إلى ذلك، وتابعه ابن القيم، والشوكاني.
وأما قول أبي حنيفة، فهو ضعيف يخالف ظاهر القرآن؛ فإنَّ المقصود بالآية ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ حمل البطن، وفهم ذلك الصحابة، وأفتوا بأنَّ أقل مدة الحمل ستة أشهر.
وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣]: هل الاعتبار بالعامين، أم بالفطام ؟
• مذهب أحمد، والشافعي وغيرهما، وهو ظاهر أقوال الصحابة أنَّ العبرة بالصغر والحولين، فلو رضع في تلك المدة؛ حرم، وإن كان قد فطم، أو استغنى بالأكل، وهو قول أبي حنيفة.
• ومذهب مالك أنه إن فطم واستغنى بالأكل؛ فلا يحرم الرضاع بعد ذلك، وإن كان في الحولين، وقال به الأوزاعي.
والقول الأول أقرب والله أعلم، وهو ظاهر قول الجمهور، واختار شيخ الإسلام قول مالك، وكذا ابن عثيمين، إلا أنَّ شيخ الإسلام زاد فقال بالتحريم وإن تأخر الفطام عن الحولين. (٢)
стр. 4797
مسألة [١٤]: لبن الرجل هل ينشر الحرمة من قبله ؟
معناه أنَّ المرأة إذا أرضعت طفلًا بلبن ثاب من وطء رجل؛ حرم الطفل على الرجل وأقاربه كما يحرم ولده من النسب؛ لأنَّ اللبن من الرجل كما هو من المرأة، فيصير الطفل ولدًا للرجل، والرجلُ أباه، وأولاد الرجل إخوته، سواء كانوا من تلك المرأة أو من غيرها، وإخوة الرجل وأخواته أعمام الطفل، وعماته، وآباؤه، وأمهاته أجداده وجداته، وهذه المسألة يسميها الفقهاء (لبن الفحل).
• فأكثر أهل العلم على أنَّ لبن الفحل يحرم، والدليل عليه حديث أبي القعيس الذي في الباب. وصحَّ هذا القول عن ابن عباس، وعائشة ﵃، وقال به عطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، والشعبي، والقاسم، وعروة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
قال ابن عبد البر ﵀: وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز، والعراق، والشام، وجماعة أهل الحديث. اهـ
• وذهب بعض الصحابة، والتابعين إلى أنَّ لبن الفحل لا يحرم، جاء ذلك عن ابن الزبير، وزينب بنت أبي سلمة، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وسليمان ابن يسار، والنخعي، وأبي قلابة، وغيرهم، ونقل عن ابن عمر، ورافع بسندين ضعيفين. وقال به داود، وربيعة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي
стр. 4798
أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣]، فقالوا: ذكر الله التحريم بالرضاعة من جهة الأم، ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤].
وأجاب الجمهور بأنَّ الحديث حديث أبي القعيس بيَّن أنَّ الحرمة بالرضاع تنشر من الجهتين: من جهة الأم والأب، فإما أن يكون مبينًا، وإما أن يكون مخصصًا لقوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
قال ابن القيم ﵀ مرجحًا قول الجمهور: وَهَذَا هُوَ الْحَقّ الّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ مَنْ خَالَفَ مِنْ الصّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَسُنّةُ رَسُولِ الله ﷺ أَحَقّ أَنْ تُتّبَعَ، وَيُتْرَكَ مَا خَالَفَهَا لِأَجْلِهَا، وَلَا تُتْرَكُ هِيَ لِأَجْلِ قَوْلِ أَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ. وَلَوْ تُرِكَتْ السّنَنُ لِخِلَافِ مَنْ خَالَفَهَا؛ لِعَدَمِ بُلُوغِهَا لَهُ أَوْ لِتَأْوِيلِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لَتُرِكَ سُنَنٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَتُرِكَتْ الْحُجّةُ إلَى غَيْرِهَا، وَقَوْلُ مَنْ يَجِبُ اتّبَاعُهُ إلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَجِبُ اتّبَاعُهُ، وَقَوْلُ المَعْصُومِ إلَى قَوْلِ غَيْرِ المَعْصُومِ، وَهَذِهِ بَلِيّةٌ نَسْأَلُ اللّهَ الْعَافِيَةَ مِنْهَا وَأَنْ لَا نَلْقَاهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. اهـ (١)
مسألة [١٥]: هل يحرم لبن الزاني ؟
• مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة عدم التحريم به؛ لأنَّ التحريم فرع حرمة الأبوة.
стр. 4799
• وجماعةٌ من الحنابلة، وهو ظاهر ترجيح ابن قدامة أنه ينشر الحرمة كما تنتشر الحرمة بينه وبين الولد.
وهذا القول أصح، والله أعلم. وأما المرضعة فتنتشر الحرمة من قبلها عند أهل العلم. (١)
مسألة [١٦]: إن طلق الرجل زوجته ولها منه لبن، فتزوجت آخر ؟
هذه المسألة لها خمسة أحوال:
الأول: أن يبقى لبن الأول بحاله لم يزد ولم ينقص، ولم تلد من الثاني؛ فهو للأول، سواء حملت من الثاني أو لم تحمل. قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا.
الثاني: أن لا تحمل من الثاني؛ فهو للأول، سواء زاد أم لم يزد، أو انقطع ثم عاد، أو لم ينقطع.
الثالث: أن تلد من الثاني؛ فاللبن له خاصة. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك. وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي، سواء زاد، أو لم يزد، انقطع أو اتصل؛ لأنَّ لبن الأول ينقطع بالولادة من الثاني؛ فإنَّ حاجة المولود إلى اللبن تمنع كونه لغيره.
الرابع: أن يكون لبن الأول باقيًا، وزاد بالحمل من الثاني.
• فمذهب الحنابلة أنَّ اللبن منهما جميعًا.
стр. 4800
• وقال أبو حنيفة: هو للأول؛ ما لم تلد من الثاني. وهذا القول هو الأصح عندي؛ لأن اللبن يخلق بعد الولادة عادة.
• وقال الشافعي: إن لم ينته الحمل إلى حال ينزل منه اللبن؛ فهو للأول، فإذا بلغ إلى حال ينزل به اللبن، فزاد به، ففيه قولان كالسابقين.
• وقال ابن حزم: إن تغير اللبن، ثم اعتدل؛ بطل حكم الأول، وصار للثاني.
الخامس: انقطع اللبن من الأول، ثم رجع اللبن بالحمل من الثاني.
• فقيل: هو منهما. وهو قول بعض الحنابلة، وقول للشافعي بالقيد السابق.
• وقيل: اللبن للثاني. وهو قول بعض الحنابلة منهم: أبو الخطاب، وهو قول للشافعي.
• وقال أبو حنيفة: هو للأول؛ مالم تلد للثاني. وهو قول ثالث للشافعي؛ لأنَّ الحمل لا يقتضي اللبن، وإنما يخلقه الله تعالى للولد عند وجوده، وهو الصحيح عندي، والله أعلم.
• وخالف الشوكاني في الصور كلها، فجعل الحق للثاني في اللبن؛ لأنَّ الأول ليس له حق في المرأة فكذلك لبنها. (١)
مسألة [١٧]: لو تزوج رجل امرأةً كبيرة، وطفلة رضيعة، فأرضعت الكبيرة
стр. 4801
الصغيرة بلبن غيره؟
• قال الأوزاعي: نكاح الكبيرة ثابت، وتنزع منه الصغيرة.
• وخالفه جمهور العلماء، فقالوا: يفسد نكاح الكبيرة، وتحرم على التأبيد؛ لأنها صارت أُمًّا لامرأته الصغيرة، والله عزوجل يقول: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، والأم تحرم بمجرد العقد على الصغيرة، والصغيرة لا تحرم إلا بالدخول بالأم.
واختلفوا: هل ينفسخ نكاح الصغيرة أم هو ثابت؟
• فمذهب أحمد في المشهور عنه أن نكاحه بالصغيرة ثابت؛ لأنَّ العقد عليها صحيح، ولم يطرأ عليه ما يبطله.
• وذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى بطلانه؛ لأنه يكون جمعًا بين الأم وابنتها، ولا يصح ذلك بالإجماع.
وأُجيب: بأنه بمجرد الإرضاع المحرم ينفسخ نكاح الكبرى، ولا يحصل الجمع بينهما.
وقول أحمد الأول أقرب، والله أعلم.
وهذه المسألة فيما إذا كان ذلك قبل الدخول بالكبيرة، وأما إذا كان الإرضاع بعد الدخول بالكبيرة؛ حرمت عليه الاثنتان تأبيدًا، والله أعلم. (١)
стр. 4802
مسألة [١٨]: هل على الزوج نصف المهر للصغيرة، وهل عليه مهر للكبيرة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٢٩): عَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا، وَالْفَسْخُ إذَا جَاءَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَانَ كَطَلَاقِ الزَّوْجِ فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ، وَلَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّ فَسْخَ نِكَاحِهَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا، فَسَقَطَ صَدَاقُهَا، كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
قال: وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ؛ لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِدُخُولِهِ بِهَا اسْتِقْرَارًا لَا يُسْقِطُهُ شَيْءٌ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِرِدَّتِهَا وَلَا بِغَيْرِهَا. اهـ
وقال ﵀ في (١١/ ٣٣٣): وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي أَنَّهَا إذَا أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ إنْ كَانَ أَدَّاهُ إلَيْهَا، وَلَا فِي أَنَّهَا إذَا أَفْسَدَتْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنَّهُ يَسْقُطُ صَدَاقُهَا، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا أَعْطَاهَا. اهـ
قلتُ: الصحيح أنه يرجع على امرأته الكبرى بالمهر؛ لأنها هي التي أفسدت نفسها عليه، وهو قول بعض الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ﵀، كما في «الإنصاف» (٩/ ٣٥٦، ٣٥٧). (١)
مسألة [١٩]: هل يرجع على الكبيرة بما يدفعه إلى الصغيرة ؟
• مذهب أحمد، والشافعي أنه يرجع عليها بما لزمه من صداق الصغيرة.
стр. 4803
• وقال بعض الشافعية: يرجع عليها بجميع الصداق.
• وقال أصحاب الرأي: إن أرادت الفساد؛ رجع عليها، وإلا فلا.
• وقال مالك: لا يرجع عليها بشيء.
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
تنبيه: عليه نصف المهر المسمَّى في مذهب أحمد، وأبي حنيفة، وغيرهما، وهو الصحيح، وخالف الشافعي، فقال: لها نصف مهر المثل.
قاعدة: كل امرأة تحرم ابنتها على رجلٍ كأمه، وأخته، وجدته، وربيبته إذا أرضعت زوجة هذا الرجل الصغيرة رضعة محرمة أفسدت نكاحه وحرمتها عليه. ويلزمها عندهم -أعني الحنابلة والشافعية- نصف الصداق. (٢)
مسألة [٢٠]: لو تزوج بكبيرة وصغيرتين، ثم أرضعت الكبيرة الصغيرتين ؟
لو تزوج بكبيرة وصغيرتين، فأرضعت الكبيرة الصغيرتين؛ حرمت عليه الكبيرة؛ لأنها صارت من أمهات النساء، وكذلك ينفسخ نكاح الصغيرتين؛ لأنهما صارتا أُختين، واجتمعتا في الزوجية، فينفسخ نكاحهما كما لو ارتضعتا معًا، ولا مهر للكبيرة؛ لأنَّ الفساد جاء من قِبلِها، ويرجع عليها بنصف صداق الصغيرتين؛ لأنها أفسدت نكاحهما، وله أن ينكح من شاء منهما؛ لأنَّ انفساخ نكاحهما للجمع، ولا يوجب تحريمًا مؤبدًا.
стр. 4804
وهذا فيما إذا كان إرضاع الكبيرة قبل الدخول بها، وأما إذا أرضعت بعد الدخول بها؛ فإنها تحرم وتحرم الصغيرتان على التأبيد؛ لأنهما ربيبتان قد دخل بأمهما. (١)
مسألة [٢١]: إن أرضعت الصغيرتين أجنبيةٌ ؟
• ينفسخ نكاحهما أيضًا، وهو مذهب الحنابلة، والحنفية، وأحد قولي الشافعي، واختاره المزني.
• وقال الشافعي في قولٍ له: ينفسخ نكاح الأخرى وحدها.
وأُجيب بأنه جامع بين الأختين في النكاح، فانفسخ نكاحهما كما لو أرضعتهما معًا، وفارق ما لو عقد على واحدة بعد الأخرى؛ فإنَّ عقد الثانية لم يصح، فلم يصر به جامعًا بينهما، وههنا حصل الجمع برضاع الثانية، ولا يمكن القول بأنه لم يصح، فحصلتا معًا في نكاحه، وهما أختان لا محالة. (٢)
مسألة [٢٢]: إذا شهدت امرأة على الرضاع، هل يقبل قولها ؟
• من أهل العلم من لا يقبل إلا شهادة امرأتين، وهو قول الحكم، ومالك، وأحمد في رواية؛ لاحتمال أن تنسى، أو تخطئ، أو نحو ذلك.
• ومنهم من يقول: يشترط أربع نسوة. وهو قول عطاء، وقتادة، والشافعي؛ لحديث: «شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل».
стр. 4805
• ومنهم من يقول: شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين. وهو قول الحنفية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
• ومنهم من يقول: يقبل قول الواحدة وتستحلف. وهو قول إسحاق، وأحمد في رواية.
• ومنهم من يقول: يقبل قول الواحدة إن كانت مرضية ثقة. وهو قول أحمد في الأشهر عنه، وقال به طاوس، والزهري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب وآخرون، واختاره ابن القيم، والشوكاني.
وهو الصحيح؛ لحديث عقبة الذي في الباب، والله أعلم. وهو اختيار شيخ الإسلام. (١)
مسألة [٢٣]: إذا أقر الرجل أنَّ زوجته أخته من الرضاعة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٤٣ - ٣٤٤): إذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ أَنَّ زَوْجَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ؛ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا قَالَ: وَهَمْتُ، أَوْ أَخْطَأتُ. قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ، وَلَوْ جَحَدَ النِّكَاحَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ؛ قُبِلَ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
قال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ رَجَعَ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّ أَمَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ النَّسَبِ، وَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ غَيْرُ
стр. 4806
مُسَلَّمٍ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْحُكْمِ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، فَيَنْبَنِي ذَلِكَ عَلَى عِلْمِهِ بِصِدْقِهِ؛ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ؛ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِهِ؛ فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ، وَقَوْلُهُ كَذِبٌ لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرِّمَ حَقِيقَةُ الرَّضَاعِ، لَا الْقَوْلُ. وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ؛ لَمْ تَزُلْ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ.
قال: فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَلَا شَيْءَ لَهَا؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ مِنْ أَصْلِهِ لَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ مَهْرٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةِ، وَإِنْ أَكْذَبَتْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهَا فِي إسْقَاطِ حُقُوقِهَا؛ فَلَزِمَهُ إقْرَارُهُ فِيمَا هُوَ حَقٌّ لَهُ، وَهُوَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ، وَفَسْخُ نِكَاحِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ المَهْرِ. اهـ
فرع: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٤٤): وَإِنْ قَالَ: هِيَ عَمَّتِي، أَوْ خَالَتِي، أَوْ ابْنَةُ أَخِي، أَوْ أُخْتِي، أَوْ أُمِّيِّ مِنْ الرَّضَاعِ. وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ؛ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ: هِيَ أُخْتِي. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِأَصْغَرِ مِنْهُ أَوْ لِمِثْلِهِ: هَذِهِ أُمِّيِّ. أَوْ لِأَكْبَرِ مِنْهُ أَوْ لِمِثْلِهِ: هَذِهِ ابْنَتِي. لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا تَحَقَّقَ كَذِبُهُ فِيهِ. انتهى.
مسألة [٢٤]: إن كانت المرأة هي التي قالت: هو أخي من الرضاعة ؟
إذا أقرَّت المرأة أنَّ زوجها أخوها من الرضاعة، فأكذبها؛ لم يقبل قولها في فسخ النكاح؛ لأنه حق عليها؛ فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها؛ لأنها تقر بأنها لا تستحقه؛ فإن كانت قد قبضته؛ لم يكن للزوج أخذه؛ لأنه يقر بأنه حق عليه.
стр. 4807
وإن كان بعد الدخول، فأقرت أنها كانت عالمة بأنها أخته، وبتحريمها عليه، ومطاوعة له في الوطء؛ فلا مهر لها أيضًا؛ لإقرارها بأنها زانية مطاوعة، وإن أنكرت شيئًا من ذلك؛ فلها المهر؛ لأنه وطء بشبهة، وهي زوجته في ظاهر الحكم؛ لأنَّ قولها عليه غير مقبول.
فأمَّا فيما بينها وبين الله تعالى؛ فإن علمت صحة ما أقرت به؛ لم يحل لها مساكنته، وتمكينه من وطئها، وعليها أن تفر منه، وتفتدي نفسها بما أمكنها؛ لأنَّ وطأه لها زنى، فعليها التخلص منه مهما أمكنها، كما قلنا في التي علمت أنَّ زوجها طلقها ثلاثًا، وجحدها ذلك.
وينبغي أن يكون الواجب لها من المهر بعد الدخول أقل الأمرين من المسمى، ومهر المثل؛ لأنه إن كان المسمى أقل؛ فلا يقبل قولها في وجوب زائد عليه، وإن كان الأقل مهر المثل؛ لم تستحق أكثر منه؛ لاعترافها بأنَّ استحقاقها له بوطئها لا بالعقد؛ فلا تستحق أكثر منه. (١)
مسألة [٢٥]: استشراف المرضعة .
استحب أهل العلم أن يتخير المرضعة الصالحة، الشريفة، العاقلة، وكرهوا استرضاع الفاسقة، والحمقاء، وهي ضعيفة العقل، وسيئة التصرف. (٢)
стр. 4808
مسألة [٢٦]: المحرمات بسبب الرضاع .
في «الصحيحين» وغيرهما أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»؛ وبناء على هذا الحديث فمن رضع من امرأة رضاعة محرمة؛ أصبح كولدها من النسب، فيحرم على هذا الرضيع جميع محارم مرضعته، ولا يحرم على المرضعة إلا هذا الولد وما تناسل منه، ولا يحرم على المرضعة أقارب هذا الولد غير نسله، وكذلك محارم الرجل صاحب اللبن يصيرون محارم للرضيع، وأقارب له، ولا يحرم عليهم وعلى الأب إلا الرضيع ونسله.
وقد ثبت عن ابن مسعود، وعائشة، وابن عباس ﵃ الفتوى بما تضمنه حديث: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» كما في الأوسط لابن المنذر (٨/ ٥٤٧).
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ٥٥٦ - ): فَانْتَشَرَتْ الْحُرْمَةُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الثّلَاثِ، فَأَوْلَادُ الطّفْلِ وَإِنْ نَزَلُوا أَوْلَادُ وَلَدِهِمَا، وَأَوْلَادُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُرْضِعَةِ وَالزّوْجِ مِنْ الْآخَرِ وَمِنْ غَيْرِهِ إخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ مِنْ الْجِهَاتِ الثّلَاثِ. فَأَوْلَادُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ إخْوَتُهُ، وَأَخَوَاتُهُ لِأَبِيهِ وَأُمّهِ وَأَوْلَادُ الزّوْجِ مِنْ غَيْرِهَا إخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ مِنْ أَبِيهِ، وَأَوْلَادُ الْمُرْضِعَةِ مَنْ غَيْرِهِ إخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ لِأُمّهِ، وَصَارَ آبَاؤُهَا أَجْدَادَهُ وَجَدّاتِهِ، وَصَارَ إخْوَةُ الْمَرْأَةِ وَأَخَوَاتُهَا أَخْوَالَهُ وَخَالَاتِهِ، وَإِخْوَةُ صَاحِبِ اللّبَنِ وَأَخَوَاتُه أَعْمَامَهُ وَعَمّاتَهُ، فَحُرْمَةُ الرّضَاعِ تَنْتَشِرُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الثّلَاثِ فَقَطْ.
стр. 4809
قال: وَلَا يَتَعَدّى التّحْرِيمُ إلَى غَيْرِ الْمُرْتَضِعِ مِمّنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ، فَيُبَاحُ لِأَخِيهِ نِكَاحُ مَنْ أَرْضَعَتْ أَخَاهُ، وَبَنَاتِهَا، وَأُمّهَاتِهَا، وَيُبَاحُ لِأُخْتِهِ نِكَاحُ صَاحِبِ اللّبَنِ، وَأَبَاهُ وَبَنِيهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْتَشِرُ إلَى مَنْ فَوْقَهُ مِنْ آبَائِهِ وَأُمّهَاتِهِ، وَمَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَعْمَامِهِ، وَعَمّاتِهِ، وَأَخْوَالِهِ، وَخَالَاتِهِ؛ فَلِأَبِي الْمُرْتَضِعِ مِنْ النّسَبِ وَأَجْدَادِهِ أَنْ يَنْكِحُوا أُمّ الطّفْلِ مِنْ الرّضَاعِ، وَأُمّهَاتِهَا، وَأَخَوَاتِهَا، وَبَنَاتِهَا، وَأَنْ يَنْكِحُوا أُمّهَاتِ صَاحِبِ اللّبَنِ، وَأَخَوَاتِهِ وَبَنَاتِهِ؛ إذْ نَظِيرُ هَذَا مِنْ النّسَبِ حَلَالٌ؛ فَلِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ أَنْ يَتَزَوّجَ أُخْتَ أَخِيهِ مِنْ الْأُمّ، وَلِلْأَخِ مِنْ الْأُمّ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَ أَخِيهِ مِنْ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ يَنْكِحُ الرّجُلُ أُمّ ابْنِهِ مِنْ النّسَبِ وَأُخْتَهَا، وَأَمّا أُمّهَا وَبِنْتُهَا فَإِنّمَا حَرُمَتَا بِالْمُصَاهَرَةِ. اهـ
وقد لخَّص بعضهم ما تقدم ذكره ببيتين، فقال:
أقارب ذي الرضاعة بانتساب ... أجانب مرضع إلا بنيه
ومرضعة أقاربها جميعًا ... أقاربه ولا تخصيص فيه
وقوله: (إلا بنيه) مراده أولاده من البنين، والبنات، وما تناسل من صلبه، وهذا الذي تقدم ذكره متفق عليه بين الأئمة. (١)
مسألة [٢٧]: الجمع بين الأختين من الرضاعة، وبين المرأة وخالتها أو عمتها من الرضاعة ؟
• عامة أهل العلم على تحريم ذلك؛ لأنَّ ذلك يحرم بين الأختين من النسب، وبين المرأة وخالتها، أو عمتها من النسب؛ فيحرم من الرضاعة؛ لحديث: «يحرم
стр. 4810
من الرضاع ما يحرم من النسب».
• ومال ابن القيم ﵀ إلى عدم التحريم في «زاد المعاد»؛ لأنَّ التحريم بسبب الجمع لا بسبب النسب. وقال شيخ الإسلام: إن كان أحدٌ قد قال بعدم التحريم؛ فهو أقوى.
والصحيح قول الجمهور، والله أعلم، ولا نعلم أحدًا سبق شيخ الإسلام، وابن القيم إلى القول بذلك. (١)
مسألة [٢٨]: أم الزوجة من الرضاعة وابنتها كذلك من الرضاعة، وزوجة الأب من الرضاعة، وزوجة الابن كذلك .
• عامة أهل العلم على التحريم؛ للحديث السابق: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، ولعموم الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء:٢٢]، وقوله ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، وقوله ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
وهذا ترجيح الإمام ابن باز، والشيخ صالح الفوزان في آخرين من أعضاء اللجنة الدائمة (٢١/ ١٠٣).
• وذهب شيخ الإسلام، وابن القيم إلى عدم التحريم؛ لأنَّ في الحديث: «ما يحرم من النسب».
стр. 4811
والنسب غير الصهر، قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان:٥٤]، والمحرمات المذكورة في الآية حرمت بسبب الصهر لا بسبب النسب.
ونفى ابن القيم الإجماع في مسألة زوجة الأب من الرضاعة بأنَّ هناك طائفة من السلف لا يرون تحريم لبن الفحل، فهم لا يرون الرجل محرمًا؛ فضلًا عن زوجته.
ونفى الإجماع على بنت المرأة من الرضاعة بأنَّ الخلاف موجود في بنت المرأة من النسب إن لم تكن في حجرها، فكيف إذا كانت ابنتها من الرضاعة فحسب.
وبأنَّ الله قيد في زوجة الولد فقال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، وأجاب الجمهور بأنَّ ذلك لإخراج ابن التَّبَنِّي.
قلتُ: أما الإجماع فلا يصح؛ فالخلاف ثابت، ولكن الصحيح هو التحريم؛ للحديث المتقدم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
وقولهم: (حرمت بسبب الصهر) يُجاب عنه أنَّ الحرمة حصلت بسبب الصهر مع النسب، فتأمل ذلك. (١)
فائدة: قال في «الإنصاف» (٩/ ٣٤٩): لو أكرهت على الرضاع؛ ثبت حكمه. ذكره القاضي في «الجامع» محل وفاق.
١١٤٩ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّك»، قُلْت: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّك»، قُلْت: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّك»، قُلْت: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أَبَاك، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: النفقة على الزوجات .
يجب على الرجل أن ينفق على زوجته، دلَّ على ذلك القرآن والسنة، ووقع الإجماع على ذلك.
فمن القرآن: قول الله عزوجل: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧].
ومن السنة: حديث عائشة، وجابر، ومعاوية بن حيدة ﵃، وغيرها من الأحاديث التي في الباب.
ونقل ابن المنذر وغيره الإجماعَ على وجوب ذلك على الأزواج إذا كانوا بالغين، إلا لمن كانت ناشزًا. (٢)
стр. 4817
مسألة [٢]: هل الاعتبار في النفقة بحالة الزوج أم الزوجة ؟
• مذهب مالك، وأبي حنيفة أنَّ الاعتبار بحال المرأة على قدر كفايتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
• ومذهب الشافعي ﵀ أنَّ الاعتبار بحال الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٧].
• ومذهب الحنابلة أنه يعتبر حالهما معًا؛ فإن كانا موسرين؛ فينفق عليها نفقة الموسرين، وإن كانا معسرين؛ فينفق عليها نفقة المعسرين، وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا؛ فعليه نفقة المتوسطين.
والأظهر -والله أعلم- هو قول الشافعي ﵀، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: ما هو المقدار الذي يلزمه لزوجته ؟
• أكثر أهل العلم على عدم التقدير في ذلك، بل يقولون: يلزمه ما يكفيها بالمعروف. وهذا قول مالك، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك»، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن
стр. 4818
بالمعروف»، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣].
• وذهب الشافعي إلى التحديد بِمُدٍّ على الْمُقِلِّ، ومُدَّين على الموسر؛ قياسًا على الكفارات.
• وقيد بعض الحنابلة الواجب برطلين من الخبز كل يوم.
والصحيح القول الأول، وهو ترجيح شيخ الإسلام وغيره. (١)
مسألة [٤]: ما تحتاجه المرأة من المشط، والدهان، والسدر، والصابون لشعرها وجسدها .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٥٣): وَيَجِبُ لِلْمَرْأَةِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمُشْطِ، وَالدُّهْنِ لِرَأْسِهَا، وَالسِّدْرِ، أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا تَغْسِلُ بِهِ رَأْسَهَا، وَمَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ، فَكَانَ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ كَنْسَ الدَّارِ وَتَنْظِيفَهَا. فَأَمَّا الْخِضَابُ؛ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الزَّوْجُ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلزِّينَةِ، وَإِنْ طَلَبَهُ مِنْهَا، فَهُوَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الطِّيبُ، فَمَا يُرَادُ مِنْهُ لِقَطْعِ السُّهُولَةِ، كَدَوَاءِ الْعَرَقِ؛ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّطَيُّبِ، وَمَا يُرَادُ مِنْهُ لِلتَّلَذُّذِ وَالِاسْتِمْتَاعِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَدْعُوهُ إلَيْهِ. اهـ
• وهذا هو مذهب الشافعية أيضًا كما في «البيان» (١١/ ٢٠٧) والمالكية كما في «الفقه المالكي» (٢/ ٦٤٢)، وهو الصحيح.
стр. 4819
بينما قال الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» (٤٦٠): ليس في هذه الأمور دليل يدل على أنها تلزم الزوج، ولا هي مما تدعو إليه الضرورة. اهـ
مسألة [٥]: هل يلزم الزوج شراء الدواء لزوجته المريضة ؟
• أكثر الفقهاء على أنَّ ذلك لا يلزم الزوج؛ لأنه يُراد لإصلاح الجسم، فلا يلزمه، كما لا يلزم المستأجر بناء ما يقع من الدار، وحفظ أصولها، وكذلك أجرة الحجام والفاصد، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، والمالكية، والحنفية.
وقال الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» -معلِّقًا على قول صاحب «متن الأزهار» (عليه كفايتها كسوةً، ونفقةً، وإدامًا، ودواءً) -: وأمَّا إيجاب الدواء فوجهه أنَّ وجوب النفقة عليه هي لحفظ صحتها، والدواء من جملة ما تحفظ به صحتها. انتهى.
قلتُ: ويستدل له أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، والدواء مما يقوم به الرجل عرفًا، وكذلك فإنَّ بعض الأمراض تمنعها من أكل ما ينفق عليها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وذلك مقيد باستطاعته؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، والله أعلم.
وقد رجَّح الإمام ابن باز ﵀ عدم الوجوب، وأنه من باب حسن العشرة، والمعروف. (١)
стр. 4820
مسألة [٦]: كسوة الزوجة .
يجب على الرجل كسوة زوجته بالإجماع؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وتكسوها إذا اكتسيت»، وقبل ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، وليس هناك دليل في تحديد وقت الكسوة، وكيفيتها، فيرجع في تحديد ذلك إلى العرف والحاجة. (١)
مسألة [٧]: هل على الرجل ما تحتاجه المرأة من الفراش، واللحاف ونحوه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٥٥): وَعَلَيْهِ لَهَا مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلنَّوْمِ، مِنْ الْفِرَاشِ، وَاللِّحَافِ، وَالْوِسَادَةِ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ. اهـ (٢)
مسألة [٨]: المسكن للزوجة .
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٥٥): وَيَجِبُ لَهَا مَسْكَنٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦]، فَإِذَا وَجَبَتْ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ، فَلِلَّتِي فِي صُلْبِ النِّكَاحِ أَوْلَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وَمِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَسْكَنٍ؛ وَلِأَنَّهَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْ الْمَسْكَنِ لِلِاسْتِتَارِ عَنْ الْعُيُونِ، وَفِي التَّصَرُّفِ، وَالِاسْتِمْتَاعِ، وَحِفْظِ المَتَاعِ، وَيَكُونُ المَسْكَنُ عَلَى قَدْرِ يَسَارِهِمَا وَإِعْسَارِهِمَا؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى:
стр. 4821
﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾؛ وَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ لَهَا لِمَصْلَحَتِهَا فِي الدَّوَامِ، فَجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ. اهـ
مسألة [٩]: إذا كانت المرأة ممن لا يخدم نفسها؛ لكونها من ذوي الأقدار، أو مريضة ؟
• جمهور العلماء على أنَّ على الرجل أن يُخْدِمها خادمًا، وعليه الأجرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
• وذهب داود إلى أنه لا يجب عليه ذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف».
• وقال مالك، وأبو ثور: إذا احتاجت إلى خادم؛ وجب عليه ذلك. لما تقدم، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: وقت دفع النفقة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٥٨): وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ نَفَقَتِهَا إلَيْهَا فِي صَدْرِ نَهَارِ كُلِّ يَوْمٍ إذَا طَلَعْت الشَّمْسُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْحَاجَةِ؛ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَأْخِيرِهَا؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، فَإِذَا رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِهِ؛ جَازَ، كَالدَّيْنِ. وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَعْجِيلِ نَفَقَةِ عَامٍ أَوْ شَهْرٍ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ تَأْخِيرِهِ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا؛ فَجَازَ مِنْ تَعْجِيلِهِ وَتَأْخِيرِهِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، كَالدَّيْنِ. وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافٌ عَلِمْنَاهُ. اهـ (٢)
стр. 4822
مسألة [١١]: إن قدم لها نفقة عام فماتت، فهل له استرجاع نفقة ما بقي ؟
• أكثر أهل العلم على أنه له استرجاعها؛ لأنه سلم إليها النفقة معجلة عن وقت وجوبها، فإذا لم يحل وقت الوجوب؛ فهي ملكه، وهذا القول هو الصحيح.
• وخالف أبو حنيفة، وأبو يوسف، فقالا: لا يسترجعها؛ لأنها صلة، فلا رجوع فيها كصدقة التطوع.
وأُجيب بأنها واجبة لم يحل وجوبها، وليست بتطوع، والله أعلم. (١)
مسألة [١٢]: المرأة الذمية هل لها ما للزوجة المسلمة من النفقة والكسوة ؟
• قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٦٠): وَالذِّمِّيَّةُ كَالْمُسْلِمَةِ فِي النَّفَقَةِ، وَالْمَسْكَنِ، وَالْكِسْوَةِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ وَالْمَعْنَى. اهـ
مسألة [١٣]: إذا منع الرجل النفقة لعسرته ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ للمرأة أن تصبر، أو تطلب الفراق، وهو قول سعيد ابن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة، وحماد، وأحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وصحَّ عن عمر ﵁ نحوه كما في الباب، ونقل عن علي، وأبي هريرة ﵄.
وحجَّةُ أصحاب هذا القول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة:٢٣١]، وقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]؛ ولأنَّه أُبيح
стр. 4823
للمرأة الفسخ بالعنة، والجب، وهما أقل ضررًا عليها من عدم الإنفاق.
• وقال بعضهم: لا تملك فراقه، ولكن يرفع الرجل يده عنها لتكتسب. وهو قول عطاء، والزهري، وابن شبرمة، وأبي حنيفة.
• وقال الثوري: بلاء بُليت به، فلتصبر.
وقال الإمام ابن عثيمين ﵀: إن مكنها من الاكتساب؛ فلا تملك الفسخ؛ لأنَّ تمكينه لها من ذلك في حكم الإنفاق، وإن لم تمكن من الاكتساب أو لا تستطيع؛ فتملك الفسخ. انتهى بالمعنى.
قال الإمام الشوكاني ﵀ في «السيل» (ص ٤٦٢ - ٤٦٣): وأما استدلال المانعين من الفسخ بقوله سبحانه ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧].
فيُجاب عنه بأنَّا لا نكلفه بأن ينفق زيادة على ما آتاه الله، بل دفعنا الضرار عن المرأة، وخلصناها من حباله لتذهب تطلب لنفسها رزق الله عزوجل بالتكسب، أو بزوجٍ آخر يقوم بمطعمها ومشربها. اهـ
قال أبو عبدالله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور، وأما تمكينها من الاكتساب؛ فإنْ كان ذلك العمل مشروعًا سهلًا ليس فيه مشقة عليها؛ فالظاهر أنها لا تملك الفسخ، وإن كان غير ذلك؛ فلها الفسخ، وبالله التوفيق. (١)
стр. 4824
مسألة [١٤]: هل للحاكم الفسخ بالإعسار من غير إنظار ؟
• مذهب أحمد، والشافعي في قولٍ أنَّ لها المطالبة بالفسخ من غير إنظار، واستدلوا بأثر عمر ﵁ الذي في الكتاب، فليس فيه الإمهال؛ ولأنه معنى يثبت الفسخ، ولم يرد الشرع بالإنظار فيه؛ فوجب أن يثبت الفسخ في الحال كالعيب؛ ولأنَّ سبب الفسخ الإعسار، وقد وُجِد؛ فلا يلزم التأخير.
• وقال حماد بن أبي سليمان: يؤجل سنة؛ قياسًا على العنين.
• وقال عمر بن عبدالعزيز: اضربوا له شهرًا، أو شهرين.
• وقال مالك: الشهر ونحوه.
• وقال الشافعي في القول الآخر: يؤجل ثلاثًا؛ لأنه قريب. (١)
تنبيه: إذا أعسر بما زاد على ما يقوم به البدن؛ فلا فسخ، ولا فسخ إلا فيما إذا أعسر فيما يقوم به البدن. (٢)
مسألة [١٥]: إن أعسر بالكسوة، فهل لها الفسخ ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٦٣): وَإِنْ أَعْسَرَ بِالْكِسْوَةِ؛ فَلَهَا الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَلَا يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَنْهَا، وَلَا يَقُومُ الْبَدَنُ بِدُونِهَا. اهـ (٣)
стр. 4825
مسألة [١٦]: إذا امتنع من الإنفاق مع القدرة عليه ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٦٣): إِنْ قَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ؛ أَخَذَتْ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهَا، وَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ هِنْدًا بِالْأَخْذِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا الْفَسْخَ، وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ؛ رَافَعَتْهُ إلَى الْحَاكِمِ، فَيَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ، وَيُجْبِرُهُ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ؛ فَإِنْ صَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ؛ أَخَذَ الْحَاكِمُ النَّفَقَةَ مِنْ مَالِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا عُرُوضًا أَوْ عَقَارًا؛ بَاعَهَا فِي ذَلِكَ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: النَّفَقَةُ فِي مَالِهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَلَا يَبِيعُ عَرْضًا إلَّا بِتَسْلِيمٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَ مَالِ الْإِنْسَانِ لَا يَنْفُذُ إلَّا بِإِذْنِهِ، أَوْ إذْنِ وَلِيِّهِ، وَلَا وِلَايَةَ عَلَى الرَّشِيدِ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيك»، وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ لَهُ، فَتُؤْخَذُ مِنْهُ النَّفَقَةُ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَلِلْحَاكِمِ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ، بِدَلِيلِ وِلَايَته عَلَى دَرَاهِمِهِ وَدَنَانِيرِهِ. اهـ
مسألة [١٧]: إن كان عليها له دين، وأراد أن يسقط النفقة بمقابله ؟
إن كانت موسرة؛ فله ذلك، وإن كانت معسرة؛ فليس له ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]. (١)
تنبيه: الفسخ للحاكم، وليس للمرأة أن تفسخ بنفسها؛ لأنه فسخ مُخْتَلَف فيه، ولأنَّ جعله لغير الحاكم فتح باب للفساد، ولا يجوز للحاكم الفسخ إلا
стр. 4826
بمطالبة المرأة ذلك؛ لأنَّ الحق لها. (١)
مسألة [١٨]: هل في الفسخ رجعة ؟
• قال مالك: هو تطليقة، وهو أحق بها إن أيسر في عدتها.
• وقال الجمهور: لا رجعة فيه؛ إلا أن يكون الحاكم ألزمه بالطلاق ولم يفسخ؛ فله الرجعة. وهذا قول أحمد، والشافعي، وابن المنذر، وهو الصحيح. (٢)
مسألة [١٩]: إن رضيت بالمقام معه مع عسرته، ثم بدا لها الفسخ ؟
• من أهل العلم من قال: لها الفسخ. وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنَّ وجوب النفقة يتجدد كل يوم، فيتجدد لها الفسخ.
• ومنهم من يقول: ليس لها الفسخ. وهو قول مالك، وأحمد في رواية؛ لأنها رضيت بعيبه، ودخلت في العقد عالمةً به؛ فلم تملك الفسخ.
والصحيح القول الأول. (٣)
مسألة [٢٠]: من ترك الإنفاق مدة ؟
• مذهب الجمهور أنها عليه في ذمته، سواء تركها لعذر، أو لغير عذر؛ لأثر عمر ﵁ الوراد في الباب. وهو قول الحسن، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر.
стр. 4827
• وذهب بعضهم إلى أنها تسقط، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، واستثنوا إن كان الحاكم قد فرضها؛ فلا تسقط.
والصحيح القول الأول. (١)
مسألة [٢١]: إذا أنفقت المرأة من مال زوجها الغائب، ثم بان أنه مات قبل إنفاقها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٦٨): يُحْسَبُ عَلَيْهَا مَا أَنْفَقَتْهُ مِنْ مِيرَاثِهَا، سَوَاءٌ أَنْفَقَتْهُ بِنَفْسِهَا، أَوْ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ؛ لِأَنَّهَا أَنْفَقَتْ مَا لَا تَسْتَحِقُّ. اهـ
مسألة [٢٢]: هل يشترط في الزوجة التي تجب النفقة لها أن تكون كبيرة يمكن وطؤها ؟
• اشترط ذلك الجمهور بحجة أنَّ النفقة تجب مقابل الاستمتاع.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك، وهو قول الثوري، والشافعي في قول، وداود وأصحابه، ومنهم ابن حزم.
وهو ترجيح الشوكاني؛ لأنَّ الصغيرة والمريضة زوجة تشملها أدلة الباب، وهو الصحيح. (٢)
стр. 4828
مسألة [٢٣]: هل يشترط أن تسَّلم لزوجها ؟
• اشترط ذلك الجمهور؛ فلا تجب النفقة عندهم إلا بتسليمها، فلو منعها أهلها، أو امتنعت، أو تساكتا بعد العقد فلم تسلم، ولم يطلب؛ فليس لها النفقة عندهم.
• وذهب الظاهرية إلى وجوب النفقة بمجرد العقد.
قلتُ: قول الجمهور قريب في حالة الامتناع، ثم رأيت جماعة من أهل العلم قد قيدوه بحالة الامتناع، وهم الثوري، ومالك، والشافعي، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٤]: إذا تزوج صغيرة؛ فهل عليه النفقة ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس عليه نفقة، وهو قول بكير بن الأشج، ومالك، وذلك لأنه لا يستمتع بها، وقالوا: النفقة مقابل الاستمتاع.
• وذهب آخرون إلى أن عليه النفقة؛ لأنها زوجته، وهو قول الثوري، والظاهرية.
• وقال آخرون: إذا منعوها منه؛ فليس عليه نفقة، وهو قول الحسن، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وهذا القول هو الصحيح في المسألة، والله أعلم. (٢)
стр. 4829
مسألة [٢٥]: هل يجب على الصغير النفقة ؟
• يجب على وليه أن ينفق على زوجته من ماله؛ فإن لم يكن له مال؛ فللولي أن ينفق عليه من مال نفسه، وله أن لا يفعل ذلك؛ فإن لم ينفق عليها؛ فرَّق الحاكم بينهما، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن وغيرهم، وهو الصحيح.
• وقال مالك، والشافعي في قول: لا يجب عليه النفقة؛ لأنه لا يتمكن من الاستمتاع. والصحيح القول الأول. (١)
مسألة [٢٦]: هل للمرأة الناشز نفقة ؟
• أكثر أهل العلم على أنه ليس لها نفقة، وهو قول الشعبي، وحماد، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ النفقة تجب مقابل تمكينها.
• وذهب الحكم، والظاهرية، والشوكاني إلى أنها تجب لها النفقة؛ لأنَّ وجوب النفقة بسبب الزوجية لا بسبب التمكين، والأدلة الواردة في وجوب الإنفاق علقت ذلك بالزوجية، ولم يخص بها الطائعة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].
قال الشوكاني ﵀: لم يرد في الأدلة ما يدل على أنَّ الزوجة إذا عصت زوجها سقطت نفقتها. اهـ
стр. 4830
قلتُ: الله عزوجل جعل لها النفقة، ولم يسقطها في حال النشوز، بل أباح للرجل الهجر، والضرب، ولم يبح له ترك الإنفاق، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:٣٤]، ولكن إن أدَّى بها نشوزها إلى مفارقة بيته والمكوث عند أهلها؛ فالظاهر أنه لا يلزمه أن يتبعها النفقة، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٧]: المطلقة البائن، أو البائن بفسخ إن كانت حاملاً .
إن كانت حاملًا فلها النفقة، والسكنى بالإجماع، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وفي حديث فاطمة بنت قيس: «لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا».
كذا نقل ابن قدامة الإجماع، وقد خالف الحسن، وعطاء، وسعيد في المختلعة الحامل، وقالوا: لا نفقة لها. والصحيح أن لها النفقة والسكنى؛ للآية المتقدمة. (٢)
مسألة [٢٨]: المعتدة من الوفاة هل لها النفقة من مال الزوج ؟
أما إن كانت حائلًا؛ فلا نفقة لها عند أهل العلم، واختلفوا فيما إذا كانت حاملًا.
• فمنهم من يقول: لها النفقة. وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي، وهو قول
стр. 4831
الثوري، والحسن بن صالح، وحماد، وغيرهم؛ قياسًا على المطلقة كما تقدم. وصح هذا القول عن ابن عمر ﵄، وقال به شُريح، والنخعي، وابن سيرين، وأبو العالية، وخلاس، والشعبي.
• ومنهم من يقول: ليس لها النفقة؛ لأنَّ المال قد صار للورثة. وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وإسحاق، والشافعي في قول، وقال به سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وهو قول ابن عباس، وجابر بن عبدالله. واختاره ابن المنذر.
وهذا القول أقرب، والله أعلم، وهو ترجيح ابن باز ﵀. (١)
مسألة [٢٩]: هل تجب النفقة للحمل أو للحامل بسبب الحمل ؟
• منهم من يقول: تجب للحمل. هو قول أحمد في رواية، وقول للشافعي؛ لأنه تجب بوجوده، وتسقط بانفصاله.
• ومنهم من يقول: تجب للحامل بسبب الحمل. وهو قول أحمد في رواية، وقول للشافعي، وهذا القول أقرب إلى ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
قال ابن قدامة ﵀: وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فُرُوعٌ، مِنْهَا: أَنَّهَا إذَا كَانَتْ المُطَلَّقَةُ الْحَامِلُ أَمَةً؛ فَإِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ. فَنَفَقَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا. وَإِنْ قُلْنَا النَّفَقَة
стр. 4832
لِلْحَامِل. فَالنَّفَقَةُ عَلَى المُطَلق.
قال: وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَقُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ. فَعَلَى الْوَاطِئِ بِشُبْهَةِ النَّفَقَةِ. وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَامِلِ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا. اهـ
وذكر غير ذلك.
وهناك قول ثالث، وهو أنَّ النفقة تجب للحمل، ولها من أجل الحمل؛ لكونها حاملًا بولده. وهذا قول مالك، وأحد القولين في مذهب أحمد، والشافعي، وصححه شيخ الإسلام، وانظر بقية كلامه في «الفتاوى». (١)
مسألة [٣٠]: دفع النفقة إلى المطلقة الحامل يوميًّا .
• وبهذا يقول أحمد، والشافعي في أحد قوليه.
• وقال في القول الآخر: لا يلزمه دفعها إليها حتى تضع؛ لأنَّ الحمل غير متحقق. وهذا خلاف قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. (٢)
مسألة [٣١]: النفقة على المختلعة غير الحامل ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أن لها النفقة والسكنى، وهو قول الشعبي، وأبي العالية، والنخعي، والثوري. ووجه هذا القول قياسها على المطلقة البائن.
стр. 4833
• وقال أصحاب الرأي: للمختلعة النفقة، والسكنى مادامت في العدة، وإن كان الزوج اشترط على المرأة أنه برئ من النفقة والسكنى؛ فهو برئ من النفقة، وأما السكنى فلا؛ لأنها عندهم معصية أن تسكن في غير بيت زوجها حتى تنقضي عدتها.
• وقالت طائفة: ليس لها سكنى، ولا نفقة كذلك قال أبو ثور. وهو قول الزهري، والشعبي، وقتادة. وهذا القول هو الصحيح؛ لأنها صارت امرأة أجنبية.
• وقال آخرون من أهل العلم: لها السكنى، وليس لها النفقة، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد.
• وقال الحسن، وحماد: لا نفقة لها إلا أن يشترط ذلك على زوجها. (١)
مسألة [٣٢]: النفقة على أم الولد ؟
قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٩/ ٥٢٥): كان الحسن البصري يقول: في أم الولد إذا مات عنها سيدها، وهي حامل، قال: إن ولدته حيًّا فنفقتها من نصيبه، وإن ولدته ميتًا؛ فنفقتها من جميع المال. وكان عبد الله بن يعلى قاضي البصرة لا يرى لها نفقة. وحكى أبو عبيد هذا القول عن أهل العراق أنهم قالوا: لا نفقة لها وإن كانت حاملًا. وهذا قول مالك، والشافعي.
وحكي عن سفيان الثوري أنه قال: لها النفقة. وقال أبو عبيد: لها النفقة من جميع المال. اهـ
стр. 4834
قال أبو عبد الله غفر الله له: كأنهم بنوا ذلك على أنها بموته صارت عتيقة، والراجح في هذه المسألة أن أم الولد لا تزال على رقها، وإن مات سيدها، وعليه فالنفقة واجبة على ورثة السيد، والله أعلم.
مسألة [٣٣]: النفقة على الملاعنة ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس لها نفقة، ولا سكنى، وهو قول أبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر.
واستدلوا بحديث ابن عباس عند أبي داود (٢٢٥٦)، وأحمد (١/ ٢٤٥) أن النبي ﷺ قضى أن لا بيت لها، ولا نفقة من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها. وهذا الحديث إسناده ضعيف؛ لضعف عباد بن منصور، راويه عن عكرمة، عن ابن عباس. ولكن يدل على ذلك أنها صارت بائنة منه بينونة كبرى لا تحل له بعد هذا اللعان، فصارت كما قال الإمام أحمد أشد من المطلقة ثلاثًا، يعني: لا نفقة لها ولا سكنى.
• وقال بعض أهل العلم: لها السكنى، وليس لها النفقة، وهذا قول الزهري، ومالك، والشافعي. ووجه قولهم قياسها على المطلقة ثلاثًا في مذهبهم.
• وقال بعض أهل العلم: لها السكنى، والنفقة. هذا قول حماد بن أبي سليمان، وسفيان الثوري. وكذلك قال أصحاب الرأي: إذا لا عنها بغير ولد. (١)
стр. 4835
فَصْلٌ فِي النّفَقَةِ عَلَى الأقَارِبِ
مسألة [١]: النفقة على الوالدين والأولاد .
يجب على الرجل أن ينفق على والديه، وأولاده المحتاجين إن قدر على ذلك، ودلَّ على وجوب ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، فأوجب أجر رضاع الولد على أبيه.
وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فأوجب النفقة والكسوة على المرضعة من أجل الولد؛ فدل على وجوب ذلك للولد.
وقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣].
ومن السنة: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك، ويكفي بنيك»، وحديث: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإنَّ ولده من كسبه».
وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ على المرء النفقة لأولاده الأطفال الذين لا مال لهم. (١)