مسألة [٥]: هل يعتبر أن يطلقها ولي زوجها بعد التربص ؟
• جاء عن عمر في رواية أنه قال بذلك كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٤٤٥)، ووافقه أحمد في رواية، وأكثر الصحابة، وأكثر أهل العلم لم يعتبروا ذلك، وهو قول أحمد في رواية، ولم يذكر ذلك عمر في بعض الروايات.
والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٦]: وقت ابتداء المدة .
• للحنابلة، والشافعية قولان في اعتبار المدة، هل هي من حين انقطع خبره، أم من حين ضربها الحاكم؟
والذي يظهر أنَّ المدة ترجع إلى حكم الحاكم؛ فإن رأى أن يحسبها من حين انقطاع الخبر؛ فذاك، وإن رأى أن يحسبها من حين ارتفعت المرأة إليه؛ فذاك، والله أعلم. (٢)
مسألة [٧]: هل يفتقر ذلك إلى الحاكم، أم للمرأة أن تحسب لنفسها المدة بدون الحاكم ؟
• ذهب بعض الحنابلة، والشافعية إلى عدم اعتبار ذلك، واختاره شيخ الإسلام.
• وذهب جماعة منهم إلى اعتبار ذلك.
стр. 4762
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: والقول الثاني في المسألة أنه لابد من حكم الحاكم؛ لئلا يقع الناس في الفوضى؛ لأننا إذا قلنا بهذا القول فربما تدعي الزوجة أنَّ زوجها مفقود، فتعمل هذا العمل؛ ولهذا فإنَّ القول الثاني في المذهب، وهو قول الأئمة الثلاثة أنه لابد لها من مراجعة القاضي، وهذا متعين لاسيما على القول الراجح الذي رجحناه، وهو أن يرجع فيه إلى الحكم بالموت إلى اجتهاد القاضي. انتهى.
قلتُ: وما رجحه الإمام العثيمين ﵀ هو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: إذا قضى الحاكم بالفرقة، فهل ينفسخ النكاح ظاهرًا وباطنًا، أم في الظاهر فقط ؟
• مذهب مالك، وبعض الحنابلة، والشافعية أنَّ الفسخ يكون ظاهرًا وباطنًا؛ فتكون زوجة شرعية للثاني في الظاهر والباطن، وهذا ظاهر قضاء الصحابة، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام.
• والأشهر في مذهب الحنابلة، وبعض الشافعية أنَّ الفسخ يكون ظاهرًا لا باطنًا؛ بدليل أنَّ زوجها إذا جاء فهو أحق بامرأته في قضاء الصحابة.
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: الصواب أنها زوجته، أي الثاني، ظاهرًا وباطنًا؛ لأنَّ الأحكام الشرعية إذا ثبتت؛ ثبتت ظاهرًا وباطنًا، فعلى هذا فلها أن تتزوج
стр. 4763
زوجًا آخر. اهـ
فائدة الخلاف: أنَّ من قال: ينفسخ ظاهرًا فقط. فإنَّ المفقود لو طلق، أو ظاهر بعد الفراق؛ لزمه ذلك، ولو ماتت وجاء المفقود؛ ورثها، وترثه إذا مات، وإذا جاء ولم يختر زوجته؛ فإنَّ الثاني يجدد العقد عليها، ومن قال: ينفسخ ظاهرًا وباطنًا. فالحكم عنده بخلاف ذلك. (١)
مسألة [٩]: إن قدم زوجها الأول بعد تربصها قبل التزوج ؟
• هو أحق بها عند أكثر أهل العلم وعامتهم.
• وقال بعض أصحاب الشافعي: إذا انقضت المدة؛ بطل نكاح الأول.
والقول الأول هو الصحيح؛ لأنه إنما أُبيح لها التزويج؛ لأنَّ الظاهر موته، فإذا بان حيًّا؛ انخرم ذلك الظاهر، وكان النكاح بحاله. (٢)
مسألة [١٠]: إذا قدم زوجها بعد أن تزوجت بآخر ؟
• أكثر أهل العلم على أنه إذا قدم قبل دخول الثاني بها؛ فهي امرأته، وهو أحق بها، وإن قدم بعد دخوله بها؛ يُخيَّر بين امرأته، وبين صداقه. وهو قول الحسن، وعطاء، وخِلاس، والنخعي، وقتادة، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وغيرهم؛ لأنَّ هذا هو الذي قضى به عمر ﵁، وبين شيخ الإسلام أنَّ قضاء عمر يوافق
стр. 4764
القياس بكلام نفيس يُراجع من «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٦ - ٥٨٢).
• وذهب أحمد في رواية إلى أنه يخير مطلقًا. وأخذ به بعض الحنابلة، وأنكر ابن قدامة هذه الرواية، وقال: إنما كان كلام أحمد عامًّا، وقد بينه في رواية أخرى.
ورجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ الخيار مطلقًا، والصحابة لم يفصلوا.
• وعن مالك أنها زوجة الثاني، ولا خيار للأول، دخل بها أم لم يدخل. (١)
مسألة [١١]: إذا اختار الترك، فهل له الصداق، وعلى من ؟
الذي قضى به عمر بن الخطاب ﵁ أنَّ له الصداق على زوجها الآخر، كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٤٤٦)؛ لأنه حال بينه وبينها بعقده عليها ودخوله بها.
واختلفوا هل يعطيه الصداق الذي أمهرها الزوج الأول، أم الصداق الذي أمهرها هو؟
• فقال بالأول الزهري، وقتادة، والحسن، وأحمد في رواية، وعلي بن المديني، و نقل عن عثمان، وعلي ﵄ بسند ضعيف.
• وقال بالثاني أحمد في رواية.
قال شيخ الإسلام ﵀: والصواب أنَّ الأول يرجع بمهره هو؛ فإنه الذي استحقه، وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حق له فيه. اهـ (٢)
стр. 4765
مسألة [١٢]: إذا ضمن الثاني للأول المهر، هل يرجع به على المرأة ؟
• الأظهر في مذهب أحمد عدم الرجوع، وعنه رواية بالرجوع، والذي ثبت عن عمر ﵁ أنه على الزوج، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ (٥/ ٦٨٧): والصحيح أنه لا يرجع عليها بشيء؛ إلا أن تكون قد غرَّته، أما إذا لم تغره؛ فإنه لا يرجع عليها بشيء؛ لأنه هوالذي فوتها على زوجها الأول. اهـ (١)
١١١٥ - وَعَنْهَا ﵂ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ ابْنَتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا، أَفَنَكْحَلُهَا؟ قَالَ: «لَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
تعريف الإحداد:
لغة: المنع. وفي الشرع: هو ترك الطيب، والزينة للمعتدة عن الوفاة.
مسألة [١]: حكم إحداد الزوجة على زوجها .
دلت الأحاديث المتقدمة على وجوب إحداد الزوجة على زوجها أربعة أشهر وعشرًا.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٢٨٤): وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إلَّا عَنْ الْحَسَنِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ الْإِحْدَادُ. وَهُوَ قَوْلٌ شَذَّ بِهِ عَنْ أَهْلَ الْعِلْمِ، وَخَالَفَ بِهِ السُّنَّةَ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ. اهـ
قلتُ: وقد صحَّ الخلاف عن الشعبي أيضًا، وكأنه لم يبلغهما الحديث.
مسألة [٢]: هل يجب الإحداد على الصغيرة والذمية ؟
• ذهب الحنفية إلى أنه ليس عليهما الإحداد؛ لأنهما غير مكلفتين.
• وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليهما؛ لعموم الدليل، وهو الصحيح، ولكن الصغيرة التي دون البلوغ يلزم وليها إن يجنبها الزينة؛ كما أن الصغير إذا
стр. 4768
حجَّ به وجب على وليه إن يجنبه محظورات الإحرام. (١)
مسألة [٣]: الإحداد هل يشمل أمَّ الولد والأمة إذا مات سيدهما ؟
الدليل خاصٌّ بالمتزوجة، فلا إحداد على أم الولد إذا مات سيدها، قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وكذلك الأمة، والموطوءة بشبهة، والموطوءة في نكاح فاسد. (٢)
مسألة [٤]: هل على المطلقة الإحداد إذا طلقها زوجها بسبب الطلاق ؟
أما الرجعية فلا إحداد عليها بغير خلاف؛ لأنها في حكم الزوجات لها أن تتزين لزوجها، وتتشوف له.
• وأما المطلقة البائن، فقال بعض أهل العلم بوجوب الإحداد عليها، وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية؛ لأنها معتدة بائن، فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها؛ وذلك لأنَّ العدة تحرم النكاح، فحرمت دواعيه.
• وذهب عطاء، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر -وهو قول الجمهور- إلى أنه لا يجب عليها الإحداد؛ لأنَّ الدليل جاء في المتوفى عنها زوجها، ولأنَّ الإحداد في عدة الوفاة لإظهار الأسف على فراق زوجها وموته، فأمَّا الطلاق؛ فإنه فارقها باختيار نفسه، وقطع نكاحها؛ فلا معنى لتكليفها
стр. 4769
الحزن عليه.
وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: الأشياء التي تجتنبها المرأة في إحدادها .
• أولًا: الطيب.
قال ابن قدامة ﵀: وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْإِحْدَادَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا إذَا طَهُرَتْ ... ».اهـ
ويدخل في ذلك الأدهان المطيبة، فأما الأدهان التي ليست مطيبة فلا بأس بها؛ لأنها ليست بطيب.
• ثانيًا: اجتناب الزينة.
وذلك واجب في قول عامة أهل العلم، وهو يشمل الزينة في نفسها بالخضاب، والكحل، والحناء، والمواد الأخرى التي تستخدم للتجميل، ويدل عليه أحاديث الباب.
ويشمل أيضًا لباس الثياب المزينة التي تدعو إلى جماعها؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا ... ».
قال ابن المنذر ﵀: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادَّة لبس الثياب المعصفرة، ولا المصْبغة؛ إلا ما صبغ بسواد. اهـ
ويشمل أيضًا لباس الحلي عند عامة أهل العلم، وأباح عطاء حُلي الفضة دون
стр. 4770
الذهب، واستدل الجمهور على المنع من الحلي بما رواه أبو داود (٢٣٠٤)، والنسائي (٦/ ٢٠٣)، وأحمد (٦/ ٣٠٢)، من حديث أم سلمة بإسناد صحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشق، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل»؛ ولأنَّ الحلي يزيد في حسنها، ويدعو إلى مباشرتها، قالت امرأةٌ:
وما الحلي إلا زينة لنقيصة ... تتمم من حسنٍ إذا الحسن قصَّرا (١)
مسألة [٦]: كم مدة الإحداد للمتوفى عنها زوجها ؟
المدة التي تحدها المرأة أربعة أشهر وعشر، كما في حديث أم عطية، وجاء عن أم حبيبة، وزينب بنت جحش كما في «الصحيحين» (٢)، وأخرج أحمد (٦/ ٤٣٨) من حديث أسماء بنت عميس أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لها في اليوم الثالث من قتل جعفر: «لا تحدي بعد يومك هذا».
وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: محمد بن طلحة بن مصرف، الراجح أنه ضعيف، يُقبل في الشواهد، وقد خُولِف في إسناده، فرواه غيره مرسلًا، منهم: شعبة، ورجَّح الدارقطني المرسل. (٣)
وأما الحامل فإحدادها عند أهل العلم ينتهي بوضع حملها، كما تنتهي عدتها
стр. 4771
بوضع حملها، وسواءٌ كان بأقل من أربعة أشهر وعشر، أو بأكثر من ذلك.
مسألة [٧]: إذا احتاجت الحادة للكحل ؟
اختلف أهل العلم فيما إذا احتاجت المرأة للتداوي بالكحل في حال إحدادها.
• فمنهم من أباح ذلك في الليل، وتمسحه في النهار، واستدلوا بحديث أم سلمة الذي في الباب، وهو ضعيف. وهو مذهب الحنابلة، والشافعية.
• ومنهم من أجازه إذا لم يكن فيه طيب، وهو قول عطاء، والنخعي، ومالك في رواية، وأصحاب الرأي؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
• ومنهم من منعه مطلقًا، وهو قول مالك في رواية، وابن حزم، ورجَّحه الشيخ ابن عثيمين؛ لحديث أم سلمة الذي في الباب في المرأة التي اشتكت عينها، فلم يأذن لها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الكحل، وهذا القول هو الصواب، وهناك مواد أخرى مباحة للتداوي تُغني عن الكحل. (١)
مسألة [٨]: الثياب المصبوغة بالسواد .
• أجاز ذلك جماعة من أهل العلم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم؛ لأنه ليس بلباس زينة، ومنع منه بعض المالكية إن كان مما
стр. 4772
يتزين به.
قلتُ: الظاهر أنَّ المنع من المصبوغ؛ لكونه لباس زينة؛ فإن كان الأسود لباس زينة؛ امتنعت منه المرأة، سواء كان مصبوغًا أو غير مصبوغ. (١)
مسألة [٩]: لباس الحرير .
• أباح لبسه بعض الشافعية، والأكثر على المنع؛ لأنه من أحسن الألبسة زينة. (٢)
مسألة [١٠]: ما صُبِغَ ثم نُسِجَ ؟
• أجاز لبسه بعض الحنابلة، والشافعية؛ لقوله: «إلا ثوب عصب»، فقالوا: المعصوب هو الذي صبغ، ثم نسج، وأكثرهم على المنع؛ لعموم الحديث: «ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا»، وقالوا: وثوب العصب نوع من ثياب اليمن، فيقتصر عليه، والله أعلم. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: هل يجب على الحادَّة أن تلازم بيت زوجها أثناء الإحداد ؟
• ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ على الحادة أن تعتد في منزل زوجها الذي كانت تسكنه، ولا تخرج إلى لحاجة، وهو قول عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن مسعود ﵃، ومن أصحاب المذاهب مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، واستدلوا بحديث فريعة الذي في الباب.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تعتد حيث شاءت، ولا يلزمها العدة في بيت زوجها، صحَّ ذلك عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعائشة ﵃، وهو قول الحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، وغيرهم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، وهذه الآية ناسخة للآية الأخرى، وليس فيها ذكر السكنى، والنفقة، والقول الأول أقرب؛ لحديث فريعة ﵂ الذي في الباب. (١)
تنبيه: اختلف أهل العلم هل يجب للمرأة السكنى في مدة عدتها من مال الزوج؛ بناء على الاختلاف السابق، فالذين يقولون: يلزمها المكوث في بيت زوجها. يقولون: تجب السكنى؛ فإن كان البيت للزوج، فلا تخرج منه حتى تكمل العدة، وإن كان البيت مستأجرًا؛ دفعت الإجارة من جميع المال قبل
стр. 4775
القسمة. والذين يقولون: تعتد حيث شاءت. فإنهم يرون أنَّ السكنى ليست واجبة في مال الزوج. وقالوا: الميراث نسخ النفقة والسكنى. وهذا أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: خروج المعتدة للحاجة .
حديث جابر ﵁ المذكور في الكتاب جاء عند أبي داود (٢٢٩٧)، وغيره: «طلقت ثلاثًا».
قال النووي ﵀ (١٤٨٣): هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِخُرُوجِ الْمُعْتَدَّة الْبَائِن لِلْحَاجَةِ، وَمَذْهَب مَالِك، وَالثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْث، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَآخَرِينَ جَوَاز خُرُوجهَا فِي النَّهَار لِلْحَاجَةِ.
وَكَذَلِكَ عِنْد هَؤُلَاءِ يَجُوز لَهَا الْخُرُوج فِي عِدَّة الْوَفَاة، وَوَافَقَهُمْ أَبُو حَنِيفَة فِي عِدَّة الْوَفَاة، وَقَالَ فِي الْبَائِن: لَا تَخْرُج لَيْلًا وَلَا نَهَارًا. اهـ
قلتُ: وممن ثبت عنه القول بأن المتوفى عنها زوجها تلازم بيتها، وتخرج للحاجة: عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وزيد بن ثابت ﵃، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١٨٩)، وأما في الليل فيشرع لها الخروج فيه عند الضرورة، أو الحاجة الشديدة. (٢)
تنبيه: إذا انتقل أهل ذلك البيت؛ فلها أن تنتقل معهم، وممن نص على ذلك عروة بن الزبير: أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٧) بإسنادٍ صحيح.
стр. 4776
فائدة: قال ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٨) حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أن امرأة من الأنصار توفي عنها زوجها وأن أباها اشتكى فاستأذنت عمر فلم يرخص لها إلا في ليلة. قلت: إسناده حسن.
قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن عون، عن أنس بن سيرين أن ابنة لعبدالله بن عمر توفي زوجها فأتتهم فأرادت أن تبيت عندهم فمنعها عبدالله بن عمر وقال: ارجعي إلى بيتك فبيتي فيه. قلت: وإسناده صحيح، وابن عون هو عبدالله.
مسألة [٣]: متى يبدأ توقيت العدة ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ ابتداء العدة من حين طلق أو مات عنها، وهو قول ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود ﵃، ومسروق، وعطاء، وجابر بن زيد، وابن سيرين، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وطاوس، وآخرين من التابعين، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الطلاق والموت هو سبب العدة؛ فكان هو ابتداءها.
• وعن أحمد رواية: إن قامت بذلك بينة، فمن حين مات، أو طلق، وإن لم تقم بينة فمن حين بلغها الخبر.
• ورُوي عن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز نحو ما قاله أحمد.
• ويُروى عن الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، وخِلاس أنَّ عدتها من يوم يأتيها الخبر.
والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (١)
стр. 4777
١١١٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا، أَوْ ذَا مَحْرَمٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
١١١٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (٢)
الحكم المستفاد من الحديثين
في هذين الحديثين دلالة على تحريم الخلوة بالأجنبية، وثبت في «مسند أحمد» (١/ ٢٦)، من حديث عمر ﵁ مرفوعًا: «لا يخلون رجل بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما»، ويجوز للمحرم أن يخلو بالمرأة التي تحرم عليه إذا أمن على نفسه الفتنة؛ لحديث الباب، وضابط المرأة المحرمة هي كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد لسبب مباح لحرمتها.
وقولهم: (لسبب مباح) يخرجون به أم الموطوءة بشبهة، وبنتها؛ فإنها حرام على التأبيد، لكن ليس لسبب مباح؛ فإنَّ وطء الشبهة لا يوصف بأنه مباح، ولا محرم، ولا بغيرهما من أحكام الشرع الخمسة؛ لأنه ليس فعل مكلف.
وقولهم: (لحرمتها) احتراز من الملاعنة؛ فهي حرام على التأبيد، لا لحرمتها، بل تغليظًا عليهما. (٣)
стр. 4778
١١٢٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
١١٢١ - وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي الدَّارَقُطْنِيِّ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: من ملك أمة من مغنم، أو شراء، أو هبة، فهل عليه الاستبراء ؟
أولا: الاستبراء هو طلب براءة الرحم، وذلك باعتزال المرأة حتى تحيض، فيتبين عدم حملها، أو حتى يتبين حملها، فلا يقربها حتى تضع.
ولا خلاف بين أهل العلم أنَّ الحامل تُستبرأ بوضع الحمل؛ لحديث الباب.
стр. 4779
• وأمَّا إن كانت غير حامل، فجمهور العلماء على أنها تستبرأ بحيضة، سواء كانت بكرًا، أم ثيبا، وسواء كانت ممن يحمل، أم لم تكن كذلك؛ لعموم حديث الباب.
• وقال داود الظاهري: إن كانت بكرًا؛ فلا يجب استبراؤها. واختاره شيخ الإسلام، وصوَّبه ابن عثيمين.
• وقال الليث: إن كانت ممن لا يحمل؛ لم يجب استبراؤها.
• وقال البتي: يجب الاستبراء على البائع دون المشتري.
والصحيح أنه يجب على المشتري، وهو قول الجمهور، ولا يجب على البائع، وهو ظاهر من حديث الباب. (١)
مسألة [٢]: إن كانت الأمة من غير ذوات الأقراء، فكيف تستبرأ ؟
• من أهل العلم من يقول: تستبرأ بثلاثة أشهر. وهو قول الحسن، وابن سيرين، والنخعي، وأبي قلابة، وأحمد، والشافعي في قول؛ وذلك لأنها إن كانت حاملًا تبين في تلك المدة، وقد اعتبر الله ذلك في عدة الآيسة، فيعتبر ههنا.
• ومن أهل العلم من قال: تستبرأ بشهر. وهو قولٌ للشافعي، وأحمد في رواية.
• وذكر القاضي عن أحمد رواية ثالثة: أنها تستبرأ بشهرين كعدة الأمة المطلقة،
стр. 4780
قال ابن قدامة: ولم أر لذلك وجهًا.
• وقال سعيد بن المسيب، وعطاء، والضحاك، والحكم: تستبرأ بشهر ونصف. ورُوي عن أحمد.
والصحيح عن أحمد القول الأول، وهو أصح الأقوال في المسألة، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إذا اشترى الأمة من امرأة، أو من رجل أخبره أنه لم يطأها، أو قد استبرأها ؟
• جمهور الفقهاء يُلزِمونه بالاستبراء كذلك؛ لعموم الحديث، واختار شيخ الإسلام ﵀ أنه ليس عليه في هذه الحالة الاستبراء، ومثل ذلك لو اشتراها من طفل. (٢)
مسألة [٤]: هل يحل للرجل أثناء الاستبراء أن يباشرها، ويقبلها، ويتلذذ بها بدون الجماع ؟
• فيه وجهان للشافعية، والحنابلة، والأصح جواز ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦ /المعارج:٣٠] فحرم الوطء من أجل الاستبراء، فبقي ما عداه على الإباحة، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (٣)
стр. 4781
مسألة [٥]: هل يلزم الرجل أن يستبرئ أمته التي كان يطؤها إذا أراد تزويجها ؟
• مذهب الجمهور أنه لا يجوز له تزويجها حتى يستبرئها، وهو قول الزهري، والثوري، وأحمد، والشافعي، وغيرهم.
• وقال أصحاب الرأي: ليس عليه الاستبراء؛ لأنَّ له بيعها؛ فكان له تزويجها كالتي لا يصيبها.
• وقال عطاء، وقتادة: عدتها حيضتان كعدة الأمة المطلقة.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٢٧٠ - ٢٧١): وَلَنَا أَنَّهَا فِرَاشٌ لِسَيِّدِهَا؛ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَلِأَنَّ هَذِهِ مَوْطُوءَةٌ وَطْئًا لَهُ حُرْمَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَتَزَوَّجَ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا سَيِّدُهَا الْيَوْمَ، ثُمَّ زَوَّجَهَا، فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ فِي آخِرِ الْيَوْمِ، أَفْضَى إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ؛ فَإِنَّهَا لَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُشْتَرِيهَا وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، فَلَا يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ؛ وَلِهَذَا يَصِحُّ فِي الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُزَوَّجَةِ، بِخِلَافِ التَّزْوِيجِ. اهـ
مسألة [٦]: اشترى أمة فأعتقها قبل استبرائها، ثم أراد الزواج بها ؟
• مذهب أحمد، والشافعي رحمة الله عليهما أنَّ ذلك لا يجوز حتى يستبرئها، وأجاز الحنفية ذلك.
стр. 4782
قال الإمام أحمد ﵀: سُبْحَانَ الله! مَا أَعْظَمِ هَذَا، أَبْطَلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، جَعَلَ اللهُ عَلَى الْحَرَائِرِ الْعِدَّةَ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، فَلَيْسَ مِنْ امْرَأَةٍ تَطْلُقُ أَوْ يَمُوتُ زَوْجُهَا إلَّا تَعْتَدُّ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، وَسَنَّ رَسُولُ الله ﷺ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ بِحَيْضَةٍ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، فَفَرْجٌ يُوطَأُ يَشْتَرِيهِ، ثُمَّ يَعْتِقُهَا عَلَى الْمَكَانِ، فَيَتَزَوَّجهَا، فَيَطَؤُهَا، يَطَؤُهَا رَجُلٌ الْيَوْمَ وَيَطَؤُهَا الْآخَرُ غَدًا؛ فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا كَيْفَ يَصْنَعُ؟ هَذَا نَقْضُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُوطَأُ الْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ الْحَامِلِ حَتَّى تَحِيضَ»، وَهَذَا لَا يَدْرِي أَهِيَ حَامِلٌ أَمْ لَا. مَا أَسْمَجَ هَذَا. قِيلَ لَهُ: إنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ هَذَا. فَقَالَ: قَبَّحَ اللهُ هَذَا، وَقَبَّحَ مَنْ يَقُولُهُ. اهـ (١)
مسألة [٧]: إن كانت الأمة بين شريكين ؟
إن كانت الأمة لشريكين؛ فلا يحل لواحد منهما وطؤها بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣]، وهذا يملك نصفها.
• فإن حصل منهما الوطء، فقال بعض الفقهاء: عليها استبراءان، كما أن العدة لا تتداخل، فكذلك الاستبراء. وهذا قول الحنابلة، وبعض الشافعية.
• وقال بعض الشافعية: عليها استبراء واحد. وهو الصحيح، والله أعلم. (٢)
стр. 4783
١١٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ. (١)
١١٢٣ - وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةٍ. (٢)
١١٢٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ. (٣)
١١٢٥ - وَعَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد. (٤)
تقدمت مباحث هذه الأحاديث في باب اللعان، وبيان متى تكون المرأة فراشًا، والمسائل المتعلقة بذلك؛ فكان إيراد الحديث في باب اللعان أقرب.
ويحتمل أنَّ الحافظ أورد الحديث في هذا الباب ليبين أنَّ الزنى ليس فيه عدة؛ لأنَّ جماعه محرَّم، فلا حرمة له، وتقدمت هذه المسألة في أوائل هذا الباب، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا به.
بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، فَأَمَّا بَقِيَّةُ أَحْكَامِ النَّسَبِ، مِنْ النَّفَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَرَدِّ الشَّهَادَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ أَقْوَى مِنْهُ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، وَإِنَّمَا يُشَبَّه بِهِ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِيهِ. اهـ (١)
مسألة [٢]: عدد الرضعات المحرمة .
• في هذه المسألة أقوال لأهل العلم:
الأول: أنه يحرم قليل الرضاع وكثيره. وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، ومكحول، والزهري، وقتادة، والحكم، وحماد، ومالك، الأوزاعي، والثوري، والليث، وأصحاب الرأي، وأحمد.
واستدلوا بالعمومات ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وغير ذلك.
وهذا القول عُزِي للجمهور، وادَّعى الليث الإجماع عليه، وهذا القول رُوي عن علي، وابن عباس ﵃ بإسنادين ضعيفين، وجاء عن ابن مسعود ﵁ بإسناد لا بأس به، وصح عن ابن عمر ﵄.
الثاني: وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الذي يحرم ثلاث رضعات. وهو قول أبي ثور، وأبي عبيد، وإسحاق، وداود، وأحمد في رواية، وابن المنذر، والظاهرية؛ إلا ابن حزم.
стр. 4788
وحجتهم حديث: «لا تحرِّم المصة والمصتان»، وحديث أم الفضل في «صحيح مسلم» (١٤٥١): «لا تحرم الإملاجة والإملاجتان»، وعنده عنها أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: «لا».
وقد ثبت عن عائشة، وابن عباس، وابن الزبير ﵃، أنهم قالوا: لا تحرم المصة، ولا المصتان. كما في «سنن ابن منصور» (٩٦٨)، و «الأوسط» لابن المنذر (٨/ ٥٥٢).
الثالث: أنَّ الذي يحرم خمس رضعات. وهذا القول صحَّ عن عائشة، وابن الزبير ﵄، وهو قول عطاء، وطاوس، والشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبه، وابن حزم وغيرهم.
واستدلوا بحديث عائشة ﵂ الذي في الباب: «كان فيما أنزل من القرآن ... » الحديث، وقال هؤلاء: قولنا لا يعارض ما استدللتم به، بل يجمع هذا القول جميع الأدلة، وقول من قال بأحد القولين السابقين يرد بعض الأدلة.
الرابع: أنها تحرم عشر رضعات. صحَّ عن عائشة وحفصة ﵄، وليس نصًّا في اشتراط ذلك إنما فيه أنهما أمرا بالعشر؛ لتقع الحرمة. وعن عائشة ﵂ قول بسبع رضعات، ولكنها لم تذكره على سبيل الاشتراط.
والصحيح من هذه الأقوال هو القول الثالث، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، والإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي ﵏. (١)
стр. 4789
مسألة [٣]: ضابط الرضعة .
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ٥٧٥): الرضعة فَعْلَةٌ من الرضاع، فهي مرة منه بلا شك، كضربة، وجلسة، وأكلة، فمتى التقم الثدي فامتص منه، ثم تركه باختياره من غير عارض؛ كان ذلك رضعة؛ لأنَّ الشرع ورد بذلك مطلقًا، فحمل على العرف، والعرف هذا. اهـ
وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٥٧): والرضعة أن يلتقم الثدي فيشرب منه، ثم يدعه؛ فهذه رضعة، فإذا كان في كرةٍ واحدة قد جرى له خمس مرات؛ فهذه خمس رضعات، وإن جرى ذلك خمس مرات في كرتين؛ فهو أيضًا خمس رضعات، وليس المراد بالرضعة ما يشربه في نوبة واحدة في شربه؛ فإنها قد ترضعه بالغداة، ثم بالعشي، ويكون في كل نوبة قد أرضعته رضعات كثيرة، والله أعلم. اهـ (١)
مسألة [٤]: إن حصل قطع لعارض أثناء الارتضاع ؟
• إن كان القطع لعارض كالتنفس، والاستراحة اليسيرة، أو لشيء يلهيه، ثم يعود عن قرب؛ فلا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أنَّ الآكل إذا قطع أكلته بذلك ثم عاد عن قريب لم يكن ذلك أكلتين، بل واحدة، هذا مذهب
стр. 4790
الشافعي، وأحمد.
• واختار بعض الحنابلة أنَّ ذلك رضعتان.
ومال ابن القيم إلى القول الأول، وكذا الصنعاني. (١)
مسألة [٥]: إذا كانت المرضعة هي التي قطعت على الرضيع ؟
إن لم يعد عن قرب؛ اعتُبِرت رضعة كاملة، والتي بعدها أخرى، وإن عاد عن قرب ففيه وجهان للحنابلة، والشافعية:
الأول: أنها رضعة واحدة، ولو قطعته مرارًا حتى يقطع باختياره.
قالوا: لأنَّ الاعتبار بفعله لا بفعل المرضعة؛ ولهذا لو ارتضع منها وهي نائمة؛ حُسبت رضعة، فإذا قطعت عليه؛ لم يعتد به، كما لو شرع في أكلةٍ واحدة أمره بها الطبيب، فجاء شخص فقطعها عليه، ثم عاد؛ فإنها أكلة واحدة.
وهذا القول أقرب فيما يظهر لي، والله أعلم.
والثاني: أنها رضعة أخرى؛ لأنَّ الرضاع يصح من المرتضع، ومن المرضعة؛ ولهذا لو أَوْجَرَتْه وهو نائم؛ احتُسبت رضعة. (٢)
стр. 4791
مسألة [٦]: هل يثبت التحريم بالسعوط والوجور ؟
السعوط: هو أن يصب اللبن في أنفه من إناءٍ أو غيره.
والوجور: هو أن يصب في حلقه صبًّا من غير الثدي.
• فأما مسألة الوجور، فأكثر العلماء على أنه يحصل به التحريم، وهو قول مالك، وأحمد في المشهور عنه، والشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي، والشافعي.
• وذهب داود الظاهري، وأحمد في رواية إلى عدم التحريم به، وهو اختيار ابن حزم، وعزاه لليث؛ لأنه ليس فيه رضاع، والصحيح القول الأول.
• وأما مسألة السعوط، فكذلك يحصل به التحريم عند أحمد، والشافعي، والشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي.
• وذهب داود الظاهري، وعطاء الخراساني، وأحمد في رواية إلى عدم حصول التحريم به، وهذا أقرب، والله أعلم؛ لأنه لا يدخل إلا شيء يسير جدًّا، وهو اختيار ابن حزم وعزاه لليث وقد قال النبي ﷺ : «إنما الرضاعة من المجاعة». (١)
تنبيه: يُعتبر في التحريم بالوجور أن يكون شربه في خمسة أوقات، فلو أشربه دفعة واحدة؛ فهو رضعة. (٢)
стр. 4792
مسألة [٧]: إن جمد اللبن إلى جبن ؟
• يثبت به التحريم في مذهب أحمد، والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يحرم؛ لزوال الاسم، وهو قول بعض الحنابلة، والأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: إن شيب اللبن بغيره ؟
• من أهل العلم من يقول: لا يزال على ثبوت الحرمة. وهو قول أحمد في رواية، والشافعي في قول، وسواء شيب بطعام، أو شراب.
• واختار بعض الحنابلة، والشافعية، وهو قول أبي ثور، والمزني أنَّ الحكم للأغلب؛ لأنه إذا غلب غير اللبن على اللبن، فقد زال الاسم والمعنى.
ووجهُ القول الأول أنَّ اللبن متى كان ظاهرًا فقد حصل شربه، ويحصل منه إنبات اللحم، وإنشاز العظم.
قال ابن قدامة ﵀: وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ صِفَاتُ اللَّبَنِ بَاقِيَةً، فَأَمَّا إنْ صُبَّ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ؛ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَبَنٍ مَشُوبٍ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغَذِّي، وَلَا إنْبَاتُ اللَّحْمِ، وَلَا إنْشَازُ الْعَظْمِ.
قال: وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّ التَّحْرِيمَ يَثْبُتُ بِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ اللَّبَنِ حَصَلَتْ فِي بَطْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَوْنُهُ ظَاهِرًا. وَلَنَا أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَضَاعِ، وَلَا
стр. 4793
فِي مَعْنَاهُ؛ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُهُ فِيهِ. اهـ (١)
تنبيه: إذا جمع للطفل لبن امرأتين في إناء فشرب منه، وفعل به ذلك خمس مرات؛ صارت كل واحدة منهما أمًّا له من الرضاعة. (٢)
مسألة [٩]: لبن الميتة هل يحرم ؟
• جماعة من أهل العلم على أنَّ المرأة إذا ماتت وفي ثديها لبن، فارتضعه طفل؛ فإنَّ ذلك يحرم، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور، والأوزاعي، وابن القاسم، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وابن حزم وغيرهم؛ لأنه لبن طاهر، ووجد الارتضاع على وجه ينبت اللحم، وينشز العظم، فأثبت التحريم.
• وذهب الشافعي إلى عدم التحريم به؛ لأنَّ الرضاع معنى يوجب تحريمًا مؤبدًا، فلم يتعلق به التحريم بعد الموت، كوطء الشبهة؛ وذلك أنه لو وطئ ميتة بشبهة لم يثبت به تحريم المصاهرة.
والصحيح قول الجمهور، وقياسهم يخالف عموم النصوص، ويخالف المعنى. (٣)
стр. 4794
مسألة [١٠]: هل تنتشر الحرمة بغير لبن الآدمية ؟
عامة أهل العلم على عدم انتشار الحرمة بذلك، فلو ارتضع اثنان من لبن بهيمة؛ لم يصيرا أخوين، ولم يوجد في ذلك إلا خلاف شاذٌّ لا يعرج عليه. (١)
مسألة [١١]: إذا حصل عند امرأة لبن بغير نكاح ؟
• يحصل به الحرمة عند الجمهور، وهو قول مالك، والشافعي، والثوري، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي؛ لأنه لبن امرأة، فيتعلق به التحريم.
• وعن أحمد رواية بعدم حصول التحريم به؛ لأنه نادر لم تجر العادة به لتغذية الأطفال. والصحيح القول الأول. (٢)
مسألة [١٢]: هل يشترط في التحريم بالرضاع أن يكون في الحولين ؟
• اشترط ذلك أكثر أهل العلم، وهذا القول صحَّ عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر ﵃، وسائر أزواج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ إلا عائشة، وهو قول الشعبي، وابن شبرمة، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، ومالك في رواية.
• ورُوي عن مالك: إنْ زاد شهرًا؛ جاز. ورُوي: شهرين، وقال بعض المالكية: يغتفر نصف سنة زيادة.
стр. 4795
• وقال أبو حنيفة: يحرم الرضاع في ثلاثين شهرًا؛ لقوله سبحانه ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]، قال: ولم يرد بالحمل حمل الأحشاء؛ لأنه يكون سنتين، فعُلِم أنه أراد الحمل في الفصال.
• وقال زفر: مدة الرضاع ثلاث سنين.
• وقال عطاء، والليث، وداود: رضاع الكبير يحرم كما يحرم رضاع الصغير. واستدلوا بحديث سهلة بنت سهيل الذي في الباب، وهو قول عائشة ﵂.
واستدل الجمهور على قولهم بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فجعل تمام الرضاعة حولين؛ فدل على أنه لا حكم لها بعدهما.
واستدلوا بحديث عائشة: «إنما الرضاعة من المجاعة»، وبحديث أم سلمة، وابن مسعود، وابن عباس المذكورة في الباب، وفيها ضعفٌ كما تقدم.
وأما الزيادة على الحولين في مذهب مالك، فإنما قالوا بذلك؛ لأنَّ العادة أنَّ الصبي لا يفطم دفعة واحدة، بل على التدريج، فجعلوا للأيام التي يحاول فيها فطامه حكم الحولين، واختلفوا في تقدير ذلك كما سبق.
وأجاب الجمهور على حديث سالم مولى أبي حذيفة بأنه خاص به، كما جزم بذلك أزواج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غير عائشة كما في «صحيح مسلم».
وتوسط شيخ الإسلام، فقال: خاصٌّ بسالم ومن كان بمثل حاله ممن يحتاج
стр. 4796
إلى ذلك، وتابعه ابن القيم، والشوكاني.
وأما قول أبي حنيفة، فهو ضعيف يخالف ظاهر القرآن؛ فإنَّ المقصود بالآية ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ حمل البطن، وفهم ذلك الصحابة، وأفتوا بأنَّ أقل مدة الحمل ستة أشهر.
وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣]: هل الاعتبار بالعامين، أم بالفطام ؟
• مذهب أحمد، والشافعي وغيرهما، وهو ظاهر أقوال الصحابة أنَّ العبرة بالصغر والحولين، فلو رضع في تلك المدة؛ حرم، وإن كان قد فطم، أو استغنى بالأكل، وهو قول أبي حنيفة.
• ومذهب مالك أنه إن فطم واستغنى بالأكل؛ فلا يحرم الرضاع بعد ذلك، وإن كان في الحولين، وقال به الأوزاعي.
والقول الأول أقرب والله أعلم، وهو ظاهر قول الجمهور، واختار شيخ الإسلام قول مالك، وكذا ابن عثيمين، إلا أنَّ شيخ الإسلام زاد فقال بالتحريم وإن تأخر الفطام عن الحولين. (٢)
стр. 4797
مسألة [١٤]: لبن الرجل هل ينشر الحرمة من قبله ؟
معناه أنَّ المرأة إذا أرضعت طفلًا بلبن ثاب من وطء رجل؛ حرم الطفل على الرجل وأقاربه كما يحرم ولده من النسب؛ لأنَّ اللبن من الرجل كما هو من المرأة، فيصير الطفل ولدًا للرجل، والرجلُ أباه، وأولاد الرجل إخوته، سواء كانوا من تلك المرأة أو من غيرها، وإخوة الرجل وأخواته أعمام الطفل، وعماته، وآباؤه، وأمهاته أجداده وجداته، وهذه المسألة يسميها الفقهاء (لبن الفحل).
• فأكثر أهل العلم على أنَّ لبن الفحل يحرم، والدليل عليه حديث أبي القعيس الذي في الباب. وصحَّ هذا القول عن ابن عباس، وعائشة ﵃، وقال به عطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، والشعبي، والقاسم، وعروة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
قال ابن عبد البر ﵀: وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز، والعراق، والشام، وجماعة أهل الحديث. اهـ
• وذهب بعض الصحابة، والتابعين إلى أنَّ لبن الفحل لا يحرم، جاء ذلك عن ابن الزبير، وزينب بنت أبي سلمة، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وسليمان ابن يسار، والنخعي، وأبي قلابة، وغيرهم، ونقل عن ابن عمر، ورافع بسندين ضعيفين. وقال به داود، وربيعة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي
стр. 4798
أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣]، فقالوا: ذكر الله التحريم بالرضاعة من جهة الأم، ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤].
وأجاب الجمهور بأنَّ الحديث حديث أبي القعيس بيَّن أنَّ الحرمة بالرضاع تنشر من الجهتين: من جهة الأم والأب، فإما أن يكون مبينًا، وإما أن يكون مخصصًا لقوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
قال ابن القيم ﵀ مرجحًا قول الجمهور: وَهَذَا هُوَ الْحَقّ الّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ مَنْ خَالَفَ مِنْ الصّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَسُنّةُ رَسُولِ الله ﷺ أَحَقّ أَنْ تُتّبَعَ، وَيُتْرَكَ مَا خَالَفَهَا لِأَجْلِهَا، وَلَا تُتْرَكُ هِيَ لِأَجْلِ قَوْلِ أَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ. وَلَوْ تُرِكَتْ السّنَنُ لِخِلَافِ مَنْ خَالَفَهَا؛ لِعَدَمِ بُلُوغِهَا لَهُ أَوْ لِتَأْوِيلِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لَتُرِكَ سُنَنٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَتُرِكَتْ الْحُجّةُ إلَى غَيْرِهَا، وَقَوْلُ مَنْ يَجِبُ اتّبَاعُهُ إلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَجِبُ اتّبَاعُهُ، وَقَوْلُ المَعْصُومِ إلَى قَوْلِ غَيْرِ المَعْصُومِ، وَهَذِهِ بَلِيّةٌ نَسْأَلُ اللّهَ الْعَافِيَةَ مِنْهَا وَأَنْ لَا نَلْقَاهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. اهـ (١)
مسألة [١٥]: هل يحرم لبن الزاني ؟
• مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة عدم التحريم به؛ لأنَّ التحريم فرع حرمة الأبوة.
стр. 4799
• وجماعةٌ من الحنابلة، وهو ظاهر ترجيح ابن قدامة أنه ينشر الحرمة كما تنتشر الحرمة بينه وبين الولد.
وهذا القول أصح، والله أعلم. وأما المرضعة فتنتشر الحرمة من قبلها عند أهل العلم. (١)
مسألة [١٦]: إن طلق الرجل زوجته ولها منه لبن، فتزوجت آخر ؟
هذه المسألة لها خمسة أحوال:
الأول: أن يبقى لبن الأول بحاله لم يزد ولم ينقص، ولم تلد من الثاني؛ فهو للأول، سواء حملت من الثاني أو لم تحمل. قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا.
الثاني: أن لا تحمل من الثاني؛ فهو للأول، سواء زاد أم لم يزد، أو انقطع ثم عاد، أو لم ينقطع.
الثالث: أن تلد من الثاني؛ فاللبن له خاصة. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك. وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي، سواء زاد، أو لم يزد، انقطع أو اتصل؛ لأنَّ لبن الأول ينقطع بالولادة من الثاني؛ فإنَّ حاجة المولود إلى اللبن تمنع كونه لغيره.
الرابع: أن يكون لبن الأول باقيًا، وزاد بالحمل من الثاني.
• فمذهب الحنابلة أنَّ اللبن منهما جميعًا.
стр. 4800
• وقال أبو حنيفة: هو للأول؛ ما لم تلد من الثاني. وهذا القول هو الأصح عندي؛ لأن اللبن يخلق بعد الولادة عادة.
• وقال الشافعي: إن لم ينته الحمل إلى حال ينزل منه اللبن؛ فهو للأول، فإذا بلغ إلى حال ينزل به اللبن، فزاد به، ففيه قولان كالسابقين.
• وقال ابن حزم: إن تغير اللبن، ثم اعتدل؛ بطل حكم الأول، وصار للثاني.
الخامس: انقطع اللبن من الأول، ثم رجع اللبن بالحمل من الثاني.
• فقيل: هو منهما. وهو قول بعض الحنابلة، وقول للشافعي بالقيد السابق.
• وقيل: اللبن للثاني. وهو قول بعض الحنابلة منهم: أبو الخطاب، وهو قول للشافعي.
• وقال أبو حنيفة: هو للأول؛ مالم تلد للثاني. وهو قول ثالث للشافعي؛ لأنَّ الحمل لا يقتضي اللبن، وإنما يخلقه الله تعالى للولد عند وجوده، وهو الصحيح عندي، والله أعلم.
• وخالف الشوكاني في الصور كلها، فجعل الحق للثاني في اللبن؛ لأنَّ الأول ليس له حق في المرأة فكذلك لبنها. (١)
مسألة [١٧]: لو تزوج رجل امرأةً كبيرة، وطفلة رضيعة، فأرضعت الكبيرة