وإنما له الدية.
• واختلفوا هل له القصاص فيما دون ذلك، كأن يقطع طرفه من الساعد، فيطالب بالقصاص من الرسغ، أو يقطع من العضد فيطالب بالقصاص من المرفقين، ونحو ذلك.
ففيه وجهان للحنابلة، والصحيح أنَّ له القصاص بذلك، وهو مذهب الشافعية، بل إن أمكن أن يقاص من موضع القطع فله ذلك.
قال الإمام الشوكاني ﵀ في «السيل» (ص ٨٧٤): والحاصل أنَّ القصاص ثابت في الجروح، وهي تشمل ما كان ذا مفصل، وما كان غير ذي مفصل إذا أمكن الوقوف على مقداره، بحيث يمكن المقتص أن يقتص من الجاني بمثل الجناية الواقعة منه، وسواء كانت الجناية موضحة، أو دونها، أو فوقها. اهـ
ورجَّح الإمام ابن عثيمين أنه إذا أمكن القصاص بدون زيادة؛ فيقاص ولو كان من غير المفصل، وهو الصحيح، والله أعلم.
الرابع: اشترط أهل العلم التكافؤ في الأطراف، فلا تقطع الصحيحة بالمشلولة، ولا الكاملة بناقصة الأصابع، وعليه عامة أهل العلم.
وخالف داود الظاهري، فقال بالقطع، وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، وتعذرت المماثلة هنا؛ فعليه الدية.
стр. 4902
الخامس: الاشتراك في الاسم الخاص، فلا تؤخذ اليمنى باليسرى، ولا الضرس بالثنية. (١)
مسألة [٣]: أسماء الجراحات الواقعة في الرأس والوجه .
الحارصة: هي التي تكشط الجلد كشطًا لا يُدمِي.
الدامية: هي التي كشطت الجلد، وخرج منها الدم.
الباضعة: هي التي تبضع اللحم، أي: تشقه بعد الجلد.
المتلاحمة: وهي التي تنزل في اللحم.
السِّمحاق: وهي التي وصلت إلى جلدة رقيقة بين اللحم والعظم، وتسمى تلك الجلدة (السِّمحاق).
الموضحة: وهي التي أوضحت العظم وكشفت عنه.
الهاشمة: وهي التي هشمت العظم.
المنقلة: قيل: تنقل العظم من موضع إلى موضع. وقيل: حاجته في العلاج إلى إخراج شيء من العظم.
المأمومة: وهي التي قطعت العظم، وبلغت إلى قشرة رقيقة فوق الدماغ.
الدامغة: وهي التي بلغت إلى الدماغ. (٢)
стр. 4903
مسألة [٤]: القصاص في الموضحة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٣٢): وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِ الْقِصَاصِ فِي المُوضِحَةِ خِلَافًا، وَهِيَ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى الْعَظْمِ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ. اهـ
مسألة [٥]: الجرح الذي ينتهي إلى العظم في غير الرأس والوجه .
• أكثر أهل العلم على أنَّ فيها القصاص؛ لأنها بمعنى التي قبلها، وخالف بعض الشافعية، فقالوا: لا قصاص فيها؛ لأنها لم تقدر فيها دية كالأولى.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٣٢): وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]؛ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا بِغَيْرِ حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ، لِانْتِهَائِهَا إلَى عَظْمٍ، فَهِيَ كَالمُوضِحَةِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي المُوضِحَةِ لَيْسَ هُوَ المُقْتَضِي لِلْقِصَاصِ، وَلَا عَدَمُهُ مَانِعًا، وَإِنَّمَا كَانَ التَّقْدِيرُ فِي المُوضِحَةِ لِكَثْرَةِ شَيْنِهَا، وَشَرَفِ مَحَلِّهَا؛ وَلِهَذَا قُدِّرَ مَا فَوْقَهَا مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْجَائِفَةُ أَرْشُهَا مُقَدَّرٌ، وَلَا قِصَاصَ فِيهَا. اهـ
مسألة [٦]: الاستيفاء بآلة لا يحصل منها تعدي .
ذكر أهل العلم رحمة الله عليهم أنَّ الاستيفاء يكون بآلة لا يحصل بها زيادة على الجرح، كالموسى، والسكين الصغيرة، وما أشبه ذلك.
ويلي القصاص رجل جرائحي عنده خبرة، ينوبه الحاكم في ذلك. (١)
стр. 4904
مسألة [٧]: وهل للمجني عليه أن يباشر ذلك بنفسه إن كان عنده قدرة ؟
• مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة عدم ذلك؛ لأنه لا يؤمن مع العدواة وقصد التشفي أن يحيف في الاستيفاء بما لا يمكن تلافيه، وربما أفضى إلى النزاع والاختلاف.
• وظاهر مذهب الحنابلة أنَّ له ذلك.
والقول الأول أحوط، والثاني أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: هل في المأمومة قصاص ؟
• أكثر أهل العلم، وعامتهم على أنه ليس فيها قصاص؛ لعدم إمكان المماثلة فيها، ولأنه قد تؤدي إلى الوفاة إذا اقتص من الجاني.
• وصحَّ عن ابن الزبير أنه قال بالقصاص فيها، وأنكر الناس قوله. وقال عطاء: ما أعلم أحدًا قال بذلك قبل ابن الزبير. والصحيح قول الجمهور. (٢)
مسألة [٩]: القصاص في المنقلة والجائفة .
تقدم تفسير المنقلة، والجائفة هي في البدن، وهي التي تصل إلى الجوف، وليس فيهما قصاص بلا خلاف، وحُكي عن ابن الزبير القصاص في المنقلة، ولم يثبت عنه، وحُكي عن مالك رواية فيه. (٣)
стр. 4905
مسألة [١٠]: ما دون الموضحة من جراحات الرأس، والوجه، هل فيها القصاص ؟
• مذهب أحمد، والشافعي عدم القصاص فيها. وقال بذلك الحسن، وأبو عبيد؛ لأنه لا يؤمن فيها الزيادة، فأشبه كسر العظام. وبيان ذلك أنَّه إن اقتص من غير تقدير؛ أفضى إلى أن يأخذ أكثر من حقه، وإن اعتبر مقدار العمق؛ أفضى إلى أن يقتص من الباضعة، والسمحاق موضحة، ومن الباضعة سمحاقًا؛ لأنه قد يكون لحم المشجوج كثيرًا، بحيث يكون عمق باضعته كعمق موضحة الشاج، أو سمحاقة، ولأنه لم يعتبر في الموضحة قدر عمقها؛ فكذلك في غيرها.
• ومذهب مالك، وأصحاب الرأي أنه يجب القصاص في الدامية وما زاد عنها، وهو قول المزني من الشافعية؛ وذلك لأنَّ هذا الجرح يمكن أن يقتص منها بدون خوف على العظام، ويمكن تحري عمقها من أهل الخبرة في ذلك، وبالله التوفيق.
وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين، وهو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: الاقتصاص عن المأمومة والمنقلة بـ (موضحة) .
أجاز الفقهاء أن يقتص المجني عليه من الجاني بدون جنايته، كأن يقتص من المأمومة موضحة.
واختلفوا هل له أرش ما زاد؟
стр. 4906
• فمذهب الشافعي، وجماعة من الحنابلة أنَّ له أرش ما زاد.
• وقال بعض الحنابلة: ليس له أرش ما زاد، بل إما أن يأخذ دية المأمومة، أو يرضى بالموضحة فحسب.
قال الشوكاني ﵀ في «السيل»: الذي أثبته الشرع للمجني عليه هو القصاص، أو الأرش؛ فليس له أن يجمع بينهما. انتهى المراد.
قلتُ: وما ذكره الشوكاني ﵀ أقرب، إلا أن يرضى الجاني بذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [١٢]: القصاص في الأنف .
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٤٣): وَأَجْمَعُوا عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الْأَنْفِ أَيْضًا؛ لِلْآيَةِ وَالْمَعْنَى، وَيُؤْخَذُ الْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالْأَقْنَى بِالْأَفْطَسِ، وَأَنْفُ الْأَشَمِّ بِأَنْفِ الْأَخْشَمِ الَّذِي لَا يَشُمُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ فِي الدِّمَاغِ، وَالْأَنْفُ صَحِيحٌ.
ثم قال: وَاَلَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ هُوَ الْمَارِنُ، وَهُوَ مَالَانِ مِنْهُ، دُونَ قَصَبَةِ الْأَنْفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ، فَهُوَ كَالْيَدِ، يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا انْتَهَى إلَى الْكُوعِ، وَإِنْ قَطَعَ الْأَنْفَ كُلَّهُ مَعَ الْقَصَبَةِ؛ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْمَارِنِ، وَحُكُومَةٌ لِلْقَصَبَةِ. هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَا
стр. 4907
يَجِبُ مَعَ الْقِصَاصِ حُكُومَةٌ؛ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ قِصَاصٌ وَدِيَةٌ. اهـ (١)
قلتُ: إن أمكن القصاص في القصبة؛ فله القصاص، وإن لم يمكن؛ فله القصاص في المارن والحكومة فيما زاد، والله أعلم.
مسألة [١٣]: القصاص في الذكر .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٤٤ - ): لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي فِي الذَّكَرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾؛ وَلِأَنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ، وَيُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ، فَوَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ، كَالْأَنْفِ. وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ ذَكَرُ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالشَّيْخِ وَالشَّابِّ، وَالذَّكَرُ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، وَالصَّحِيحُ وَالمَرِيضُ. اهـ (٢)
مسألة [١٤]: هل يقطع ذكر الفحل بذكر الخصي والعنين ؟
• مذهب مالك، وأحمد في رواية أنه لا يقطع به؛ لأنه لا منفعة فيهما؛ لأنَّ العنين لا يطأ، ولا ينزل، والخصي لا يولد له، ولا ينزل، ولا يكاد يقدر على الوطء؛ ولأنَّ كل واحد منهما ناقص، فلا يؤخذ به الكامل كاليد الناقصة بالكاملة.
• ومذهب الشافعي أنه يقطع بهما؛ لأنهما متساويان في السلامة، وإنما عدم الإنزال، والجماع لمعنى في غيره؛ فلا يمنع القصاص، كأذن السميع بأذن الأصم.
стр. 4908
قال أبو عبدالله غفر الله له: مذهب مالك أرجح -والله أعلم؛ لعدم تحقق المساواة. (١)
مسألة [١٥]: إذا قطع بعض الذكر ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٤٥): وَيُؤْخَذُ بَعْضُهُ بِبَعْضِهِ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ دُونَ الْمِسَاحَةِ، فَيُؤْخَذُ النِّصْفُ بِالنِّصْفِ، وَالرُّبْعُ بِالرُّبْعِ، وَمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فَبِحَسَبِ ذَلِكَ. اهـ (٢)
مسألة [١٦]: القصاص في الأُنثيين .
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٤٦): وَيَجْرِي الْقِصَاصُ فِي الْأُنْثَيَيْنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّصِّ وَالمَعْنَى. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ فَإِنْ قَطَعَ إحْدَاهُمَا، وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إنَّهُ مُمْكِنٌ أَخْذُهَا مَعَ سَلَامَةِ الْأُخْرَى؛ جَازَ. فَإِنْ قَالُوا: لَا يُؤْمَنُ تَلَفُ الْأُخْرَى. لَمْ تُؤْخَذْ؛ خَشْيَةَ الْحَيْفِ، وَيَكُونُ فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ. وَإِنْ أُمِنَ تَلَفُ الْأُخْرَى؛ أُخِذَتْ الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى، وَالْيُسْرَى بِالْيُسْرَى. اهـ (٣)
مسألة [١٧]: القصاص في شفري المرأة .
في ذلك وجهان للحنابلة، والشافعية:
• فمنهم من يقول: فيه القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾؛ ولأنهما
стр. 4909
لحمان محيطان بالفرج من الجانبين، يُعرف انتهاؤهما؛ فوجب فيهما القصاص.
• وقال بعضهم: لا قصاص فيه؛ لأنه لحم، وليس له مفصل ينتهي إليه؛ فلم يجب فيه القصاص كلحم الفخذين.
والأول أصح عند الشافعية، وهو أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٨]: القصاص في الأليتين .
• مذهب الحنابلة، والشافعية وجوب القصاص فيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾؛ ولأنَّ لهما حدًّا ينتهيان إليه؛ فجرى القصاص فيهما.
• وقال المزني: لا قصاص فيهما؛ لأنهما لحمٌ متصل بلحم، فأشبه لحم الفخذ.
والصحيح الأول. (٢)
مسألة [١٩]: القصاص في العين .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٤٧): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقِصَاصِ فِي الْعَيْنِ، وَمِمَّنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَسْرُوقٌ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (٣)، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ الله تَعَالَى:
стр. 4910
﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:٤٥]؛ وَلِأَنَّهَا تَنْتَهِي إلَى مَفْصِلٍ، فَجَرَى الْقِصَاصُ فِيهَا كَالْيَدِ، وَتُؤْخَذُ عَيْنُ الشَّابِّ بِعَيْنِ الشَّيْخِ الْمَرِيضَةِ، وَعَيْنُ الْكَبِيرِ بِعَيْنِ الصَّغِيرِ وَالْأَعْمَشِ، وَلَا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بِقَائِمَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ. اهـ
مسألة [٢٠]: إذا قلع الأعور عين صحيح .
• من أهل العلم من قال: ليس في ذلك القود؛ لأنَّ عين الأعور قائمة مقام عينين تعمل عملهما، وعلى الأعور الدية كاملة. هذا قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وهو مذهب الحنابلة، وصحَّ عن عمر وابنه ﵄ أنَّ العين في الأعور فيها الدية كاملة، فمقتضى قولهما أن لا قود. وجاء عن عثمان نحو ذلك، وفي إسناده انقطاع وجهالة، وجاء عن علي بأسانيد تحتمل التحسين كما في «سنن البيهقي».
• وقال الحسن، والنخعي: يقتص الصحيح، ويعطيه نصف الدية.
• وقال مالك: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ دية كاملة.
• وقال جماعة من أهل العلم: له القصاص، ولا شيء عليه، وإن عفا؛ فله نصف الدية؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾.
وهذا قول مسروق، والشعبي، وابن سيرين، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وصحَّ عن عبدالله بن مغفل ﵁.
стр. 4911
قلتُ: ورجح الإمام العثيمين ﵀ القول الأول، ويظهر لي أنَّ الراجح القول الأخير، والله أعلم. (١)
تنبيه: محل الخلاف في المسألة السابقة في الأعور الذي لم يكن سبب عوره جناية سابقة أدت إلى القصاص منه بإفساد عينه، والله أعلم.
مسألة [٢١]: لو قلع الأعور عين مثله ؟
فيه القصاص بغير خلاف، قاله ابن قدامة. (٢)
تفريع على مذهب الحنابلة المتقدم:
الذين قالوا بأنَّ عين الأعور فيها الدية كاملة يقولون: إن قلع الأعور عيني الصحيح؛ فالصحيح مخير بين أن يقتص بعين الأعور، أو الدية كاملة، وإن اقتص فلا شيء له؛ لأنه قد أخذ جميع بصره بجميع بصره.
ويقولون: إن قلع صحيح العينين عينَ أعور؛ فله القصاص من مثلها، ويأخذ نصف الدية. نصَّ عليه أحمد؛ لأنَّه ذهب بجميع بصره، أو يأخذ الدية كاملة، ولا قصاص.
والصحيح في المسألة: أن الأعور إذا جنى على عيني الصحيح؛ فللصحيح أن يقتص بواحدة، ويأخذ دية الثانية، وإذا جنى الصحيح على الأعور فليس للأعور
стр. 4912
إلا القصاص أو نصف الدية، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٢]: إن قطع الأقطع يد من له يدان ؟
ذكر أهل العلم أنَّ فيها القصاص؛ لأنَّ يد الأقطع لا تقوم مقام يديه في الانتفاع والبطش، بخلاف عين الأعور؛ فإنها تقوم مقام عينيه جميعًا.
وخرج بعض الحنابلة وجهًا بأنها لو قطعت في سبيل الله؛ ففيها الدية كاملة، فلا تقطع بذلك والصحيح القول الأول. (٢)
مسألة [٢٣]: القصاص في الجفن .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٥٢): وَيُؤْخَذُ الْجَفْنُ بِالْجَفْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]؛
стр. 4913
وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ؛ لِانْتِهَائِهِ إلَى مَفْصِلٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَيُؤْخَذُ جَفْنُ الْبَصِيرِ بِجَفْنِ الْبَصِيرِ وَالضَّرِيرِ، وَجَفْنُ الضَّرِيرِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي السَّلَامَةِ مِنْ النَّقْصِ، وَعَدَمُ الْبَصَرِ نَقْصٌ فِي غَيْرِهِ، لَا يَمْنَعُ أَخْذَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، كَالْأُذُنِ إذَا عَدِمَ السَّمْعَ مِنْهَا. اهـ (١)
مسألة [٢٤]: القصاص في الأذن .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٤١): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَ تُؤْخَذُ بِالْأُذُنِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة:٤٥]؛ وَلِأَنَّهَا تَنْتَهِي إلَى حَدٍّ فَاصِلٍ، فَأَشْبَهَتْ الْيَدَ. وَتُؤْخَذُ الْكَبِيرَةُ بِالصَّغِيرَةِ، وَتُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بِأُذُنِ السَّمِيعِ، وَتُؤْخَذُ أُذُنُ الْأَصَمِّ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِتَسَاوِيهِمَا؛ فَإِنَّ ذَهَابَ السَّمْعِ نَقْصٌ فِي الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ، وَلَيْسَ بِنَقْصٍ فِيهِمَا.
قال: وَتُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِالْمَثْقُوبَةِ؛ لِأَنَّ الثُّقْبَ لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ فِي الْعَادَةِ لِلْقُرْطِ وَالتَّزَيُّنِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الثُّقْبُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، أَوْ كَانَتْ مَخْرُومَةً؛ أُخِذَتْ بِالصَّحِيحَةِ، وَلَمْ تُؤْخَذْ الصَّحِيحَةُ بِهَا؛ لِأَنَّ الثُّقْبَ إذَا انْخَرَمَ صَارَ نَقْصًا فِيهَا، وَالثُّقْبُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ عَيْبٌ، وَيُخَيَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَيْنَ أَخْذِ الدِّيَةِ إلَّا قَدْرَ النَّقْصِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا سِوَى الْمَعِيبِ وَيَتْرُكَهُ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي. وَفِي وُجُوبِ الْحُكُومَةِ لَهُ فِي قَدْرِ الثُّقْبِ وَجْهَانِ.
قال: وَإِنْ قُطِعَتْ بَعْضُ أُذُنِهِ؛ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي بِقَدْرِ مَا قُطِعَ مِنْهُ، وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ. اهـ (٢)
مسألة [٢٥]: إن قطع رجلٌ أذن إنسان، ثم ألصقها صاحبها، فالتصقت، فهل فيها القصاص ؟
• من أهل العلم من قال: فيها القصاص، أو الدية. وهذا قول الثوري، والشافعي، وإسحاق، وبعض الحنابلة؛ لأنَّ القصاص يجب بالإبانة، وقد وجدت.
• ومنهم من يقول: لا قصاص فيها. وهو قول مالك، وبعض الحنابلة؛ لأنها لم
стр. 4914
تبن على الدوام، وإن سقطت بعد ذلك قريبًا أو بعيدًا؛ فله القصاص.
وهل له الدية إذا لم تسقط؟
• قال مالك: ليس له الدية. وقال أبو بكر الحنبلي: له الدية. وهو قول أصحاب مالك.
والصحيح أنه ليس له الدية، وإنما حكومة، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٦]: إذا ألصق الجاني أذنه بعد أن استُوفِيَ منه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٤٣): وَإِنْ قَطَعَ أُذُنَ إنْسَانٍ، فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ، فَأَلْصَقَ الْجَانِي أُذُنَهُ فَالْتَصَقَتْ، وَطَلَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إبَانَتَهَا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ قَدْ حَصَلَتْ، وَالْقِصَاصُ قَدْ اُسْتُوْفِيَ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَمْ يَقْطَعْ جَمِيعَ الْأُذُنِ، إنَّمَا قَطَعَ بَعْضَهَا، فَالْتَصَقَ؛ كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَطْعُ جَمِيعِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ إبَانَةَ جَمِيعِهَا، وَلَمْ يَكُنْ إبَانَةٌ. وَالْحُكْمُ فِي السِّنِّ كَالْحُكْمِ فِي الْأُذُنِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: إن كان الجاني جنى على الآخر في موضع لا يستطيع فيه أن يدرك إعادة إلصاقها، أو على طريقة لا يمكن إعادة إلصاقها؛ فالقصاص فيها أن يُمنع الجاني بعد القصاص منه من إعادة إلصاق أذنه، والله أعلم.
стр. 4915
مسألة [٢٧]: القصاص في السن .
ويؤخذ السِّنُّ بِالسِّنِّ بالإجماع؛ للآية المتقدمة، ولأنَّ القصاص فيها ممكن، ولحديث أنس ﵁ الذي في الباب.
وأصحاب المذاهب الأربعة على أنه لا يقتص إلا من سنٍّ أثغر، وأما من لم يثغر فينتظر؛ فإن عادت أخرى مكانها؛ فلا قصاص، وإن لم تعد ويُئِس من عودها؛ فصاحبها مخير بين القصاص والدية.
وتؤخذ الصحيحة بالصحيحة، والمكسورة بالصحيحة؛ لأنه يأخذ بعض حقه، وهل يأخذ مع القصاص أرش الباقي؟ فيه وجهان. ولا تؤخذ الصحيحة بالمكسورة.
• وإن عادت السن في حال الانتظار؛ فلا دية أيضًا عند الحنابلة، والحنفية، وبعض الشافعية، وقال بعض الشافعية: له الأرش. وهو الصحيح.
وتؤخذ بعض السن بالبعض إن أمكن، ويقدر ذلك بالأجزاء، وتؤخذ السن الزائدة بالسن الزائدة إذا شاركتها في الموضع، وإلا فلا. (١)
مسألة [٢٨]: القصاص في اللسان .
يؤخذ اللسان باللسان بلا خلاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، ولأنَّ له حد ينتهي إليه، ويؤخذ بعضه ببعضه بالأجزاء.
стр. 4916
ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس؛ لأنه أفضل منه، ويؤخذ الأخرس بالناطق؛ لأنه بعض حقه. (١)
مسألة [٢٩]: قصاص اليمنى باليسرى والعكس .
• أكثر أهل العلم على أنه لا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم؛ لأنَّ كل واحدة منهما تختص باسم؛ فلا تؤخذ إحداهما بالأخرى كاليد مع الرجل، وذلك في كل ما انقسم إلى يمين ويسار، كاليدين، والرجلين، والمنخرين، والأذنين وغيرها.
• وقال ابن سيرين، وشريك: تؤخذ إحداهما بالأخرى؛ لأنهما يستويان في الخلقة والمنفعة. (٢)
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٥٧): وَمَا انْقَسَمَ إلَى أَعْلَى وَأَسْفَلِ، كَالْجَفْنَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، لَا يُؤْخَذُ الْأَعْلَى بِالْأَسْفَلِ، وَلَا الْأَسْفَلُ بِالْأَعْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا تُؤْخَذُ إصْبَعٌ بِإِصْبَعِ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا فِي الِاسْمِ وَالْمَوْضِعِ. اهـ
مسألة [٣٠]: هل سراية القَوَد مضمونة ؟
• أكثر أهل العلم على عدم ضمان سراية القود، ومعناه: أنه إذا قطع طرفًا يجب القود فيه، فاستوفى منه المجني عليه، ثم مات الجاني بسراية الاستيفاء؛ لم يلزم المستوفي شيء، وهذا قول الحسن، وابن سيرين، ومالك، والشافعي،
стр. 4917
وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد، وابن المنذر، وثبت هذا القول عن علي ﵁، وجاء عن عمر ﵁ بأسانيد تحتمل التحسين؛ وذلك لأنه قطع مستحق فلا تضمن سرايته كقطع يد السارق.
• وقال جماعةٌ من أهل العلم: عليه الضمان. وهو قول عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحارث العُكْلِي، والشعبي، والنخعي، والزهري، وأبي حنيفة؛ لأنه فوَّت نفسه، ولا يستحق إلا طرفه؛ فلزمته ديته. قال أبو حنيفة: في ماله. وقال غيره: على عاقلته. والصحيح القول الأول. (١)
مسألة [٣١]: سراية الجناية هل تضمن ؟
سراية الجناية مضمونة بلا خلاف في الجملة إذا لم يقتص قبل اندمال الجرح، سواء كان ذلك مما يمكن مباشرته بالجناية أم لا، وهناك خلاف للفقهاء في بعض المسائل الفرعية في ذلك. (٢)
مسألة [٣٢]: هل تؤخذ الأُذُن الصحيحة، والأنف الصحيح بالأشلين منهما ؟
في هذه المسألة وجهان للحنابلة والشافعية:
• فمنهم من يقول: تؤخذ بها؛ لأنَّ نفع الأذن والأنف لا يذهب بشلله؛ فإنَّ نفع
стр. 4918
الأذن جمع الأصوات، ورد الهوام، وستر موضع السمع، ونفع الأنف جمع الريح، ورد الهواء، والهوام، فقد ساوى الصحيح في الجمال والنفع.
• ومنهم من يقول: لا يؤخذ به كسائر الأعضاء.
والقول الأول أقرب؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٣]: إذا قطع اليدَ الكاملةَ ذو يَدٍ فيها أصبع زائدة ؟
للحنابلة وجهان:
• فمنهم من يقول: تقطع يده؛ لأنَّ الزائدة عيب ونقص في المعنى؛ فلا يمنع وجودها القصاص منها.
• ومنهم من يقول: لا تقطع بها؛ لأنَّ فيها زيادة. وهذا مذهب الشافعي.
والصحيح القول الأول. (٢)
مسألة [٣٤]: إن كانت يد القاطع شلاء والمقطوعة سليمة ؟
له أن يأخذ الدية بلا خلاف، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، وله أن يقاصَّه إذا أمن على الجاني من السراية بسبب الشلل، وإذا قاصَّه فليس له مع القصاص أرش عند الأكثر، وهو الصحيح إلا أن يتراضيا على ذلك. وقال بعض الحنابلة: له الأرش. (٣)
стр. 4919
مسألة [٣٥]: قصاص الشلاء بالشلاء .
• تؤخذ الشلاء بالشلاء على الصحيح، وهو مذهب الحنابلة، وبعض الشافعية.
• وقال بعض الشافعية: لا تؤخذ بها؛ لأنَّ الشلل علة، والعلل يختلف تأثيرها في البدن؛ فلا تتحقق المماثلة بينهما.
وأُجيب بأنهما متماثلان في ذات العضو وصفته، فجاز أخذ إحداهما بالأخرى، كالصحيحة بالصحيحة. (١)
مسألة [٣٦]: القصاص في الضربة، واللطمة، والسب .
• قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٦٢): وأما القصاص في اللطمة والضربة ونحو ذلك، فمذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين أن القصاص ثابت في ذلك كله، وهو المنصوص عن أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي، وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه لا يشرع في ذلك قصاص؛ لأنَّ المساواة فيه متعذرة في الغالب، وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
قال: والأول أصح؛ فإنَّ سنة النبي ﷺ مضت بالقصاص في ذلك، وكذلك سنة الخلفاء الراشدين، وقد قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]،
стр. 4920
وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، ونحو ذلك.
قال: وأما قول القائل إنَّ المماثلة في هذه الجناية متعذرة، فيقال: لابد لهذه الجناية من عقوبة، إما قصاص، وإما تعزير، فإذا جوز أن يعزر تعزيزًا غير مضبوط الجنس والقدر؛ فلأن يعاقب إلى ما هو أقرب إلى الضبط من ذلك أولى وأحرى، والعدل في القصاص معتبر بحسب الإمكان، ومن المعلوم أن الضارب إذا ضرب ضربة مثل ضربته أو قريبًا منها؛ كان هذا أقرب إلى العدل من أن يعزر بالضرب بالسوط، فالذي يمنع القصاص في ذلك خوفًا من الظلم يبيح ما هو أعظم ظلمًا مما فَرَّ منه؛ فَعُلم أنَّ ما جاءت به السنة أعدل وأمثل.
قال: وكذلك له أن يسبه كما يسبه، مثل أن يلعنه كما يلعنه، أو يقول: قبحك الله. فيقول: قبحك الله، أو أخزاك الله. فيقول له: أخزاك الله. أو يقول: يا كلب، يا خنزير. فيقول: يا كلب، ياخنزير. فأما إذا كان محرم الجنس مثل تكفيره، أو الكذب عليه؛ لم يكن له ان يكفره، ولا يكذب عليه، وإذا لعن أباه؛ لم يكن له أن يلعن أباه؛ لأن أباه لم يظلمه. اهـ
قال البخاري ﵀ في «صحيحه» (٦٨٩٦): وأقاد أبو بكر، وابن الزبير، وعلي، وسويد بن مقرن من لطمة، وأقاد عمر من ضربة بالدرة، وأقاد علي من ثلاثة أسواط، واقتص شريح من سوط وخموش. اهـ. وانظر من وصل هذه
стр. 4921
الآثار في «الفتح». (١)
مسألة [٣٧]: من استحق القتل قصاصًا؛ فقطع ولي القصاص يد المجني عليه أو رجله، ولم يقتله .
• قال بعض أهل العلم: لا عقل عليه، ولا كفارة، ويعزر ويعاقب؛ لأنه فعل ما لم يبح له الشرع فعله، ولم يلزم بالعقل والكفارة؛ لأنه قد استحق القتل، وهو أعظم مما فعله، وهذا قول الشافعي، والحنفية.
• ثم اختلف الحنفية فيما لو قال بعد قطع يده: قد عفوت عنه. فقال أبو حنيفة: عليه دية اليد. وقال أبو يوسف ومحمد: لا ضمان عليه من قبل أنه قد كانت له النفس. قال ابن المنذر: هذا أصح.
قلتُ: والصحيح أنه لا ضمان عليه؛ لأنه اكتفى عن القصاص بالنفس بما فعله من جناية على اليد، أو الرجل، وعفا عن القتل. (٢)
مسألة [٣٨]: إذا قطع رَجلٌ يمين شخص، ويمين آخر .
• الصحيح في هذا المسألة ما ذهب إليه الإمام الشافعي ﵀ من أنهما إذا اجتمعا على طلب القصاص؛ قطعت يمينه فحسب عن الجنايتين. وإن اختار أحدهما القطع، واختار الآخر الدية؛ قطعت يده، وودي الآخر.
• وذهب مالك إلى أنهما إذا طلبا القصاص؛ فلهما القصاص بدون دية، وإن
стр. 4922
أرادا الدية؛ فلهما الدية جميعًا.
• وقال الحنفية: تقطع يمينه لهما، ولكل واحد نصف الدية. (١)
مسألة [٣٩]: إذا قطع رَجلٌ يمين شخص، ويسار آخر .
قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٣/ ١٠٣): وإذا قطع يد رجل اليمنى، ويد آخر اليسرى، اقتص منه لهما جميعًا. وفي قول مالك والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، ولا أحفظ في ذلك عن أحد لقيته خلافًا. اهـ
стр. 4923
١١٦٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّا أَوْ رِمِّيًّا بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ عَصًا، فَعَلَيْهِ عَقْلُ الخَطَأِ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا، فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى قوله: «عِمِّيًّا أَوْ رِمِّيًّا» .
العميا: بكسر العين المهملة، وتشديد الميم، والياء المثناة من تحت بالقصر، فِعِّيلى من العمى، ورميا بزنة الأول مصدران يُراد بهما المبالغة.
قال في «النهاية» (٣/ ٣٠٥): العميا بالكسر والتشديد والقصر، فِعِّيلى من العَمَى، كالرمِّيَّا من الرمي، والخصيصى من التخصيص، وهي مصادر، والمعنى أن يوجد بينهم قتيل يَعْمَى أمره، ولا يتبين قاتله؛ فحكمه حكم قتيل الخطإ تجب فيه الدية. اهـ
مسألة [٢]: إذا قتل قتيل بين أناس لا يعلم من قتله .
ويكون قتله إما بسبب زحام، أو حصل بينهم ضرب بدون سلاح، أو ما أشبه
стр. 4924
ذلك.
• فمن أهل العلم من قال: ديته على من كان حاضرًا. وهو قول الزهري، والحسن؛ لأنه مات بفعلهم، فلا تتعداهم إلى غيرهم.
• ومنهم من يقول: يهدر. وهو قول مالك.
• ومنهم من يقول: يدعي على من شاء، ويحلف على ذلك؛ فإن أبى؛ حلف المدَّعى عليه. وهو قول الشافعي.
• ومنهم من يقول: ديته في بيت المال. وهذا قول سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزبير، وهو قول أحمد، وإسحاق بن راهويه، وابن حزم، وصح ذلك عن عمر، وعلي ﵄، وهو الصحيح؛ لأنَّ دم المسلم لا يهدر، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث القسامة وَدَى المسلمَ من عنده حين لم يتبين قاتله، ولا يصح أن يحمل أحدٌ الدية بمجرد الظن؛ لأنَّ أموال المسلمين محرمة. (١)
стр. 4925
١١٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ القَطَّانِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّ البَيْهَقِيَّ رَجَّحَ المُرْسَلَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إذا أمسك الرجلُ الرجلَ وقتله آخر ؟
لا خلاف بين أهل العلم أنَّ الذي باشر القتل يُقتل، واختلفوا في الممسك.
• فمنهم من يقول: يُقتل الممسك أيضًا. وهو قول مالك، وسليمان بن موسى، والليث، وأحمد في رواية؛ لأنه شاركه في القتل، ولو لم يمسكه ما قتله.
• ومنهم من يقول: يحبس حتى يموت. وهو قول عطاء، وربيعة، وأحمد في رواية. واستدل لذلك بحديث الباب؛ ولأنه أمسك للقتل، فيمسك محبوسًا حتى يموت، وهو قول ابن حزم، وجاء عن علي ﵁ بسند منقطع.
• وقال جماعةٌ من الفقهاء: يعاقبه الإمام، ويأثم، ولا يقتل. وهذا قول أبي
стр. 4926
حنيفة، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، ورجحه الصنعاني، وهو أقرب، والله أعلم. (١)
تنبيه: الذين يقولون بقتل الممسك يقيدون ذلك بما إذا أمسكه وهو يعلم أنَّ الآخر يريد قتله.
مسألة [٢]: من أمر عبده بقتل إنسان، فقتله العبد ؟
أما إذا كان حديث عهد بإسلام لا يعلم تحريم القتل، أو يظن أنه يجب عليه طاعة سيده بذلك؛ فيعذر بجهله، والقصاص على السيد؛ لأنه أصبح كالآلة في يده، ويؤدب العبد.
وأما إن كان عالمًا بالتحريم، فاختلفوا:
• فمنهم من يقول: يقتل السيد؛ لأنه الآمر، والعبد كالآلة في يده، ويحبس العبد. نُقل عن علي ﵁ بسند فيه ضعف. وهذا القول صح عن أبي هريرة ﵁، وهو قول أحمد في رواية، وإسحاق، ومال إليه ابن حزم.
• ومنهم من يقول: يقتلان جميعًا. وهو قول قتادة، وابن القاسم المالكي.
• وقال سليمان بن موسى: يديه السيد، ويُعاقب ويحبس، ولا يقتل أحدهما.
• ومنهم من يقول: يُقتل العبد، ويُعاقب السيد الآمر. وهو قول الثوري، والحكم، وحماد، والشعبي، والنخعي، وداود، والشافعي، وأحمد في رواية. وهذا
стр. 4927
القول هو الصحيح، والله أعلم، ورجحه الشوكاني. (١)
مسألة [٣]: إن أمر صبيًّا لا يميز، أو مجنونًا بقتل إنسان ؟
• مذهب الشافعي، وأحمد أن الآمر لهما هو الذي يتحمل الجناية، فيقتل الآمر، أو يدفع الدية إن رضي أولياء المقتول بذلك، وهو أيضًا مذهب المالكية، إلا أن الصبي عندهم مشارك في القتل؛ فعليه نصف الدية على عاقلته.
• وظاهر مذهب الثوري، وزفر، والحسن بن زياد أنَّ الجناية يتحملها الصبي، قال الثوري: ويرجع بها على الذي أمره. وقال الآخران: على عاقلته ترجع بها على الذي أمره. وهو قول الحنابلة، والشافعية فيما إذا كان الصبي مميزًا.
قلتُ: قول الشافعي، وأحمد هو الأقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤]: إن أمر السلطان رجلاً أن يقتل رجلاً غير مستحق للقتل، فقتله ؟
• ذكر الحنابلة، والشافعية أنه إن كان القاتل يعلم أنه لا يستحق القتل؛ فالقصاص عليه دون السلطان، وإن لم يعلم ذلك؛ فالقصاص على الآمر دون المأمور، وإن قتله وهو يعلم أنه لا يستحق، ولكن أكرهه السلطان على ذلك؛
стр. 4928
فيقاد السلطان.
واختلفوا هل يقاد المأمور؟
• فمنهم من قال: يقاد. وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي في الأصح؛ لأنَّ الإكراه لا يبيح له القتل بغير حق.
• ومنهم من يقول: لا يقاد. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في قول.
قلتُ: وتقدم في المسألة (٦) من أول كتاب الجنايات: قول زفر أنه يقتل المكرَه فقط. وهو أقرب الأقوال، والله أعلم. (١)
فائدة: إن أمر إنسانًا بقتل آخر، فقتله بغير سلطان ولا إكراه؛ فالمأمور هو الذي يستحق القصاص عند أهل العلم، وممن نص على ذلك: عطاء، وسليمان ابن موسى، والحكم، وحماد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. (٢)
стр. 4929
١١٧١ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلَمَانِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ مُسْلِمًا بِمُعَاهَدٍ، وَقَالَ: «أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَى بِذِمَّتِهِ». أَخْرَجَهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ هَكَذَا مُرْسَلًا، وَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَإِسْنَادُ المَوْصُولِ وَاهٍ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
استدل الحنفية بهذا الحديث على أنَّ المسلم يقتل بالذمي، وهو حديث ضعيف، وخالفهم الجمهور كما تقدم.
واستدلوا بالحديث المتقدم برقم (١١٦٢)، وفيه: «ولا يقتل مسلم بكافر».
стр. 4930
١١٧٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قُتِلَ غُلَامٌ غِيلَةً (١)، فَقَالَ عُمَرُ: لَوِ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأثر
مسألة [١]: إذا اجتمع جماعة على قتل رجل ؟
• أكثر أهل العلم على أنه يجب القصاص عليهم جميعًا إذا كان كل واحد منهم لو انفرد بفعله وجب عليه القصاص، وممن قال بقتلهم جميعًا سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وقتادة، وأصحاب المذاهب الأربعة، والثوري، والأوزاعي وغيرهم.
وهذا القول صح عن عمر ﵁ كما في الباب، وقد صحَّ في «مصنف ابن أبي شيبة» أنَّ الذين اشتركوا في قتله كانوا سبعة، فقتلهم عمر به.
وصح عن علي ﵁ كما في «المصنف» أيضًا أنه قتل ثلاثة برجل؛ وذلك لأنهم قد اشتركوا في القتل، وأُطْلِق على كل واحد منهم قاتل؛ ولأنَّ عدم القصاص يؤدي إلى فتح باب القتل.
• وقال بعضهم: ليس في ذلك القصاص، وإنما الدية. وهذا قول الزهري، وابن سيرين، وربيعة، وداود، وأحمد في رواية، وابن المنذر.
стр. 4931
• ونُقل عن ابن سيرين، والزهري أنه يقتل منهم واحد، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية.
• وصح عن ابن الزبير أنه كان يقتل منهم واحدًا، ورُوي عن معاذ بسند ضعيف أنه قال لعمر: ليس لك أن تقتل نفسين بنفس. وفي إسناده مجهول.
وحجة أصحاب هذا القول عدم المكافأة، وقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وكما لا تقطع يدان بيد؛ فكذلك لا تقتل نفسان بنفس.
والقول الأول هو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: إذا قطع رجل يد آخر من الكوع، ثم قطعها آخر من المرفق، فمات ؟
• مذهب أحمد، والشافعي أنها إن كانت قد برأت؛ فالقاتل هو الثاني فقط، وإن لم تكن قد برأت؛ فالقاتل هو الأول والثاني جميعًا.
• ومذهب أبي حنيفة أنَّ القاتل هو الثاني مطلقًا؛ لأنَّ الموت حصل بعد جنايته.
• ومذهب مالك أنَّ الثاني إن قطع عقيب الأول؛ فالاثنان، وإن تأخر حتى أكل، أو شرب؛ فعلى الثاني.
стр. 4932
قال أبو عبد الله غفر الله له: إن تابعه في القطع؛ فعليهما، وإن تأخر حتى ظهرت علامات الشفاء، ولم يظن الموت من الجناية الأولى؛ فالظاهر أنها على الثاني، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إذا اجتمع جماعة على رجل فقطعوا يده ؟
• من أهل العلم من قال: تقطع يد كل واحد منهما. كما تقدم في النفس، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم.
• ومنهم من يقول: لا تقطع. وهو قول الحسن، والزهري، والثوري، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، ووجهٌ في مذهب أحمد.
والراجح هو القول الأول كما تقدم في النفس. (٢)
مسألة [٤]: إذا اشترك الأب مع غيره في قتل ولده ؟
• من أهل العلم من يقول: يجري القصاص على شريك الأب فقط. وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور.
• وقال بعضهم: لا قصاص عليهما. وهو قول أصحاب الرأي، وأحمد في رواية.
والصحيح الأول. (٣)
стр. 4933
تنبيه: مثل المسألة السابقة لو اشترك إنسان يجري عليه القصاص مع آخر لا يجري عليه القصاص، مثل لو اشترك المسلم والذمي في قتل ذميٍّ؛ فإنَّ الذمي يقتل، وعلى المسلم نصف دية الذمي. (١)
مسألة [٥]: لو اشترك صبي، ومجنون، وعاقل بالغ في قتل شخص ؟
• من أهل العلم من قال: القصاص على البالغ العاقل؛ لأنَّ كل واحد منهم قتل، وامتنع القصاص من الصبي، والمجنون؛ لعدم التكليف. وهذا قول مالك، والشافعي في قول، وأحمد في رواية، وهو قول قتادة، والزهري، وحماد.
وعند هؤلاء على الصبي والمجنون نصف الدية، جعلها مالك والشافعي في مال الصبي، أو المجنون، وجعلها الآخرون على العاقلة، وهو أقرب؛ لأن جناية الصبي والمجنون في حكم الخطأ، وإن كانت عمدًا.
• ومنهم من يقول: عليهم الدية، ولا قصاص على أحد؛ لأنَّ عمد الصبي، والمجنون كالخطإ.
وهذا قول الحسن، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي حنيفة، وقول للشافعي، والأصح عن أحمد. وقال به أبو يوسف، ومحمد بن الحسن.
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)
стр. 4934
مسألة [٦]: لو اشترك في القتل رجل مخطئ، وآخر متعمد ؟
• مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة أنه لا يجب القصاص على واحد منهما؛ لأنَّ الروح لم تخرج عن عمد محض، ويمكن أن يكون هلاك النفس من فعل الذي لا قصاص عليه، وإذا لم يمكن الدم؛ وجب بدله، وهو الدية.
• ومذهب مالك أنه يجب القصاص على العامد منهما، وهو رواية عن أحمد؛ لأنه تعمد القتل، وحصل ذلك، وهو شريك فيه؛ فيقاد.
وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: لو قتله إنسان، فشاركه بنفسه في نفسه، أو اشترك إنسان مع سَبُع ؟
• في ذلك وجهان للحنابلة، والشافعية، ومذهب الحنفية عدم القصاص؛ لأنه شاركه من لا ضمان عليه؛ فهو أولى بعدم القصاص من المخطئ؛ فإنَّ عليه الضمان.
قلتُ: الأظهر أنَّ عليه القصاص، وهو يوافق ما تقدم تقريره. (٢)
مسألة [٨]: إذا اجتمع حرٌ وعبدٌ على قتل حر ؟
• ذهب النخعي والثوري إلى أنهما يقتلان جميعًا إذا شاء الولي.
стр. 4935
• وذهب الزهري وقتادة إلى أنه يقتل الحر، وأما العبد فله قتله، وله استخدامه.
• وذهب الإمام الشافعي ﵀ إلى أن الأولياء إن شاءوا قتلوهما جميعًا، وإن شاءوا عفوا عنهما، وإن شاءوا قتلوا الحر، وبيع العبد في نصف الدية؛ إلا أن يفدي السيد عبده.
قال أبو عبد الله غفر الله له: ما ذهب إليه الإمام الشافعي ﵀ في هذه المسألة هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: إذا اشترك جماعة في القتل، فهل للأولياء أن يعفوا عن البعض دون بعض ؟
ذكر أهل العلم أنَّ لهم العفو عن بعضٍ دون بعض، ولا يسقط القصاص عن البعض بالعفو عن البعض؛ لأنهما شخصان أو أكثر؛ فلا يسقط القصاص عن أحدهما بإسقاطه عن الآخر، كما لو قتل كل واحد رجلًا. (٢)
стр. 4936
١١٧٣ - وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الخُزَاعِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إمَّا أَنْ يَأْخُذُوا العَقْلَ أَوْ يَقْتُلُوا». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (١)
١١٧٤ - وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: خيار أولياء المقتول بين القصاص والدية .
دلَّ حديث الباب على أنَّ من قُتِل له قتيلٌ عمدًا؛ فأولياؤه بالخيارين: بين القصاص، والدية، وعلى هذا العمل عند أهل العلم.
• إلا أنَّ مالكًا استثنى قتل الغيلة، فقال: ليس لولي الدم العفو عنه؛ وذلك إلى السلطان، وهو قول أبي الزناد.
والغيلة عنده أن يخدع الإنسان فيدخل بيتًا، أو نحوه فيقتله، واستدل لذلك بحديث عمر ﵁ أنَّ غلامًا قتل غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء؛ لقتلتهم به. وجعله كالمحارب.
والصحيح قول الجمهور؛ لعموم الحديث، والله أعلم، وليس في أثر عمر ﵁
стр. 4937
عدم اعتبار قول أولياء الدم، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: من هم أهل القتيل الذين لهم الخيار ؟
• من أهل العلم من قال: إنَّ المراد عصبته.
وهو قول الزهري، ومالك، ووجهٌ للشافعية؛ وذلك لأنَّ القصاص يدفع العار عن النسب، فاختص به العصبات، كولاية النكاح؛ فإن اقتصوا فلا كلام، وإن عفوا على مالٍ؛ كان لجميع الورثة.
• وقال بعضهم: هم الذين يرثونه بالنسب لا بالسبب.
وهو قول ابن شبرمة، ووجهٌ للشافعية.
• ومنهم من قال: هم جميع الورثة بالنسب وبالسبب. وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، والجمهور؛ لأنَّ الحديث فيه التخيير بين القصاص والدية؛ فجعل القود لمن جعل له الدية، ولا خلاف أنَّ الدية لجميع الورثة؛ ولأنَّ قوله «فَأَهْلُهُ» يشمل الرجال والنساء، العصبة وغيرهم.
وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁، ما يؤيد ذلك كما في «الأوسط» (١٣/ ١١٤).
• ومنهم من أخرج النساء مطلقًا كالزهري، والليث، والأوزاعي، والحسن، وقتادة. (٢)
стр. 4938
مسألة [٣]: إذا اختار أولياء المقتول الدية، فهل يُشترط رضى القاتل بذلك، أم له أن يرفض، ويطلب القصاص ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ الخيار إلى ولي الدم، ولا عبرة بقول الجاني؛ لظاهر حديث الباب، وهذا قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم.
• وذهب النخعي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة إلى أنه يُعتبر رضى الجاني بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨]، والمكتوب لا يتخير فيه.
• وعن مالك رواية كقوله الجمهور، وهو الصواب؛ للحديث المتقدم؛ ولأنَّ الآية المذكورة فيها ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]، وذلك هو العفو، وقبول الدية في العمد كما فسره ابن عباس (١) وغيره. (٢)
مسألة [٤]: إذا كان بعض أولياء المقتول غائبًا، فهل يُقاد بغير إذنه ؟
نقل ابن قدامة، والعِمراني عدم الخلاف في أنه ليس للحاضر الاستيفاء بغير إذن الغائب؛ لأنَّ له حق في الخيار. (٣)
مسألة [٥]: إن كان في أولياء الدم صبي، أو مجنون ؟
• من أهل العلم من قال: ليس لهم الاستيفاء حتى يبلغ الصبي، ويفيق
стр. 4939
المجنون. وبهذا قال ابن أبي ليلى، وأحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي، وإسحاق، وأبو يوسف، ونُقل عن عمر بن عبد العزيز؛ وذلك لأنَّ للصغير والمجنون في ذلك حقًّا؛ فلا يفوت عليه. قال بعضهم: ويحبس حتى يبلغ الصبي، ويعقل المجنون.
• وقال جماعةٌ من أهل العلم: للكبار العقلاء استيفاء القصاص. وهو قول الحسن، وحماد، ومالك، والليث، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة.
واستدلوا على ذلك بأنَّ ولاية القصاص هي استحقاق استيفائه، وليس للصغير ولاية؛ ولأنَّ الحسن بن علي قَتل ابنَ ملجم، وكان هناك ورثة صغار، وهذا الأثر في إسناده ضعفٌ؛ ففيه مبهم كما في «مصنف ابن أبي شيبة» و «سنن البيهقي».
ثم وجدت له طريقًا أخرى عند ابن سعد (٣/ ٣٩ - ٤٠)، وفي إسناده: عمرو ابن عبدالله الأصم الهمداني وهو مجهول، ترجمته في «الجرح والتعديل»، وطريقًا أخرى عند الطبري في «تهذيب الآثار» رقم (١٣٧) من [مسند علي] بإسناد منقطع؛ فالأثر يثبت بهذه الطرق.
قال الطبري ﵀ في «تهذيب الآثار» (ص ٧١) من [مسند علي]: أهل السير لا تدافع بينهم أن عليًّا رضوان الله عليه إنما أمر بقتل قاتله ونهى عن أن يمثل به. اهـ
ورجَّح الإمام ابن عثيمين القولَ الأول، واستثنى أصحابُ القول الأول
стр. 4940
المجنونَ، فقالوا: لوليه العفو للدية؛ لأنَّ الجنون لا يُدرى متى يزول، وبعضهم استثنى الصبي إذا كان فقيرًا.
قال أبو عبد الله غفر الله له: النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جعل لأهله الخيار عقب القتل؛ دلَّ على أنَّ الاعتبار بمن له رأي، وعليه فولي الصبي والمجنون يقوم مقامه، وله أن يقبل القصاص، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: إن قتله بعض الأولياء بغير إذن الباقين ؟
• مذهب الحنابلة، والحنفية أنه لا قصاص عليه، وهو قولٌ للشافعي؛ لأنه مشارك في استحقاق القتل؛ فلم يجب عليه القصاص، كما لو كان مشاركًا في ملك الجارية ووطئها.
• وللشافعي قولٌ أنَّ عليه القصاص؛ لأنه ممنوع من قتله، والقصاص قد يجب بإتلاف بعض النفس كما لو قتل جماعةٌ واحدًا. والقول الأول أصح عند الشافعية.
وقد أُجيب عن قولهم المذكور بأنَّ القصاص من الجماعة للواحد ليس موجبه قتل بعض النفس، وإنما كل واحد منهم يجعل قاتلًا لجميعها، وإن سلم؛ فمن شرطه المشاركة لمن فعله كفعله في العمد، والعدوان، ولا يتحقق ذلك هنا. والقول الأول أرجح فيما يظهر، والله أعلم. (٢)