← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

الثوري، والحسن بن صالح، وحماد، وغيرهم؛ قياسًا على المطلقة كما تقدم. وصح هذا القول عن ابن عمر ﵄، وقال به شُريح، والنخعي، وابن سيرين، وأبو العالية، وخلاس، والشعبي. • ومنهم من يقول: ليس لها النفقة؛ لأنَّ المال قد صار للورثة. وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وإسحاق، والشافعي في قول، وقال به سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وهو قول ابن عباس، وجابر بن عبدالله. واختاره ابن المنذر. وهذا القول أقرب، والله أعلم، وهو ترجيح ابن باز ﵀. (١) مسألة [٢٩]: هل تجب النفقة للحمل أو للحامل بسبب الحمل ؟ • منهم من يقول: تجب للحمل. هو قول أحمد في رواية، وقول للشافعي؛ لأنه تجب بوجوده، وتسقط بانفصاله. • ومنهم من يقول: تجب للحامل بسبب الحمل. وهو قول أحمد في رواية، وقول للشافعي، وهذا القول أقرب إلى ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال ابن قدامة ﵀: وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فُرُوعٌ، مِنْهَا: أَنَّهَا إذَا كَانَتْ المُطَلَّقَةُ الْحَامِلُ أَمَةً؛ فَإِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ. فَنَفَقَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا. وَإِنْ قُلْنَا النَّفَقَة

стр. 4832

لِلْحَامِل. فَالنَّفَقَةُ عَلَى المُطَلق. قال: وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَقُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ. فَعَلَى الْوَاطِئِ بِشُبْهَةِ النَّفَقَةِ. وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَامِلِ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا. اهـ وذكر غير ذلك. وهناك قول ثالث، وهو أنَّ النفقة تجب للحمل، ولها من أجل الحمل؛ لكونها حاملًا بولده. وهذا قول مالك، وأحد القولين في مذهب أحمد، والشافعي، وصححه شيخ الإسلام، وانظر بقية كلامه في «الفتاوى». (١) مسألة [٣٠]: دفع النفقة إلى المطلقة الحامل يوميًّا . • وبهذا يقول أحمد، والشافعي في أحد قوليه. • وقال في القول الآخر: لا يلزمه دفعها إليها حتى تضع؛ لأنَّ الحمل غير متحقق. وهذا خلاف قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. (٢) مسألة [٣١]: النفقة على المختلعة غير الحامل ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أن لها النفقة والسكنى، وهو قول الشعبي، وأبي العالية، والنخعي، والثوري. ووجه هذا القول قياسها على المطلقة البائن.

стр. 4833

• وقال أصحاب الرأي: للمختلعة النفقة، والسكنى مادامت في العدة، وإن كان الزوج اشترط على المرأة أنه برئ من النفقة والسكنى؛ فهو برئ من النفقة، وأما السكنى فلا؛ لأنها عندهم معصية أن تسكن في غير بيت زوجها حتى تنقضي عدتها. • وقالت طائفة: ليس لها سكنى، ولا نفقة كذلك قال أبو ثور. وهو قول الزهري، والشعبي، وقتادة. وهذا القول هو الصحيح؛ لأنها صارت امرأة أجنبية. • وقال آخرون من أهل العلم: لها السكنى، وليس لها النفقة، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد. • وقال الحسن، وحماد: لا نفقة لها إلا أن يشترط ذلك على زوجها. (١) مسألة [٣٢]: النفقة على أم الولد ؟ قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٩/ ٥٢٥): كان الحسن البصري يقول: في أم الولد إذا مات عنها سيدها، وهي حامل، قال: إن ولدته حيًّا فنفقتها من نصيبه، وإن ولدته ميتًا؛ فنفقتها من جميع المال. وكان عبد الله بن يعلى قاضي البصرة لا يرى لها نفقة. وحكى أبو عبيد هذا القول عن أهل العراق أنهم قالوا: لا نفقة لها وإن كانت حاملًا. وهذا قول مالك، والشافعي. وحكي عن سفيان الثوري أنه قال: لها النفقة. وقال أبو عبيد: لها النفقة من جميع المال. اهـ

стр. 4834

قال أبو عبد الله غفر الله له: كأنهم بنوا ذلك على أنها بموته صارت عتيقة، والراجح في هذه المسألة أن أم الولد لا تزال على رقها، وإن مات سيدها، وعليه فالنفقة واجبة على ورثة السيد، والله أعلم. مسألة [٣٣]: النفقة على الملاعنة ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس لها نفقة، ولا سكنى، وهو قول أبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر. واستدلوا بحديث ابن عباس عند أبي داود (٢٢٥٦)، وأحمد (١/ ٢٤٥) أن النبي ﷺ قضى أن لا بيت لها، ولا نفقة من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها. وهذا الحديث إسناده ضعيف؛ لضعف عباد بن منصور، راويه عن عكرمة، عن ابن عباس. ولكن يدل على ذلك أنها صارت بائنة منه بينونة كبرى لا تحل له بعد هذا اللعان، فصارت كما قال الإمام أحمد أشد من المطلقة ثلاثًا، يعني: لا نفقة لها ولا سكنى. • وقال بعض أهل العلم: لها السكنى، وليس لها النفقة، وهذا قول الزهري، ومالك، والشافعي. ووجه قولهم قياسها على المطلقة ثلاثًا في مذهبهم. • وقال بعض أهل العلم: لها السكنى، والنفقة. هذا قول حماد بن أبي سليمان، وسفيان الثوري. وكذلك قال أصحاب الرأي: إذا لا عنها بغير ولد. (١)

стр. 4835

فَصْلٌ فِي النّفَقَةِ عَلَى الأقَارِبِ مسألة [١]: النفقة على الوالدين والأولاد . يجب على الرجل أن ينفق على والديه، وأولاده المحتاجين إن قدر على ذلك، ودلَّ على وجوب ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع. أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، فأوجب أجر رضاع الولد على أبيه. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فأوجب النفقة والكسوة على المرضعة من أجل الولد؛ فدل على وجوب ذلك للولد. وقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]. ومن السنة: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك، ويكفي بنيك»، وحديث: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإنَّ ولده من كسبه». وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ على المرء النفقة لأولاده الأطفال الذين لا مال لهم. (١)

стр. 4836

تنبيه: جاء عن مالك أنه لم يوجب على الرجل أن ينفق على أمه؛ لكونه ليس من عصبتها، وخالفه الجمهور. ولعله أراد إن كان لها عصبة من نسبها، والله أعلم، ودليل الجمهور أنَّ الأدلة دلت على أنَّ حق الأم أعظم من حق الأب. (١) مسألة [٢]: هل تجب النفقة من الأم إن كانت موسرة على ولدها إن كان الأب معسرًا، أو ميتًا ؟ • مذهب الجمهور وجوب ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٣٣]. • وقال مالك: لا يجب عليها؛ لأنه ليس من عصبتها. والصحيح قول الجمهور. • وأكثرهم على أنها لا ترجع بالنفقة على الولد إذا أيسر؛ لأنَّ النفقة واجبة عليها. • وقال أبو يوسف، ومحمد: ترجع عليه. والصحيح قول الجمهور، وهو ترجيح الشوكاني في «السيل». (٢) مسألة [٣]: هل تجب النفقة على الأجداد وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا ؟ • أكثرهم على الوجوب، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنهم يدخلون في مطلق اسم الولد والوالد كما دلت الأدلة على ذلك.

стр. 4837

• وقال مالك: لا تجب النفقة عليهم ولا لهم؛ لأنَّ الجد ليس بأب حقيقي. والصحيح قول الجمهور. (١) مسألة [٤]: شروط وجوب الإنفاق على الأقارب . الأول: أن يكون المنفق عليه فقيرًا لا مال له، ولا كسب يستغني به عن الإنفاق؛ لأنها تجب لهم على سبيل المواساة، والغني ليس بحاجة إلى المواساة، ولأنه لو وجب؛ لوجب في كثير من الصور أن ينفق كل واحد منهما على الآخر، ولا يصح هذا. الثاني: أن يكون المنفق له فضل عن نفقة نفسه إما من ماله، أو من كسبه؛ لحديث جابر ﵁ في «صحيح مسلم» (٩٩٧)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها؛ فإن فضل شيء فلأهلك؛ فإن فضل شيء فلذي قرابتك؛ فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا، وهكذا». الثالث: أن يكون المنفق وارثًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. (٢) مسألة [٥]: إن كان هنالك مانع من الإرث ؟ إن كان المانع من الإرث هو الرق؛ فلا نفقة لأحدهما على صاحبه بغير خلاف؛ لأنه لا ولاية بينهما، ولا إرث، ولأنَّ العبد لا مال له؛ فتجب عليه النفقة، وكسبه لسيده، ونفقته على سيده، فيستغني بها عن نفقة غيره.

стр. 4838

• وأما إن كان المانع من الإرث هو اختلاف الدين؛ فلا نفقة للآخر على صاحبه؛ لاختلاف الدين، والله عزوجل قيد ذلك بالوارث ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وهو مذهب الحنابلة. • وذهب الشافعي، وبعض الحنابلة إلى أنَّ النفقة تجب في عَمُودَي النسب؛ لأنها واجبة مع اتفاق الدين، فتجب مع اختلافه كنفقة الزوجة والمملوك؛ ولأنه يعتق على قريبه، فوجب عليه الإنفاق كما لو اتفق دينهما. والصحيح القول الأول؛ للآية، وقياسهم المذكور لا عبرة به؛ لوجود الفارق، والله أعلم. وهذا هو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٦]: وإن كان المانع من الإرث كونه محجوبًا ؟ • إن كان الحاجب له موسرًا؛ فالنفقة عليه؛ لأنه أقرب إلى الميت، وإن كان معسرًا؛ فإن كان من عمودي النسب فعليه النفقة أيضًا وهو قول أحمد، والشافعي. • وإن كان من غير عمودي النسب ففيه وجهان لأصحاب أحمد، والشافعي. (٢) مسألة [٧]: النفقة على ذوي الأرحام غير الوارثين . • إن كان من عمودي النسب؛ فيجب النفقة عليه عند الحنابلة، والشافعية. • وإن لم يكن من عمودي النسب؛ فلا تجب عند الشافعي، وأكثر الحنابلة.

стр. 4839

• وقال بعض الحنابلة: تجب عند عدم العصبات، وذوي الفروض. وهذا أقرب؛ لأن الله تعالى أوجبها على الوارث ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وذووا الأرحام يرثون عند عدم وجود صاحب فرض وتعصيب، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: هل يشترط في النفقة على الوالد والولد أن يكون ناقصًا في الحكم، أو الخلقة ؟ الناقص في الحكم هو المجنون، والصغير، والناقص في الخلقة كالأعرج، والأعمى وغيرهما. • مذهب الحنابلة عدم اشتراط ذلك، وبه قال أبو حنيفة في الوالد، والشافعي في قول؛ لعموم حديث: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». • وقال الشافعي، وأبو حنيفة: يشترط ذلك في الولد. والصحيح القول الأول، والله أعلم. (٢) مسألة [٩]: من كان له أب من أهل الإنفاق لم تجب النفقة على غيره ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٣٧٨): وَمَنْ كَانَ لَهُ أَبٌ مِنْ أَهْلِ الْإِنْفَاقِ؛ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلَى سِوَاهُ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وَقَالَ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 4840

لِهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ»، فَجَعَلَ النَّفَقَةَ عَلَى أَبِيهِمْ دُونَهَا، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ، إلَّا أَنَّ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ لِلْفَقِيرِ أَبٌ وَابْنٌ مُوسِرَانِ، وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَب وَحْدَهُ. وَالثَّانِي: عَلَيْهِمَا جَمِيعًا؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقُرْب. وَلَنَا أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا؛ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ النَّصِّ، وَتَرْكُ مَا عَدَاهُ. اهـ مسألة [١٠]: هل يلزم الرجل إعفاف أبيه بتزويجه ؟ • مذهب أحمد، والشافعي في الظاهر أنه يلزمه إذا احتاج إلى النكاح؛ لأنه يستضر بفقد ذلك، فأشبه النفقة. • وللشافعية وجهٌ أنه لا يجب إعفاف الأب الصحيح. • وقال أبو حنيفة: لا يلزم الرجل إعفاف أبيه، سواء وجبت نفقته، أو لم تجب؛ لأنَّ هذا من باب التلذذ كالحلوى. قلتُ: والصحيح هو القول الأول. (١) مسألة [١١]: هل على الأب إعفاف ولده ؟ • مذهب الحنابلة وجوب ذلك؛ لما تقدم، وهو قول بعض الشافعية، وأفتى بذلك الإمام ابن باز، وقال بعض الشافعية: لا يجب. (٢)

стр. 4841

مسألة [١٢]: النفقة على الأقارب الوارثين . • أوجبها كثيرٌ من أهل العلم، وهو قول الحسن، ومجاهد، والنخعي، وقتادة، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وأبي ثور، وأحمد، وهو الأشهر عند أصحابه؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فأوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم عطف الوارث عليه فأوجب على الوارث مثل ما أوجب على الوالد. واستدلوا بحديث الباب: «أمك وأباك، وأختك وأخاك». • وذهب بعضهم إلى أنَّ النفقة على العصبة، وهو قول الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في رواية. واستدلوا على ذلك بأنه نقل عن عمر ﵁ ذلك، وقياسًا على العقل، وأثر عمر أخرجه سعيد بن منصور (٢/ ١١٣)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٧٨)، وفي إسناده عنعنة ابن جريج، بل يرويه عن عمرو بن شعيب، ولم يسمع منه كما قال البخاري؛ فالأثر ضعيف. • وقال أبو حنيفة وأصحابه: تجب النفقة على كل ذي رحم مَحْرَم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٥/الأحزاب:٦]. • وقال مالك، والشافعي، وابن المنذر: لا نفقة إلا على الوالدين والمولودين؛ لحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، ففي آخره: «أنت أعلم به»، ولم يأمره

стр. 4842

بالنفقة على ذوي الأقارب. وحجة أبي حنيفة عليه لا له، ويرد على مالك، والشافعي حديث معاوية بن حيدة المذكور في الباب، والآية. والصحيح القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن باز. (١) تنبيه: إذا اجتمع أكثر من وراث، وليس أحدهما محجوبًا بالآخر؛ فالنفقة عليهم بقدر إرثهم، هذا قول الحنابلة وغيرهم، وهو الصحيح، وللشافعية والحنفية خلافات في بعض الصور، والله أعلم. «المغني» (١١/ ٣٨٣ - ٣٨٥). مسألة [١٣]: هل على المعتِق نفقة معتَقه ؟ • إذا توفرت الشروط السابقة؛ وجب عليه النفقة، وهو قول الحنابلة، وخالف مالك، والشافعي، وأبو حنيفة؛ بناء على أصولهم في المسألة السابقة، والصحيح قول الحنابلة. مسألة [١٤]: على من تجب نفقة المملوك ؟ نفقة المملوك على مالكه بالسنة والإجماع، أما من السنة فحديث الباب: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ»، وحديث أبي ذر في «الصحيحين»: «فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَه؛ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُل، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَس .. ». وأجمع العلماء على ذلك، والواجب من ذلك قدر كفايته بالمعروف، وكذا الكسوة. «المغني» (١١/ ٤٣٤ - ٤٣٥).

стр. 4843

مسألة [١٥]: الأمة إذا زوجت، فعلى من نفقتها ؟ • تجب نفقتها على زوجها إذا كان حرًّا بالاتفاق، وإن كان عبدًا عند الجمهور، وحُكي عن مالك أنه لم يوجب النفقة عليه؛ لأنه ليس من أهلها. (١) مسألة [١٦]: وهل هي على العبد في كسبه، أم على السيد، أم في رقبته ؟ • قال بالأول الشافعي، وبعض الحنابلة. • والثاني هو الأشهر عند الحنابلة. • والثالث قول أصحاب الرأي، وبعض الحنابلة. والصحيح أنَّ السيد مخير بين أن يجعل العبد ينفق من كسبه، وبين أن يأخذ الكسب وينفق بنفسه، وإن لم يكن للعبد كسب؛ فهي على السيد، فقول الحنابلة أنها على السيد هو الراجح، والله أعلم. (٢) مسألة [١٧]: إذا حصل للعبد ولد من الأمة؛ فعلى من نفقته ؟ نفقته على سيد الأمة؛ لأنه رقيق له. (٣) مسألة [١٨]: المبعض كيف نفقته ؟ • على سيده بقدر عبوديته من النفقة، وهو قول الحنابلة، والمزني.

стр. 4844

• وقال الشافعي: على سيده النفقة؛ لأنَّ المبعض عنده كالقن الخالص العبودية. والصحيح القول الأول. (١) مسألة [١٩]: هل على السيد إعفاف مملوكه بالتزويج ؟ • مذهب أحمد، والشافعي في قولٍ وجوب ذلك إذا طلب ذلك العبد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]. • مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي في قولٍ عدم وجوب ذلك؛ لأنَّ فيه ضررًا عليه، وليس مما تقوم به البنية. ويُستدل لهم بحديث: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ» أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁، ولم يذكر في الحديث التزويج. والصحيح القول الأول، والله أعلم. والمملوكة إذا طلبت الزواج؛ فيجب عليه إما تزويجها، أو إعفافها بنفسه. (٢) مسألة [٢٠]: هل على السيد أن ينفق على المكاتب ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٤٣٩ - ٤٤٠): لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا تَلْزَمُ سَيِّدَهُ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ أَوْجَبَ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ إكْسَابَ

стр. 4845

نَفْسِهِ وَمَنَافِعَهُ، وَمَنَعَ السَّيِّدَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِمَا، فَلَا يَمْلِكُ اسْتِخْدَامَهُ، وَلَا إجَارَتَهُ، وَلَا إعَارَتَهُ، وَلَا أَخْذَ كَسْبِهِ، وَلَا أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، فَسَقَطَتْ نَفَقَتُهُ عَنْهُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ، فَإِذَا عَجَزَ؛ عَادَ رَقِيقًا قِنًّا، وَعَادَ إلَيْهِ مِلْكُ نَفْعِهِ، وَأَكْسَابُهُ؛ فَعَادَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ بَيْعِهِ. اهـ فروع: لا يجوز للسيد أن يكلف عبده ما لا يطيق؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ». ولا يجوز له أن يجبر عبده على المخارجة، ولا تحصل المخارجة إلا برضى السيد وعبده. وإذا زَمِن المملوك؛ فالنفقة واجبة على سيده، وإن أصبح غير صالح للاكتساب. وإذا امتنع السيد من النفقة على عبده، أو أمته؛ أجبره الحاكم على النفقة، أو البيع. وليس للسيد أن يضرب العبد ضربًا مبرحًا، أو يضربه بغير سبب؛ فإن فعل فكفارته أن يعتقه. وإذا رهن السيد عبده؛ فالنفقة على السيد. وللسيد أن يؤدب عبده، أو أمته بالتوبيخ، والضرب الخفيف. وللسيد أن يؤجر أمته بالإرضاع؛ إلا أن يكون لها ولد ليس لها فضل عن

стр. 4846

إرضاعه. ويستحب للسيد أن يحسن إلى عبده بالطعام الطيب، والملبس الحسن. (١) مسألة [٢١]: النفقة على الحيوان والبهيمة . من ملك بهيمة؛ وجب عليه أن يحسن إليها، وأن ينفق عليها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة» أخرجه أبو داود (٢٥٤٨)، من حديث سهل ابن الحنظلية ﵁ بإسناد صحيح. وقوله: «ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، إنه شكى إلي أنك تجيعه وتُدْئبه» أخرجه أحمد (١/ ٢٠٤)، وأبو داود (٢٥٤٩) بإسناد صحيح. وحديث: «عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (٢). (٣)

стр. 4847

بَابُ الحَضَانَةِ ١١٥٠ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١) ١١٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا غُلَامُ، هَذَا أَبُوك، وَهَذِهِ أُمُّك، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْت»، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (٢) ١١٥٢ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ ﵁ أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ فَأَقْعَدَ النَّبِيُّ ﷺ الأُمَّ نَاحِيَةً وَالأَبَ نَاحِيَةً، وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّ بَيْنَهُمَا فَمَالَ إلَى أُمِّهِ، فَقَالَ: «اللهُمَّ اهْدِهِ» فَمَالَ إلَى أَبِيهِ فَأَخَذَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (٣)

стр. 4848

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث تعريف الحضانة: لغة: مشتقة من الحِضن، وهو الجنب ما دون الإبط إلى الكشح والخصر، وسُمِّي بذلك لأنَّ الأم تضم ولدها إلى حضنها. وشرعًا: هو حفظ من لا يستقل بأموره عما يؤذيه؛ لعدم تمييزه، أو دفع ما يضره، وتربيته بما يصلحه. «حاشية البيان» (١١/ ٢٧٤). مسألة [١]: حكم الحضانة . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٤١٢): كَفَالَةُ الطِّفْلِ وَحَضَانَتُهُ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَهْلِكُ بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ حِفْظُهُ عَنْ الْهَلَاكِ، كَمَا يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَإِنْجَاؤُهُ مِنْ المَهَالِكِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِقَرَابَتِهِ؛ لِأَنَّ فِيهَا وِلَايَةً عَلَى الطِّفْلِ وَاسْتِصْحَابًا لَهُ، فَتَعَلَّقَ بِهَا الْحَقُّ، كَكَفَالَةِ اللَّقِيطِ. اهـ مسألة [٢]: أوصاف لا تثبت لصاحبها الحضانة . لا تثبت الحضانة لمجنون، ومعتوه؛ لأنَّه لا يقدر عليها، وهو محتاج إلى من يكفله، فكيف يكفل غيره. ولا تثبت الحضانة لطفل لما تقدم في المجنون. وقال بعض الفقهاء: لا تثبت الحضانة لفاسق؛ لأنه لا يؤمن أن يُنشِّيء الولد على طريقته، ولم يرتض الشوكاني والصنعاني هذا الشرط.

стр. 4849

ودفعه ابن القيم بكلام جيد، فقال ﵀ كما في «زاد المعاد» (٥/ ٤٦١): الصوابُ أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعًا، وإن شرطها أصحاب أحمد، والشافعي وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد، ولو اشترط في الحاضن العدالة؛ لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمة، واشتد العنتُ، ولم يزل من حين قام الإِسلام إلى أن تقومَ الساعة أطفال الفساق بينهم لا يتعرض لهم أحدٌ في الدنيا، مع كونهم الأكثرين، ومتى وقع في الإِسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسر، واستمرارُ العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح؛ فإنه دائمُ الوقوع في الأمصار والأعصار، والقرى والبوادي، مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق، ولم يزل الفسقُ في الناس، ولم يمنع النبيُّ ﷺ ، ولا أحدٌ من الصحابة فاسقًا من تربية ابنه وحضانته له، ولا مِن تزويجه مولِّيته، والعادةُ شاهدة بأن الرجل ولو كان من الفساق؛ فإنه يحتاط لابنته، ولا يُضيعها، ويحرص على الخير لها بجهده، وإن قُدِّرَ خلاف ذلك، فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد، والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعي، ولو كان الفاسق مسلوبَ الحضانة، وولاية النكاح؛ لكان بيانُ هذا للأمة من أهم الأمور، واعتناء الأمة بنقله، وتوارث العملِ به مقدّمًا على كثير مما نقلوه، وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعُه واتصالُ العمل بخلافه، ولو كان الفِسق ينافي الحضانة؛ لكان من زنى أو شرب خمرًا، أو أتى

стр. 4850

كبيرةً، فرق بينه وبين أولاده الصغار، والتمس لهم غيره، والله أعلم. اهـ (١) مسألة [٣]: هل للرقيق حضانة ؟ • من أهل العلم من قال: ليس له حضانة؛ لأنه مشغول بخدمة سيده، وهذا قول عطاء، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. • وقال مالك في حر له ولدٌ حرٌّ من أمة: الأم أحق به إلا أن تباع فتنقل؛ فيكون الأب أحق به؛ لأنها أم مشفقة، فأشبهت الحرة. • واختار ابن حزم أنَّ الأمة كالحرة؛ لعموم الأحاديث الواردة في الباب، وقال الشوكاني في «السيل» (ص ٤٥٤): لا فرق بين الحرة والأمة؛ لعموم الأدلة، ولاستوائهما في الحنو على الصبي، ورعاية ما يصلحه، ودفع ما يضره. (٢) مسألة [٤]: هل تثبت الحضانة للكافر على المسلم ؟ • أكثر أهل العلم على عدم ثبوتها للكافر على المسلم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وسوار، والعنبري وغيرهم؛ لأنه ولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]؛ ولأنَّ ولاية الكافر فيها ضرر على المسلم بإخراجه عن الإسلام، وتعليمه الكفر،

стр. 4851

وتزيينه له، وتربيته عليه، وهذا أعظم الضرر. والحضانة إنما تثبت لحظ الولد؛ فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه، وإهلاك دينه. • وقال ابن القاسم، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: تثبت له الولاية. واستدلوا بحديث رافع بن سنان الذي في الباب، وتقدم أنه ضعيف؛ فلا حجة لهم فيه، وقالوا: إن الحنو والرحمة لا تزال مع اختلاف الدين. والصحيح القول الأول. (١) مسألة [٥]: إذا فارق الرجل زوجته، فمن أحق منهما بحضانة الطفل ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٤١٣): إذَا افْتَرَقَ الزَّوْجَانِ، وَلَهُمَا وَلَدٌ طِفْلٌ أَوْ مَعْتُوهٌ، فَأُمُّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِكَفَالَتِهِ إذَا كَمُلَتْ الشَّرَائِطُ فِيهَا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَهَذَا قَوْلُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ. اهـ ثم استدل بحديث عبدالله بن عمرو بن العاص الذي في أول الباب. مسألة [٦]: إذا افترقا ولهما ولد بالغ ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٤١٤): وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ إلَّا عَلَى الطِّفْلِ أَوْ المَعْتُوهِ فَأَمَّا الْبَالِغُ الرَّشِيدُ؛ فَلَا حَضَانَةَ عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ الْخِيرَةُ فِي الْإِقَامَةِ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَبَوَيْهِ؛ فَإِنْ كَانَ رَجُلًا، فَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُمَا،

стр. 4852

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ عَنْهُمَا، وَلَا يَقْطَعَ بِرَّهُ عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا الِانْفِرَادُ وَلِأَبِيهَا مَنْعُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مَنْ يُفْسِدُهَا، وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِهَا وَبِأَهْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ، فَلِوَلِيِّهَا وَأَهْلِهَا مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ. اهـ مسألة [٧]: إذا افترقا ولهما ولد بلغ سن الاستقلال ولم يبلغ ؟ • مذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق أنه يخيَّر بين أبيه وأمه، وهو قول شريح، وثبت عن عمر، وأبي بكر ﵄ من طرق يقوي بعضها بعضًا، وجاء عن علي ﵁، ولكن الراوي عنه مجهول الحال، وهو عمارة بن ربيعة. واستدل أصحاب هذا القول بحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب. • وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ الأب أحق به ولا يخير، وهو قول أحمد في رواية، وبنحوه قال مالك، حتى يثغر يعني سقوط الأسنان وتبدلها وعنه رواية وهي الأشهر: حتى يبلغ. وهو رواية عن أحمد. والقول الأول هو الصحيح، وقد قيده الحنابلة، والشافعية بسبع سنوات؛ لأنها أول حال أمر الشرع فيها بمخاطبته بالأمر بالصلاة. (١) مسألة [٨]: إذا اختار أحدهما، فسلم إليه، ثم بعد أيام اختار الآخر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٤١٦): وَمَتَى اخْتَارَ أَحَدَهُمَا، فَسُلِّمَ إلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ؛ رُدَّ إلَيْهِ؛ فَإِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الْأَوَّلَ، أُعِيدَ إلَيْهِ، هَكَذَا أَبَدًا، كُلَّمَا

стр. 4853

اخْتَارَ أَحَدَهُمَا صَارَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اخْتِيَارُ شَهْوَةٍ، لَحَظِّ نَفْسِهِ، فَاتَّبَعَ مَا يَشْتَهِيه، كَمَا يَتَّبِعُ مَا يَشْتَهِيه فِي المَأْكُولِ وَالمَشْرُوبِ، وَقَدْ يَشْتَهِي المُقَامَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ، وَعِنْدَ الْآخَرِ فِي وَقْتٍ، وَقَدْ يَشْتَهِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا. اهـ وما ذكره ابن قدامة ﵀ في هذه المسألة هو تنصيص الإمام الشافعي، وعليه أصحابه، كما في «الحاوي الكبير» (١١/ ٥٠٩). مسألة [٩]: إذا خير، فلم يختر واحدًا منهما، أو اختارهما معًا ؟ ذكر أهل العلم أنه يقدم أحدهما بالقرعة؛ لأنه لا مزية لأحدهما على صاحبه، ولا يمكن اجتماعهما على حضانته، فقدم أحدهما بالقرعة، فإذا قدم بها ثم اختار الآخر؛ رُدَّ إليه. «المغني» (١١/ ٤١٦ - ). تنبيه: يُخَيَّر الطفل إذا كان الوالدان كلاهما من أهل الحضانة، ويشترط أن لا يكون الغلام معتوهًا؛ فإن كان معتوهًا؛ فله حكم الطفل الصغير الذي لا يعقل. (١) مسألة [١٠]: إذا بلغت الجارية سبع سنوات، فهل تخير كالغلام ؟ • مذهب الشافعي أنها تخير كالغلام؛ لأنَّ حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب يتناول الجارية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعلق الحكم؛ لكونه غلامًا. • ومذهب مالك أنَّ الأم أحق بها حتى تتزوج، ويدخل بها زوجها. • ومذهب أحمد، وأبي حنيفة أنَّ أباها أحق بها؛ لأنه يصونها، ويحفظها، وينفق

стр. 4854

عليها. وخصُّوا الحديث بالغلام دون الجارية. وقول الشافعي أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [١١]: إذا تزوجت المرأة، فهل يصبح الأب أحق بالحضانة ؟ • أكثر أهل العلم، وعامتهم على أنَّ الأم إذا تزوجت صار الأب أحق بالحضانة؛ لحديث عبدالله بن عمرو ﵄ الذي في الباب: «أنت أحق به مالم تنكحي». وأكثرهم على اعتبار ذلك بالعقد. وهو الصحيح، واعتبره مالك بالدخول. • وحُكي عن الحسن أنها لا تسقط حضانتها بالتزويج، وكأنه لم يبلغه الحديث. وقد استُدِلَّ له بما فيه نظر كما في «المغني» و «البيان» وغيرهما، وقال بذلك ابن حزم ﵀. (٢) مسألة [١٢]: إذا طلقت بعد تزوجها هل يعود حقها من الحضانة ؟ • مذهب أحمد، والشافعي أنها تعود؛ لأنها مطلقة لم تعد مشغولة بزوجها، وسواء كان الطلاق رجعيًّا، أم بائنًا.

стр. 4855

• ومذهب مالك أنَّ حقَّها لا يعود؛ لأنَّ الحق قد انتقل للأب. • ومذهب أبي حنيفة، والمزني أنَّ الحق يعود لها إن كان الطلاق بائنًا، ولا يعود إن كان رجعيًّا حتى تنتهي العدة؛ لأنها في أثناء العدة لها أحكام الزوجات، وهو قول بعض الشافعية. وهو الصحيح، والله أعلم. (١)

стр. 4856

١١٥٣ - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: «الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (١) ١١٥٤ - وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁، فَقَالَ: «وَالجَارِيَةُ عِنْدَ خَالَتِهَا؛ فَإِنَّ الخَالَةَ وَالِدَةٌ». (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الأحق بالحضانة وترتيب المستحقين لها ؟ قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ٤٣٨ - ): وَلَمّا كَانَ النّسَاءُ أَعْرَفَ بِالتّرْبِيَةِ، وَأَقْدَرَ عَلَيْهَا، وَأَصْبَرَ، وَأَرْأَفَ، وَأَفْرَغَ لَهَا؛ لِذَلِكَ قُدّمَتْ الْأُمّ فِيهَا عَلَى الْأَبِ. وَلَمّا كَانَ الرّجَالُ أَقْوَمَ بِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْوَلَدِ وَالِاحْتِيَاطِ لَهُ فِي الْبُضْعِ؛ قُدِّمَ الْأَبُ فِيهَا عَلَى الْأُمّ، فَتَقْدِيمُ الْأُمّ فِي الْحَضَانَةِ مِنْ مَحَاسِنِ الشّرِيعَةِ، وَالِاحْتِيَاطُ لِلْأَطْفَالِ، وَالنّظَرُ لَهُمْ، وَتَقْدِيمُ الْأَبِ فِي وِلَايَةِ الْمَالِ وَالتّزْوِيجِ كَذَلِكَ. قال: إذَا عُرِفَ هَذَا، فَهَلْ قُدّمَتْ الْأُمّ لِكَوْنِ جِهَتِهَا مُقَدّمَةً عَلَى جِهَةِ الْأُبُوّةِ فِي الْحَضَانَةِ فَقُدّمَتْ لِأَجْلِ الْأُمُومَةِ، أَوْ قُدّمَتْ عَلَى الْأَبِ لِكَوْنِ النّسَاءِ أَقْوَمَ بِمَقَاصِدِ

стр. 4857

الْحَضَانَةِ وَالتّرْبِيَةِ مِنْ الذّكُورِ؛ فَيَكُونُ تَقْدِيمُهَا لِأَجْلِ الْأُنُوثَةِ؟ فَفِي هَذَا لِلنّاسِ قَوْلَانِ، وَهُمَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي تَقْدِيمِ نِسَاءِ الْعَصَبَةِ عَلَى أَقَارِبِ الْأُمّ أَوْ بِالْعَكْسِ، كَأُمِّ الْأُمِّ، وَأُمِّ الْأَبِ، وَالْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ، وَالْأُخْتِ مِنْ الْأُمّ، وَالْخَالَةِ، وَالْعَمّةِ، وَخَالَةِ الْأُمّ، وَخَالَةِ الْأَبِ، وَمَنْ يُدْلِي مِنْ الْخَالَاتِ وَالْعَمّاتِ بِأُمٍّ، وَمَنْ يُدْلِي مِنْهُنّ بِأَبٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. إحْدَاهُمَا: تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْأُمّ عَلَى أَقَارِبِ الْأَبِ. وَالثّانِيَةُ: وَهِيَ أَصَحّ دَلِيلًا، وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيّةَ: تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْأَبِ. وَهَذَا هُوَ الّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيّ فِي «مُخْتَصَرِهِ» فَقَالَ: وَالْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ أَحَقّ مِنْ الْأُخْتِ مِنْ الْأُمّ، وَأَحَقّ مِنْ الْخَالَةِ، وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقّ مِنْ خَالَةِ الْأُمّ، وَعَلَى هَذَا فَأُمّ الْأَبِ مُقَدّمَةٌ عَلَى أُمّ الْأُمّ كَمَا نَصّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَعَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ؛ فَأَقَارِبُ الْأَبِ مِنْ الرّجَالِ مُقَدّمُونَ عَلَى أَقَارِبِ الْأُمّ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ أَحَقّ مِنْ الْأَخِ لِلْأُمّ، وَالْعَمّ أَوْلَى مِنْ الْخَالِ هَذَا إنْ قُلْنَا: إنّ لِأَقَارِبِ الْأُمّ مِنْ الرّجَالِ مَدْخَلًا فِي الْحَضَانَةِ. وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشّافِعِيّ. أَحَدُهُمَا: أَنّهُ لَا حَضَانَةَ إلّا لِرَجُلِ مِنْ الْعَصَبَةِ مَحْرَمٌ، أَوْ لِامْرَأَةِ وَارِثَةٍ، أَوْ مُدْلِيَةٍ بِعَصَبَةِ، أَوْ وَارِثٍ. وَالثّانِي: أَنّ لَهُمْ الْحَضَانَةَ وَالتّفْرِيعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجْحَانِ جِهَةِ الْأُبُوّةِ عَلَى جِهَةِ الْأُمُومَةِ فِي الْحَضَانَةِ، وَأَنّ الْأُمّ إنّمَا قُدّمَتْ لِكَوْنِهَا أُنْثَى لَا لِتَقْدِيمِ جِهَتِهَا؛ إذْ لَوْ كَانَت جِهَتُهَا رَاجِحَةً لَتَرَجّحَ رِجَالُهَا وَنِسَاؤُهَا عَلَى الرّجَالِ وَالنّسَاءِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، وَلَمّا لَمْ يَتَرَجّحْ رِجَالُهَا اتّفَاقًا فَكَذَلِكَ النّسَاءُ، وَمَا الْفَرْقُ الْمُؤَثّرُ؟

стр. 4858

قال: وَأَيْضًا فَإِنّ أُصُولَ الشّرْعِ وَقَوَاعِدَهُ شَاهِدَةٌ بِتَقْدِيمِ أَقَارِبِ الْأَبِ فِي الْمِيرَاثِ، وَوِلَايَةِ النّكَاحِ، وَوِلَايَةِ الْمَوْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْهَدْ فِي الشّرْعِ تَقْدِيمُ قَرَابَةِ الْأُمّ عَلَى قَرَابَةِ الْأَبِ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَمَنْ قَدّمَهَا فِي الْحَضَانَةِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مُوجَبِ الدّلِيلِ. قال: فَالصّوَابُ فِي الْمَأْخَذِ هُوَ أَنّ الْأُمّ إنّمَا قُدّمَتْ؛ لِأَنّ النّسَاءَ أَرْفَقُ بِالطّفْلِ، وَأَخْبَرُ بِتَرْبِيَتِهِ، وَأَصْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَالْجَدّةُ أُمُّ الْأَبِ أَوْلَى مِنْ أُمّ الْأُمّ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ لِلْأُمّ، وَالْعَمّةُ أَوْلَى مِنْ الْخَالَةِ كَمَا نَصّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَتُقَدّمُ أُمّ الْأَبِ عَلَى أَب الْأَبِ كَمَا تُقَدّمُ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ. قال: وَإِذَا تَقَرّرَ هَذَا الْأَصْلُ؛ فَهُوَ أَصْلٌ مُطّرِدٌ مُنْضَبِطٌ لَا تَتَنَاقَضُ فُرُوعُهُ، بَلْ إنْ اتّفَقَتْ الْقَرَابَةُ وَالدّرَجَةُ وَاحِدَةٌ؛ قُدِّمَتْ الْأُنْثَى عَلَى الذّكَرِ، فَتُقَدّمُ الْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ، وَالْعَمَّةُ عَلَى العَمِّ، وَالْخَالَةُ عَلَى الْخَالِ وَالْجَدّةُ عَلَى الْجَدّ، وَأَصْلُهُ تَقْدِيمُ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ. وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْقَرَابَةُ؛ قُدّمَتْ قَرَابَةُ الْأَبِ عَلَى قَرَابَةِ الْأُمّ، فَتُقَدّمُ الْأُخْتُ لِلْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأُمّ، وَالْعَمّةُ عَلَى الْخَالَةِ، وَعَمّةُ الْأَبِ عَلَى خَالَتِهِ، وَهَلُمّ جَرًّا. قال: وَهَذَا هُوَ الِاعْتِبَارُ الصّحِيحُ، وَالْقِيَاسُ الْمُطّرِدُ، وَهَذَا هُوَ الّذِي قَضَى بِهِ سَيّدُ قُضَاةِ الْإِسْلَامِ شُرَيْحٌ. قال: وَمَنْ سَلَكَ غَيْرَ هَذَا الْمَسْلَكِ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ التّنَاقُضِ. ثم ذكر أمثلة

стр. 4859

على ذلك. قال: فَإِنْ قِيلَ: الْخَالَةُ تُدْلِي بِالْأُمِّ، وَالْعَمّةُ تُدْلِي بِالْأَبِ، فَكَمَا قُدّمَتْ الْأُمّ عَلَى الْأَب؛ قُدّمَ مَنْ يُدْلِي بِهَا، وَيَزِيدُهُ بَيَانًا كَوْنُ الْخَالَةِ أُمًّا كَمَا قَالَ النّبِيُّ ﷺ ، فَالْعَمّةُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ. قِيلَ: قَدْ بَيّنّا أَنّهُ لَمْ يُقَدّمْ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ لِقُوّةِ الْأُمُومَةِ وَتَقْدِيمِ هَذِهِ الْجِهَةِ، بَلْ لِكَوْنِهَا أُنْثَى، فَإِذَا وُجِدَ عَمّةٌ وَخَالَةٌ؛ فَالْمَعْنَى الّذِي قُدّمَتْ لَهُ الْأُمّ مَوْجُودٌ فِيهِمَا، وَامْتَازَتْ الْعَمّةُ بِأَنّهَا تُدْلِي بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ، وَهِيَ قُرَابَةُ الْأَبِ. قال: وَالنّبِيّ ﷺ قَضَى بِابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: «الْخَالَةُ أُمٌّ» حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهَا مُزَاحِمٌ مِنْ أَقَارِبِ الْأَبِ تُسَاوِيهَا فِي دَرَجَتِهَا. ثم أورد ابن القيم على نفسه (صفية بنت عبد المطلب)؛ فإنها عمتها، وكانت موجودة، وأجاب عن ذلك بأنها كانت كبيرة السن قد جاوزت الخمسين في ذلك الحين، فلعلها لم تطالب بالحضانة لكبرها، فالحديث يدل على ما ذكروا لو ثبت أن صفية خاصمت في ابنة أخيها وطلبت كفالتها، فقدم رسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الخالة، وهذا لا سبيل إليه. قال: وَمِمّا يُبَيّنُ صِحّةَ الْأَصْلِ الْمُتَقَدّمِ أَنّهُمْ قَالُوا: إذَا عَدِمَ الْأُمّهَاتِ وَمَنْ فِي جِهَتهنَّ؛ انْتَقَلَتْ الْحَضَانَةُ إلَى الْعَصَبَاتِ، وَقُدّمَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ كَمَا فِي الْمِيرَاثِ، فَهَذَا جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلَّا رَاعَيْتُمْ هَذَا فِي جِنْسَ الْقَرَابَةِ، فَقَدّمْتُمْ الْقَرَابَةَ الْقَوِيّةَ الرّاجِحَةَ عَلَى الضّعِيفَةِ الْمَرْجُوحَةِ كَمَا فَعَلْتُمْ فِي الْعَصَبَاتِ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّحِيْحَ فِي الْأَخَوَاتِ عِنْدَكُم أَنَّهُ يُقَدَّم مِنْهُنَّ مَنْ كَانَتْ

стр. 4860

لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنْ كَانَتْ لِأَبٍ، ثُمَّ مَنْ كَانَتْ لِأُمٍّ، وَهَذَا صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِلْأُصُولِ وَالْقِيَاسِ، لَكِنْ إذَا ضُمَّ هَذَا إلَى قَوْلِهِمْ بِتَقْدِيمِ قَرَابَةِ الْأُمّ عَلَى قَرَابَةِ الْأَبِ؛ جَاءَ التّنَاقُضُ، وَتِلْكَ الْفُرُوعُ الْمُشْكِلَةُ الْمُتَنَاقِضَةُ. وَأَيْضًا فَقَدْ قَالُوا بِتَقْدِيمِ أُمّهَاتِ الْأَبِ وَالْجَدّ عَلَى الْخَالَاتِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأُمّ، وَهُوَ الصّوَابُ الْمُوَافِقُ لِأُصُولِ الشّرْعِ، لَكِنّهُ مُنَاقِضٌ لِتَقْدِيمِهِمْ أُمّهَاتِ الْأُمّ عَلَى أُمّهَاتِ الْأَبِ، وَيُنَاقِضُ تَقْدِيمَ الْخَالَةِ وَالْأُخْتِ لِلْأُمّ عَلَى الْأَبِ. ثم قال: وَقَدْ ضَبَطَ هَذَا الْبَابَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيّةَ بِضَابِطِ آخَرَ، فَقَالَ: أَقْرَبُ مَا يُضْبَطُ بِهِ بَابُ الْحَضَانَةِ أَنْ يُقَالَ: لَمّا كَانَتْ الْحَضَانَةُ وِلَايَةً تَعْتَمِدُ الشّفَقَةَ، وَالتّرْبِيَةَ، وَالْمُلَاطَفَةَ؛ كَانَ أَحَقّ النّاسِ بِهَا أَقْوَمَهُمْ بِهَذِهِ الصّفَاتِ وَهُمْ أَقَارِبُهُ، يُقَدّمُ مِنْهُمْ أَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ، وَأَقْوَمُهُمْ بِصِفَاتِ الْحَضَانَةِ؛ فَإِنْ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا؛ فَإِنْ اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ؛ قُدّمَ الْأُنْثَى عَلَى الذّكَرِ، فَتُقَدّمُ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ، وَالْجَدّةُ عَلَى الْجَدِّ، وَالْخَالَةُ عَلَى الْخَالِ، وَالْعَمّةُ عَلَى الْعَمّ، وَالْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ؛ فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ، أَوْ أُنْثَيَيْنِ؛ قُدّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، يَعْنِي مَعَ اسْتِوَاءِ دَرَجَتِهِمَا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ دَرَجَتُهُمَا مِنْ الطّفْلِ؛ فَإِنْ كَانُوا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ؛ قُدّمَ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ، فَتُقَدّمُ الْأُخْتُ عَلَى ابْنَتِهَا، وَالْخَالَةُ عَلَى خَالَةِ الْأَبَوَيْنِ، وَخَالَةُ الْأَبَوَيْنِ عَلَى خَالَةِ الْجَدّ وَالْجَدّةِ، وَالْجَدّ أَبُو الْأُمّ عَلَى الْأَخِ لِلْأُمّ، هَذَا هُوَ الصّحِيحُ؛ لِأَنّ جِهَةَ الْأُبُوّةِ وَالْأُمُومَةِ فِي الْحَضَانَةِ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ الْأُخُوّةِ فِيهَا. وَقِيلَ: يُقَدّمُ الْأَخُ لِلْأُمِّ؛ لِأَنّهُ أَقْوَى مِنْ أَبِ الْأُمّ فِي الْمِيرَاثِ. وَالْوَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنّهُ

стр. 4861

لَا حَضَانَةَ لِلْأَخِ مِنْ الْأُمّ بِحَالِ؛ لِأَنّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَصَبَاتِ، وَلَا مِنْ نِسَاءِ الْحَضَانَةِ، وَكَذَلِكَ الْخَالُ أَيْضًا؛ فَإِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْوَجْهِ يَقُولُ: لَا حَضَانَةَ لَهُ. وَلَا نِزَاعَ أَنّ أَبَا الْأُمّ وَأُمّهَاتِهِ أَوْلَى مِنْ الْخَالِ. قال: وَإِنْ كَانُوا مِنْ جِهَتَيْنِ، كَقَرَابَةِ الْأُمّ، وَقَرَابَةِ الْأَبِ، مِثْلَ الْعَمّةِ، وَالْخَالَةِ، وَالْأُخْتِ لِلْأَبِ، وَالْأُخْتِ لِلْأُمّ، وَأُمّ الْأَبِ، وَأُمّ الْأُمّ، وَخَالَةِ الْأَبِ، وَخَالَةِ الْأُمّ؛ قُدِّمَ مَنْ فِي جِهَةِ الْأَبِ فِي ذَلِكَ كُلّهِ عَلَى إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ فِيهِ. هَذَا كُلّهُ إذَا اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ، أَوْ كَانَتْ جِهَةُ الْأَبِ أَقْرَبَ إلَى الطّفْلِ، وَأَمّا إذَا كَانَتْ جِهَةُ الْأُمّ أَقْرَبَ، وَقَرَابَةُ الْأَبِ أَبْعَدُ، كَأُمِّ الْأُمِّ، وَأُمِّ أَبِ الْأَبِ، وَكَخَالَةِ الطّفْلِ، وَعَمّةِ أَبِيهِ؛ فَقَدْ تَقَابَلَ التّرْجِيحَانِ، وَلَكِنْ يُقَدّمُ الْأَقْرَبُ إلَى الطّفْلِ لِقُوّةِ شَفَقَتِهِ وَحُنُوّهِ عَلَى شَفَقَةِ الْأَبْعَدِ، وَمَنْ قَدّمَ قَرَابَةَ الْأَبِ فَإِنّمَا يُقَدّمُهَا مَعَ مُسَاوَاةِ قَرَابَةِ الْأُمّ لَهَا، فَأَمّا إذَا كَانَتْ أَبْعَدَ مِنْهَا؛ قُدِّمَتْ قَرَابَةُ الْأُمّ الْقَرِيبَةِ، وَإِلّا لَزِمَ مِنْ تَقْدِيمِ الْقَرَابَةِ الْبَعِيدَةِ لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ لَا يَقُولُ بِهَا أَحَدٌ، فَبِهَذَا الضّابِطِ يُمْكِنُ حَصْرُ جَمِيعِ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ وَجَرْيُهَا عَلَى الْقِيَاسِ الشّرْعِيّ، وَاطّرَادُهَا وَمُوَافَقَتُهَا لِأُصُولِ الشّرْعِ، فَأَيّ مَسْأَلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيْك أَمْكَنَ أَخْذُهَا مِنْ هَذَا الضّابِطِ مَعَ كَوْنِهِ مُقْتَضَى الدّلِيلِ، وَمَعَ سَلَامَتِهِ مِنْ التّنَاقُضِ وَمُنَاقَضَةِ قِيَاسِ الْأُصُولِ، وَبِاَلله التّوْفِيقُ. انتهى من «زاد المعاد» باختصار (٥/ ٤٣٨ - ٤٥١). تنبيه: الترتيب المذكور إنما هو في حالة التنازع، وأما إن رضي القريب بحضانة البعيد؛ فلا إشكال في ذلك، ومن قصَّر في الحضانة؛ فإنَّ الحاكم يلزمه بها، وإلا نقلها إلى غيره ممن يقوم بها، والله أعلم.

стр. 4862

فائدة: تقدم أنَّ الأم أحق بالطفل مالم تتزوج؛ فإن تزوجت فالأب أحق به، هذا قول الجمهور كما تقدم، وبقي إذا لم يكن الأب موجودًا، فهل تنتقل الحضانة إلى أقرباء الأب، وتؤخذ من الأم؟ قال بذلك الجمهور، والذي يظهر أنهم ليس لهم أخذها من الأم؛ لأنَّ الحديث الوارد كان النزاع فيه بين الأب والأم، وهم في درجة واحدة، وهذا قول الحسن، وابن حزم، وابن جرير، ثم ظهر لي أن قول الجمهور أقرب، وهو أن الأولياء أحق به بعد زواجها؛ لأنه يشق عليهم بقاؤه عند رجل أجنبي، وبذلك أفتى الإمام ابن باز مع غيره من أعضاء اللجنة الدائمة. (١) فائدة أخرى: قال ابن القيم ﵀: وَهَاهُنَا مَسْأَلَةٌ يَنْبَغِي التّنْبِيهُ عَلَيْهَا وَهِيَ: أَنّا إذَا أَسْقَطْنَا حَقَّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ بِالنّكَاحِ، وَنَقَلْنَاهَا إلَى غَيْرِهَا، فَاتّفِقَ أَنّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا؛ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ، وَهِيَ أَحَقّ بِهِ مِنْ الْأَجْنَبِيّ الّذِي يَدْفَعُهُ الْقَاضِي إلَيْهِ، وَتَرْبِيَتُهُ فِي حِجْرِ أُمّهِ، وَرَأْيِهِ أَصْلَحُ مِنْ تَرْبِيَتِهِ فِي بَيْتِ أَجْنَبِيّ مَحْضٍ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا تُوجِبُ شَفَقَتَهُ وَرَحْمَتَهُ، وَحُنُوّهُ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ تَأْتِيَ الشّرِيعَةُ بِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ بِمَفْسَدَةِ أَعْظَمَ مِنْهَا بِكَثِيرِ، وَالنّبِيُّ ﷺ لَمْ يَحْكُمْ حُكْمًا عَامًّا كُلِّيًّا: أَنّ كُلّ امْرَأَةٍ تَزَوّجَتْ سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، حَتّى يَكُونَ إثْبَاتُ الْحَضَانَةِ لِلْأُمّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُخَالَفَةً لِلنّصّ. اهـ (٢)

стр. 4863

مسألة [٢]: إذا سافر أحد الوالدين، فمن أحق بالحضانة ؟ أما إن سافر أحدهما لحاجة ثم يعود؛ فالمقيم أحق به؛ لأنَّ السفر فيه مشقة، والطفل غني عنها، وأما إن سافر أحدهما للإقامة ببلد آخر؛ فإن كان الطريق، أو البلد مخوفًا؛ فالمقيم أحق به، وإن كان الطريق، والبلد آمنين، فاختلف الفقهاء في ذلك. • فمذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية أنَّ الأب أحق، سواء كان هو المسافر، أم المقيم؛ وذلك ليتمكن من تربية الولد، وتأديبه، وتعليمه، وهو قول شريح، وظاهر اختيار شيخ الإسلام. • وقال أحمد في رواية: الأم أحق؛ وذلك لأنها هي المستحقة للحضانة إذا لم تتزوج، فتبقى على حالها. • وقال الحنفية: إن كان المنتقل هو الأب؛ فالأم أحق به، وإن كان المنتقل هي الأم؛ فالأب أحق به، إلا أن تنتقل إلى البلد الذي كان فيه النكاح؛ فهي أحق به. • وعن أبي حنيفة قول آخر، وهو: إن انتقلت من بلد إلى قرية؛ فالأب أحق، وإن انتقلت إلى بلد آخر؛ فهي أحق. قال الحافظ ابن القيم ﵀: وَهَذِهِ أَقْوَالٌ كُلّهَا كَمَا تَرَى لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ يَسْكُنُ الْقَلْبُ إلَيْهِ؛ فَالصّوَابُ النّظَرُ وَالِاحْتِيَاطُ لِلطّفْلِ فِي الْأَصْلَحِ لَهُ، وَالْأَنْفَعِ مِنْ

стр. 4864

الْإِقَامَةِ أَوْ النّقْلَةِ، فَأَيّهُمَا كَانَ أَنْفَعَ لَهُ، وَأَصْوَنَ، وَأَحْفَظَ؛ رُوعِيَ، وَلَا تَأْثِيرَ لِإِقَامَةٍ وَلَا نُقْلَةٍ، هَذَا كُلّهُ مَا لَمْ يُرِدْ أَحَدُهُمَا بِالنّقْلَةِ مُضَارّةَ الْآخَرِ وَانْتِزَاعَ الْوَلَدِ مِنْهُ؛ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ، وَاَللهُ المُوَفّقُ. قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي له الحضانة قبل السفر تستمر له الحضانة؛ فإن كانت الأم لم تتزوج فهي أحق بالحضانة، وإن كانت قد تزوجت فالأب أحق بالحضانة، ما لم يحصل للولد بالانتقال ضرر، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: هل تجبر المرأة على إرضاع ولدها ؟ أما إن كانت مطلقة؛ فليس للرجل إجبارها على إرضاع ولدها. قال ابن قدامة ﵀: لا نعمل في ذلك خلافًا. اهـ واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق:٦]، ولكن يقيد ذلك بما إذا وجد غيرها ترضعه؛ فإنْ لم يوجد غيرها فتلزم بإرضاعه، وكذلك لا تترك الرضاع حتى تغذيه باللبأ -وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للولد غالبًا إلا به- قاله ابن كثير. • وأما إن كانت المرأة في حالة الزوجية غير مطلقة، فمذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية، والثوري أنه ليس للأب إجبارها، واستدلوا بالآية: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق:٦]؛ ولأنه كما أنه ليس له أن يجبرها على إرضاع

стр. 4865

ولده من غيرها، فكذلك ولده منها. • وذهب ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وأبو ثور، ومالك، والظاهرية إلى وجوب الإرضاع على المرأة، وللزوج إجبارها على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] الآية، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: إذا طلبت الأم الإرضاع بأجرة المثل ؟ • مذهب الحنابلة -وقال به ابن حزم- أنَّ الأم أحق به حتى وإن وجد الرجل مرضعة متبرعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. • وقال الشافعي: إن وجد متبرعة؛ فله أخذه ودفعه إليها. • وقال أبو حنيفة: لا يأخذه من أمه، ولكن يجعل المرضعة تذهب إليه عند أمه فترضعه عندها. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (٢) تنبيه: أجرة الإرضاع واجبة على الأب للمطلقة بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقوله ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. (٣)

стр. 4866

١١٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١) ١١٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ، سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتِ النَّارَ فِيهَا، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ (٢) الأَرْضِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين تقدم الكلام على نفقة المملوك، ونفقة البهائم في آخر باب النفقات، وكان ذكر الحديثين هنالك أولى، وبالله التوفيق. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك تم بحمد الله وتوفيقه ومنته يوم الأحد الموافق (٦/جمادى الآخر/١٤٢٧ هـ)

стр. 4867

كِتَابُ الْجِنَايَات الجنايات لغة: جمع جناية، وهي مصدر من جَنَى. فجنى الذنب يجنيه، إذا جرَّ على نفسه الذنب، وجنى الثمر إذا جمعه واقتطفه. والظاهر أنه يطلق على الذنوب المتعدية للغير في المال، والبدن، والعرض. واصطلاحًا: التعدي على الأبدان بما يوجب القصاص، أو المال. وجُمعت الجناية مع أنها مصدر باعتبار اختلاف أنواعها. (١)

стр. 4868

١١٥٧ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ١١٥٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٌ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلَامِ فَيُحَارِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (٢) ١١٥٩ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مع ذكر مجموعة من المسائل الملحقة مسألة [١]: تحريم القتل بغير حق . أجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق، وهو كبيرة من كبائر الذنوب، دلَّ على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.

стр. 4869

أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١/الإسراء:٣٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٢ - ٩٣]. ومن السنة: أحاديث الباب، وغيرها كثير في ذلك. وتوبة القاتل مقبولة عند أكثر أهل العلم وعامتهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٩ - ٧٠]. (١) مسألة [٢]: أنواع القتل . • القتل ثلاثة أنواع عند عامة أهل العلم: العمد، وشبه العمد، والخطأ. وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم. • وعن مالك رواية أنه نوعان فقط: خطأ وعمد، ولم يذكر الله تعالى غيرهما، وهو قول ابن حزم. وأجاب أصحاب القول الأول بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عند أبي داود وغيره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ألا إنَّ دية الخطإ شبه العمد ما كان بالسوط

стр. 4870

والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها». والراجح هو القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: ضابط قتل العمد . هو أن يضرب رجلٌ آخر بمحدد، وهو ما يقطع ويدخل في البدن، كالسيف، والسكين، والسِّنان، وما في معناه مما يحدد فيجرح، من الحديد، والنحاس، والرصاص، والذهب، والفضة، والزجاج، والحجر، والقصب، والخشب، فهذا كله إذا جرح به جرحًا كبيرًا فمات؛ فهو قتل عمدٍ لا خلاف فيه بين العلماء. قاله ابن قدامة. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٧٣): العمد المحض هو أن يقصد من يعلمه معصومًا بما يقتل غالبًا، سواء كان يقتل بحده كالسيف ونحوه، أو بثقله كالسندان، وكوذين القصار، أو بغير ذلك كالتحريق، والتغريق، والإلقاء من مكان شاهق، والخنق، وإمساك الخصيتين حتى تخرج الروح، وغم الوجه حتى يموت، وسقي السموم، ونحو ذلك من الأفعال؛ فهذا إذا فعله وجب فيه القود. فإن كان الجرح يسيرًا، كشرطة الحجام، أو غرزة بإبرة، أو شوكة، نظرت؛ فإن كان في مقتل، كالعين، والفؤاد، والخاصرة، والصدغ، وأصل الأذن، فمات؛ فهو عمد أيضًا؛ لأنَّ الإصابة بذلك في المقتل كالجرح بالسكين في غير المقتل. اهـ
следующие страницы →