قلتُ: ويدل على الجواز قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ولفظ: ﴿الْمَحِيضِ﴾، يحتمل أن يكون اسمًا لمكان الحيض، أو أن يكون مصدرًا للحيض.
والراجح أن المراد بالآية الأول؛ لأمرين:
أحدها: أنه لو أراد الحيض؛ لكان أمرًا باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماع بخلافه.
الثاني: أن الآية عند أن نزلت قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، وهذا تفسير لمراد الله تعالى.
وقد استدل القائلون بالتحريم بحديث: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، ما يحل لي من امرأتي، وهي حائض؟ فقال: «ما فوق الإزار»، وهو حديث حسن، وسيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله.
وقد أجيب عنه: بأنه يدل على حِلِّ ما فوق الإزار، ولا يدل على تحريم المباشرة؛ إلا بالمفهوم، والأدلة التي ذكرناها تدل بمنطوقها على جواز ذلك، والمنطوق مقدم على المفهوم.
والراجح -والله أعلم- هو الجواز، وأما إنْ خاف على نفسه من الوقوع في المحرم، فيكره له. (١)
стр. 529
مسألة [٢]: متى يحل للرجل إتيان امرأته الحائض إذا انقطع دمها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٤١٩): وَطْءُ الْحَائِضِ قَبْلَ الْغُسْلِ حَرَامٌ، وَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قال ابن المنذر ﵀: هَذَا كَالْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرُّوذِيُّ: لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ، حَلَّ وَطْؤُهَا، وَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ ذَلِكَ، لَمْ يُبَحْ حَتَّى تَغْتَسِلَ، أَوْ تَتَيَمَّمَ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ كَالْجَنَابَةِ.
قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، فَشَرَطَ لِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ شَرْطَيْنِ: انْقِطَاعَ الدَّمِ، وَالِاغْتِسَالَ، فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِهِمَا. انتهى بتصرف.
وقد أجاز ابن حزم إتيان الحائض إذا انقطع دمها، إن تيممت، أو غسلت موضع الدم، وإن لم تغتسل؛ لأنَّ هذا كله يطلق عليه طهارة، والله يقول: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، فهذا اللفظ عامٌّ، يَعُمُّ ما ذُكِرَ.
والجواب عنه: أنَّ هذا اللفظ مشترك، وقد اختلف أهل الأصول في اللفظ المشترك، هل يكون من باب العموم، أم من باب المجمل؟
والرَّاجح عند المحققين من أهل الأصول أنَّ اللفظ المشترك من الألفاظ المجملة، فلا يعمل بها حتى يتبين المراد منها، وقد بيَّنَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ المراد هو
стр. 530
الغسل، كقوله لأم حبيبة بنت جحش: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلي»، ومثله لفاطمة بنت أبي حبيش.
فالراجح هو قول الجمهور، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي، وقبلهما شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمة الله عليهم أجمعين. (١)
مسألة [٣]: ما حكم إتيان المستحاضة ؟
• جاء عن ابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وهو رواية عن أحمد أنهم منعوا من ذلك؛ لأنَّ بها أذى كالحائض.
• وخالفهم سائر أهل العلم، فقالوا بالجواز؛ لأنَّ النهي جاء في حقِّ الحائض، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، والأصل الإباحة حتى يأتي دليل على التحريم.
وهذا القول هو الراجح. (٢)
١٤٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَيْسَ إذَا حَاضَت لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الحائض تترك الصلاة والصيام، ثم تقضي الصوم .
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٢/ ٢٠٢): أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم على إسقاط فرض الصلاة عن الحائض في أيام حيضها.
ثم استدل بحديث أبي سعيد المذكور في الباب، ثم قال:
فأخبر أن لا صلاة عليها، ولا يجوز لها الصوم في حال الحيض.
ثم أجمع أهل العلم على أن عليها الصوم بعد الطهر، وَنَفَى الجميعُ عنها وجوب الصلاة، فثبت قضاء الصوم عليها بإجماعهم، وسقط عنها فرض الصلاة لاتفاقهم.
ثم استدل على ذلك بحديث معاذة العدوية -وهو في «الصحيحين» - (٢)، أنها سألت عائشة ﵂: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟
فقالت: أحرورية؟
قلتُ: لست بحرورية، ولكني أسأل.
стр. 534
قالت: قد كان يصيبنا ذلك مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. انتهى.
مسألة [٢]: إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة قبل أن تصليها ؟
• في المسألة أقوال:
القول الأول: عليها القضاء، وهو قول الشعبي، والنخعي، وقتادة، وأحمد، وإسحاق.
القول الثاني: إنْ أمكنها أن تصليها في أول وقتها؛ فعليها القضاء؛ فإن لم يمكنها، فلا قضاء عليها، وهو قول الشافعي.
القول الثالث: لا قضاء عليها، وهو قول محمد بن سيرين، وحماد بن أبي سليمان، وأبي حنفية، والأوزاعي، والظاهرية.
وهو ترجيح ابن حزم في «المحلَّى»، قال ﵀: برهان قولنا: هو أن الله تعالى جعل للصلاة وقتًا محدودًا، أوله وآخره، وصح أن رسول الله ﷺ صَلَّى الصلاةَ في أول وقتها، وفي آخر وقتها؛ فصح أن المؤخر لها إلى آخر وقتها ليس عاصيًا؛ لأنه ﵇ لا يفعل المعصية؛ فإذ ليست عاصية، فلم تتعين الصلاة عليها بعد، ولها تأخيرها، فإذا لم تتعين عليها حتى حاضت؛ فقد سقطت عنها، ولو كانت الصلاة تجب بأول الوقت؛ لكان من صلَّاها بعد مُضِي مقدار تأديتها من أول وقتها قاضيًا لها، لا مصليًا، وفاسقا بتأخيرها عن وقتها، ومؤخرًا لها عن وقتها، وهذا باطل لا اختلاف فيه من أحد. اهـ
стр. 535
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: هذا القول هو الراجح، والله أعلم.
وقد رجَّح هذا القول أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وعزاه إلى مالك أيضًا. (١)
مسألة [٣]: إذا طَهُرَتْ الحائض في آخر وقت الصلاة بمقدارٍ لا يمكنها الغسل حتى يخرج الوقت، فهل تلزمها تلك الصلاة ؟
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: أنها لا تلزمها تلك الصلاة، ولا قضاؤها، وهو قول الأوزاعي، والظاهرية.
الثاني: إذا طَهُرَت الحائض، وبقي قدر ركعة، فتجب عليها تلك الصلاة، ولو صلَّتها بعد خروج الوقت، وهو قول الشافعي.
الثالث: إن أدركت شيئًا من الوقت ولو دون ركعة؛ فتجب عليها تلك الصلاة، ولو صلتها بعد خروج الوقت، وهو قول أحمد.
والقول الأول هو الراجح، قال ابن حزم ﵀ في «المحلى»: برهان صحة قولنا: أنَّ الله عزوجل لم يبح الصلاة إلا بطهور، وقد حدَّ الله تعالى للصلوات أوقاتها، فإذا لم يمكنها الطهور، وفي الوقت بقية؛ فنحن على يقين من أنها لم تكلف تلك الصلاة التي لم يَحِلَّ لها أن تؤديها في وقتها. اهـ. (٢)
стр. 536
مسألة [٤]: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس، وقبل طلوع الفجر، فماذا عليها أن تصلي ؟
• ذهب الحسن، وقتادة، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، إلى أنها إذا طَهُرَتْ في وقتِ العصر، صلَّتِ العصرَ، وليس عليها صلاة الظهر، وكذا وقت العشاء، تصلي العشاء، وليس عليها صلاة المغرب، وهو قول داود، ورواية عن مالك.
• وذهب طاوس، والنخعي، ومجاهد، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، والليث، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول جمهور العلماء إلى أنها تصلي الظهر، والعصر، وكذا المغرب، والعشاء.
واحتج هؤلاء بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جمعَ بين الظهر، والعصر، وبين المغرب، والعشاء، فلما كان وقت الظهر وقتًا للعصر في حال، ووقت العصر وقتًا للظهر في حالٍ، فَطَهُرَت امرأة في وقت العصر، كان عليها أن تصلي الصلاتين؛ لأنَّ وقت الظهر وقت العصر في حال.
وقد جاء هذا القول عن ابن عباس، وفي إسناده: يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيفٌ.
وعن عبد الرحمن بن عوف، وفي إسناده مبهمتان.
وعن أبي هريرة أيضًا، ذكره شيخ الإسلام في «شرح العمدة»، وعزاه لحرب، ولم نقف له على إسناد، وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ الوادعي -رحمة الله عليهم- هذا القول.
стр. 537
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ وذلك لأنَّ وقت صلاة الظهر قد خرج.
والفرق بين الحائض، وبين أهل الأعذار أنَّ أهل الأعذار كانوا مخاطبين بصلاة الظهر، وأما الحائض؛ فإنها لم تُخاطب بها حتى خرج وقتها، فمن أين لنا أن نوجب عليها صلاة الظهر، أو المغرب، وقد خرج وقتها، والأحوط أن تصلي الصلاتين؛ لوجود العذر، والله أعلم.
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٢/ ٢٤٥): وغير جائزٍ أن يُوجَب عليها باختلافٍ صلاةٌ لا حجةَ مع موجب ذلك عليها، وفي قول النبي ﷺ : «من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس؛ فقد أدرك العصر»، دليل على أنه مدركٌ للعصر، لا للظهر. (١)
стр. 538
١٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْت، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٢١٧): وفيه دليل على أنَّ الحائض يصح منها جميع أفعال الحاج؛ غير الطواف بالبيت، وهو مجمع عليه. انتهى.
وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٣٥٦): وقد أجمع العلماء على تحريم الطواف على الحائض، والنفساء.
وأجمعوا أنه لا يصح منها طوافٌ مفروضٌ، ولا تطوع، وأجمعوا أن الحائض، والنفساء، لا تُمْنَعُ من شيء من مناسك الحج؛ إلا الطواف، وركعتيه، نقل الإجماع في هذا كله ابن جرير، وغيره، والله أعلم. انتهى.
стр. 539
١٤٢ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ، وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ: «مَا فَوْقَ الإِزَارِ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَضَعَّفَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
تقدم ذكر الأحكام المستفادة من هذا الحديث تحت حديث أنس ﵁: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، فراجعه.
стр. 540
١٤٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ (١): كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُد. وَفِي لَفْظٍ لَهُ: وَلَمْ يَأْمُرْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ. وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: أقل النِّفَاس .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا حدَّ لأقل النفاس، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك، والأوزاعي، وغيرهم.
• وجاء عن أبي حنيفة تحديد أقل النفاس بخمسة وعشرين يومًا، وجاء أيضًا عن أبي عبيد.
• وجاء عن الثوري، وأحمد في رواية، أقله ثلاثة أيام.
والصحيح أنه لا حدَّ لأقله، حتى أن بعض النساء تلدُ، ولا يخرج منها دمٌ، فهذه طاهرٌ، ولا يجب عليها الغسل.
مسألة [٢]: أكثر النفاس .
قال الإمام الترمذي ﵀ في «جامعه» (١/ ٢٥٨): وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ
стр. 541
أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا؛ إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَقُ، وَيُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ خَمْسِينَ يَوْمًا إِذَا لَمْ تَرَ الطُّهْرَ. اهـ
قلتُ: وجاءت رواية عن أحمد، ومالك، والشافعي، أنَّ أكثره ستون يومًا، وفي المسألة أقوال أخرى انظرها في «الأوسط»، وفي «شرح المهذب»، واستدل الجمهور بحديث أم سلمة ﵂، وبأثر ابن عباس ﵄ عند ابن المنذر (٢/ ٢٤٩) بإسناد صحيح أنه قال: النفساء تنتظر أربعين يومًا، أو نحوه. وقد رجحه الشيخ ابن باز، كما في «فتاوى اللجنة الدائمة».
والذي يظهر -والله أعلم- أنها تنتظر حتى ينقطع الدم، وإن جاوز الأربعين والخمسين، والله أعلم.
وهو ترجيح شيخ الإسلام ﵀، فقد قال كما في «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٣٩ - ٢٤٠): والنفاس لا حد لأقله، ولا لأكثره، فلو قدر أنَّ امرأة رأت الدم أكثر من أربعين، أو ستين، أو سبعين، وانقطع؛ فهو نفاس، لكن إن اتصل؛ فهو دم فساد، وحينئذ فالحد أربعون؛ فإنه منتهى الغالب جاءت به الآثار. اهـ. (١)
стр. 542
فرع: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٤٢٨): فإن زاد دم النفساء على أربعين يومًا، فصادف عادة الحيض؛ فهو حيضٌ، وإن لم يصادف عادة؛ فهو استحاضة. اهـ
ثم نقل عن أحمد مثل ذلك.
فرع: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٤٢٩): وإن ولدت، ولم ترَ دمًا؛ فهي طاهرٌ، لا نفاس لها؛ لأن النفاس هو الدم، ولم يوجد. اهـ
وأما حكم الغسل، فقد تقدم في [باب أحكام الغسل].
مسألة [٣]: إذا عاود النفساء الدم بعد طهرها في مدة الأربعين ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٤٣٠): وَإِنْ عَادَ دَمُهَا فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِينَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ -يعني عن أحمد- إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ مِنْ نِفَاسِهَا، تَدَعُ لَهُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ فِي زَمَنِ النِّفَاسِ، فَكَانَ نِفَاسًا كَالْأَوَّلِ، وَكَمَا لَوْ اتَّصَلَ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، تَصُومُ وَتُصَلِّي، ثُمَّ تَقْضِي الصَّوْمَ احْتِيَاطًا.
ثم رجَّح ابن قدامة ﵀ أنه دمُ نفاسٍ، وهو الراجح -إن شاء الله- إن كان الدم على صفته المعروفة، وقد جاء عن مالك أنه قال: إن رأتِ الدمَ بعد يومين، أو ثلاثة؛ فهو نفاس، وإن تباعد ما بينهما؛ فهو حيضٌ.
والراجح ما تقدم، والله أعلم. (١)
стр. 543
مسألة [٤]: هل كل وضعٍ يثبت به النفاس ؟
لها أحوال:
الأولى: أن تضع نطفة، قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٤٤٣): وهذا ليس بحيض، ولا نفاس بالاتفاق.
الثانية: أن تضع ما تَمَّ له أربعة أشهر، قال ابن عثيمين: وهذا نفاسٌ قولًا واحدًا.
الثالثة: أن تضع علقة، فالمشهور عند الحنابلة، وهو قول الشافعية، والحنفية: أنه لا يُعَدُّ نفاسًا؛ لأنَّ الدم يجوز أن يفسد، ولا ينشأ منه إنسان، وقال بعض أهل العلم وهو وجهٌ ضعيف عند الحنابلة: يُعَدُّ نفاسًا؛ لأنَّ الماء الذي هو نطفة انقلب من حالة إلى أصل الإنسان، وهو الدم، فتيقنا أنَّ هذا النازل إنسان، ورجَّحَ الشيخ ابن باز القول الأول.
الرابعة: أن تضع مضغة قد تبين فيها خلق الإنسان؛ فهذا نفاس عند أكثر العلماء، وهو مذهب الشافعية، والحنفية، والمشهور في مذهب أحمد، ونص عليه أحمد ﵀.
الخامسة: أن تضع مضغة لم يتبين فيها خلق الإنسان، ففيه وجهان عند الحنابلة، قال الإمام ابن عثيمين ﵀: المشهور من المذهب أنه ليس بنفاس، ولو رأتِ الدم، وهو مذهب الشافعية، والحنفية، وقال بعض أهل العلم: إنه نفاسٌ. وعللوا بأن الدم يجوز أن يفسد، ولا ينشأ منه إنسان، فإذا صار مضغة لحم؛ فقد تيقنَّا أنه إنسان، فدمها دم نفاسٍ. ورجَّح الشيخ ابن باز القول الأول. (١)
стр. 544
مسألة [٥]: حكم النفساء حكم الحائض .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٤٣٢): وَحُكْمُ النُّفَسَاءِ حُكْمُ الْحَائِضِ فِي جَمِيعِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا، وَيَسْقُطُ عَنْهَا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ وَطْئِهَا وَحِلُّ مُبَاشَرَتِهَا، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْهَا، وَالْخِلَافُ فِي الْكَفَّارَةِ بِوَطْئِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ دَمُ الْحَيْضِ، إنَّمَا امْتَنَعَ خُرُوجُهُ مُدَّةَ الْحَمْلِ؛ لِكَوْنِهِ يَنْصَرِفُ إلَى غِذَاءِ الْحَمْلِ، فَإِذَا وُضِعَ الْحَمْلُ، وَانْقَطَعَ الْعِرْقُ الَّذِي كَانَ مَجْرَى الدَّمِ، خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْحَائِضِ، وَيُفَارِقُ النِّفَاسُ الْحَيْضَ فِي أَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَحْصُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ قَبْلَهُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْبُلُوغِ؛ لِحُصُولِهِ بِالْحَمْلِ قَبْلَهُ. انتهى.
مسألة [٦]: هل تتنفس المرأة إذا ولدت بعملية جراحية ؟
قال الشيخ ابن باز، ومن معه من أعضاء اللجنة الدائمة (٥/ ٤٢٠): حكمها حكم النفساء، إنْ رأت دمًا، جلست حتى تطهر، وإنْ لم ترَ دمًا؛ فإنها تصوم، وتصلي كسائر الطاهرات. انتهى.
مسألة [٧]: حكم الدم الذي يخرج قبل الولادة .
• من أهل العلم من جعله نفاسًا، وهو قول الحسن، ووجهٌ عند الحنابلة، والشافعية، وهو قول إسحاق؛ لأنه دمٌ خرج بسبب الولادة، ورجَّحه ابن قدامة، ثم الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀.
• ومن أهل العلم من لم يجعله نفاسًا، وهو قول عطاء، ووجهٌ عند الحنابلة،
стр. 545
والمشهور عند الشافعية، ورجَّحه ابن المنذر، وقواه الشيخ ابن عثيمين ﵀.
والراجح أنَّ الدم إذا كان على صفات دم النفاس، أو الحيض، أنها تترك الصلاة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ﵀، فقد قال كما في «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٤٠): وما تراه من حين تشرع في الطلق؛ فهو نفاس. (١)
стр. 546
فتح العلام
في دراسة أحاديث بلوغ المرام
حديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة
تأليف
أبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني
في دار الحديث بدماج
الجزء الثاني
كتاب الصلاة
الَمَوَاقِيْت - الأَذَانِ - شُرُوطِ الصَّلاةِ - سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - الحَثِّ عَلَى الخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ - المَسَاجِدِ - صِفَةِ الصَّلاةِ - سُجُودِ السَّهْوِ- صَلَاةِ التَّطَوُّعِ
стр. 547
كِتَابُ الصَّلاةِ
كِتَابُ الصَّلاةِ
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٢): الصلاة في اللغة الدعاء، وسميت الصلاة الشرعية صلاةً؛ لاشتمالها عليه، هذا هو الصحيح، وبه قال الجمهور من أهل اللغة، وغيرهم من أهل التحقيق. اهـ
ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا دُعِي أحدكم فليجب؛ فإن كان مفطرًا، فليطعم، وإن كان صائمًا، فليصل». (١)
والصلاة في الشرع هي: أقوال، وأفعال مخصوصة، مُفْتَتَحَةٌ بالتكبير، مختتمة بالتسليم، تعبدًا لله تعالى. (٢)
مسألة [١]: حكم تارك الصلاة .
أما إنْ تركها جُحودًا؛ فقد أجمع العلماء على أنه كافرٌ، وخارجٌ من الملة.
• واختلف أهل العلم فيما إذا تركها تكاسلًا، وتهاونًا على قولين، وهي من أعظم المسائل التي اختلف فيها السلف وينبني على الخلاف مسائل كثيرة معروفة عند أهل العلم.
وأنا ذاكرٌ إن شاء الله القولين مع الأدلة الصحيحة القوية من الجانبين، ثم
стр. 548
نُرجِّح بينهما، والله المستعان.
القول الأول: أنَّ تركَ الصلاة تكاسلًا كفرٌ أكبر مخرجٌ من الملة.
وهو قول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وحكى إسحاق عليه إجماع أهل العلم، وقال محمد بن نصر المروزي: هو قول جمهور أهل الحديث.
واستدل هؤلاء بما يلي:
١) قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١].
٢) قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩].
٣) قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣].
٤) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بين الرجل وبين الكفر: ترك الصلاة»، أخرجه مسلم (٨٢) عن جابر ﵁.
٥) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها؛ فقد كفر»، رواه الترمذي (٢٦٢١) عن بريدة ﵁، وإسناده صحيح، وهو في «الصحيح المسند» (١٧١).
٦) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من ترك صلاة العصر؛ فقد حبط عمله»، رواه البخاري (٥٥٣)
стр. 549
عن بريدة ﵁.
٧) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولا تنازعوا الأمر أهله؛ إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله تعالى فيه برهان»، متفق عليه (١) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
وفي حديث عوف بن مالك ﵁، في «صحيح مسلم» (١٨٥٥): قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة».
فهذا يدل على أن ترك الصلاة كفرٌ بواحٌ.
٨) قول عبد الله بن شقيق: لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ يرون شيئًا تركه كفر غير الصلاة.
٩) قول عمر بن الخطاب ﵁: لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
١٠) وقول ابن مسعود ﵁: من لم يُصَلِّ؛ فلا دين له. وقول علي ﵁: من تركها؛ فهو كافر.
القول الثاني: أنَّ ترك الصلاة تكاسلًا كفرٌ أصغر ليس مُخرجًا من الملة، بل يكون فاسقًا، مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب.
وهو قول المالكية، والشافعية، والحنفية، وأحمد في رواية اختارها بعض أصحابه كابن بطة، وابن قدامة، وهو قول الثوري، والمزني، وعزاه بعضهم إلى الأكثرين، كالنووي، والحافظ ابن حجر، والشوكاني.
стр. 550
واستدل هؤلاء بما يلي:
١) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨/ ١١٦].
٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من مات لا يشرك بالله شيئًا؛ دخل الجنة»، أخرجه مسلم (٩٣) عن جابر ﵁.
٣) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله؛ دخل الجنة»، رواه مسلم (٢٦) عن عثمان ﵁.
٤) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأنَّ الجنة حقٌّ، والنار حقٌّ؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء»، متفق عليه (١) عن عبادة ﵁.
٥) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما من عبد يشهد أنَّ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، صدقًا من قلبه؛ إلا حرمه الله على النار»، متفق عليه (٢) عن أنس ﵁.
٦) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأبي هريرة ﵁: «من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه؛ فبشره بالجنة»، رواه مسلم (٣١)، عن أبي هريرة ﵁.
стр. 551
٧) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أسعد الناس بشفاعتي، من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه»، رواه البخاري (٩٩)، عن أبي هريرة ﵁.
٨) حديث البطاقة، وفيه: أنَّ رجلًا دخل الجنة وليس معه إلا بطاقة لا إله إلا الله. رواه الترمذي (٢٦٣٩)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
٩) حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الشفاعة، وهو في «الصحيحين» (١)، وفيه: «حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لله فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لله يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا، كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ؛ فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ؛ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا؛ فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ؛ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا؛ فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ؛ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا.
وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا
стр. 552
وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠] فَيَقُولُ اللهُ : شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ؛ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ ... ، فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجنَّةِ، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الله الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ اللهُ الْجنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ ... » الحديث.
١٠) حديث عبادة بن الصامت ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلَاّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ؛ كَانَ لَهُ عَلَى الله عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ؛ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الله عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» أخرجه أبو داود (٤٢٥) بإسناد صحيح.
١١) حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ للإسلام صوى، ومنارًا كمنار الطريق، من ذلك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم؛ فإن رَدُّوا عليك رَدَّتْ عليك وعليهم الملائكة، وإن لم يردوا عليك؛ ردت عليك الملائكة، ولعنتهم، أو سكتت عنهم، وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، فمن انتقص منهن شيئًا؛ فهو سهم من الإسلام تركه، ومن تركهن؛ فقد نبذ الإسلام وراء ظهره»، أخرجه ابن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ٤١١)، ورجاله رجال الشيخين، لكن خالد بن معدان رواه عن أبي
стр. 553
هريرة ﵁، وقد قال أبو حاتم: أدرك أبا هريرة، ولم يذكر له سماع منه.
قلتُ: فهو على شرط مسلم، وقد أخرج أبو يعلى (٤٥٦٧) بعض معناه بإسناد صحيح عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ أحلف عليهن، لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، وسهام الإسلام ثلاثة: الصوم، والصلاة، والصدقة ... » الحديث.
١٢) ما رواه نصر بن عاصم الليثي عن رجل من قومه أنه أتى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأسلم على أنْ لا يُصلي إلا صلاتين، فقبل منه. أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٣) عن وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم به، ولو كان ترك الصلاة كفرًا مخرجًا؛ ما نفعه إسلامه مع تركه الصلاة، والله أعلم.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأدلة قوية من الجانبين، ولكن بالنظر فيها نلاحظ أنَّ أدلة القول الثاني أقوى، وتأويلها أعسر؛ فالراجح هو القول الثاني.
وأما أدلة أصحاب القول الأول؛ فالجواب عنها كما يلي:
١) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] أي: إنَّ الأُخُوَّة في الدين تحصل بالإيمان كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، والإيمان يحصل بالشهادتين؛ لحديث معاذ بن جبل عند أن بعثه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى اليمن، فيكون ذكر الصلاة، والزكاة من كمال الأُخُوَّة، ويدل على ذلك أنَّ الزكاة مذكورة مع الصلاة في نفس الآية، وهم لا يقولون: إذا لم يُزَكِ
стр. 554
ليس بأخ لنا في الدين، بل يقولون: أُخُوَّتُه ناقصة؛ لوجود الدليل على أنَّ تارك الزكاة لا يكفر، وكذلك يقال لهم: ومن ترك الصلاة تكاسلًا؛ فأُخُوَّتُه ناقصة؛ لوجود الأدلة على أنَّ تاركها تكاسلًا ليس بكافر، والله أعلم.
٢) قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠]، هذا وعيد لهم بالنار، ولا يلزم وقوعه، بل هم تحت المشيئة كما دلَّ على ذلك حديث عبادة، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾، فَذِكْرُ قَوْلِهِ: ﴿وَآمَنَ﴾ لا يدل على أنهم كفار، بل يحتمل أنه أراد كمال الإيمان، أو تاب مع بقاء الإيمان، وَحَمَلَنَا على هذا التأويل الجمع بين الأدلة، والله أعلم.
٣) قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] هذه الآيات في سياق الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٦]، وقد ذكروا من أعمالهم: ترك إطعام المساكين، ولا يدل على أنَّ ترك الإطعام هو الذي جعلهم من الكفار، والله أعلم.
٤) حديث جابر ﵁: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» المقصود به كفر أصغر، كما قيل ذلك في قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وقتاله كفر»، وقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، ومن قال بأن الكفر إذا عُرِّفَ أُرِيدَ به الكفر الأكبر؛ فقوله ليس بصحيح، فقد وجد التعريف والمراد به الكفر الأصغر، كما جاء في حديث امرأة ثابت بن قيس عند أن قالت للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أكره الكفر في الإسلام» أخرجه البخاري برقم (٥٢٧٣).
стр. 555
٥) حديث بريدة ﵁: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر»، المراد به أيضًا كفر دون كفر، أي: الكفر الأصغر، جمعًا بين الأدلة، وأما قوله: «العهد الذي بيننا وبينهم»؛ فالمراد به المنافقون، كما قال ذلك الطِّيبي، والمناوي، والمباركفوري، والمعنى: أنَّ العهد الذي بيننا وبين المنافقين هي الصلاة، بمعنى أنها الموجبة لحقن دمائهم كالعهد في حق المعاهدين، فكما أنَّ أهل الذمة تُحقَنُ دماؤهم بالعهد، فكذلك المنافقون تُحقن دماؤهم بالصلاة. (١)
٦) حديث بريدة ﵁: «من ترك صلاة العصر؛ فقد حبط عمله»، لم يأخذ بظاهره المكَفِّرُون تاركَ الصلاة أيضًا؛ فإنَّ عندهم من ترك فرضًا واحدًا، أو فرضين لا يكفر، هكذا قال كثير منهم، وَأَوَّلُوا الحديث على أنَّ المقصود بـ: «حبط عمله»، أي: حبط عمل يومه، وقيل: المراد بالحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال، وكأنَّ المراد بالعمل الصلاة خاصَّة، أي: لا يحصل على أجر من صلَّى العصر، وهناك أقوال أخرى ذكرها الحافظ في شرح الحديث (٥٥٣)، ثم قال: وأقرب هذه التأويلات قول من قال: إنَّ ذلك خرج مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير مرادٍ، والله أعلم.
قلتُ: وتقييده بالعصر يدل على ذلك، والله أعلم.
٧) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة»، قال الطِّيبي في «شرح المشكاة» (٨/ ٢٥٦٢): قوله: «ما أقاموا فيكم الصلاة» فيه إشعارٌ بتعظيم أمر الصلاة، وأنَّ
стр. 556
تركها موجبٌ لنزع اليد من الطاعة، كالكفر على ما سبق في حديث عبادة بن الصامت في قوله: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا».اهـ
ومعنى كلام الطِّيبي ﵀: أنَّ ترك الصلاة يُسَوِّغ الخروج على الإمام كما يسوغه الكفر، ويكون حديث عبادة ﵁ مفهومه: أنَّ كل ما سوى الكفر لا يسوغ الخروج على الإمام، وهذا العموم المفهوم من حديث عبادة مقيد بمنطوق حديث عوف بن مالك، فيكون المسوغ للخروج هو الكفر البواح، وكذلك ترك الصلاة، والله أعلم.
٨) قول عبد الله بن شقيق أخرجه الترمذي (٢٦٢٢)، وابن أبي شيبة (١١/ ٤٩)، وغيرهما، واللفظ للترمذي، وهو صحيح، ولكن معناه: لا يرون شيئًا تركه كفر؛ فيحتمل على أنَّ المراد كفر أصغر، وتنصيصه على الصلاة يدل على عظمها، وعلى أنَّ تركها أعظم من ترك غيرها، والله أعلم.
وعلى التسليم بأنه أراد الكفر الأكبر؛ فلا يكون قول جميع الصحابة، بل قول بعضهم، فعبد الله بن شقيق لم يُدرك جميع الصحابة.
٩) أثر عمر بن الخطاب ﵁ ثابتٌ عنه، أخرجه مالك (١/ ٣٩ - ٤٠)، وابن أبي شيبة (١١/ ٢٥) بإسناد صحيح، وكذلك أثر ابن مسعود أخرجه المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٩٣٦)(٩٣٧) بإسناد حسن، وأما أثر علي فأخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٤٧)، وفي إسناده: معقل الخثعمي، وهو مجهول، ومن صحَّ عنه يحتمل أنه أراد نفي كمال الإسلام، والإيمان، ولو سُلِّمَ أنه أراد نفي الإسلام
стр. 557
وتكفيره كفرًا أكبر؛ فيكون قولًا لبعض الصحابة، والحجة بالإجماع، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: هل يُقتل تارك الصلاة تكاسلا ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يُقتل؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم، وأموالهم؛ إلا بحقها، وحسابهم على الله» (٢)، وبحديث: ألا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة» (٣)، وحديث الخوارج: فقال خالد: ألا أقتله؟ قال: «لا، لعله أن يكون يصلي» (٤)، وبحديث بريدة: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة»، وقد تقدم بيان معناه.
• وذهب الحنفية، والمزني، وهو قول الزهري، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز إلى أنه لا يُقتل، بل يُحبس، ويُعزَّر، حتى يُصلي، واستدلوا بحديث: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم، وأموالهم؛ إلا بحقها، وحسابهم على الله»، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يحل دم امرئ مسلم؛ إلا بإحدى ثلاث ... » (٥)، فذكرها.
стр. 558
والصواب قول الجمهور، وأما حديثهم الأول؛ فهو مختصرٌ، وقد تقدم بتمامه، وأما حديثهم الثاني؛ فمفهومه عامٌّ وهو مخصوص بأدلة أخرى تبيح قتل المسلم بغير الثلاث المذكورة، وأدلتنا التي ذكرناها من ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: من تجب عليهم الصلاة ؟
تجب الصلاة على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ بإجماع المسلمين.
مسألة [٤]: هل تجب الصلاة على الكافر ؟
أطلق الفقهاء وجوب الصلاة على الكافر، ومرادهم بذلك: مطالبة الكافر قبل إسلامه بالصلاة، وقضاؤها إذا أسلم، وهي لا تجب عليه بهذا الاعتبار.
قال ابن قدامة ﵀: وَأَمَّا الْكَافِرُ؛ فَإِنْ كَانَ أَصْلِيًّا، لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي حَالِ كُفْرِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وَأَسْلَمَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَبَعْدَهُ، فَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِقَضَاءٍ، وَلِأَنَّ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ تَنْفِيرًا عَنْ الْإِسْلَامِ، فَعُفِيَ عَنْهُ. اهـ (٢)
تنبيه: أطلق جمهور الأصوليين وجوب الصلاة، وفروع الشريعة على الكافر، ومرادهم بذلك أنهم مخاطبون بها، وأنهم يعاقبون على تركها، مع معاقبتهم على ترك التوحيد؛ لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ
стр. 559
الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ ... [المدثر:٤٢ - ٤٥].
وقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩].
مسألة [٥]: هل يلزم المرتد ما تركه من الصلوات في ردته ؟
• في المسألة أقوال:
الأول: يقضي ما تركه قبل ردته وبعدها، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنَّ المرتد أقرَّ بوجوب العبادات عليه، وأقرَّ بذلك، وقدر على التسبب إلى أدائها، فلزمه ذلك.
الثاني: لا قضاء عليه فيما تركه حال كفره، وعليه قضاء ما تركه في إسلامه قبل رِدَّتِه، وهذا قول أحمد في رواية، واختارها القاضي، وابن حامد الحنبليان.
الثالث: لا يقضي ما تركه قبل رِدَّتِه، ولا ما تركه في حال رِدَّتِهِ، وهذا مذهب مالك، وداود، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنَّ الأدلة التي تسقط القضاء عن الكافر تشمل الأصلي، والمرتد.
قلتُ: وهذا القول الثالث هو الصواب، والله أعلم. (١)
стр. 560
مسألة [٦]: إذا ارتد المسلم، فهل تحبط أعماله التي عملها في إسلامه ؟
• القول الصحيح من قولي العلماء أن أعماله لا تحبط إلا إذا مات على كفره؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧].
فالحبوط مُعَلَّقٌ بشرطين: الرِّدَّةُ، والموت عليها، والمعَلَّق بشرطين لا يثبت بأحدهما، وهذا قول الشافعي، وأصحابه، وأحمد في رواية، وجماعة من أصحابه، وهو قول الظاهرية، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: هل تجب الصلاة على الصبي ؟
• جمهور العلماء على أنَّ الصلاة لا تجب عليه، وهو أصح الروايتين عن أحمد، وعنه رواية أنها تجب على من بلغ عشر سنين.
واستدل الجمهور على ذلك بحديث: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «الصبي حتى يبلغ». (٢)
وقول الجمهور هو الصواب، وأما حديث: «واضربوهم عليها وهم أبناء عشر»، (٣) فهو من باب التأديب، والتربية، لا لأنها واجبة عليهم، والله أعلم. (٤)
стр. 561
مسألة [٨]: إذا بلغ الصبي بعد أن صلَّى، فهل تلزمه إعادة الصلاة ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى وجوب إعادة الصلاة عليه؛ لأنَّ الأَوْلَى في حَقِّهِ نافلة، ولأنه وجد سبب الوجوب، فيشبه ما إذا صلى قبل الوقت؛ فإنها تلزمه الإعادة بعد الوقت، وقاسوها على الحج.
• وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه لا يلزمه إعادتها؛ لأنه قد أدى وظيفة الوقت وصلَّى كما أُمِرَ، وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض الحنابلة.
ورجَّحَ هذا القول الشيخ ابن عثيمين، فقال: والرَّاجح أنه لا يعيد الصوم، ولا الصلاة؛ لأنه صلَّى وصام على الوجه الذي قد أُمِرَ، فسقط عنه الطلب بالفعل، ويؤيد هذا أنه يقع كثيرًا، ولم يحفظ عن الصحابة أنهم يأمرون من بلغ في أثناء الوقت بالإعادة. اهـ
قال النووي ﵀: والجواب عن المصلي قبل الوقت أنه غير مأمور به، ولا مندوب إليه، ولا مأذون فيه، بخلاف مسألتنا. اهـ
والجواب عن قياسهم بالحج: أنَّ الحج غير مأمور به كالصلاة؛ فإنه يضرب على تركها، والله أعلم، وهذا القول هو الصواب، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٩]: هل تجب الصلاة على النائم ؟
قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف» (١/ ٣٦٤): أما النائم؛ فتجب الصلاة عليه إجماعًا. اهـ
стр. 562
ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها»، (١) ولو لم تجب عليه حال نومه، لم يجب عليه قضاؤها، كالمجنون، وَمِثْلُ النائمِ السَّاهِي.
مسألة [١٠]: هل تجب الصلاة على المغْمَى عليه وتلزمه الصلاة إذا أفاق ؟
• فيها ثلاثة أقوال:
الأول: أنَّ المغمى عليه كالنائم، فإذا أفاق صلَّى جميع ما فاته، وهذا مذهب أحمد، وطائفة من أصحابه، وجاء عن عمار ﵁، وفي إسناده لؤلؤة، امرأة مجهولة.
الثاني: لا يصلي إذا أفاق إلا ما كان وقتها باقيًا، وهو قول طاوس، والحسن، محمد بن سيرين، والزهري، وربيعة، وأبي ثور، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، واختارها بعض الحنابلة؛ لأنه فاقدٌ لعقله، وشعوره، فأشبه المجنون، وهو مذهب ابن حزم الظاهري.
وصح عن ابن عمر كما في «الأوسط» لابن المنذر، أنه مرض أيامًا، لم يعقل الصلاة، ثم صحَّ وعقل، فلم يقض ما فاته. أخرجه من طريقين عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عنه.
قال أيوب: ومرض ابن سيرين أيامًا لم يعقل الصلاة فلم يقض ما فاته.
وثبت عن أنس ﵁ عند ابن المنذر أنه أغمي عليه؛ فلم يقض صلاته.
стр. 563
الثالث: يصلي إذا فاته خمس صلوات، فأقل، ولا يصلي إذا فاته أكثر من ذلك، وهو قول أبي حنيفة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الأقرب إلى الصواب، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، والشيخ ابن باز؛ وذلك لأنَّ المغمى عليه يفارق النائم بأن النائم إذا نُبِّهَ انْتَبَهَ، ولأنه قد يطول أيامًا، وأشهرًا، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: المجنون هل تجب عليه الصلاة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٥٠): والمجنون غير مكلف، ولا يلزمه قضاء ما ترك في حال جنونه؛ إلا أن يفيق في وقت الصلاة، فيصير كالصبي يبلغ، ولا نعلم في ذلك خلافًا.
ثم استدل بحديث: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يعقل، ... ».اهـ
مسألة [١٢]: هل تجب الصلاة على من زال عقله بشرب المسكر ؟
قال ابن حزم ﵀ في «المحَلَّى» (٢٧٨): وأما من سكر حتى خرج وقت الصلاة، أو نام عنها، أو نسيها حتى خرج وقتها، ففرض على هؤلاء خاصة أن يصلوها أبدًا، قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣]، فلم يبح الله تعالى للسكران أن يصلي حتى يعلم ما يقول، وقال رسول الله ﷺ : «إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم
стр. 564
صلاة، أو نام عنها؛ فليصلها إذا ذكرها»، وهذا كله إجماعٌ متيقن. اهـ
مسألة [١٣]: هل تجب الصلاة على الحائض، والنفساء ؟
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٨): أما الحائض، والنفساء؛ فلا صلاة عليهما، ولا قضاء بالإجماع. انتهى.
стр. 565
بَابُ الَمَوَاقِيْت
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٢٢٣): والمواقيت جمعُ ميقات، وهوالوقت الذي عينه الله لأداء هذه العبادة، وهو القدر المحدود للفعل من الزمان. اهـ
١٤٤ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ العَصْرِ، وَوَقْتُ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ المَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ وَوَقْتُ صَلَاةِ العِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
١٤٥ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِي العَصْرِ: «وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ». (٢)
١٤٦ - وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: «وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ». (٣)
قبل الشروع في ذكر المسائل المتعلقة بالأحاديث أُضيف إلى هذه الأحاديث حديث جابر ﵁ عند النسائي (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦):
قال: أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُدَامَةُ يَعْنِي ابْنَ شِهَابٍ، عَنْ بُرْدٍ،