التّخْصِيصَ الْمُنْفَصِلَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ التّوَسّعِ فِي الِاسْمِ الظّاهِرِ التّوَسّعُ فِي الِاسْمِ الّذِي هُوَ نَصّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ.
الثّانِي: أَنّ اسْمَ الْجَمْعِ يَصِحّ اسْتِعْمَالُهُ فِي اثْنَيْنِ فَقَطْ مَجَازًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَحَقِيقَةً عِنْدَ بَعْضِهِمْ، فَصِحّةُ اسْتِعْمَالِهِ فِي اثْنَيْنِ وَبَعْضِ الثّالِثِ أَوْلَى بِخِلَافِ الثَّلَاثَة؛ وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ
стр. 4747
فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النّسَاءَ: ١١] حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَخَوَيْنِ، وَلَمّا قَالَ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النّورَ:٦] لَمْ يَحْمِلْهَا أَحَدٌ عَلَى مَا دُونَ الْأَرْبَعِ. اهـ
٣) أما الأحاديث التي فيها أنَّ المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها فقد تقدم أحدها، وكلام الشافعي عليه، وقد جاء من حديث عائشة وفاطمة بنت أبي حبيش ﵄: «إذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا مرَّ قرؤك فتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء» رواه أبو داود (٢٨٠)، والنسائي (١/ ١٨٣)، وفي إسناده: المنذر بن المغيرة، وهو مجهول.
وأخرجه الحاكم (١/ ١٧٥) من وجهٍ آخر بلفظ: «لتدع الصلاة في كل شهر أيام أقرائها»، وهو عند أحمد أيضًا (٦/ ٤٦٤)، وفي إسناده: عثمان بن سعد الكاتب، وهو ضعيف.
وأخرج نحوه أبو داود (٢٩٧) من حديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، وإسناده شديد الضعف بسبب أبي اليقظان عثمان بن عمير، وهو متروك، وأخرج أبو داود نحوه عقب الحديث (٢٨١)، بإسناد ظاهره الصحة.
وأصح ما ورد ما رواه أحمد (٦/ ١٢٨ - ١٢٩) من حديث عائشة، وفيه: «لتنظر عدد أيام قرئها ... »، وإسناده ظاهره الصحة، وتقدم كلام البيهقي أنها رُويت بالمعنى، وليس ببعيد ما قاله؛ فإنَّ القصة واحدة، وأكثر الألفاظ بلفظ الحيض.
стр. 4748
قال ابن القيم ﵀: وتعليل هذه الأحاديث بأنَّ هذا من تغيير الرواة، رووه بالمعنى، لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه، فلو كانت من جانب من عللها؛ لأعاد ذكرها، وأبداه، وشنع على من خالفها.
٤) قال ابن القيم: قولكم (دخول التاء في ثلاثة يدل على أنَّ واحدها مذكر، وهو الطهر) جوابه: أنَّ واحد القروء قرء، وهو مذكر، فأتى بالتاء مراعاة للفظه، وإن كان مسماه حيضة، وهذا كما يقال (جاءني ثلاثة أنفس) وهنَّ نساء؛ باعتبار اللفظ، والله أعلم. اهـ
وهذه المسألة تترتب عليها مسائل مهمة، والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الصحيح قول من قال: (الأقراء الحيض)، وهو اختيار الشوكاني، ثم الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، وغيرهم.
ونسأل الله عزوجل أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والحمد لله. (١)
تفريع: الذين يقولون: (الأقراء هي الأطهار)، يقولون بانقضاء العدة بدخولها في الحيضة الثالثة، ولها أن تتزوج قبل انتهاء الحيضة عند أكثرهم، وقال بعضهم: لا تتزوج حتى تطهر. وهو قول ابن عباس، وسالم.
وقال أبو عبيد: إن كان قد جامعها في الطهر الذي طلقها فيه؛ فلا تعتد بذلك
стр. 4749
الطهر. وخالفه الباقون.
وقال الزهري: إن كان قد مضى بعض الطهر؛ فلا تعتد بذلك الطهر. وخالفه الباقون في ذلك، والذين يقولون: (الأقراء هي الحيض) اختلفوا متى تنتهي العدة، وهي المسألة التي سنذكرها الآن. (١)
مسألة [٢]: هل تنقضي العدة بانقطاع الحيض، أم بغسل المرأة من الحيض ؟
• في هذه المسألة أقوال عند أهل العلم:
الأول: أنها تنتهي بغسلها من الحيض، وهذا قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وقال به سعيد بن المسيب، وهو قول أحمد في رواية، وإسحاق، والثوري، وحجتهم أنَّ ذلك فتوى كبار الصحابة؛ ولأنَّ بعض الأحكام لا تباح إلا بالغسل فتحمل العدة عليها احتياطًا.
الثاني: أنها تنتهي بالغسل، أو فوات وقت الصلاة التي طهرت فيها، وهذا قول أبي حنيفة، والثوري، وأحمد في رواية، لكن قاله أبو حنيفة فيمن لم تطهر لأكثر الحيض؛ فإن كانت قد حاضت لأكثر الحيض انتهت العدة بانتهاء الحيض مباشرة.
الثالث: أنها تنتهي بانقطاع الدم، وانتهاء الحيض، وهذا قول سعيد بن جبير، وابن شبرمة، والأوزاعي، وأحمد في رواية اختارها أبو الخطاب وغيره، والشافعي
стр. 4750
في القديم؛ لقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وبانتهاء الحيض تنتهي الثلاثة القروء؛ لعدم وجود دليل يدل على اشتراط الغسل، وهذا القول أظهر، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إذا طلقت أثناء الحيض فهل تعتد بتلك الحيضة ؟
قال ابن قدامة ﵀ (١١/ ٢٠٣): الحيضة التي تطلق فيها لا تحتسب من عدتها بغير خلاف بين أهل العلم؛ لأنَّ الله تعالى أمر بثلاثة قروء فتناول ثلاثة كاملة، والتي طلق فيها لم يبق منها ما تتم به مع اثنتين ثلاثًا كاملة؛ فلا يعتد بها ... اهـ
стр. 4751
١١٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: طَلَاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَخْرَجَهُ مَرْفُوعًا، وَضَعَّفَهُ. (١)
١١٠٩ - وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ وَخَالَفُوهُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: عدة الأمة .
• أكثر أهل العلم على أنَّ عدة الأمة نصف عدة الحرة، فإذا كان من طلاق؛ فعدتها قُرءان؛ لأنَّ القرء لا يتنصف، وصحَّ ذلك عن ابن عمر ﵄، ونُقل عن عمر، وعلي ﵄ بإسنادين ضعيفين، ثم وجدت لأثر عمر سندًا صحيحًا كما في «المحلى»، وإن كانت العدة من وفاةٍ؛ فعدتها عندهم شهران وخمسة أيام.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ عدتها كعدة الحرة؛ لعموم الأدلة، وهو قول ابن سيرين، والظاهرية، ورجح ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀، ولا دليل على
стр. 4752
التنصيف؛ فهذا القول هو الصواب.
• وإذا كانت العدة من طلاق، وهي من غير ذوات الأقراء؛ فعدتها ثلاثة أشهر عند ابن سيرين، والظاهرية، ووافقهم على هذا في هذه المسألة الحسن، ومجاهد، وعمر بن عبدالعزيز، والنخعي، ويحيى الأنصاري، وربيعة، ومالك، والشافعي في قولٍ، وأحمد في رواية، وهو الصحيح.
• وقال بعضهم: تعتد بشهرين؛ لأنَّ ذلك بدل القُرءين. وهو قول عطاء، والزهري، وإسحاق، وأحمد في رواية، وقولٌ للشافعي.
• وقال بعضهم: عدتها شهرٌ ونصف؛ لأنه نصف ثلاثة أشهر. وهو قول سعيد ابن المسيب، وسالم، والشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي، وقولٌ للشافعي.
• وإن كانت الأمة حاملًا؛ فعدتها كعدة الحرة بلا خلاف بين أهل العلم. (١)
стр. 4753
١١١٠ - وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَحَسَّنَهُ البَزَّارُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: وطء الرجل امرأةً حاملاً من غيره ؟
دلَّ حديث الباب على أنه يحرم على الرجل أن يطأ امرأةً حاملًا من غيره، سواء كانت من السبايا، أو تزوجها بعقد شبهة وهي حامل من غيره، أو تزوجها وهي حامل من الزنى عند من يجيز ذلك فلا يجوز له أن يطأ هذه المرأة، وهذا الحكم مجمع عليه في غير الحامل من الزنى؛ فإنَّ الشافعي أجاز وطأها بحجة أنه لا حرمة لماء الزاني.
وخالفه الجمهور، وهو الصواب؛ لعموم الحديث الذي في الباب. (٢)
مسألة [٢]: إذا تزوج رجل امرأة في عدتها، فما الحكم ؟
أما من حيث الحكم التكليفي؛ فهو محرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة:٢٣٥]، وأما من حيث الحكم الوضعي؛
стр. 4754
فيجب على ولي الأمر أن يفرق بينها وبينه، وإذا كان لم يدخل بها فما زالت في عدتها من الأول لم تنقطع.
واختلفوا فيما إذا كان قد دخل بها هل تنقطع العدة أم لا؟
• فمذهب أحمد، ومالك أنَّ العدة تنقطع؛ لأنها أصبحت زوجة لرجل آخر بشبهة عقد.
• ومذهب أبي حنيفة عدم انقطاع العدة مطلقًا؛ لأنَّ كونها فراشًا لغير مَنْ له العدة لا يمنعها، كما لو وطئت بشبهة.
• وقال الشافعي: إنْ علما بالتحريم؛ لم تنقطع العدة؛ فإنه زنى، وإن لم يعلما؛ فتنقطع العدة؛ لشبهة العقد.
فعلى قول أحمد، ومالك؛ فإنَّ المرأة تكمل عدة زوجها بعد أن يفرق بينها وبين الآخر.
وعلى قول أبي حنيفة؛ فإنها لا تزال في عدة؛ فإن فارقها الثاني بعد انتهاء العدة؛ فليس عليها شيء، وإن فارقها وبقي شيء من عدتها؛ أكملت ما بقي.
وعلى قول الشافعي؛ فإنْ كانا يعلمان بالتحريم فكقول أبي حنيفة، وإن كانا جاهلين فكقول أحمد، ومالك.
وقول الشافعي في هذه المسألة قريب، والله أعلم. (١)
стр. 4755
مسألة [٣]: هل تعتد للثاني، أم تتداخل العدتان ؟
• مذهب أحمد، والشافعي، ومالك أنها تعتد للأول بما بقي، ثم تعتد للثاني، واستدلوا بأثر عمر ﵁ أنه قال: أيما امرأة نكحت في عدتها؛ فإنْ كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها؛ فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان خاطبًا من الخطاب، وإن كان دخل بها؛ فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ولا ينكحها أبدًا. أخرجه مالك وغيره، وله عن عمر طرق، رواه عنه سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والشعبي، فالأثر ثابت بهذه الطرق.
وجاء ذلك عن علي، ولكنه خالف عمر بقوله: (ولا ينكحها أبدًا)، وقال: لها أن تتزوجه بعد العدتين إن شاءت. وله عن علي ﵁ ثلاث طرق يثبت بها إن شاء الله كما في «سنن البيهقي» و «ابن أبي شيبة».
• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ العدتين تتداخلان، فتأتي بثلاثة قروء بعد مفارقة الثاني تكون عن بقية عدة الأول، وعدة الثاني.
• وعن مالك رواية أيضًا بتداخل العدتين؛ لأنَّ القصد معرفة براءة الرحم، وهذا تحصل به براءة الرحم منهما.
وأجاب الجمهور بأنَّ هذا خلاف ما قضى به عمر، وعلي ﵄، ولا يُعلم لهم في ذلك مخالف؛ ولأنهما حقَّان مقصودان لآدميَّين، وحقوق الآدميِّين لا تتداخل؛
стр. 4756
ولأنَّ ذلك حق للرجال على النساء فلا يتداخل، قال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩] ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨].
• وذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى أنَّ عليها للثاني الاستبراء بحيضة فقط، وقال: إنَّ السلف يُطلِقون العدة على عدة النكاح والوفاة، وعلى الاستبراء. واستدل على ذلك بأنَّ المختلعة الصحيح أنَّ عليها حيضة، وهو فسخٌ من نكاح شرعي محترم، فههنا أولى أن يكون عليها الاستبراء فقط، وجعل هذا القول مقتضى قول من يقول في الخلع عليها حيضة، وقول شيخ الإسلام هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: هل يجوز للثاني أن يتزوج بها بعد انتهاء العدتين ؟
• من أهل العلم من قال: لا يجوز له أن يتزوجها أبدًا. صحَّ ذلك عن عمر ﵁، كما تقدم، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، والشافعي في القديم، وحجتهم قول عمر ﵁، ومعاقبة له على استعجاله؛ فعُومل بنقيض قصده.
• ومنهم من قال: يجوز له ذلك. وهو قول علي ﵁، كما تقدم، وأحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي، بل قال الشافعي، وبعض الحنابلة: يجوز للثاني أن يتزوجها بعد انتهاء عدة الأول في أثناء عدتها من الثاني، أي: نفسه.
وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (٢)
стр. 4757
مسألة [٥]: إن كانت المرأة حاملاً بولد ؟
• إن علم أنه من الأول؛ فتنقضي عدتها منه بوضعه، وتعتد للثاني عند الجمهور ثلاثة قروء.
• وإن علم أنه من الثاني دون الأول؛ فتعتد من الثاني بوضعه، ثم تكمل عدة الأول. وإن أمكن أن يكون منهما؛ فيعرض على القافة؛ فإنْ ألحقته بالأول، لحق به، كما لو علم أنه منه، وإن ألحقته بالثاني، لحق به، كما لو علم أنه منه. وإن أشكل أمره على القافة، أو لم تكن قافة؛ لزمها أن تعتد بعد وضعه بثلاثة قروء؛ لأنه إن كان من الأول فقد أتت بما عليها من عدة الثاني، وإن كان من الثاني؛ فعليها أن تكمل عدة الأول؛ ليسقط الفرض بيقين. (١)
مسألة [٦]: هل يجوز للرجل الذي خالع امرأته أن يتزوجها في عدتها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٢٤٢): وَإِذَا خَالَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، أَوْ فَسَخَ نِكَاحَهُ؛ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَشَذَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا، وَلَا خِطْبَتُهَا؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ. وَلَنَا أَنَّ الْعِدَّةَ لِحِفْظِ نَسَبِهِ، وَصِيَانَةِ مَائِهِ، وَلَا يُصَانُ مَاؤُهُ عَنْ مَائِهِ إذَا كَانَا مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ. اهـ
وقد نقل شيخ الإسلام الإجماع على ذلك كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٥٠).
стр. 4758
١١١١ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ -فِي امْرَأَةِ المَفْقُودِ- تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. (١)
١١١٢ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «امْرَأَةُ المَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا البَيَانُ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث والأثر
مع بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: إذا غاب الرجل عن أهله ولم تنقطع عنه الأخبار، ولا الكتابة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٢٤٧): إِذَا كَانَت الْغَيْبَةُ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، يُعْرَفُ خَبَرُهُ وَيَأْتِي كِتَابُهُ؛ فَهَذَا لَيْسَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ تَتَزَوَّجَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَجْمَعِينَ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ، فَلَهَا أَنْ تَطْلُبَ فَسْخَ النِّكَاحِ، فَيُفْسَخَ نِكَاحُهُ. اهـ
مسألة [٢]: زوجة الأسير .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٢٤٧): وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زَوْجَةَ الْأَسِيرِ لَا تَنْكِحُ حَتَّى تَعْلَمَ يَقِينَ وَفَاتِهِ. اهـ
стр. 4759
مسألة [٣]: زوجة العبد الآبق .
قال ﵀ في «المغني» (١١/ ٢٤٧): وَإِنْ أَبَقَ الْعَبْدُ، فَزَوْجَتُهُ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، حَتَّى تَعْلَمَ مَوْتَهُ أَوْ رِدَّتَهُ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إبَاقُهُ طَلَاقُهُ. وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَفْقُودٍ؛ فَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهُ، كَالْحُرِّ، وَمَنْ تَعَذُّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ، فَحُكْمُهَا فِي الْفَسْخِ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، أَوْ فِي كَسْبِهِ، فَيُعْتَبَرُ تَعَذُّرُ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَحَلِّ الْوُجُوبِ. اهـ
مسألة [٤]: الغائب المنقطع خبره، وهو المفقود .
• من أهل العلم من يقول: هي امرأته، ولا تتزوج حتى تتيقن موته. وهذا قول ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وأبي قلابة، والنخعي، وأصحاب الرأي، والشافعي في الجديد، ونُقل عن علي بن أبي طالب ﵁ من طرق يثبت بها كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٤٤٤).
• ومن أهل العلم من يقول: تنتظر أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة، سواء كان الغالب السلامة، أو الهلاك. وهو قول مالك، والشافعي في القديم، واستدلوا بأثر عمر ﵁ أنه قضى بذلك، وثبت عن عثمان، وابن عمر، وابن عباس ﵃ أنهم حددوا ذلك الزمن أيضًا، إلا أنَّ مالكًا قال فيمن قتل في الصف: لا تتربص. وقال سعيد بن المسيب في ذلك: تتربص سنة.
стр. 4760
• وفصَّل بعض أهل العلم، وهو المشهور في مذهب أحمد، فقالوا: إذا كانت الغيبة ظاهرها الهلاك، كمن يكون في سفينة فتغرق، أو بين الصفين، أو يسافر في مفازة مهلكة، فتتربص أربع سنين كالقول الثاني، وإن كان ظاهرها السلام؛ فتنتظر حتى تتيقن موته، وعن أحمد رواية: تنتظر إلى تمام تسعين سنة.
• ومن الحنابلة من قال: يجتهد الحاكم، فتبقى المرأة ما رآه الحاكم.
قال شيخ الإسلام ﵀: إن قيل: إنَّ امرأته تبقى إلى أن يُعلم خبره؛ بقيت لا أيِّمًا ولا ذات زوج إلى أن تصير عجوزًا، وتموت ولم تعلم خبره، والشريعة لم تأت بمثل هذا. انتهى.
ثم اختار ﵀ الذي قضى به عمر، وبين أنه موافق للقياس في كلامٍ مفيدٍ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٦ - ٥٨٢).
قلتُ: وهو الذي ينبغي أن يعتمد عليه في القضاء، والله أعلم.
وقال الإمام ابن عثيمين ﵀: الصحيح أننا لا نقدر ذلك بما قدره الفقهاء، وأنَّ الأمر في ذلك راجع إلى اجتهاد القاضي في كل قضية بعينها، وأنَّ الأمر يختلف باختلاف الأحوال، والأزمان، والأمكنة، والأسباب التي بها فقد. اهـ
وحمل ﵀ ما جاء عن الصحابة بأنها قضية عين لا تكون عامة لكل واقعة، وقوله قوي، والله أعلم.
واختار الصنعاني في «السبل» أنَّ للحاكم الفسخ بدون تربص إذا تضررت المرأة. (١)
стр. 4761
مسألة [٥]: هل يعتبر أن يطلقها ولي زوجها بعد التربص ؟
• جاء عن عمر في رواية أنه قال بذلك كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٤٤٥)، ووافقه أحمد في رواية، وأكثر الصحابة، وأكثر أهل العلم لم يعتبروا ذلك، وهو قول أحمد في رواية، ولم يذكر ذلك عمر في بعض الروايات.
والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٦]: وقت ابتداء المدة .
• للحنابلة، والشافعية قولان في اعتبار المدة، هل هي من حين انقطع خبره، أم من حين ضربها الحاكم؟
والذي يظهر أنَّ المدة ترجع إلى حكم الحاكم؛ فإن رأى أن يحسبها من حين انقطاع الخبر؛ فذاك، وإن رأى أن يحسبها من حين ارتفعت المرأة إليه؛ فذاك، والله أعلم. (٢)
مسألة [٧]: هل يفتقر ذلك إلى الحاكم، أم للمرأة أن تحسب لنفسها المدة بدون الحاكم ؟
• ذهب بعض الحنابلة، والشافعية إلى عدم اعتبار ذلك، واختاره شيخ الإسلام.
• وذهب جماعة منهم إلى اعتبار ذلك.
стр. 4762
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: والقول الثاني في المسألة أنه لابد من حكم الحاكم؛ لئلا يقع الناس في الفوضى؛ لأننا إذا قلنا بهذا القول فربما تدعي الزوجة أنَّ زوجها مفقود، فتعمل هذا العمل؛ ولهذا فإنَّ القول الثاني في المذهب، وهو قول الأئمة الثلاثة أنه لابد لها من مراجعة القاضي، وهذا متعين لاسيما على القول الراجح الذي رجحناه، وهو أن يرجع فيه إلى الحكم بالموت إلى اجتهاد القاضي. انتهى.
قلتُ: وما رجحه الإمام العثيمين ﵀ هو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: إذا قضى الحاكم بالفرقة، فهل ينفسخ النكاح ظاهرًا وباطنًا، أم في الظاهر فقط ؟
• مذهب مالك، وبعض الحنابلة، والشافعية أنَّ الفسخ يكون ظاهرًا وباطنًا؛ فتكون زوجة شرعية للثاني في الظاهر والباطن، وهذا ظاهر قضاء الصحابة، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام.
• والأشهر في مذهب الحنابلة، وبعض الشافعية أنَّ الفسخ يكون ظاهرًا لا باطنًا؛ بدليل أنَّ زوجها إذا جاء فهو أحق بامرأته في قضاء الصحابة.
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: الصواب أنها زوجته، أي الثاني، ظاهرًا وباطنًا؛ لأنَّ الأحكام الشرعية إذا ثبتت؛ ثبتت ظاهرًا وباطنًا، فعلى هذا فلها أن تتزوج
стр. 4763
زوجًا آخر. اهـ
فائدة الخلاف: أنَّ من قال: ينفسخ ظاهرًا فقط. فإنَّ المفقود لو طلق، أو ظاهر بعد الفراق؛ لزمه ذلك، ولو ماتت وجاء المفقود؛ ورثها، وترثه إذا مات، وإذا جاء ولم يختر زوجته؛ فإنَّ الثاني يجدد العقد عليها، ومن قال: ينفسخ ظاهرًا وباطنًا. فالحكم عنده بخلاف ذلك. (١)
مسألة [٩]: إن قدم زوجها الأول بعد تربصها قبل التزوج ؟
• هو أحق بها عند أكثر أهل العلم وعامتهم.
• وقال بعض أصحاب الشافعي: إذا انقضت المدة؛ بطل نكاح الأول.
والقول الأول هو الصحيح؛ لأنه إنما أُبيح لها التزويج؛ لأنَّ الظاهر موته، فإذا بان حيًّا؛ انخرم ذلك الظاهر، وكان النكاح بحاله. (٢)
مسألة [١٠]: إذا قدم زوجها بعد أن تزوجت بآخر ؟
• أكثر أهل العلم على أنه إذا قدم قبل دخول الثاني بها؛ فهي امرأته، وهو أحق بها، وإن قدم بعد دخوله بها؛ يُخيَّر بين امرأته، وبين صداقه. وهو قول الحسن، وعطاء، وخِلاس، والنخعي، وقتادة، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وغيرهم؛ لأنَّ هذا هو الذي قضى به عمر ﵁، وبين شيخ الإسلام أنَّ قضاء عمر يوافق
стр. 4764
القياس بكلام نفيس يُراجع من «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٦ - ٥٨٢).
• وذهب أحمد في رواية إلى أنه يخير مطلقًا. وأخذ به بعض الحنابلة، وأنكر ابن قدامة هذه الرواية، وقال: إنما كان كلام أحمد عامًّا، وقد بينه في رواية أخرى.
ورجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ الخيار مطلقًا، والصحابة لم يفصلوا.
• وعن مالك أنها زوجة الثاني، ولا خيار للأول، دخل بها أم لم يدخل. (١)
مسألة [١١]: إذا اختار الترك، فهل له الصداق، وعلى من ؟
الذي قضى به عمر بن الخطاب ﵁ أنَّ له الصداق على زوجها الآخر، كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٤٤٦)؛ لأنه حال بينه وبينها بعقده عليها ودخوله بها.
واختلفوا هل يعطيه الصداق الذي أمهرها الزوج الأول، أم الصداق الذي أمهرها هو؟
• فقال بالأول الزهري، وقتادة، والحسن، وأحمد في رواية، وعلي بن المديني، و نقل عن عثمان، وعلي ﵄ بسند ضعيف.
• وقال بالثاني أحمد في رواية.
قال شيخ الإسلام ﵀: والصواب أنَّ الأول يرجع بمهره هو؛ فإنه الذي استحقه، وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حق له فيه. اهـ (٢)
стр. 4765
مسألة [١٢]: إذا ضمن الثاني للأول المهر، هل يرجع به على المرأة ؟
• الأظهر في مذهب أحمد عدم الرجوع، وعنه رواية بالرجوع، والذي ثبت عن عمر ﵁ أنه على الزوج، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ (٥/ ٦٨٧): والصحيح أنه لا يرجع عليها بشيء؛ إلا أن تكون قد غرَّته، أما إذا لم تغره؛ فإنه لا يرجع عليها بشيء؛ لأنه هوالذي فوتها على زوجها الأول. اهـ (١)