← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

١١٧٣ - وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الخُزَاعِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إمَّا أَنْ يَأْخُذُوا العَقْلَ أَوْ يَقْتُلُوا». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (١) ١١٧٤ - وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: خيار أولياء المقتول بين القصاص والدية . دلَّ حديث الباب على أنَّ من قُتِل له قتيلٌ عمدًا؛ فأولياؤه بالخيارين: بين القصاص، والدية، وعلى هذا العمل عند أهل العلم. • إلا أنَّ مالكًا استثنى قتل الغيلة، فقال: ليس لولي الدم العفو عنه؛ وذلك إلى السلطان، وهو قول أبي الزناد. والغيلة عنده أن يخدع الإنسان فيدخل بيتًا، أو نحوه فيقتله، واستدل لذلك بحديث عمر ﵁ أنَّ غلامًا قتل غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء؛ لقتلتهم به. وجعله كالمحارب. والصحيح قول الجمهور؛ لعموم الحديث، والله أعلم، وليس في أثر عمر ﵁

стр. 4937

عدم اعتبار قول أولياء الدم، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: من هم أهل القتيل الذين لهم الخيار ؟ • من أهل العلم من قال: إنَّ المراد عصبته. وهو قول الزهري، ومالك، ووجهٌ للشافعية؛ وذلك لأنَّ القصاص يدفع العار عن النسب، فاختص به العصبات، كولاية النكاح؛ فإن اقتصوا فلا كلام، وإن عفوا على مالٍ؛ كان لجميع الورثة. • وقال بعضهم: هم الذين يرثونه بالنسب لا بالسبب. وهو قول ابن شبرمة، ووجهٌ للشافعية. • ومنهم من قال: هم جميع الورثة بالنسب وبالسبب. وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، والجمهور؛ لأنَّ الحديث فيه التخيير بين القصاص والدية؛ فجعل القود لمن جعل له الدية، ولا خلاف أنَّ الدية لجميع الورثة؛ ولأنَّ قوله «فَأَهْلُهُ» يشمل الرجال والنساء، العصبة وغيرهم. وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁، ما يؤيد ذلك كما في «الأوسط» (١٣/ ١١٤). • ومنهم من أخرج النساء مطلقًا كالزهري، والليث، والأوزاعي، والحسن، وقتادة. (٢)

стр. 4938

مسألة [٣]: إذا اختار أولياء المقتول الدية، فهل يُشترط رضى القاتل بذلك، أم له أن يرفض، ويطلب القصاص ؟ • أكثر أهل العلم على أنَّ الخيار إلى ولي الدم، ولا عبرة بقول الجاني؛ لظاهر حديث الباب، وهذا قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم. • وذهب النخعي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة إلى أنه يُعتبر رضى الجاني بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨]، والمكتوب لا يتخير فيه. • وعن مالك رواية كقوله الجمهور، وهو الصواب؛ للحديث المتقدم؛ ولأنَّ الآية المذكورة فيها ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]، وذلك هو العفو، وقبول الدية في العمد كما فسره ابن عباس (١) وغيره. (٢) مسألة [٤]: إذا كان بعض أولياء المقتول غائبًا، فهل يُقاد بغير إذنه ؟ نقل ابن قدامة، والعِمراني عدم الخلاف في أنه ليس للحاضر الاستيفاء بغير إذن الغائب؛ لأنَّ له حق في الخيار. (٣) مسألة [٥]: إن كان في أولياء الدم صبي، أو مجنون ؟ • من أهل العلم من قال: ليس لهم الاستيفاء حتى يبلغ الصبي، ويفيق

стр. 4939

المجنون. وبهذا قال ابن أبي ليلى، وأحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي، وإسحاق، وأبو يوسف، ونُقل عن عمر بن عبد العزيز؛ وذلك لأنَّ للصغير والمجنون في ذلك حقًّا؛ فلا يفوت عليه. قال بعضهم: ويحبس حتى يبلغ الصبي، ويعقل المجنون. • وقال جماعةٌ من أهل العلم: للكبار العقلاء استيفاء القصاص. وهو قول الحسن، وحماد، ومالك، والليث، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة. واستدلوا على ذلك بأنَّ ولاية القصاص هي استحقاق استيفائه، وليس للصغير ولاية؛ ولأنَّ الحسن بن علي قَتل ابنَ ملجم، وكان هناك ورثة صغار، وهذا الأثر في إسناده ضعفٌ؛ ففيه مبهم كما في «مصنف ابن أبي شيبة» و «سنن البيهقي». ثم وجدت له طريقًا أخرى عند ابن سعد (٣/ ٣٩ - ٤٠)، وفي إسناده: عمرو ابن عبدالله الأصم الهمداني وهو مجهول، ترجمته في «الجرح والتعديل»، وطريقًا أخرى عند الطبري في «تهذيب الآثار» رقم (١٣٧) من [مسند علي] بإسناد منقطع؛ فالأثر يثبت بهذه الطرق. قال الطبري ﵀ في «تهذيب الآثار» (ص ٧١) من [مسند علي]: أهل السير لا تدافع بينهم أن عليًّا رضوان الله عليه إنما أمر بقتل قاتله ونهى عن أن يمثل به. اهـ ورجَّح الإمام ابن عثيمين القولَ الأول، واستثنى أصحابُ القول الأول

стр. 4940

المجنونَ، فقالوا: لوليه العفو للدية؛ لأنَّ الجنون لا يُدرى متى يزول، وبعضهم استثنى الصبي إذا كان فقيرًا. قال أبو عبد الله غفر الله له: النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جعل لأهله الخيار عقب القتل؛ دلَّ على أنَّ الاعتبار بمن له رأي، وعليه فولي الصبي والمجنون يقوم مقامه، وله أن يقبل القصاص، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: إن قتله بعض الأولياء بغير إذن الباقين ؟ • مذهب الحنابلة، والحنفية أنه لا قصاص عليه، وهو قولٌ للشافعي؛ لأنه مشارك في استحقاق القتل؛ فلم يجب عليه القصاص، كما لو كان مشاركًا في ملك الجارية ووطئها. • وللشافعي قولٌ أنَّ عليه القصاص؛ لأنه ممنوع من قتله، والقصاص قد يجب بإتلاف بعض النفس كما لو قتل جماعةٌ واحدًا. والقول الأول أصح عند الشافعية. وقد أُجيب عن قولهم المذكور بأنَّ القصاص من الجماعة للواحد ليس موجبه قتل بعض النفس، وإنما كل واحد منهم يجعل قاتلًا لجميعها، وإن سلم؛ فمن شرطه المشاركة لمن فعله كفعله في العمد، والعدوان، ولا يتحقق ذلك هنا. والقول الأول أرجح فيما يظهر، والله أعلم. (٢)

стр. 4941

مسألة [٧]: إن قتله أحدهما بعد عفو الآخر عالمًا بذلك ؟ • عليه القصاص، سواء حكم بذلك الحاكم أم لا، وهذا مذهب الحنابلة، والحنفية، وأبي ثور، وظاهر مذهب الشافعية. واختاره ابن المنذر. • وللشافعي قول أنه لا يجب القصاص؛ لأنه له فيه شبهة؛ لوقوع الخلاف فيه، والصحيح القول الأول. تنبيه: إذا كان القاتل جاهلًا بأنه قد وقع العفو فأكثرهم على أنه لا قصاص عليه. (١) مسألة [٨]: إن قتل القاتلَ إنسانٌ متعدِّيًا غير أولياء الدم ؟ • من أهل العلم من قال: على قاتله القصاص، ولورثة الأول الدية في تركة الجاني الأول. وهو قول أحمد، والشافعي. • وقال الحسن، ومالك: يُقتل قاتله، ويبطل دم الأول؛ لأنه فات محله، أشبه ما لو قتل العبدَ الجاني. ورُوي عن قتادة، وأبي هاشم أنه لا قود على الثاني؛ لأنه قتل مباحَ الدم؛ فلم يجب بقتله قصاص، كالزاني المحصن. وأجاب أهل القول الأول بأنَّ وجوب القصاص لم يتحتم، ولم يبح لغير ولي الدم قتله، وعند تعذر القصاص؛ وجبت الدية. والقول الأول هو الصحيح. (٢)

стр. 4942

مسألة [٩]: فإذا كان القتل الثاني خطأً ؟ • قال جماعة من أهل العلم: لا شيء لورثة المقتول الأول، والدية لورثة الثاني، وهو قول الحسن، وحماد، والنخعي. • وقال جماعة من أهل العلم: الدية لورثة المقتول الأول، وهو قول عطاء والزهري، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وابن المنذر. قال أبو عبد الله غفر الله له: كل من القتيلين يستحق الدية، فالأول يستحق أولياؤه الدية لفوات محل القصاص، والثاني يستحق أولياؤه الدية لأنه قتل خطأً، وعليه فمصير الدية لورثة القتيل الأول، والله أعلم. (١) مسألة [١٠]: إن كان القاتل للجاني هو العافي ؟ • عليه القصاص، سواء عفا مطلقًا أو إلى مال، عند جمع من العلماء، منهم: عكرمة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨ /المائدة:٩٤]، فسرت بذلك. • ورُوي عن الحسن: تؤخذ منه الدية ولا يقتل. • وقال عمر بن عبد العزيز: الحكم فيه إلى السلطان. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (٢)

стр. 4943

مسألة [١١]: إذا عفا ولي الدم عن القاتل، فهل يُعاقِب الإمامُ القاتل ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٨٤): وَإِذَا عَفَا عَنْ الْقَاتِلِ مُطْلَقًا؛ صَحَّ وَلَمْ تَلْزَمْهُ عُقُوبَةٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُضْرَبُ، وَيُحْبَسُ سَنَةً. قال: وَلَنَا أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاحِدٌ، وَقَدْ أَسْقَطَهُ مُسْتَحِقُّهُ؛ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الدِّيَةَ عَنْ الْقَاتِلِ خَطَأً. اهـ قلتُ: الذي يظهر أنَّ للإمام أن يعاقب من يصنع ذلك بما يردعه وأمثاله عن هذا العمل، والله أعلم. وقد قال بذلك أبو ثور إذا علم منه الشر. (١) مسألة [١٢]: إذا عفا بعض أولياء الدم عن القصاص ؟ قال يحيى بن سالم العِمراني ﵀ في «البيان» (١١/ ٤٣٣): وإن كان القصاص لجماعة، فعفا بعضهم عن القود؛ سقط القود عن القاتل؛ لقوله ﷺ : «فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية»، وهؤلاء لم يحبوا؛ لأنَّ فيهم من يحب، وفيهم من لا يحب. ثم نقل عن عمر، وابن مسعود ﵄ القول بذلك. قال: ولا مخالف لهما من الصحابة؛ فدل على أنه إجماع. اهـ

стр. 4944

قلتُ: أثر عمر، وابن مسعود ﵄ صحيحان كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٩/ ١٦٢) و «البيهقي» (٨/ ٥٩)، ولكن قد خالف بعض المالكية، فقالوا بالقصاص، وإن حصل عفوٌ من البعض، وهو قولٌ ضعيف. (١) مسألة [١٣]: إذا عفا المقتول عمدًا عن دمه قبل أن يموت ؟ • قال جماعةٌ من أهل العلم يمضي ذلك، ويكون جائزًا على الورثة. وهو قول مالك، والأشهر عند الحنابلة، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والشافعي في قول؛ لأنَّ الحق المذكور مقابل نفس المقتول؛ فهو له، وإنما ناب الولي منابه، وأقيم مقامه؛ فكان المقتول أحق بالخيار من الذي أقيم مقامه بعد موته، وهو قول طاوس، والحسن، وقتادة. • وقال جماعة من أهل العلم: لا يلزم عفوه، والأولياء بالخيار. وهذا قول أبي ثور، ووجه للحنابلة، والشافعي في القديم، وداود الظاهري وغيرهم، وعمدتهم الحديث: «فمن قتل له قتيل؛ فأهله بين خيرتين»، فجعل الخيار للورثة؛ فدلَّ على أنَّ ذلك حق لهم، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٢) مسألة [١٤]: إذا جنى على الإنسان جناية فيما دون النفس جناية فيها القصاص، فعفا، ثم مات ؟ • مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة أنه لا يجب القصاص بعد؛ لأنه يتعذر

стр. 4945

استيفاء القصاص في النفس دون ما عفا عنه؛ فيسقط، كما لو عفا بعض الأولياء. • وقال مالك: فيه القصاص؛ لأنَّ الجناية صارت في النفس، ولم يعف عنها؛ إلا أن يقول: عفوت عن الجراحات وعما تؤول إليه. (١) قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٨٧): فَإِنْ كَانَ عَفَا عَلَى مَالٍ؛ فَلَهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ؛ وَجَبَتْ الدِّيَةُ، إلَّا أَرْشَ الْجُرْحِ الَّذِي عَفَا عَنْهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ صَارَتْ نَفْسًا، وَحَقُّهُ فِي النَّفْسِ لَا فِيمَا عَفَا عَنْهُ. اهـ وبقول أبي حنيفة قال المزني من الشافعية، وبقول أحمد، والشافعي، يقول الثوري أيضًا. قلتُ: والذي يظهر لي -والله أعلم- أن فيه القصاص، سواء عفا إلى مال، أو بدون مال؛ لأنه الجناية صارت في النفس وهو إنما عفا عن عما دون النفس، والله أعلم. (٢) قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٨٧): فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ لَا قِصَاصَ فِيهِ، كَالْجَائِفَةِ وَنَحْوِهَا، فَعَفَا عَنْ الْقِصَاصِ فِيهِ، فَسَرَى إلَى النَّفْسِ، فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَمْ يَجِبْ فِي الْجُرْحِ، فَلَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ بَعْدَ عَفْوِهِ، وَلَهُ الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ، وَلَهُ كَمَالُ الدِّيَةِ. وَإِنْ عَفَا عَنْ دِيَةِ

стр. 4946

الْجُرْحِ؛ صَحَّ، وَلَهُ بَعْدَ السِّرَايَةِ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا أَرْشَ الْجُرْحِ. اهـ مسألة [١٥]: إذا عفا المجني عليه عن الجاني، في الجراح وما يسري منه فهل يشمل عفوه سقوط الدية عن النفس ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٩٠): فَإِنْ قَالَ: عَفَوْت عَنْ الْجِنَايَةِ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، صَحَّ عَفْوُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي سِرَايَتِهَا قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَسَوَاءٌ عَفَا بِلَفْظِ الْعَفْوِ أَوْ الْوَصِيَّةِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِصِحَّةِ عَفْوِ الْمَجْرُوحِ عَنْ دَمِهِ؛ مَالِكٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إذَا قَالَ: عَفَوْت عَنْ الْجِنَايَةِ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا. فَفِيهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَصِيَّةٌ، فَيُبْنَى عَلَى الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ، وَفِيهَا قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ، فَتَجِبُ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا دِيَةَ الْجُرْحِ. وَالثَّانِي، يَصِحُّ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ سَقَطَ، وَإِلَّا سَقَطَ مِنْهَا مَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، وَوَجَبَ الْبَاقِي. وَالْقَوْلُ الثَّانِي، لَيْسَ بِوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ فِي الْحَيَاةِ، فَلَا يَصِحُّ، وَتَلْزَمُهُ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا دِيَةَ الْجُرْحِ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ، فَسَقَطَ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الشُّفْعَةَ بَعْدَ الْبَيْعِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ الْقَوَدُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، أَوْ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَمَا تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ، وَلَا تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ بِمَالٍ، وَلِذَلِكَ صَحَّ الْعَفْوُ مِنْ الْمُفْلِسِ إلَى غَيْرِ مَالٍ.

стр. 4947

وَأَمَّا جِنَايَةُ الْخَطَأِ، فَإِذَا عَفَا عَنْهَا وَعَمَّا يَحْدُثُ مِنْهَا، اُعْتُبِرَ خُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ، سَوَاءٌ عَفَا بِلَفْظِ الْعَفْوِ أَوْ الْوَصِيَّةِ أَوْ الْإِبْرَاءِ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ، صَحَّ عَفْوُهُ فِي الْجَمِيعِ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، سَقَطَ عَنْهُ مِنْ دِيَتِهَا مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَنَحْوَهُ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ هَاهُنَا بِمَالٍ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الحق في العفو عن القتل للورثة، والدية حق لهم؛ فليس لغيرهم أن يعفو عن ذلك؛ لما تقدم ذكره في المسألة السابقة، والله أعلم. (١) مسألة [١٦]: إن قطع يده، فعفا عنه، ثم عاد الجاني فقتله ؟ • للولي القصاص عند الحنابلة، والشافعية؛ لأنَّ القتل انفرد عن القطع، فعفوه عن القطع لا يمنع ما يلزم بالقتل. وهو مقتضى مذهب أبي حنيفة، ومالك. • وقال بعض الشافعية: لا قصاص؛ لأنَّ العفو حصل عن البعض؛ فلا يقتل به، كما لو سرى القطع إلى نفسه. والصحيح القول الأول. • وإذا اختار الدية، فقال بعضهم: إن كان عفا في الطرف إلى غير دية؛ فله بالقتل نصف الدية. وهذا قول بعض الحنابلة، وظاهر مذهب الشافعي. • وقال بعض الحنابلة، وبعض الشافعية: له الدية كاملة.

стр. 4948

وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [١٧]: عفو المجني عليه خطأ عن الدية ؟ • أكثر أهل العلم على اعتبار خروجها من الثلث؛ إلا أن يجيز الورثة، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم. • وقال طاوس، والحسن: يجوز في جميع المال. والصحيح أنها لا تخرج إلا من الثلث؛ فإن كانت الدية أكثر؛ فيسقط منها بقدر الثلث. (٢) مسألة [١٨]: إذا قُتِل إنسان ليس له وارث ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٩٤): وَإِذَا قُتِلَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَالْأَمْرُ إلَى السُّلْطَانِ؛ فَإِنْ أَحَبَّ الْقِصَاصَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَحَبَّ الْعَفْوَ عَلَى مَالٍ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَحَبَّ الْعَفْوَ إلَى غَيْرِ مَالٍ؛ لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي هَذَا. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْعَفْوَ عَلَى مَالٍ إلَّا بِرِضَى الْجَانِي. اهـ قلتُ: وبقول الحنابلة قال الشافعيةُ، وابنُ المنذر، وبقولهم نقول. (٣)

стр. 4949

مسألة [١٩]: إذا قتل المسلمُ رجلًا مسلمًا، وأهله كافرون . الذي عليه أهل العلم: أنه لا دية لأهله، وعلى القاتل الكفارة لقول الله تعالى: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة)، وقد نص على ذلك عطاء، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، وقتادة، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وابن المنذر. (١) مسألة [٢٠]: إذا أراد أولياء الدم القصاص، فأعطاهم الجاني أكثر من الدية، فهل لهم قبول ذلك ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٩٥): إنَّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ، لَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ، وَبِقَدْرِهَا وَأَقَلِّ مِنْهَا، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ مسألة [٢١]: إذا قتل رجلٌ اثنين، وأولياء الأول غير أولياء الثاني ؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة: • فمذهب الحنابلة أنَّ أولياء القتيلين إن اتفقا على القتل؛ قُتل بهما، وإن اختاروا جميعًا الدية، أو بعض أولياء كل واحد منهما؛ فليس لهم إلا الدية، وإن اختار أولياءُ قتيلٍ القصاصَ، واختار أولياءُ الآخر أو بعضهم الديةَ؛ قُتل لمن اختار القود، وأُعطي أولياء الثاني الدية، سواء كان المختار للقود الثاني، أو الأول، وسواء قتلهما دفعة واحدة، أو دفعتين؛ فإن بادر أحدهما بقتله؛ وجب للآخر الدية في ماله أيهما كان.

стр. 4950

• وقال مالك، وأبو حنيفة: يقتل بالجماعة، ليس لهم إلا ذلك، أو العفو جميعًا، وإن قتله واحد؛ سقط حق الباقين. • وقال الشافعي: يُقتل بواحد، وللآخر الدية، وإن طلبوا جميعًا القصاص. وباقي قوله كقول الحنابلة. وقول الحنابلة هو الصحيح، والله أعلم. (١) مسألة [٢٢]: إذا قتل إنسانًا وقطع يد آخر ؟ • مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة أنه تقطع يده أولًا، ثم يُقتل؛ لأنهما جنايتان مختلفتان، فلا يتداخلان، كقطع يَدَي رَجُلَين. • وقال مالك: يُقتل ولا يقطع؛ لأنه إذا قُتل تلف الطرف، فلا فائدة في القطع؛ فأشبه ما لو كانا لواحد. والصحيح القول الأول، وقياسه غير صحيح، لا يسلم له في الأصل ولا في الفرع. (٢) مسألة [٢٣]: الذي يتولى استيفاء القصاص . قال العِمراني ﵀ في «البيان» (١١/ ٤٠٢): وإن قتل رجلٌ رجلًا، وله أخوان، أو ابنان من أهل استيفاء القصاص؛ لم يكن لهما أن يستوفيا القصاص

стр. 4951

جميعًا؛ لأنَّ في ذلك تعذيبًا للقاتل، فإما أن يوكلا رجلًا يستوفي لهما القصاص، وإما أن يوكل أحدهما الآخر في الاستيفاء. اهـ، ثم ذكر أنهما إذا لم يفعلا يُقرع بينهما. مسألة [٢٤]: القصاص بإذن الحاكم . • مذهب الشافعي، وجماعةٍ من الحنابلة، وغيرهم أنَّ القصاص لا يكون إلا بإذن الحاكم، أو بحضوره؛ لأنَّ ذلك يضبط الأمور، ويؤمن فيه من التعدي، والفتن، وهذا هو الحق. تنبيه: إذا كان الحاكم ظالمًا جائرًا ولم يبال بدم القتيل؛ فللولي أن يقتل غريمه بدون إحداث فتنة، بذلك سمعت شيخنا مقبل الوادعي ﵀ يفتي، والله أعلم. (١) مسألة [٢٥]: إذا قتله بغير السيف - بخنق، أو تغريق، أو هدم - هل يُفعل به مثل ذلك ؟ • من أهل العلم من قال: يُفعل به مثل ما فعل في القاتل. وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية. واستدلوا بالآية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وبحديث الجارية الذي رُضَّ رأسها بين حجرين. • ومنهم من يقول: لا يستوفي إلا بالسيف. وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة». والقول الأول هو الصحيح، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم،

стр. 4952

والصنعاني، والشوكاني رحمة الله عليهم. (١) مسألة [٢٦]: إن قتله بلواط، أو سحر، أو تجريع الخمر، أو التحريق ؟ لا يُقتل بذلك عند أهل العلم؛ لأنه محرم بعينه. • وقال بعض الشافعية في اللواط: يدخل في دبره خشبة يقتله بها. وفي الخمر: يجرعه الماء حتى يموت. • وأما التحريق، فمذهب الشافعي الجواز، وللحنابلة وجهان، واستدلوا على الجواز بحديث البراء: «من غرق غرقناه، ومن حرَّق حرقناه»، رواه البيهقي (٨/ ٤٣)، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده مجاهيل. (٢) والصحيح عدم القصاص بذلك؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في البخاري (٢٩٥٤)، عن النبي ﷺ قال: «إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما». وأخرج أبو داود (٢٦٧٣، و ٢٦٧٥) عن حمزة بن عمرو الأسلمي، وعن ابن مسعود ﵄، عن النبي ﷺ قال: «إنه لا يعذب بالنار إلا رب النار»، وهو حديث صحيح. (٣) ثم ظهر لي أنَّ القصاص بالتحريق جائز؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠].

стр. 4953

وهذه الآيات تكون مخصصة للحديث المتقدم، والله أعلم. مسألة [٢٧]: إذا قطع يد رجل، أو جرحه جرحًا، ثم ضرب عنقه ؟ • من أهل العلم من قال: يستوفي بالسيف في العنق. وهو قول عطاء، وأبي يوسف، ومحمد، والثوري، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث: «لا قود إلا بالسيف»، وهو حديث ضعيف كما في «البدر المنير» (٨/ ٣٩٠ - ٣٩٥). • ومنهم من قال: يفعل به كما فَعَل. وهو قول عمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة، وأبي ثور، واستدلوا بالأدلة المتقدمة. وهذا هو الراجح، و الله أعلم. (١) مسألة [٢٨]: إذا صار الأمر إلى الدية، فكم يجب ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٠٩): إِذَا صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ، إمَّا بِعَفْوِ الْوَلِيِّ، أَوْ كَوْنِ الْفِعْلِ خَطَأً، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَالْوَاجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ دِيَةُ الْأَطْرَافِ الْمَقْطُوعَةِ وَدِيَةُ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قُطِعَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ بِقَتْلِهِ؛ صَارَ كَالْمُسْتَقِرِّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَسْقُط الْقِصَاصُ فِيهِ. قال: وَلَنَا أَنَّهُ قَاتِلٌ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْجُرْحِ، فَدَخَلَ أَرْشُ الْجِرَاحَةِ فِي أَرْشِ النَّفْسِ، كَمَا لَوْ سَرَتْ إلَى نَفْسِهِ، وَالْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَجِبُ، وَإِنْ وَجَبَ؛ فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يُشْبِهُ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ الْجُرْحِ لَا تُسْقِطُ

стр. 4954

الْقِصَاصَ فِيهِ، وَتُسْقِطُ دِيَتَهُ. انتهى. مسألة [٢٩]: إذا جنى رجلٌ على آخر جناية تخرجه عن الحياة، ثم جاء آخر فزاد المجني عليه جناية أخرى ؟ مثل أن يأتي إنسان إلى آخر، فيقطع عنقه، ثم يأتي آخر فيطعن المجني عليه في صدره. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٠٦ - ٥٠٧): فَالْأَوَّلُ هُوَ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَ جِنَايَتِهِ حَيَاةٌ، وَالْقَوَدُ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَعَلَى الثَّانِي التَّعْزِيرُ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَيِّتٍ. وَإِنْ عَفَا الْوَلِيُّ إلَى الدِّيَةِ؛ فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ يَجُوزُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ مَعَهُ، مِثْلُ شَقِّ الْبَطْنِ مِنْ غَيْرِ إبَانَةِ الْحَشْوَةِ، أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ الْأَوَّلُ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ، فَيَكُونُ الثَّانِي هُوَ الْمُفَوِّتُ لَهَا، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَالدِّيَةُ كَامِلَةً، إِنْ عَفَا عَنْهُ، ثُمَّ نَنْظُرُ فِي جُرْحِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ، كَقَطْعِ الطَّرَفِ، فَالْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَطْعِ طَرَفِهِ وَالْعَفْوِ عَنْ دِيَتِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، كَالْجَائِفَةِ وَنَحْوِهَا؛ فَعَلَيْهِ الْأَرْشُ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا عَلَيْهِ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الثَّانِي قَطَعَ سِرَايَةِ جِرَاحِهِ، فَصَارَ كَالْمُنْدَمِلِ الَّذِي لَا يَسْرِي. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. قال: وَلَوْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ يُفْضِي إلَى الْمَوْتِ لَا مَحَالَةَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ، وَتَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ، مِثْلَ خَرْقِ الْمِعَى، أَوْ أُمِّ الدِّمَاغِ،

стр. 4955

فَضَرَبَ الثَّانِي عُنُقَهُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً. وَقِيلَ: هُوَ فِي حُكْمِ الْحَيَاةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا جُرِحَ، دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّبِيبُ فَسَقَاهُ لَبَنًا، فَخَرَجَ يَصْلُدُ، فَعَلِمَ الطَّبِيبُ أَنَّهُ مَيِّتٌ، فَقَالَ: اعْهَدْ إلَى النَّاسِ. فَعَهِدَ إلَيْهِمْ، وَأَوْصَى، وَجَعَلَ الْخِلَافَةَ إلَى أَهْلِ الشُّورَى، فَقَبِلَ الصَّحَابَةُ عَهْدَهُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ وَصَايَاهُ وَعَهْدِهِ. فَلَمَّا كَانَ حُكْمُ الْحَيَاةِ بَاقِيًا؛ كَانَ الثَّانِي مُفَوِّتًا لَهَا، فَكَانَ هُوَ الْقَاتِلَ، كَمَا لَوْ قَتَلَ عَلِيلًا لَا يُرْجَى بُرْءُ عِلَّتِهِ. انتهى. مسألة [٣٠]: إذا ألقى رجلٌ آخر من شاهق، فتلقاه آخر بسيف، فقتله ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ٥٠٧): إذَا أُلْقِي رَجُلٌ مِنْ شَاهِقٍ، فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفِ فَقَتَلَهُ، فَالْقِصَاصُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاتَهُ قَبْلَ الْمَصِيرِ إلَى حَالٍ يَئِسُوا فِيهَا مِنْ حَيَاتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ إنْسَانٌ بِسَهْمٍ قَاتِلٍ، فَقَطَعَ آخَرُ عُنُقَهُ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ، أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَأَطَارَ آخَرُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ وُقُوعِهَا عَلَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، إنْ رَمَاهُ مِنْ مَكَان يَجُوزُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ، وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ شَاهِقٍ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ الْوَاقِعُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: كَقَوْلِنَا. وَالثَّانِي: الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا بِالْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ عِنْدَ سُقُوطِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ لِلْإِتْلَافِ. قال: وَلَنَا أَنَّ الرَّمْيَ سَبَبٌ، وَالْقَتْلَ مُبَاشَرَةٌ، فَانْقَطَعَ حُكْمُ السَّبَبِ، كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ، وَالْجَارِحِ مَعَ الذَّابِحِ، وَكَالصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَمَا ذَكَرُوهُ بَاطِلٌ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ. انتهى.

стр. 4956

تنبيه: إن قطع يديه، فاندمل الجرح؛ فعليه دية؛ فإن قتله بعد ذلك؛ فعليه دية أخرى، وكذلك إن قطع يديه ورجليه، فاندمل الجرح، ثم قتله؛ فعليه ثلاث ديات بلا خلاف. مسألة [٣١]: جناية العبد في رقبته . ذكر أهل العلم أنَّ جناية العبد في رقبته، ومعنى ذلك أنَّ المجني عليه، وأولياءه يطالبون السيد بجناية عبده، والسيد يتخير بين أن يعطيهم العبد مقابل الجناية، وإن كانت الجناية أقل من قيمة العبد؛ باعه لهم، أو غيرهم، وأوفاهم حقهم، وإن كان العبد أقل من الجناية؛ فليس لهم إلا العبد، وللسيد أن يفتدي عبده فيدفع أرش الجناية من عنده. (١)

стр. 4957

بَابُ الدِّيَاتِ ١١٧٥ - عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلَى أَهْلِ اليَمَنِ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ، إلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ المَقْتُولِ، وَإِنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي المَأْمُومَةِ (١) ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الجَائِفَةِ (٢) ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي المُنَقِّلَةِ (٣) خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ اليَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي المُوضِحَةِ (٤) خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ الفُ دِينَارٍ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد فِي «المَرَاسِيلِ»، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَحْمَدُ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ. (٥)

стр. 4958

١١٧٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دِيَةُ الخَطَأِ أَخْمَاسًا عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَأَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ بِلَفْظِ: «وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ»

стр. 4959

بَدَلَ: «بَنِي لَبُونٍ». وَإِسْنَادُ الأَوَّلِ أَقْوَى. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ مِنَ المَرْفُوعِ. (١) ١١٧٧ - وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، رَفَعَهُ: «الدِّيَةُ: ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ، جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا». (٢)

стр. 4960

١١٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مَنْ قَتَلَ فِي حَرَمِ اللهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ لِذَحْلِ (١) الجَاهِلِيَّةِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ. (٢) ١١٧٩ - [وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.] (٣) ١١٨٠ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا إنَّ دِيَةَ الخَطَأِ شِبْهِ العَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالعَصَا مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٤)

стр. 4961

المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الدية وحكمها . الدية واجبة بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢]. ومن السنة: أحاديث الباب. ووقع الإجماع على وجوب الدية في الجملة. (١) مسألة [٢]: قدر دية المسلم الحر . نُقل الإجماع على أنَّ دية الحر المسلم مائة من الإبل، وقد دلت على ذلك الأحاديث الورادة في الباب، نقل ذلك الإجماع ابن المنذر، ثم ابن قدامة وغيرهما. (٢) مسألة [٣]: هل الأصل في الدية الإبل لا غير ؟ • جماعةٌ من أهل العلم يقولون: الأصل في الدية الإبل فقط؛ فإن عدمت الإبل

стр. 4962

أعطى قيمتها بسعر يومها، وهذا قول طاوس، والشافعي في الجديد، وأحمد في رواية، وابن المنذر. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الأصل في الدية الإبل، والذهب، والوَرِق، والبقر، والغنم، والحلل، وهذا قول الحسن، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد في رواية. واستدلوا بحديث عمرو بن حزم «وعلى أهل الذهب ألف دينار»، وبحديث ابن عباس أنَّ رجلًا قتل، فجعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ديته اثني عشر ألف درهم. وهو حديث فيه ضعف، والراجح إرساله، وسيأتي ذكره في هذا الباب برقم (١١٨٦). ولكن أبا يوسف، ومحمد يقولان: هو مخيَّرٌ بين هذه كلها. وغيرهما يقول: هو مخير بين ما عدا الإبل عند عدم وجودها. ومن حجج هؤلاء ما رواه أبو داود (٤٥٤٢)، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم؛ فكان ذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبًا، فقال: ألا إن الإبل قد غَلَت. قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. وفي إسناده: عبدالرحمن بن عثمان البكراوي، وهو ضعيف، وللأثر طريق أخرى عند عمر ﵁ عند عبد الرزاق (١٧٢٦٣)، وابن المنذر (١٣/ ١٤٨) من طريق الشعبي عن عمر، ولم يدركه؛ فهو منقطع؛ فيحسن الأثر بالطريقين.

стр. 4963

• وقال أبو حنيفة: ثلاثة أصول: مائة من الإبل، أو عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار. • وقال مالك، والشافعي بالقديم بمثل قول أبي حنيفة؛ إلا أنهما قالا: اثنا عشر ألفًا من الدراهم. وقالا: لا يعدل عن الإبل عند وجودها، وجعلها أبو حنيفة على التخيير. والصحيح في هذه المسألة: أنَّ الأصل هو الإبل فقط؛ لظاهر الأحاديث الواردة في الباب، والأحاديث التي خالفت ذلك لم تصح، ويمكن حملها على أنها قومت على المائة من الإبل، والله أعلم. (١) تنبيه: عند إعواز الإبل تعتبر قيمتها بالغة ما بلغت في قول الشافعي الجديد. ومذهب الحنابلة، والشافعي في القديم أنها إذا لم توجد إلا بأكثر من ثمن المثل، فله العدول إلى ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم. وهذا أقرب، والله أعلم. (٢) تنبيه آخر: مذهب الشافعي وهو قول بعض الحنابلة أنه لا تعتبر قيمة الإبل، بل متى وجدت على الصفة المشروطة؛ أجزأت، قلَّت قيمتها أو كثرت، وهذا القول رجحه ابن قدامة، وهو الراجح، وعن أحمد رواية أنها تؤخذ مائة قيمة كل ناقة منها مائة وعشرون درهمًا؛ فإن لم يقدر على ذلك أدَّى اثني عشر ألف درهم، أو ألف دينار. (٣)

стр. 4964

مسألة [٤]: دية قتل العمد . أجمع العلماء على أنَّ دية قتل العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة، وهذا قضية الأصل، وهو أنَّ بدل المتلَف يجب على المتلِف، وأرش الجناية على الجاني، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لبعض أصحابه وقد رأى ولده معه: «أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه»، أخرجه أبو داود (٤٤٩٥)، وأحمد (٢/ ٢٢٦) عن أبي رمثة ﵁، بإسناد صحيح. • وخالف الشوكاني فجعلها على العاقلة. وأما قدرها وصفتها: • فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها أرباع، خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، هذا قول الزهري، وربيعة، وسليمان بن يسار، ومالك، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة، ونُقل ذلك عن ابن مسعود ﵁. واستُدِلَّ لهم بحديثٍ عن السائب فيه ذكر ذلك، وهو ضعيفٌ ضعفه السيوطي في «الجامع» (١/ ١٢٢٦). • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وهذا قول عطاء، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده الذي في

стр. 4965

الباب، ونُقل ذلك عن عمر ﵁ بسند منقطع، وهذا القول أقرب؛ للحديث المذكور. • وعن أبي ثور ﵀: أنها تخمس كما تخمس دية الخطأ. تنبيه: العاقلة لا تتحمل دية العمد في الجنايات التي لا قصاص فيها، كالجائفة، والمأمومة؛ خلافًا لقتادة، ومالك في رواية. (١) مسألة [٥]: أسنان الإبل في دية شبه العمد ؟ • قال جماعة من أهل العلم: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وهذا قول عطاء، والشافعي، ومن الصحابة ثبت عن المغيرة بن شعبة، وأبي موسى، وزيد بن ثابت ﵃. • وقال بعض أهل العلم: أربعون خلفة، وثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون، وهو قول الحسن، وطاوس، والزهري. • وقال آخرون: أربع وثلاثون خلفة، وثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وهو ثابت عن علي ﵁، والنخعي، والشعبي. • وقال آخرون: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون ثني إلى بازل، وهو قول ابن مسعود من

стр. 4966

طريق ولده أبي عبيدة عنه، ولم يسمع منه، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. • وقال الإمام أحمد مثل القول السابق؛ إلا أنه قال: خمس وعشرون بنات مخاض، بدل قوله: ثني إلى بازل. وهذا القول هو الثابت عن ابن مسعود ﵁. • وقال أبو ثور: تخمس أخماسًا كما في دية الخطأ. قال أبو عبد الله غفر الله له: الحجة في هذا المسألة حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص الذي في الباب، وقد دلَّ على أنه يلزم أن يكون فيها أربعون في بطونها أولادها، وبقية المائة يجزئ من كل ما ذكره الصحابة رضوان الله عليهم. (١) مسألة [٦]: من يتحمل دية شبه العمد ؟ • أكثر أهل العلم على أنَّ الدية على العاقلة، وهو قول الشعبي، والنخعي، والحكم، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر وغيرهم. واستدلوا على ذلك بقصة المرأتين التي ضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالدية على العاقلة. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الدية على القاتل، وهو قول ابن سيرين، والزهري، والحارث العُكْلي، وابن شبرمة، وقتادة، وأبي ثور، وبعض الحنابلة، وهو مقتضى قول مالك؛ لأنه لا يرى شبه العمد، بل يراه عمدًا.

стр. 4967

وحجتهم أنه قصد الفعل الذي أدى إلى القتل، فأشبه المتعمد؛ فيغلظ عليه بتحميلها عليه. والصحيح القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: هل تجب حالَّةً أَمْ مؤجلةً ؟ • عامة أهل العلم على أنها مؤجلة في ثلاث سنوات، واستدلوا على ذلك بأثر عمر ﵁، وآخر عن علي ﵁، وفيه أنهما قضيا بالدية على من قتل من غير قصد القتل، قضيا على عاقلته بالدية مؤجلة، وفي إسناد أثر عمر: أشعث بن سوار، وفي إسناد أثر علي: ابن لهيعة. ومن حجتهم أنها تجب على العاقلة على سبيل المواساة؛ فلا يكلفون بدفعها حالَّة. وذكر ابن قدامة الخلاف في ذلك عن بعض الخوارج. • وقد ذهب ابن حزم ﵀ إلى أنها حالة لا مؤجلة؛ لعدم وجود دليل على التأجيل، وقوله قوي، وهو الأصل. ولكن يظهر أنَّ الإمام إذا رأى على العاقلة مشقة جعل لهم أجلًا، ولا يُشترط أن يكون ثلاث سنوات، والله أعلم، وهذا قول شيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين ﵀. (٢)

стр. 4968

تنبيه: ابتداء التأجيل عند أحمد، والشافعي من حين وجوب الدية، وعند أبي حنفية من حين حكم الحاكم. (١) مسألة [٨]: أسنان الإبل في قتل الخطإ . • من أهل العلم من جعلها أخماسًا على ما جاء في أثر ابن مسعود ﵁ الموقوف عليه، وهي: عشرون بنو مخاض، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. وهذا قول النخعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. واستدلوا بأثر ابن مسعود ﵁. • ومنهم من جعلها أخماسًا كالتي قبلها، ولكن جعل مكان (عشرون بنو مخاض) (عشرون بنو لبون). واستدلوا على ذلك بحديث ابن مسعود ﵁ المرفوع في الباب، وهو ضعيفٌ، والصواب وقفه باللفظ المتقدم، وهذا قول عمر بن عبدالعزيز، وسليمان ابن يسار، والزهري، والليث، وربيعة، ومالك، والشافعي. • ومنهم من جعلها أرباعًا كما تقدم في العمد، وهو قول الحسن، والشعبي، والحارث العُكْلي، وإسحاق، وجاء عن علي ﵁ بإسناد لا بأس به. • ومنهم من جعلها ثلاثين حقة، وثلاثين بنات لبون، وعشرين بنات مخاض، وعشرين بني لبون ذكر، نُقل هذا عن زيد بن ثابت، وعثمان ﵄، وفي إسنادهما ضعف.

стр. 4969

• وقال طاوس: ثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون، وثلاثون بنات مخاض، وعشرة بني لبون ذكر. واستدل لهذا القول بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى أنَّ من قتل خطأ؛ فديته من الإبل ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكر. رواه أبو داود (٤٥٤١)، وابن ماجه (٢٦٣٠)، والنسائي (٨/ ٤٢ - )، من طريق: محمد بن راشد المكحولي، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب به، وقد ضعَّف هذا الحديث الدارقطني في «سننه» (٣/ ١٧٦)، وضعف محمدَ بن راشد، وقال: لم يذكر عمرو بن شعيب سماع أبيه من جده. قلتُ: محمد بن راشد وثقه أحمد، وابن معين وآخرون، ولا ينزل حديثه عن درجة الحسن. وأما كون عمرو بن شعيب لم يذكر سماع أبيه من جده، فما أدري لِمَ ذكر الدارقطني هذه العلة مع أنه يحتج بهذه الرواية في كثير من المواضع؟! وقد صحَّ سماع أبيه من جد أبيه كما قرر ذلك في غير ما كتاب. وقال النسائي ﵀ عقب الحديث من «الكبرى» (٤/ ٢٣٣ - ٢٣٤): هذا حديث منكر، وسليمان بن موسى ليس بالقوي في الحديث، ولا محمد بن راشد. اهـ

стр. 4970

قلتُ: قد رواه أيضًا محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب به مطولًا، أخرجه أحمد (٢/ ٢١٧)، وابن إسحاق لم يصرح بالتحديث. قال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (٦/ ٣٥٠) بعد أن ذكر أقوال الصحابة في ذلك: وهذا يدل على أنه ليس في الأسنان شيء مقدر عن النبي ﷺ .اهـ قلتُ: إن ثبت حديث عمرو بن شعيب؛ فالحكم به، وإن لم يثبت، فكما قال ابن القيم ﵀، والله أعلم. وقد أجمعوا على عدم إجزاء الفصيل، وهو ما دون ابن المخاض، وأجمعوا على التنويع كما في «الإجماع» لابن المنذر، وابن القطان. (١) مسألة [٩]: من يتحمل دية الخطإ، وهل هي حالة أم مؤجلة ؟ نقل ابن قدامة عدم الخلاف أنَّ دية الخطإ على العاقلة، وأنها مؤجلة. واستدل على الأول بحديث المرأتين اللتين قتلت إحداهما الأخرى، فقضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالدية على العاقلة. واستدل على التأجيل بأثر عمر، وعلي ﵄، ولم يثبت عنهما. والصحيح ما ذكره ابن قدامة في أنَّ الدية على العاقلة، ولكن الخلاف قد نقل عن عثمان البتي كما ذكر ذلك ابن حزم، وقوله مردود؛ لمخالفته للحديث. وأما التأجيل: فالصحيح عدم التأجيل؛ إلا إذا رأى ذلك الإمام لحاجة العاقلة

стр. 4971

إلى ذلك كما تقدم، وهو قول ابن حزم، وشيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهم، وعزاه شيخ الإسلام لأحمد. (١) مسألة [١٠]: هل يتحمل القاتل من دية الخطإ شيئًا ؟ • مذهب الجمهور أنه لا يتحمل، وأنَّ وجوب الدية ليس عليه، بل على العاقلة؛ لحديث المرأتين: «وجعل ديتها على عاقلتها». • وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ القاتل يتحمل معهم، وهو قول الليث، وابن شبرمة، ونُقل عن مالك. والصحيح القول الأول؛ لظاهر الحديث، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو قول الظاهرية. • وقال الشافعي: إن عجزت العاقلة؛ ففي ماله. وخالفه الجمهور. (٢) مسألة [١١]: الكفارة هل يتحملها القاتل أم العاقلة ؟ • مذهب الحنابلة، وأكثر الشافعية وغيرهم أنه يتحملها القاتل؛ لأنَّ هذا كفارة لجنايته، ولا تصح الكفارة من غير صاحب الجناية كما لا يصح الصوم عنه من غيره. • وقال بعض الشافعية: إنها تكون في بيت المال.

стр. 4972

والصحيح القول الأول. (١) مسألة [١٢]: عمد الصبي والمجنون هل تتحمله العاقلة ؟ • مذهب الجمهور أنَّ العاقلة تتحمله، وهو قول أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، والشافعي في قول؛ لأنَّ عمدَه جرى مجرى الخطإِ؛ لكون المجنون لا قصد له، ولكون الصبي قصده غير تام، ولأنهما لا يعقلان ولا يقدران قدر هذه الجريمة. • ومذهب الشافعي في الأشهر عنه أنَّ الجناية على المجنون، والصبي في ماليهما؛ لأنه عمدٌ لا خطأ، وهذا القول صح عن عبدالله بن الزبير كما في «المحلى». • وذهب ابن حزم إلى أنه لا دية عليهما، ولا على عاقلتهما، وبه قال ربيعة، ومالك إذا كان صغيرًا جدًّا لا يعقل. وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (٢) مسألة [١٣]: هل تتحمل العاقلة قتل الحر منهم لعبد ؟ • جمهور العلماء على أنَّ العاقلة لا تتحمل الجناية على العبد، جاء ذلك عن ابن عباس ﵄ بإسناد فيه ضعف؛ لأنَّ فيه: عبدالرحمن بن أبي الزناد، وفيه ضعف، وهو قول الشعبي، ومكحول، والنخعي، والثوري، ومالك، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي في قول. وحجتهم أنَّ العبد ديته قيمته؛ فدل على أنَّ ذلك من ضمان المتلفات، فلا تتحمل ذلك العاقلة، كجنايته على حيوان، كبعير، أو فرس؛ فإنَّ الغرامة في ذلك

стр. 4973

على الجاني، واستدلوا بأثر ابن عباس ﵄، ولا يُعلم له مخالف. • وذهب بعض الفقهاء إلى أنَّ العاقلة تتحمل ذلك؛ لأنها دية مقدرة بالقيمة، وكونها دية مقدرة؛ فلا يمنع تحملها، وهذا قول عطاء، والزهري، والحكم، وحماد، والشافعي في قولٍ، وأبي حنيفة. واختار الإمام ابن عثيمين ﵀ القول الأول، ورجح القول الثاني ابن حزم ﵀، وهو الأقرب فيما يظهر لي، والله أعلم. (١) مسألة [١٤]: هل تُحَمَّل العاقلة ما اعترف به إنسان من قتل الخطإ ؟ جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا تحمل العاقلة عمدًا، ولا عبدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا. وفي إسناده: عبدالرحمن بن أبي الزناد، وفيه ضعف، وجاء عن عمر ﵁، وفي إسناده أبو مالك النخعي عبدالملك بن الحسين متروك. وقد أخذ بهذا الأثر عامة أهل العلم، فلم يوجبوا على العاقلة تحمل الجناية بالاعتراف؛ لأنَّ إقرار الإنسان لا يُقبل على غيره. وقال ابن قدامة ﵀: لا نعلم فيه خلافًا. اهـ واختلفوا هل يحملها القاتل، أم لا؟ • فذهب أكثرهم إلى أنه يحملها القاتل.

стр. 4974

• وذهب أبو ثور، وابن عبدالحكم إلى أنه لا يصح إقراره؛ لأنه يقر على غيره. • وقال مالك، وابن حزم: إن حلف أولياء المقتول؛ وجبت الدية على العاقلة. (١) مسألة [١٥]: هل تتحمل العاقلة صلحًا ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢٩): وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الصُّلْحَ. وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ، فَيُنْكِرَهُ وَيُصَالِحَ الْمُدَّعِي عَلَى مَالٍ، فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ ثَبَتَ بِمُصَالَحَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، فَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ، كَاَلَّذِي ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِ. قال: وَمِمَّنْ قَالَ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الصُّلْحَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ، أَدَّى إلَى أَنْ يُصَالِحَ بِمَالِ غَيْرِهِ، وَيُوجِبَ عَلَيْهِ حَقًّا بِقَوْلِهِ. اهـ مسألة [١٦]: هل تتحمل العاقلة ما دون الثلث من الدية ؟ • ذهب جمعٌ من العلماء إلى أنَّ العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، وهذا قول سعيد بن المسيب، وعطاء، ومالك، وأحمد، وإسحاق؛ لما رُوي عن عمر ﵁ أنه قضى في الدية أن لا يحمل منها شيء حتى تبلغ عقل المأمومة. ذكره ابن حزم في «المحلى» من طريق: ابن سمعان عن بعض العلماء عن عمر به. • وقال أبو حنيفة، والثوري: تحمل السن والموضحة وما فوقهما؛ لأنَّ النبي

стр. 4975

-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جعل الغرة على العاقلة، والغرة هي نصف عشر الدية. • وذهب الشافعي إلى أنها تحمل ما قلَّ أو كَثُر؛ لأنَّ من حمل الكثير حمل القليل كالجاني في العمد. • وقال ابن حزم: لا تحمل العاقلة إلا النفس والغرة. والصحيح ما ذهب إليه الشافعي، والله أعلم. وخبر عمر ﵁ تالف؛ لأنَّ ابن سمعان قد كُذِّب، وشيخه مبهم، وقد نقل الإجماع على أنها تتحمل ما زاد على الثلث. (١) مسألة [١٧]: إذا كان الجاني من أهل الذمة ؟ • مذهب الشافعي، وأحمد وغيرهما أنَّ العقل على العاصبة كالمسلم؛ لأنَّ الأحكام تجري عليهم. • وعن أحمد رواية أنهم لا يتعاقلون؛ لأنَّ العقل شرع للمؤازرة، والتخفيف عن الجاني؛ فلا يُعان الذمي عليه. والصحيح القول الأول. (٢) مسألة [١٨]: إن جنى الرجل على نفسه خطأً، أو على بعض أطرافه، فهل على العاقلة الدية ؟ • بعض أهل العلم يقولون: على العاقلة الدية. وهذا قول الأوزاعي،
следующие страницы →