١١٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١)
١١٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ، سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتِ النَّارَ فِيهَا، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ (٢) الأَرْضِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
تقدم الكلام على نفقة المملوك، ونفقة البهائم في آخر باب النفقات، وكان ذكر الحديثين هنالك أولى، وبالله التوفيق.
سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
تم بحمد الله وتوفيقه ومنته يوم الأحد
الموافق (٦/جمادى الآخر/١٤٢٧ هـ)
стр. 4867
كِتَابُ الْجِنَايَات
الجنايات لغة: جمع جناية، وهي مصدر من جَنَى. فجنى الذنب يجنيه، إذا جرَّ على نفسه الذنب، وجنى الثمر إذا جمعه واقتطفه.
والظاهر أنه يطلق على الذنوب المتعدية للغير في المال، والبدن، والعرض.
واصطلاحًا: التعدي على الأبدان بما يوجب القصاص، أو المال.
وجُمعت الجناية مع أنها مصدر باعتبار اختلاف أنواعها. (١)
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١/الإسراء:٣٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٢ - ٩٣].
ومن السنة: أحاديث الباب، وغيرها كثير في ذلك.
وتوبة القاتل مقبولة عند أكثر أهل العلم وعامتهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٩ - ٧٠]. (١)
مسألة [٢]: أنواع القتل .
• القتل ثلاثة أنواع عند عامة أهل العلم: العمد، وشبه العمد، والخطأ. وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم.
• وعن مالك رواية أنه نوعان فقط: خطأ وعمد، ولم يذكر الله تعالى غيرهما، وهو قول ابن حزم.
وأجاب أصحاب القول الأول بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عند أبي داود وغيره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ألا إنَّ دية الخطإ شبه العمد ما كان بالسوط
стр. 4870
والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها».
والراجح هو القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: ضابط قتل العمد .
هو أن يضرب رجلٌ آخر بمحدد، وهو ما يقطع ويدخل في البدن، كالسيف، والسكين، والسِّنان، وما في معناه مما يحدد فيجرح، من الحديد، والنحاس، والرصاص، والذهب، والفضة، والزجاج، والحجر، والقصب، والخشب، فهذا كله إذا جرح به جرحًا كبيرًا فمات؛ فهو قتل عمدٍ لا خلاف فيه بين العلماء. قاله ابن قدامة.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٧٣): العمد المحض هو أن يقصد من يعلمه معصومًا بما يقتل غالبًا، سواء كان يقتل بحده كالسيف ونحوه، أو بثقله كالسندان، وكوذين القصار، أو بغير ذلك كالتحريق، والتغريق، والإلقاء من مكان شاهق، والخنق، وإمساك الخصيتين حتى تخرج الروح، وغم الوجه حتى يموت، وسقي السموم، ونحو ذلك من الأفعال؛ فهذا إذا فعله وجب فيه القود.
فإن كان الجرح يسيرًا، كشرطة الحجام، أو غرزة بإبرة، أو شوكة، نظرت؛ فإن كان في مقتل، كالعين، والفؤاد، والخاصرة، والصدغ، وأصل الأذن، فمات؛ فهو عمد أيضًا؛ لأنَّ الإصابة بذلك في المقتل كالجرح بالسكين في غير المقتل. اهـ
стр. 4871
قال ابن قدامة ﵀: وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ بَالَغَ فِي إدْخَالِهَا فِي الْبَدَنِ، فَهُوَ كَالْجُرْحِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَشْتَدُّ أَلَمُهُ، وَيُفْضِي إلَى الْقَتْلِ.
قال: وَإِنْ كَانَ الْغَوْرُ يَسِيرًا، أَوْ جَرَحَهُ بِالْكَبِيرِ جُرْحًا لَطِيفًا، كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ فَمَا دُونَهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنًا حَتَّى مَاتَ، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ فِي الْحَالِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ...
ثم ذكرهما، ونحو ذلك مذهب الشافعي، ورجَّح الإمام ابن عثيمين أنه ليس بعمد.
• وإن كان القتل بغير محدد مما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعمال؛ فإنه يُعَدُّ عمدًا أيضًا، وهو قول النخعي، والزهري، وابن سيرين، وحماد، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]؛ ولحديث أنس أنَّ يهوديًّا قتل جارية بحجر ... الحديث متفق عليه، وفيه أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قتله بذلك. (١)
• وقال الحسن: لا قود في ذلك. ورُوي ذلك عن الشعبي، وقال ابن المسيب، وعطاء، وطاوس: العمد ما كان بالسلاح.
стр. 4872
• وقال أبو حنيفة: لا قود في ذلك؛ إلا أن يكون قتله بالنار. وعنه في مثقل الحديد روايتان، واحتج بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ألا إنَّ في قتيل عمد الخطإ، قتيل السوط، والعصا، والحجر مائة من الإبل ... »، فأوجب فيه الدية دون القصاص، وسمَّاه عمد الخطإ؛ ولأنَّ العمد لا يمكن اعتباره بنفسه، فيجب ضبطه بمظنته، ولا يمكن ضبطه بما يقتل غالبًا؛ لحصول العمد بدونه في الجرح الصغير؛ فوجب ضبطه بالجرح.
قال ابن قدامة ﵀ في الرد عليه: أَمَّا الْحَدِيثُ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُثْقَلِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعَصَا وَالسَّوْطَ، وَقَرَنَ بِهِ الْحَجَرَ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يُشْبِهُهُمَا.
وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ. مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّنَا نُوجِبُ الْقِصَاصَ بِمَا نَتَيَقَّنُ حُصُولَ الْغَلَبَةِ بِهِ، وَإِذَا شَكَكْنَا؛ لَمْ نُوجِبْهُ مَعَ الشَّكِّ، وَصَغِيرُ الْجُرْحِ قَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَبْطُهُ بِالْجُرْحِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِالنَّارِ، أَوْ بِمُثْقَلِ الْحَدِيدِ. اهـ (١)
مسألة [٤]: إذا ضربه بالعصا، والسوط، والحجر الصغير ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٤٤٩): النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ صَغِيرٍ، كَالْعَصَا، وَالسَّوْطِ، وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ، أَوْ يَلْكُزَهُ بِيَدَيْهِ فِي مَقْتَلٍ، أَوْ فِي حَالِ ضَعْفٍ مِنْ المَضْرُوبِ؛ لَمَرَضٍ، أَوْ صِغَرٍ، أَوْ فِي زَمَنٍ مُفْرِطِ الْحَرِّ، أَوْ الْبَرْدِ، بِحَيْثُ تَقْتُلُهُ تِلْكَ الضَّرْبَةُ، أَوْ كَرَّرَ الضَّرْبَ حَتَّى قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛
ضَمَانًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ لَمْسِهِ. وَإِنْ خَنَقَهُ، وَتَرَكَهُ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ جِنَايَتِهِ، فَهُوَ كَالْمَيِّتِ مِنْ سِرَايَةِ الْجُرْحِ، وَإِنْ تَنَفَّسَ وَصَحَّ، ثُمَّ مَاتَ، فَلَا قَوَدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ، ثُمَّ مَاتَ. اهـ (١)
مسألة [٦]: إذا أكره إنسانٌ آخرَ على قتل شخص، فقتله ؟
إكراه الرجل على قتل إنسان مسلم لا يبيح له ذلك بالاتفاق، قاله ابن رجب.
واختلف العلماء على مَن القود إذا قتله المكرَه؟ على أقوال:
• منهم من قال: القود على المكرِه المتسبب؛ لأنَّ المكرَه لا قصد له، بل هو كالآلة في يد المكرِه. وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعي في قول.
• ومنهم من قال: القود على المكرَه المباشر فقط؛ لأنَّ الإكراه لا يبيح له ذلك. وهو قول زفر، وبعض الحنابلة، واختاره الشوكاني في «السيل».
فقال ﵀: المسلم معصومٌ بعصمة الإسلام، فلا يجوز الإقدام على سفك دمه لمجرد الإكراه، بل على من طُلِب منه ذلك أن يمتنع ولو خشي على نفسه القتل؛ فضلًا عما دونه، فليس له أن يطلب حياة نفسه بموت غيره، ويجعل نفس المسلم فداء لنفسه، فإذا أقدم على قتله مع تمكنه من الكف؛ فقد أقدم إقدامًا
стр. 4875
يخالف الشرع، فاستحق أن يقتص منه، وأما إذا لم يتمكن من الكف بوجه من الوجوه، كأن يضع المكرِه له سيفًا في يده، ثم يأخذ بيده فيضرب بها عنق رجل، فلا شك ولا ريب أن القصاص هاهنا على المكْرِه له؛ لأنه صار كالآلة له، وليس على من وقع عليه الإكراه لا قود ولا دية. اهـ
• وقال أبو يوسف: لا يجب على واحد منهما القَود، بل فيه الدية.
والصحيح -والله أعلم- قولُ زُفر، والشوكاني، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: إذا شهد رجلان على رجل بما يوجب القتل، فَقُتِل، ثم أكذبا أنفسهما ؟
• مذهب أحمد، والشافعي أنهما إن اعترفا بكذبهما، وتعمدا القتل ظلمًا؛ فيقادان به.
• ومذهب أبي حنيفة أنه لا قصاص؛ لأنه تسبب غير ملجئ، كحفر البئر.
والصحيح القول الأول، والله أعلم. (٢)
مسألة [٨]: ضابط قتل شبه العمد .
هو أن يقصد من يعلمه آدميًّا معصومًا بما يقتل مثله، ولا يغلب على الظن الموت به. (٣)
стр. 4876
مسألة [٩]: حكم هذا القتل .
شبه العمد يسمَّى أيضًا عمد الخطإ، وخطأ العمد، ويسمى بذلك لأنه تعمد الفعل وأخطأ في القتل.
• فالجمهور على عدم القود فيه، والدية على العاقلة، واستدلوا بحديث المرأتين التي ضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، فقتلتها وما في بطنها، فجعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الدية على العاقلة، دل على أنه ليس بعمدٍ له أحكامه.
• وجعل مالك هذا القسم من العمد، وجعله موجبًا للقصاص.
• وقال أبو بكر الحنبلي، وابن شبرمة: الدية على القاتل.
والصحيح القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: ضابط قتل الخطإ .
قال ابن المنذر ﵀ في «الإجماع» (ص ١٤٥): وأجمعوا على أنَّ القتل الخطأ أن يريد يرمي الشيءَ فيصيب غيره. اهـ
قلتُ: ومنه أيضًا عند أهل العلم أنَّ يظن إنسانًا كافرًا فيقتله، فيتبين أنه مؤمن، ومنه أيضًا: أنْ تنفلت منه آلة القتل على إنسان بغير قصد منه، ومنه: أن يتسبب في قتل إنسان بغير قصد؛ حيث لا يباشر القتلَ إنسانٌ غيرُه. (٢)
стр. 4877
مسألة [١١]: إذا أراد أن يقتل إنسانًا فأصاب غيره ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٤٦٤): وَإِنْ قَصَدَ فِعْلًا مُحَرَّمًا، فَقَتَلَ آدَمِيًّا، مِثْلَ أَنْ يَقْصِدَ قَتْلَ بَهِيمَةٍ، أَوْ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، فَيَقْتُلَهُ، فَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ أَنْ يَرْمِيَ الرَّامِي شَيْئًا، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ. اهـ
وللحنابلة قولٌ أن هذا عمد، قال صاحب «الإنصاف»: وهو منصوص الإمام أحمد ﵀.
ورجح ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀، وقال: هو يعتبر عمدًا؛ لأنه لا شك أنه قصد جنايةً على آدمي معصوم، ولا فرق عند الله أن يقتل زيدًا، أو عمرًا.
قال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر أنه قَتْلُ خَطأٍ، والله أعلم. (١)
مسألة [١٢]: إذا قتل مسلمًا في دار الحرب يظنه كافرًا ؟
تقدم أنَّ أهل العلم عدُّوه خطأً، واختلفوا هل في ذلك الدية أم لا؟
• فذهب جمعٌ منهم إلى أنه ليس فيه الدية، وهذا قول عطاء، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، وأحمد في المشهور عنه، وأبي حنيفة وغيرهم.
стр. 4878
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، ولم يذكر الدية، وتَرْكُه لها في هذا القسم مع ذكرها في الذي قبلها وبعده ظاهر أنها غير واجبة.
• وذهب بعضهم إلى أنَّ فيه الدية، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء:٩٢].
والصحيح القول الأول، وموضع الخلاف فيما إذا كان أهله كفارًا، وكان مسلمًا، وأما إن كان أهله مؤمنين؛ فتجب لهم الدية كما هو ظاهر من الآية، والله أعلم. (١)
стр. 4879
١١٦٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: «وَمَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ». وَصَحَّحَ الحَاكِمُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل يقتل الحر إذا قتل عبدًا ؟
أجمع العلماء على أنَّ العبد إذا قتل الحر قُتل به، واختلفوا فيما إذا قتل الحرُ عبدًا، هل يُقاد به أم لا؟
• فذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الحر لا يقاد بالعبد، رُوي هذا القول عن عمر بأسانيد تصلح للتحسين، وجاء عن أبي بكر، وعلي بأسانيد ضعيفة، وهو قول الحسن، وعطاء، وعمر بن عبدالعزيز، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨]، وبحديث: «لا يقتل حرٌّ بعبد»، أخرجه الدارقطني (٣/ ١٣٣) من حديث ابن عباس ﵄. وقول
стр. 4880
علي ﵁: من السنة أن لا يقتل حر بعبد. أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٢٩٥)، والدارقطني (٣/ ١٣٤).
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقتل به، وهو قول سعيد بن المسيب، والنخعي، وقتادة، والثوري، وأصحاب الرأي، والظاهرية، وجاء عن علي، وابن مسعود بإسناد ضعيف.
واستُدِل لهذا القول بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وبحديث ابن مسعود ﵁ الذي في أول الباب «النفس بالنفس»، وبحديث علي ﵁ وسيأتي «المؤمنون تتكافأ دماؤهم»، وبحديث سمرة الذي في الباب.
وهذا القول رجحه الإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما، وهو الصواب فيما يظهر لنا، والله أعلم.
ثم رأيت شيخ الإسلام قد صحح هذا القول كما في «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٨٥ - ٨٦)، والآية التي ذكروها لا تفيد تخصيص أدلتنا، بل هي من ذكر بعض أفراد العام، وهم لا يقولون بخصوصها في جميع صورها المذكورة فيها، وحديثهم فيه جويبر وهو متروكٌ، وأثر علي فيه جابر الجعفي وهو متروك وقد كُذِّب وقد رجح القول الأول الشوكاني، والصنعاني، والشنقيطي، وغيرهم، والله أعلم. (١)
стр. 4881
مسألة [٢]: السيد هل يقتل إذا قتل عبده ؟
• أكثر أهل العلم على أنه لا يقتل بعبده؛ لأنه ملكه، ولقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨].
• وذهب بعضهم إلى أنه يقتل به، وهو قول النخعي، والحكم، وداود، والثوري في أحد قوليه، وعلي بن المديني، والبخاري.
واختاره شيخ الإسلام، وقيده بما إذا اختار ذلك الحاكم؛ لأنه وليه.
واستدلوا بحديث سمرة الذي في الباب، وبالعمومات الواردة كما تقدم، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: القصاص من الحر فيما جناه على العبد فيما دون النفس .
نقل بعضهم الإجماع وعدم الخلاف أنه لا قصاص على الحرِّ في ذلك، نقل ذلك أبو ثور وابن المنذر، وابن قدامة، وغيرهم.
والواقع وجود الخلاف، فقد خالف ابن أبي ليلى، وداود، وابن حزم، فقالوا بالقصاص في جميع الأعضاء؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم»؛ ولحديث سمرة: «ومن جدع عبده جدعناه»، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
стр. 4882
مسألة [٤]: القصاص بين العبيد .
• أكثر أهل العلم على أنَّ القصاص يجري بين العبيد في النفوس، وفيما دون النفوس كما يجري بين الأحرار، سواء اتفقت أثمانهم أو اختلفت؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾.
• وخالف عطاء، وأحمد في رواية، فقالا: إذا لم تتساوَ القيمة؛ فلا قصاص في النفوس. وقال بذلك فيما دون النفوس الشعبي، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة. وثبت هذا القول عن ابن مسعود ﵁، كما في مصنف ابن أبي شيبة، و «الأوسط» لابن المنذر.
والصحيح قول الجمهور أنَّ القصاص بينهم جاري في النفوس، وفيما دون النفوس، والله أعلم. (١)
стр. 4883
١١٦١ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُقَادُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ، وَالبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ مُضْطَرِبٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إذا قتل الوالد ولده، فهل يقتل به ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ الوالد لا يقتل بالولد، وهو الذي قضى به عمر بن الخطاب ﵁، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وإسحاق، والأوزاعي، والثوري، واستدلوا بحديث الباب، وحديث: «أنت ومالك لأبيك»؛ ولأنه
стр. 4884
السبب في وجود الابن.
• وقال مالك في رواية، وابن نافع، وابن عبدالحكم، وابن المنذر: يقتل به؛ لظاهر آي القرآن، والأخبار الموجبة للقصاص؛ ولأنهما حُرَّان، مسلمان من أهل القصاص؛ فوجب أن يقتل كل واحد منهما بصاحبه.
• وقال مالك: إن قتله حذفًا بالسيف ونحوه؛ لم يقتل به، وإن ذبحه، أو قتل قتلًا لا يشك في أنه عَمَدَ إلى قتله دون تأديبه؛ أُقيد به.
والصحيح هو القول الأول، وعليه فتوى أكثر المحققين. (١)
مسألة [٢]: الجد من قِبَل الأب، ومن قِبَل الأم .
• حكمه كحكم الأب؛ لأنَّ الجد أبٌ من الجهتين، هذا مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم. ويدل على ذلك حديث: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»
• وخالف الحسن بن حي، فجعل على الجد القَوَد. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: الأم إذا قتلت ولدها ؟
• مذهب الحنابلة، وهو المشهور عن أحمد أنَّ الأم كالأب لا تقتل بولدها،
стр. 4885
وهو مذهب الشافعية؛ لأنَّ الأم أحد الوالدين، فيشملها الحديث: «لا يقتل الوالد بولده»؛ ولأنَّ حقها عظيم كحق الأب، أو أعظم.
• وعن أحمد رواية أنها تقاد بالولد؛ لأنها ليس لها ولاية عليه كالأب، والصحيح القول الأول. (١)
مسألة [٤]: هل يُقتل الولد بالوالد ؟
• إذا قتل الولد أحد أبويه؛ قُتِل بهما عند عامة أهل العلم؛ لأنَّ الأدلة الموجبة للقصاص تشمله، ولا دليل يخرجه منها، وقد نُقِل في ذلك الإجماع.
• وعن أحمد رواية أنه لا يُقاد به؛ لأنه ممن لا تقبل شهادته له بحق النسب؛ فلا يقتل به، كالأب مع ابنه، وردَّ ابن قدامة هذا القول، ورجَّح القول الأول. (٢)
مسألة [٥]: لو قتل أحد الأبوين صاحبه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٤٨٦): وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ صَاحِبَهُ، وَلَهُمَا وَلَدٌ؛ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ؛ لَوَجَبَ لِوَلَدِهِ، وَلَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ قِصَاصٌ عَلَى وَالِده؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، فَلَأَنْ لَا يَجِبَ لَهُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، أَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَلَدٌ سِوَاهُ، أَوْ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْقِصَاصُ؛ لَوَجَبَ لَهُ جُزْءٌ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ وُجُوبُهُ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ بَعْضُهُ، سَقَطَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ. وَصَارَ كَمَا لَوْ عَفَا
стр. 4886
بَعْضُ مُسْتَحِقِّي الْقِصَاصِ عَنْ نَصِيبِهِ مِنْهُ. اهـ (١)
• أما إذا لم يكن بينهما ولد؛ فعامة أهل العلم على أنه يجب القصاص.
• وخالف الزهري، وحُكي عن الليث أنَّ الرجل إذا قتل امرأته لا يقتل بها؛ لأنَّ النكاح ضربٌ من الرق، فأشبهت أمته. وهذا قول باطل، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
стр. 4887
١١٦٢ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْت لِعَلِيٍّ ﵄: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ غَيْرَ القُرْآنِ؟ قَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللهُ تَعَالَى رَجُلًا فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قُلْت: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، ولَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَقَالَ فِيهِ: «المُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ». وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: قتل المسلم بالكافر .
إذا قتل المسلم كافرًا؛ فإنْ كان حربيًّا فلا قود عليه بالإجماع.
• وأما إن كان ذميًّا فالجمهور على أنه لا يقتل به أيضًا، ويأثم المسلم على قتله؛ لأنه معصوم الدم، واستدلوا على عدم القود به بحديث الباب: «ولا يقتل مسلم بكافر». وثبت عن عمر ﵁ من طرق أنه قضى بذلك، وكذا ثبت القول بذلك عن عثمان، وعلي ﵄. أخرجها عنهم ابن المنذر في «الأوسط» (١٣/ ٥٤).
стр. 4888
• وذهب النخعي، والشعبي، وأصحاب الرأي إلى أنَّ المسلم يقتل بالذمي؛ لأنه معصوم الدم، فيقتل به؛ ولحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: «أنا أولى من وفَّى بذمته»، وهو حديث شديد الضعف كما سيأتي بيانه في آخر الباب برقم (١١٧١).
والصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم.
ومثله المستأمن عند الجمهور، ووافق عليه أبو حنيفة، والشعبي، والنخعي، وخالف أبو يوسف. (١)
مسألة [٢]: إن قتل كافرٌ كافرًا، ثم أسلم ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية أنه يقتص منه؛ لأنه كان في حال الجناية ممن يُقاد بذلك.
• وذهب الأوزاعي، وبعض الحنابلة رحمة الله عليهم إلى أنه لا يُقاد به؛ لأنه صار مسلمًا، ويشمله الحديث: «لا يقتل مسلم بكافر»، وهو الصحيح. (٢)
تنبيه: الذمي إذا قتل مسلمًا؛ قُتل به بلا خلاف. (٣)
مسألة [٣]: هل يقتل الذمي إذا قتل حربيًّا ؟
إذا قتل الذمي حربيًّا؛ لم يقتل به بلا خلاف؛ لأنَّ الذمي معصوم الدم،
стр. 4889
والحربي غير معصوم الدم. (١)
مسألة [٤]: قتل المرتد .
• المرتد مباح الدم كالحربي، وإذا قتله الذمي فلا يقتل به، وهو مذهب الحنابلة، وأكثر الشافعية.
• وقال بعض الشافعية: إذا قتله الذمي ففيه القصاص.
والقول الأول هو الصحيح، والله أعلم. (٢)
مسألة [٥]: هل يجري القصاص بين الولاة ورعيتهم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٤٨٠): وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْن الْوُلَاةِ وَالْعُمَّالِ وَبَيْنَ رَعِيَّتِهِمْ؛ لِعُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّ المُؤْمِنِينَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. اهـ
وقد ثبت عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب ﵄ القصاص في العمال كما في «مصنف عبد الرزاق» (١٨٠٣٥ - )، و «الأوسط» لابن المنذر (١٣/ ٩١ - ) وللسلطان أن يرضي المجني عليهم بالمال على ترك القصاص من عماله.
стр. 4890
١١٦٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ بِك هَذَا: فُلَانٌ، فُلَانٌ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ فَأَقَرَّ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل يقتل الرجل بالمرأة ؟
إذا قتلت المرأة رجلًا؛ تُقتل به بلا خلاف.
• وإذا قتل الرجلُ المرأةَ؛ فيقتل بها كذلك عند عامة أهل العلم.
• إلا أنَّ بعضهم يقول: على أولياء المرأة إذا طلبوا القصاص نصف دية لأولياء الرجل؛ لأنَّ دية الرجل ضعف دية المرأة، قال بذلك الحسن، وعطاء، وجاء عن علي ﵁ من طريقين يصلح بهما للتحسين. والصحيح هو القول الأول، وقد جاء نحو ذلك عن عمر، وعبدالله بن مسعود ﵄، وفي إسنادهما ضعف.
• وقد ذهب الجمهور إلى أنَّ الرجل يقاص حتى فيما دون النفس.
• وخالف أبو حنيفة، فقال: لا قصاص فيما دون النفس.
واستدل الجمهور بالآية نفسها ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥].
والصحيح قول الجمهور. (٢)
стр. 4891
١١٦٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل يقام القصاص على الصبي والمجنون ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٤٨١): لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ زَائِلِ الْعَقْلِ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ، مِثْلَ النَّائِمِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَنَحْوِهِمَا، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (٢)؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ، وَزَائِلِ الْعَقْلِ كَالْحُدُودِ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ صَحِيحٌ، فَهُمْ كَالْقَاتِلِ خَطَأً. اهـ
قلتُ: ويدل على ذلك حديث الباب أيضًا. (٣)
تنبيه: السكران الذي فقد عقله لا يُقاد إذا قتل على الصحيح، كما لا يقع
стр. 4892
طلاقه، ومن قال بوقوع طلاقه؛ فإنه يقول بالقود عليه، وراجع المسألة في كتاب الطلاق. (١)
إشكال: لماذا لم يأخذ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الدية من أهل الغلام الجاني؟
قال البيهقي ﵀ في «الكبرى» (٨/ ١٠٥): إن كان المراد بالغلام المذكور فيه المملوك؛ فإجماع أهل العلم على أنَّ جناية العبد في رقبته، يدل والله أعلم أنَّ الجناية كانت خطأ، وأنَّ النبي ﷺ إنما لم يجعل عليه شيئًا؛ لأنه التزم أرش جنايته، فأعطاه من عنده متبرعًا بذلك، وقد حمله أبو سليمان الخطابي ﵀ على أنَّ الجاني كان حُرًّا، وكانت الجناية خطأ، وكان عاقلته فقراء، فلم يجعل عليهم شيئًا، إما لفقرهم، وإما لأنهم لا يعقلون الجناية الواقعة على العبد إن كان المجني عليه مملوكًا، والله أعلم.
قال البيهقي: وقد يكون الجاني غلامًا، حُرًّا، غير بالغٍ، وكانت جنايته عمدًا؛ فلم يجعل أرشها على عاقلته، وكان فقيرًا؛ فلم يجعله في الحال عليه، أو رآه على عاقلته فوجدهم فقراء؛ فلم يجعله عليه؛ لكون جنايته في حكم الخطإِ، ولا عليهم؛ لكونهم فقراء، والله أعلم. انتهى. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تأخير القصاص من الجروح حتى يندمل الجرح .
• جمهور العلماء على أنَّ القصاص لا يجوز إلا بعد اندمال الجرح، وهو قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، ورُوي ذلك عن عطاء، والحسن. واستدل أصحاب هذا القول بحديث الباب.
стр. 4895
• وذهب الشافعي، وبعض الحنابلة إلى أنه يجوز القصاص قبل اندمال الجرح، واستدلوا بحديث الباب؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أجابه إلى طلبه.
قلتُ: الحديث ضعيف؛ فالصحيح جواز القصاص قبل اندمال الجرح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀.
تنبيه: المختار عندهم جميعًا الانتظار حتى يندمل الجرح. (١)
مسألة [٢]: إن اقتص قبل الاندمال، فسارت الجناية وتضاعفت بعد ذلك ؟
• مذهب الحنابلة أن سراية الجناية هدر، واستدلوا بحديث الباب.
• ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة أنها مضمونة، وهذا هو الصحيح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (٢)
مسألة [٣]: إن اندمل جرح الجناية، فاقتص منه، ثم انتقض فسرى ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٦٥): وَإِنْ انْدَمَلَ جُرْحُ الْجِنَايَةِ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ، ثُمَّ انْتَقَضَ فَسَرَى، فَسِرَايَتُهُ مَضْمُونَةٌ، وَسِرَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَّ بَعْدَ جَوَازِ الِاقْتِصَاصِ؛ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، فَبَرَأَ، فَاقْتُصَّ، ثُمَّ انْتَقَضَ جُرْحُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَمَاتَ، فَلِوَلِيِّهِ قَتْلُ الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ عَفَا إلَى الدِّيَةِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى بِالْقَطْعِ مَا قِيمَتُهُ دِيَةٌ، وَهُوَ يَدَاهُ، وَإِنْ
стр. 4896
سَرَى الِاسْتِيفَاءُ؛ لَمْ يَجِبْ أَيْضًا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ سَقَطَ بِمَوْتِهِ، وَالدِّيَةُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ بِالْجِنَايَةِ يَدًا، فَوَلِيُّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَبَيْنَ الْعَفْوِ إلَى نِصْفِ الدِّيَةِ، وَمَتَى سَقَطَ الْقِصَاصُ بِمَوْتِ الْجَانِي أَوْ غَيْرِهِ؛ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي، أَوْ مَالِهِ إنْ كَانَ حَيًّا. اهـ
فائدة: الحامل لا يقتص منها في النفس وما دونها حتى تضع الحمل. (١)
مسألة [٤]: إذا حصل القصاص فيما دون النفس فمات الجاني من القصاص ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا دية له، والحقُّ قَتَلَه. وهو قول الحسن، وابن سيرين، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي، ومالك، وربيعة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن. وثبت هذا القول عن عمر بن الخطاب ﵁، من طرق، وعن علي ﵁، كما في «مصنف عبد الرزاق»، و «الأوسط لابن المنذر».
• وقال بعض أهل العلم: على المقتص الدية، وهو قول عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والزهري، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة.
• وقيل: عليه الدية، ويطرح منها دية جرحه. قاله الشعبي، وحماد، وثبت عن ابن مسعود ﵁. (٢)
الحكم المستفاد من الحديثين
فيهما أنَّ القتل بما لا يغلب على الظن القتل به -وهو شبه العمد- ليس فيه القود، وإنما فيه الدية على العاقلة، وهو قول الجمهور كما تقدم.
وأما الكلام على دية الجنين فسيأتي إن شاء الله في باب الديات.
стр. 4899
١١٦٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ -عَمَّتَهُ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إلَيْهَا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ، فَأَبَوْا فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَبَوْا إلَّا القِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟ لَا، وَالَّذِي بَعَثَك بِالحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ»، فَرَضِيَ القَوْمُ فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «إنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مع ذكر مجموعة من المسائل الملحقة
مسألة [١]: القصاص في الجروح والأعضاء .
يجري القصاص في الجروح، والأطراف، والأعضاء بالنص، والإجماع.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥].
ومن السنة: حديث أنس المذكور في الباب.
وأما الإجماع: فقد وقع الإجماع في الجملة على القصاص في ذلك. (٢)
مسألة [٢]: شروط القصاص في الجروح والأعضاء .
• اشترط أهل العلم في ذلك شروطًا:
стр. 4900
الأول: أن تكون الجناية عمدًا محضًا، فأما الخطأ فلا قصاص فيه إجماعًا، وشبه العمد ليس فيه القصاص عند الأكثر، وخالف بعض الحنابلة فأوجب في ذلك القصاص، وكذا الحنفية.
وحجة الجمهور أنَّ النفس لا يقاد فيه بالخطإ وشبه العمد؛ فما دون النفس من باب أولى.
الثاني: التكافؤ بين الجارح والمجروح، والتكافؤ يحصل بما يبيح نفسه بنفسه، بمعنى أنه إذا قتله قِيد به، فلا قصاص بين الكافر والمسلم.
• وذهب الجمهور إلى أنه لا قصاص بين الحر والعبد، وقد تقدم أن الراجح خلافه.
الثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف، ولا زيادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، ولا خلاف في ذلك كما قال ابن قدامة.
ولذلك فأهل العلم يمنعون القصاص في الجروح التي يُخشى على الجاني إذا استوفي منه أن يتضرر بأكثر مما جنى، أو يؤدي به إلى الموت، كالمنقلة، والمأمومة، والدامغة.
وكذلك يقولون: إذا كان القطع في الأطراف مما دون المفصل؛ فلا قصاص،
стр. 4901
وإنما له الدية.
• واختلفوا هل له القصاص فيما دون ذلك، كأن يقطع طرفه من الساعد، فيطالب بالقصاص من الرسغ، أو يقطع من العضد فيطالب بالقصاص من المرفقين، ونحو ذلك.
ففيه وجهان للحنابلة، والصحيح أنَّ له القصاص بذلك، وهو مذهب الشافعية، بل إن أمكن أن يقاص من موضع القطع فله ذلك.
قال الإمام الشوكاني ﵀ في «السيل» (ص ٨٧٤): والحاصل أنَّ القصاص ثابت في الجروح، وهي تشمل ما كان ذا مفصل، وما كان غير ذي مفصل إذا أمكن الوقوف على مقداره، بحيث يمكن المقتص أن يقتص من الجاني بمثل الجناية الواقعة منه، وسواء كانت الجناية موضحة، أو دونها، أو فوقها. اهـ
ورجَّح الإمام ابن عثيمين أنه إذا أمكن القصاص بدون زيادة؛ فيقاص ولو كان من غير المفصل، وهو الصحيح، والله أعلم.
الرابع: اشترط أهل العلم التكافؤ في الأطراف، فلا تقطع الصحيحة بالمشلولة، ولا الكاملة بناقصة الأصابع، وعليه عامة أهل العلم.
وخالف داود الظاهري، فقال بالقطع، وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، وتعذرت المماثلة هنا؛ فعليه الدية.
стр. 4902
الخامس: الاشتراك في الاسم الخاص، فلا تؤخذ اليمنى باليسرى، ولا الضرس بالثنية. (١)
مسألة [٣]: أسماء الجراحات الواقعة في الرأس والوجه .
الحارصة: هي التي تكشط الجلد كشطًا لا يُدمِي.
الدامية: هي التي كشطت الجلد، وخرج منها الدم.
الباضعة: هي التي تبضع اللحم، أي: تشقه بعد الجلد.
المتلاحمة: وهي التي تنزل في اللحم.
السِّمحاق: وهي التي وصلت إلى جلدة رقيقة بين اللحم والعظم، وتسمى تلك الجلدة (السِّمحاق).
الموضحة: وهي التي أوضحت العظم وكشفت عنه.
الهاشمة: وهي التي هشمت العظم.
المنقلة: قيل: تنقل العظم من موضع إلى موضع. وقيل: حاجته في العلاج إلى إخراج شيء من العظم.
المأمومة: وهي التي قطعت العظم، وبلغت إلى قشرة رقيقة فوق الدماغ.
الدامغة: وهي التي بلغت إلى الدماغ. (٢)
стр. 4903
مسألة [٤]: القصاص في الموضحة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٣٢): وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِ الْقِصَاصِ فِي المُوضِحَةِ خِلَافًا، وَهِيَ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى الْعَظْمِ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ. اهـ
مسألة [٥]: الجرح الذي ينتهي إلى العظم في غير الرأس والوجه .
• أكثر أهل العلم على أنَّ فيها القصاص؛ لأنها بمعنى التي قبلها، وخالف بعض الشافعية، فقالوا: لا قصاص فيها؛ لأنها لم تقدر فيها دية كالأولى.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٣٢): وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]؛ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا بِغَيْرِ حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ، لِانْتِهَائِهَا إلَى عَظْمٍ، فَهِيَ كَالمُوضِحَةِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي المُوضِحَةِ لَيْسَ هُوَ المُقْتَضِي لِلْقِصَاصِ، وَلَا عَدَمُهُ مَانِعًا، وَإِنَّمَا كَانَ التَّقْدِيرُ فِي المُوضِحَةِ لِكَثْرَةِ شَيْنِهَا، وَشَرَفِ مَحَلِّهَا؛ وَلِهَذَا قُدِّرَ مَا فَوْقَهَا مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْجَائِفَةُ أَرْشُهَا مُقَدَّرٌ، وَلَا قِصَاصَ فِيهَا. اهـ
مسألة [٦]: الاستيفاء بآلة لا يحصل منها تعدي .
ذكر أهل العلم رحمة الله عليهم أنَّ الاستيفاء يكون بآلة لا يحصل بها زيادة على الجرح، كالموسى، والسكين الصغيرة، وما أشبه ذلك.
ويلي القصاص رجل جرائحي عنده خبرة، ينوبه الحاكم في ذلك. (١)
стр. 4904
مسألة [٧]: وهل للمجني عليه أن يباشر ذلك بنفسه إن كان عنده قدرة ؟
• مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة عدم ذلك؛ لأنه لا يؤمن مع العدواة وقصد التشفي أن يحيف في الاستيفاء بما لا يمكن تلافيه، وربما أفضى إلى النزاع والاختلاف.
• وظاهر مذهب الحنابلة أنَّ له ذلك.
والقول الأول أحوط، والثاني أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: هل في المأمومة قصاص ؟
• أكثر أهل العلم، وعامتهم على أنه ليس فيها قصاص؛ لعدم إمكان المماثلة فيها، ولأنه قد تؤدي إلى الوفاة إذا اقتص من الجاني.
• وصحَّ عن ابن الزبير أنه قال بالقصاص فيها، وأنكر الناس قوله. وقال عطاء: ما أعلم أحدًا قال بذلك قبل ابن الزبير. والصحيح قول الجمهور. (٢)
مسألة [٩]: القصاص في المنقلة والجائفة .
تقدم تفسير المنقلة، والجائفة هي في البدن، وهي التي تصل إلى الجوف، وليس فيهما قصاص بلا خلاف، وحُكي عن ابن الزبير القصاص في المنقلة، ولم يثبت عنه، وحُكي عن مالك رواية فيه. (٣)
стр. 4905
مسألة [١٠]: ما دون الموضحة من جراحات الرأس، والوجه، هل فيها القصاص ؟
• مذهب أحمد، والشافعي عدم القصاص فيها. وقال بذلك الحسن، وأبو عبيد؛ لأنه لا يؤمن فيها الزيادة، فأشبه كسر العظام. وبيان ذلك أنَّه إن اقتص من غير تقدير؛ أفضى إلى أن يأخذ أكثر من حقه، وإن اعتبر مقدار العمق؛ أفضى إلى أن يقتص من الباضعة، والسمحاق موضحة، ومن الباضعة سمحاقًا؛ لأنه قد يكون لحم المشجوج كثيرًا، بحيث يكون عمق باضعته كعمق موضحة الشاج، أو سمحاقة، ولأنه لم يعتبر في الموضحة قدر عمقها؛ فكذلك في غيرها.
• ومذهب مالك، وأصحاب الرأي أنه يجب القصاص في الدامية وما زاد عنها، وهو قول المزني من الشافعية؛ وذلك لأنَّ هذا الجرح يمكن أن يقتص منها بدون خوف على العظام، ويمكن تحري عمقها من أهل الخبرة في ذلك، وبالله التوفيق.
وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين، وهو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: الاقتصاص عن المأمومة والمنقلة بـ (موضحة) .
أجاز الفقهاء أن يقتص المجني عليه من الجاني بدون جنايته، كأن يقتص من المأمومة موضحة.
واختلفوا هل له أرش ما زاد؟