مسألة [٤١]: حلمتا الثديين .
• ذهب الشعبي، والنخعي، وأحمد، والشافعي إلى أنَّ فيهما الدية؛ لأنَّ بذهابهما تذهب منفعة الثديين.
• وقال مالك، والثوري: إن ذهب اللبن؛ وجبت ديتهما، وإلا وجبت حكومة بقدر شينه، وهو قول قتادة، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٤٢]: إن ضربهما، فأبطل نفعهما، وأصبح اللبن يخرج منهما ؟
• من أهل العلم من قال: فيه حكومة. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة.
• ومنهم من قال: فيه الدية. وهو قول مالك، والثوري، وقتادة، وبعض الحنابلة. (٢)
مسألة [٤٣]: ثديا الرجل (الثندوتان) .
• من أهل العلم من قال: فيهما الدية كثديي المرأة، وهو قول أحمد، وإسحاق، والشافعي في قول.
• ومنهم من يقول: فيهما حكومة. وهو قول النخعي، ومالك، والشافعي في ظاهر مذهبه، وابن المنذر؛ لعدم وجود دليل على التقدير، ونفع ثديي المرأة أعظم من ثديي الرجل، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (٣)
стр. 5007
مسألة [٤٤]: دية الأليتين .
نقل ابن المنذر الإجماع على أنَّ في الأليتين الدية، وفي الواحدة منهما نصف الدية. (١)
مسألة [٤٥]: دية الصلب .
• عامة أهل العلم على أنَّ في الصلب إذا كسر ولم ينجبر الدية؛ لحديث الباب: «وفي الصلب الدية».
• وقال الشافعية: ليس فيه الدية إلا أن يذهب مشيه، أو جماعه؛ فتجب الدية من أجل ذلك، لا من أجل الصلب. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤٦]: إذا ضرب في بطنه، فصار لا يستمسك الغائط، أو في المثانة، فصار لا يستمسك البول ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ١٤٤): فِيْهِ الدِّيَةُ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي مُوسَى ذَكَرَ فِي الْمَثَانَةِ رِوَايَةً أُخْرَى، فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْمَحَلَّيْنِ عُضْوٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَبِيرَةٌ، لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُ؛ فَوَجَبَ فِي تَفْوِيتِ مَنْفَعَتِهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ. اهـ
стр. 5008
مسألة [٤٧]: دية العقل .
فيه الدية كاملة عند أهل العلم، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا.
ورُوي ذلك عن عمر ﵁ بإسناد ضعيف، وعن زيد بن ثابت بإسناد حسن، وجاء فيه حديث مرفوع عن معاذ بن جبل، وهو شديد الضعف، وقد ذكرناه في [مسألة دية السمع]. (١)
مسألة [٤٨]: إذا تلف أكثر من عضو، أو أكثر من حاسة بجناية واحدة .
• ذكر أهل العلم أنَّ الدية تتعدد بالأعضاء، والحواس التالفة، وجاء عن عمر ﵁، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و «مصنف عبدالرزاق» أنه قضى في رجل رمى رجلًا بحجر فذهب سمعه، ولسانه، وعقله، وجِمَاعه، فقضى له بأربع ديات. ولكنه أثر ضعيف منقطع.
• وعن مالك في مسألة إذا قطع الأذن، فذهب السمعُ أنَّ فيه دية واحدة فقط، وخالفه الجمهور، فقالوا: فيه ديتان: دية الأذن، ودية السمع.
• وعن أحمد رواية، وعن الشافعي قول فيما إذا جنى على صلبه، فذهب جماعه، ومشيه، فيه دية واحدة؛ لأنها منفعة عضو واحد كاللسان. والأصح عنهما أنَّ فيه ديتين، وهو الأقرب، والله أعلم. (٢)
стр. 5009
مسألة [٤٩]: دية الترقوة والضِلَع .
التُّرْقوة: هي العظم الذي يمتد من النحر إلى الكتف من الجانبين؛ فللإنسان ترقوتان. والضِلَع معروف.
• نُقِل عن زيد بن ثابت أنَّ في ذلك بعيرين، وفي العظمين أربعة، وإسناده ضعيف، وقال به الخِرَقِي.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ في الترقوة والضلع بعير واحد، صحَّ ذلك عن عمر ﵁، وهو قول سعيد بن المسيب، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وأحمد، وإسحاق، وقولٌ للشافعي. وحجتهم أنَّ عمر ﵁ قضى بذلك، ولم يصح عن غيره من الصحابة خلافه.
• وقال جماعةٌ من أهل العلم: في ذلك حكومة. وهو قول مالك، والشافعي في الأشهر عنه، والحنفية، ومسروق، وابن المنذر.
• ونُقل عن عمرو بن شعيب أنه أوجب في ذلك الدية.
والصحيح ما ذهب إليه مالك، والشافعي، ولكن أفضل ما يحكم به هو ما قضى به عمر ﵁، والله أعلم. (١)
مسألة [٥٠]: عظم الزند .
• مذهب الحنابلة أنَّ الزند فيه عظمان، كل عظم فيه بعير واحد، ونقل ذلك عن عمر ﵁ بسند منقطع.
стр. 5010
• ومذهب مالك، والشافعي، والحنفية أنَّ فيه حكومة، وهذا هو الصواب؛ لعدم وجود دليل على التقدير. (١)
مسألة [٥١]: سائر العظام غير ما تقدم .
• أكثر أهل العلم على عدم التقدير، وقدر بعض الحنابلة دية الساق ببعيرين، وكذلك الفخذ.
والذي يظهر أنَّه حكومة؛ لعدم وجود دليل يُعتمد عليه في التحديد. (٢)
مسألة [٥٢]: من قُطِعت يده في سبيل الله، فقطع رجل يده الأخرى .
• نُقل عن الزهري أنه قال: يغرم له دية كاملة، وهو مقتضى قول بعض الحنابلة.
• والجمهور على أنَّ عليه دية قطع اليد فحسب، والله أعلم. (٣)
مسألة [٥٣]: دية الظفر .
• نُقل عن زيد بن ثابت أنه قال: إذا سقط؛ ففيه بعير، وإذا ثبت ففيه خمسا بعير، وإسناده ضعيف منقطع.
• وعن ابن عباس ﵄ أنَّ الظفر إذ أعور -أي: لم ينبت- فيه خمس دية الأصبع. والأثر ثابت عنه، وبذلك قال أحمد، وإسحاق.
стр. 5011
• وقال جماعة: فيه بعير. نُقل عن عمر بسند ضعيف منقطع، وقال بذلك مجاهد، وعمر بن عبدالعزيز.
• وقال جماعةٌ: حكومة لا تقدير فيه. وهو قول مالك، والشافعي، والحنفية، ونحوه عن عطاء، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [٥٤]: إذا وطئ الرجل زوجته الصغيرة، أو الضعيفة، فأفضاها ؟
الإِفْضَاءُ: هو خرق ما بين مسلك البول، والمني.
• من أهل العلم من أوجب في ذلك ثلث الدية، وهو المنقول عن عمر بن الخطاب بإسناد منقطع، وقال به قتادة، والحنابلة، والحنفية.
• وبعضهم أوجب في ذلك الدية، وهو قول الشافعي، ونُقل عن عمر بن عبدالعزيز، وأبان بن عثمان.
قلتُ: ومقتضى قول مالك أنَّ في ذلك حكومة، وهو أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٥٥]: هل يضمن الرجل لو كانت زوجته كبيرة غير ضعيفة، فحصل الإفضاء ؟
• من أهل العلم من قال: لا يضمن. وهذا قول عمر بن عبدالعزيز، وأبان بن عثمان، وأحمد، وأبي حنيفة؛ لأنه فعل ما هو مأذون له شرعًا.
стр. 5012
• وقال الشافعي: عليه الضمان؛ لأنه جرحها خطأً؛ فعليه الدية كسائر الجنايات التي تحصل خطأ.
قلتُ: فعل ما هو مأذون له شرعًا؛ فلا حرج عليه في ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٥٦]: إذا أدى بها ذلك إلى عدم استمساك البول ؟
• مذهب الحنابلة، والحنفية أنَّ التي تستحق الضمان إذا أدى بها ذلك إلى عدم استمساك البول؛ فلها الدية كاملة بدون زيادة؛ لأنه إتلاف عضو واحد؛ فلم يَفُتْ غير منافعه.
• وقال الشافعي: عليه دية، وحكومة؛ لأنه فَوَّتَ منفعتين؛ فلزمه أرشهما.
وأُجيب بأنَّ المنفعتين حاصلة من عضو واحد، وقد أتلف العضو؛ فوجب دية العضو لا دية المنافع، كما لو قطع لسانه؛ ففيه دية واحدة مع أنه ذهب الكلام والذوق. (٢)
مسألة [٥٧]: إذا أكره امرأةً على الزنى، فأفضاها ؟
• أما إن كانت مكرهة؛ فلها أرش الجناية، ومهر مثلها، وأرش البكارة يدخل في المهر على الصحيح كما تقدم في النكاح.
• وأما إن كانت مطاوعة؛ فلا مهر لها، وهل لها أرش الجناية؟ عند الحنابلة لا ضمان لها؛ لأنها أذنت له بهذا الفعل، وعند الشافعي عليه الضمان؛ لأنَّ الإذن
стр. 5013
بالجماع لا بالإفضاء. (١)
مسألة [٥٨]: دية الموضحة .
الموضحة من شجاج الرأس والوجه، وهي التي تصل إلى العظم، سمِّيت موضحة؛ لأنها أبدت بياض العظم.
وثبت عن أبي بكر، وعمر ﵄، كما في «سنن البيهقي» (٨/ ٨٢) أنهما قالا: في الموضحة في الرأس والوجه سواءٌ. وإسناده حسن.
قال ابن قدامة ﵀: وأجمع العلماء على أن أرشها مقدر، قاله ابن المنذر. اهـ
يعني خمسًا من الإبل، ثم استدل على ذلك بكتاب عمرو بن حزم، وبحديث عمرو بن شعيب الآتي بعدُ في الباب، ونَقَلَ عن سعيد بن المسيب في موضحة الوجه عشر. (٢)
تنبيه: استثنى مالك الموضحة التي في الأنف، واللحي الأسفل؛ فجعل فيها حكومة، وليس له دليل على هذا الاستثناء. (٣)
مسألة [٥٩]: الموضحة في غير الرأس والوجه .
• أكثر الفقهاء على أنَّ الموضحة في غير الرأس، والوجه غير مقدرة، وفيها حكومة، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم. وسواء كانت
стр. 5014
الموضحة صغيرة، أو كبيرة.
• وقال الليث بن سعد: هي كالموضحة في الرأس.
• وقال الأوزاعي، وعطاء الخراساني: نصف موضحة الرأس.
والقول الأول هو الصحيح. (١)
مسألة [٦٠]: إذا جنى عليه بموضحتين ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ١٦١): وَإِنْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ مُوضِحَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مُوضِحَتَانِ؛ فَإِنْ أَزَالَ الْحَاجِزَ الَّذِي بَيْنَهُمَا؛ وَجَبَ أَرْشُ مُوضِحَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ الْجَمِيعُ بِفِعْلِهِ مُوضِحَةً، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْضَحَ الْكُلَّ مِنْ غَيْرِ حَاجِزٍ يَبْقَى بَيْنَهُمَا، وَإِنْ انْدَمَلَتَا، ثُمَّ أَزَالَ الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ ثَلَاثِ مَوَاضِحَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَرْشُ الْأُولَيَيْنِ بِالِانْدِمَالِ، ثُمَّ لَزِمَتْهُ دِيَةُ الثَّالِثَةِ. وَإِنْ تَآكَلَ مَا بَيْنَهُمَا قَبْلَ انْدِمَالِهِمَا فَزَالَ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ فِعْلِهِ كَفِعْلِهِ. وَإِنْ انْدَمَلَتْ إحْدَاهُمَا وَزَالَ الْحَاجِزُ بِفِعْلِهِ، أَوْ سِرَايَةِ الْأُخْرَى؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ. وَإِنْ أَزَالَ الْحَاجِزَ أَجْنَبِيٌّ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ، وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ مُوضِحَةٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ الْآخَرِ، فَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُكْمِ جِنَايَتِهِ. وَإِنْ أَزَالَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ؛ وَجَبَ عَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِجِنَايَتِهِ لَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قوله: (فَإِنْ أَزَالَ الْحَاجِزَ الَّذِي بَيْنَهُمَا؛ وَجَبَ أَرْشُ
стр. 5015
مُوضِحَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ الْجَمِيعُ بِفِعْلِهِ مُوضِحَةً) فيه نظر؛ فإنه جنى موضحتين؛ فلا تصير بعد ذلك واحدة، وإن أزال الحاجز، والله أعلم. (١)
مسألة [٦١]: دية الهاشمة .
الهاشمة: هي التي تتجاوز الموضحة فتهشم العظم، وليس فيها تقدير عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
• وصحَّ عن زيد بن ثابت أنه قدرها بعشرٍ من الإبل، وأخذ بذلك الجمهور، وقال به الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، والثوري وغيرهم.
• وقال الحسن: ليس فيها توقيت. ونحوه قول مالك، قال في الموضحة: خمس، وما زاد حكومة.
ورجَّح ابن المنذر القول بالحكومة، وقول مالك هو الصواب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٦٢]: دية المنقلة .
المنقلة زائدة على الهاشمة، وهي التي تكسر العظام وتزيلها عن مواضعها، فيحتاج إلى نقل العظم ليلتئم.
وفيها خمس عشرة من الإبل، نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك؛ لحديث عمرو ابن حزم. (٣)
стр. 5016
مسألة [٦٣]: إذا حصلت هاشمة بدون موضحة ؟
في ذلك وجهان للحنابلة، والشافعية:
• منهم من أوجب خمسًا من الإبل.
• ومنهم من قال: فيها حكومة. وهو قول مالك، والحسن، وابن المنذر، وهو الصحيح. (١)
مسألة [٦٤]: دية المأمومة .
يُقال لها: المأمومة، والآمَّة.
قال ابن عبد البر ﵀: أهل العراق يقولون لها (الآمة) وأهل الحجاز (المأمومة)، وهي الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ، سمِّيت أم الدماغ؛ لأنها تحوطه وتجمعه؛ فهي جلدة تحيط به، وأرشها ثلث الدية عند عامة أهل العلم؛ لما في كتاب عمرو بن حزم المتقدم، وكذلك في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: «وفي المأمومة ثلث العقل».اهـ
ونقل عن مكحول أنَّ في العمد ثلثين، وفي الخطإِ ثلثًا، ولا دليل عليه. (٢)
مسألة [٦٥]: دية الدامغة .
الدامغة: هي التي خرقت جلدة الدماغ، وفيها ثلث الدية؛ لأنها مأمومة
стр. 5017
وزيادة. وقال بعض الحنابلة، والشافعية: يجب حكومة فيما زاد. وهو الذي يظهر، وأكثرهم لم يذكر ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٦٦]: دية الجائفة .
الجائفة: ما وصل إلى الجوف من بطنٍ، أو ظهرٍ، أو صدرٍ، أو ثغرةٍ، أو نحرٍ، ونحو ذلك، وفيها ثلث الدية عند أهل العلم، ولا خلاف في ذلك؛ لحديث عمرو ابن حزم ﵁ الذي في الباب. (٢)
مسألة [٦٧]: إن أجافه جائفتين .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ١٦٦ - ١٦٧): وَإِنْ أَجَافَهُ جَائِفَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ؛ فَعَلَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ. وَإِنْ خَرَقَ الْجَانِي مَا بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ، صَارَ جَائِفَةً وَاحِدَةً، فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ لَا غَيْرُ. وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا أَجْنَبِيٌّ، أَوْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ الثَّانِي ثُلُثُهَا، وَيَسْقُطُ مَا قَابَلَ فِعْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
قال أبو عبد الله غفر الله له: قوله: (وَإِنْ خَرَقَ الْجَانِي مَا بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ، صَارَ جَائِفَةً وَاحِدَةً) فيه نظر؛ فقد ثبتت في فعله جائفتان؛ فلا تصير بعد ذلك جائفة بزيادة عدوانه، والله أعلم.
قال ابن قدامة: وَإِنْ أَجَافَهُ رَجُلٌ، فَوَسَّعَهَا آخَرُ؛ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْشُ
стр. 5018
جَائِفَةٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ كَانَ جَائِفَةً، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِانْضِمَامِهِ إلَى فِعْلِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِنْسَانِ لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ.
قال: وَإِنْ وَسَّعَهَا جَانٍ آخَرُ، فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، أَوْ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ؛ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ لَمْ تَبْلُغْ الْجَائِفَةَ. وَإِنْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ فِي الْجَائِفَةِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا، عُزِّرَ، وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ خَاطَهَا، فَجَاءَ آخَرُ، فَقَطَعَ الْخُيُوطَ، وَأَدْخَلَ السِّكِّينَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَلْتَحِمَ، عُزِّرَ أَشَدَّ مِنْ التَّعْزِيرِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَغَرَّمَهُ ثَمَنَ الْخُيُوطِ وَأُجْرَةَ الْخَيَّاطِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشُ جَائِفَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِفْهُ. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الْتِحَامِهَا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْجَائِفَةِ وَثَمَنُ الْخُيُوطِ. اهـ
مسألة [٦٨]: إذا جرحه جائفة، فنفذت من الجانب الآخر ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ ذلك جائفتان، فيهما ثلثا الدية، نُقِل ذلك عن أبي بكر الصديق من طريق: سعيد بن المسيب عنه، وهو منقطع. أخرجه البيهقي (٨/ ٨٥).
ونُقل عن عمر ﵁، قال الألباني ﵀ في «الإرواء» (٢٢٩٩): لم أقف عليه. وهو قول عطاء، ومجاهد، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.
وحُكي عن بعض الشافعية، وكذا عن أبي حنيفة أنَّ ذلك جائفة واحدة؛ لأنَّ الجائفة هي التي تنفذ من ظاهر البدن إلى الجوف، وهذه الثانية إنما نفذت من الباطن إلى الظاهر.
стр. 5019
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ١٦٨ - ١٦٩): وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِوُصُولِ الْجُرْحِ إلَى الْجَوْفِ، لَا بِكَيْفِيَّةِ إيصَالِهِ؛ إذْ لَا أَثَرَ لِصُورَةِ الْفِعْلِ مَعَ التَّسَاوِي فِي المَعْنَى. اهـ
مسألة [٦٩]: شجاج الرأس دون الموضحة .
تقدم تحت الحديث (١١٨٦) المسألة، رقم (٢): أنَّ شجاج الرأس دون الموضحة خمسة أنواع، وهي:
١) الحارصة، ويقال لها: الكاشطة. وهي التي تكشط الجلد.
٢) الدامية، ويقال لها: الدامعة، وهي التي يخرج منها الدم، ويكون قليلًا.
٣) الباضعة: وهي التي تدخل في اللحم، فيخرج دمٌ أكثر.
٤) المتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم أكثر من التي قبلها.
٥) السمحاق، وهي التي تصل إلى غشاء السمحاق الذي قبل العظام.
• فأكثر أهل العلم على أنَّ هذه الجنايات ليس فيها تقدير، وإنما هو حكومة بما دون الموضحة.
• وثبت عن زيد بن ثابت أنه جعل في الدامية بعيرًا، وفي الباضعة بعيرين، وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السمحاق أربعة. وقال بذلك أحمد في رواية، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١)
стр. 5020
مسألة [٧٠]: الجناية على العبد، وقدر الدية في ذلك .
أما إذا كانت الجناية عليه بالقتل؛ فالدية هي قيمة العبد عند عامة أهل العلم، وَنُقِل الإجماع على ذلك، نقله ابن قدامة وغيره.
واختلفوا فيما إذا بلغت قيمته دية الحر، أو أكثر.
• فأكثر أهل العلم على أنَّ فيه قيمته بالغة ما بلغت، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبدالعزيز، وإياس بن معاوية، والزهري، ومكحول، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي وغيرهم؛ لأنه مالٌ متقوم فيضمن بكمال قيمته بالغة ما بلغت.
• وخالف أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، فقالا: لا تبلغ دية الحر؛ فإنْ كانت قيمته كذلك؛ نقص منها عشرة دراهم، وإن كان الموت حصل بضمانٍ باليد لا بالجناية؛ فتجب الدية كاملة، كأن يغصب عبدًا، فيموت في يده. والصحيح قول الجمهور. (١)
وأما إن كانت الجناية على العبد بما دون النفس؛ فإن كانت الجناية في شيء ليس فيه تقدير بالنسبة للحر؛ فإن سيد العبد يستحق ما نقصت الجناية من قيمة العبد بلا خلاف.
• وأما إن كان في شيء فيه تقدير بالنسبة للحر: فالجمهور على أنَّ العبد
стр. 5021
يستحق نفس النسبة من قيمته، فلو قطعت يده؛ استحق نصف القيمة، وهكذا في غير اليد.
• وقال أحمد في رواية وحُكي عن مالك: يستحق ما نقصت قيمته، لكن قيده مالك في غير الموضحة، والمنقلة، والهاشمة، والجائفة.
والقول الأول قريب. (١)
стр. 5022
١١٨١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «هَذِهِ، وَهَذِهِ سَوَاءٌ» يَعْنِي الخِنْصَرَ وَالإِبْهَامَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ: «دِيَةُ الأَصَابِعِ سَوَاءٌ، وَالأَسْنَانُ سَوَاءٌ: الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ». (٢) وَلِابْنِ حِبَّانَ: «دِيَةُ أَصَابِعِ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ، عَشْرَةٌ مِنَ الإِبِلِ لِكُلِّ أُصْبُعٍ». (٣)
الحكم المستفاد من الحديث
يستفاد من حديث الباب أن دية كل أصبع عشر من الإبل، وأنَّ دية كل سن خمس من الإبل، لا تختلف الدية باختلاف السن والأصبع في ذلك.
وقد تقدم ذكر المسائل المتعلقة بذلك في الحديث السابق.
١١٨٣ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «فِي المَوَاضِحِ خَمْسٌ، خَمْسٌ، مِنَ الإِبِلِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ.
وَزَادَ أَحْمَدُ: «وَالأَصَابِعُ سَوَاءٌ، كُلُّهُنَّ عَشْرٌ، عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ». وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
حديث الباب يدل على أن الموضحة وهي من شجاج الرأس والوجه، وهو التي توضح العظم فيها خمس من الإبل، ويدل على أن دية كل أصبع من أصابع اليدين والقدمين عشر من الإبل.
وتقدم ذكر هذه المسائل وبيان مذاهب العلماء في ذلك.
стр. 5027
١١٨٤ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ.
وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: «دِيَةُ المُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ». (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: عقل أهل الذمة من اليهود والنصارى .
اختلف أهل العلم في مقدار دية الذمي على أقوال:
• فمنهم من قال: دية الذمي نصف دية المسلم. وهذا قول عمر بن عبدالعزيز، وعروة، ومالك، وأحمد. واستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده المذكور في الباب.
• وقال جماعةٌ من أهل العلم: دية الذمي أربعة آلاف درهم. ثبت ذلك عن عمر، وعثمان ﵄، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور.
واستدلوا على ذلك بأنَّ هذا قضاء عمر، وعثمان، ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة، وبحديث عبادة بن الصامت، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «دية اليهودي، والنصراني أربعة آلاف، أربعة آلاف»، وهو حديث لا أصل له صحيح في كتب
стр. 5028
السنة المشهورة.
• وقال جماعة من أهل العلم: دية المعاهد كدية المسلم. وهو قول علقمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وثبت ذلك عن ابن مسعود بإسنادين منقطعين، يتقوى أحدهما بالآخر، ونُقل عن علي ﵁ بسند ضعيف منقطع.
والصحيح في هذه المسألة هو القول الأول؛ لحديث الباب، وأما أثر عمر، وعثمان ﵄ في التقدير بأربعة آلاف؛ فإنما كان ذلك حين كانت الدية من الإبل تُقَوَّمُ بثمانية آلاف درهم، فيكون قول عمر، وعثمان ﵄ يوافق القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: هل تغلظ الدية على من قتل معاهدًا عمدًا ؟
• نُقل عن عثمان ﵁ بإسناد صحيح أنه جعل على من قتل معاهدًا عمدًا الدية كاملة ألف دينار (٢)، وأخذ بذلك أحمد في المشهور عنه.
• والجمهور على عدم التغليظ؛ لأنَّ الدية مائة من الإبل في حق المسلم عمدًا، أو خطأً؛ فكذلك لا تختلف في حق الذمي، وهذا أقرب، والله أعلم. (٣)
تنبيه: جراحهم من دياتهم كجراح المسلمين من دياتهم. (٤)
стр. 5029
مسألة [٣]: دية المجوسي المعاهد .
• أكثر أهل العلم على أنَّ دية المجوسي ثمانمائة درهم، ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁، وهو قول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء، والحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم.
واستدلوا بأنَّ ذلك قضاء عمر، ولا يعلم له مخالف من الصحابة.
• وقال عمر بن عبدالعزيز: ديته نصف دية المسلم، كالذمي من أهل الكتاب، ويدل عليه حديث: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»، وهو حديث أخرجه مالك (١/ ٢٧٨) بإسناد منقطع، بل يدل عليه عموم حديث الباب: «عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين».
• وقال النخعي، والشعبي، وأصحاب الرأي: ديته كدية المسلم؛ لأنه آدمي معصوم الدم، فأشبه المسلم.
وأجاب الجمهور على الحديث المتقدم بضعفه، وبأنَّ معناه في أخذ الجزية، وحقن الدماء، بدليل أنَّ ذبائحهم، ونساءهم لا تحل لنا، ولا يجوز اعتباره بالمسلم، ولا الكتابي؛ لنقصان دينه، وأحكامه عنهما، فينبغي أن تنقص ديته.
قال أبو عبدالله غفر الله له: قول عمر بن عبدالعزيز ﵀ هو الصواب؛ لما تقدم، والله أعلم. (١)
стр. 5030
مسألة [٤]: دية الكفار الحربيين، وعبدة الأوثان وغيرهم .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٥٥ - ): فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، وَسَائِرِ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ، كَالتُّرْكِ، وَمَنْ عَبَدَ مَا اسْتَحْسَنَ؛ فَلَا دِيَةَ لَهُمْ وَإِنَّمَا تُحْقَنُ دِمَاؤُهُمْ بِالْأَمَانِ، فَإِذَا قُتِلَ مَنْ لَهُ أَمَانٌ مِنْهُمْ، فَدِيَتُهُ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الدِّيَاتِ، فَلَا تَنْقُصُ عَنْهَا، وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ ذُو عَهْدٍ لَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ، فَأَشْبَهَ المَجُوسِيَّ. اهـ (١)
مسألة [٥]: من لم تبلغه الدعوة، هل فيه دية ؟
• مذهب الحنابلة، والحنفية أنه لا دية فيه؛ لأنه كافر لا عهد له، فلم يضمن كصبيان المشركين، ومجانينهم.
• ومذهب الشافعية، وبعض الحنابلة أنه يضمن بالدية؛ لأنه لا يجوز قتله، فأشبه الذمي بجامع كونهما محقوني الدم.
والقول الأول أقرب.
واختلف القائلون بالدية في تقديرها:
• فمنهم من قال: كدية المسلم.
• ومنهم من قال: كدية أهل دينه.
• ومنهم من قال: كدية المجوسي. (٢)
стр. 5031
١١٨٥ - وَلِلنَّسَائِيِّ: «عَقْلُ المَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: دية الحرة المسلمة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٥٦): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ. وَحَكَى غَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَالْأَصَمِّ، أَنَّهُمَا قَالَا: دِيَتُهَا كَدِيَةِ الرَّجُلِ، وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، يُخَالِفُ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ، وَسُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ .اهـ (٢)
مسألة [٢]: جراحات المرأة .
• من أهل العلم من قال: جراحات المرأة كجراحات الرجل في الدية إلى ثلث الدية، فما زاد؛ ففيه نصف الدية. وهذا قول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز، وعروة، والزهري، وقتادة، والأعرج، وربيعة، وأحمد، ومالك، والشافعي في القديم.
واستدلوا على ذلك بحديث الباب، وهو ضعيف، ونُقل عن ابن المسيب أنه
стр. 5032
قال: هكذا السنة. ونقل عن عمر ﵁، هذا القول بإسناد شديد الضعف، فيه جابر الجعفي، وهو متروك، وجاء عن زيد بن ثابت، من طريق الشعبي عنه، ولم يسمع منه، ثم وقفت على إسناد آخر صحيح عند ابن المنذر عنه، أنه قال: يستويان إلى المنقلة، ويختلفان فيما فوق ذلك.
• وقال الحسن: يستويان في الجراحات إلى النصف.
• وقال جماعةٌ من أهل العلم: دية المرأة في الجراحات على النصف من دية الرجل فيما قلَّ وكثر. ثبت عن علي ﵁، وهو قول ابن سيرين، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والليث، والثوري، والحنفية، وأبي ثور، والشافعي في ظاهر مذهبه، وابن المنذر. وحجتهم أنها كما ناصفته في النفس؛ فكذلك في الأعضاء، وسائر الجراحات، وهذا أقرب، والله أعلم.
• وثبت عن ابن مسعود ﵁، أنهما يستويان إلى دية الموضحة، ودية السن، وما زاد فهو على النصف، وهو قول شريح، وروي عن عمر ﵁ من طريق النخعي عنه، ولم يسمع منه. (١)
تنبيه: دية نساء أهل الكتاب، والمجوس، وجراحاتهن كنصف دية رجالهم وجراحهم على الخلاف السابق.
стр. 5033
١١٨٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَقْلُ شِبْهِ العَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ العَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ، وَذَلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ؛ فَتَكُونَ دِمَاءٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي غَيْرِ ضَغِينَةٍ، وَلَا حَمْلِ سِلَاحٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَضَعَّفَهُ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
دلَّ حديث الباب على أن أسنان الإبل في دية قتل شبه العمد مغلظة مثل دية العمد، وتقدم ذكر هذه المسألة.
стр. 5034
١١٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألفًا. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ، وَأَبُوحَاتِمٍ إرْسَالَهُ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
استدل بهذا الحديث من جعل مقدار الدية اثني عشر ألف درهم، ومن قال: إنَّ الدية كما تكون مائة من الإبل فتكون أيضًا بالمقدار المذكور من الفضة.
والراجح أن الأصل في الدية مائة من الإبل، ثم ما يُقَوَّمُ بقيمتها من الأموال، وتقدم ذكر المسألة وأقوال العلماء في ذلك.
стр. 5035
١١٨٨ - وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي ابْنِي، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» فَقُلْت: ابْنِي وَأَشْهَدُ بِهِ، فَقَالَ: «أَمَا إنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْك، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَأَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
في الحديث دلالة على أنه لا يطالب أحد بجناية غيره، سواء كان قريبًا كالأب، والولد وغيرهما، أو أجنبيًّا؛ فالجاني يطلب وحده بجنايته، ولا يُطالب بجنايته غيره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
فإن قلت: قد أمر الشارع بتحمل العاقلة الدية في جناية الخطإِ، أو القسامة. فيقال: هذا مخصوص من الحكم العام. وقيل: إن ذلك ليس من تحمل الجناية، بل من باب التعاضد، والتناصر فيما بين المسلمين. (٢)
стр. 5036
فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِدِيَةِ الْجَنِيْنِ
تقدم حديث أبي هريرة ﵁ في الباب السابق في قصة المرأتين التي ضربت إحداهما الأخرى بحجر، وفي رواية: بعمود فسطاط، فقتلتها، وما في بطنها، فقضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في جنينها بغرة عبد، أو أمة.
وفي «الصحيحين» عن المغيرة بن شعبة أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة ﵁: قضى بها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغرة عبد أو أمة. فقال عمر ﵁: لتأتين بمن يشهد معك. فشهد معه محمد بن مسلمة ﵁. (١)
مسألة [١]: الجنين المحكوم بإسلامه كم ديته ؟
• عامة أهل العلم على أنَّ في ذلك غرة عبد أو أمة كما جاء في الحديثين السابقين، وأصل الغرة البياض الذي في جبهة الفرس، وقد استُعْمِل للآدمي كما في حديث الوضوء: «يأتون غُرًّا محجلين»، وفي هذا الحديث، وأُطلق على الآدمي غرة؛ لأنه أشرف الحيوان؛ فإنَّ محل الغرة الوجه، والوجه أشرف الأعضاء، والغرة المراد منها العبد، أو الأمة كما هو مفسر في الحديث، وعليه جمهور أهل العلم.
• ونقل ابن المنذر، والخطابي عن طاوس، ومجاهد، وعروة بن الزبير أنهم
стр. 5037
زادوا: «أو فرس»، وقد بيَّن البيهقي وغيره أنَّ زيادة «الفرس» جاءت في حديث أبي هريرة ﵁، وهي شاذة، وَهِمَ فيها: عيسى بن يونس، وجاء من وجه آخر، والصواب أنها مدرجة من كلام طاوس، ولعل من قال بالفرس اعتمد على قوله «غرة»، ويُجاب عنه بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد فسَّر الغرة؛ فوجب الأخذ بتفسيره، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: تقدير الغرة .
• عامة أهل العلم على أنَّ الغرة تساوي نصف عشر الدية، وهي خمس من الإبل، وما يساويها من الدراهم والدنانير، ونقل ذلك عن عمر بسند ضعيف منقطع.
• وذهب ابن حزم إلى عدم التقدير؛ لأنَّ العبد تختلف قيمته باختلاف الأزمان، ومال إلى هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الأقرب، والله أعلم، وتحديد الفقهاء ليس ببعيد، ولا بأس بالعمل به في مثل هذه الأيام التي لا عبيد فيها. (٢)
مسألة [٣]: الجنين المحكوم بكفره، كم ديته ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٦١): وَأَمَّا جَنِينُ الْكِتَابِيَّةِ، وَالْمَجُوسِيَّةِ إذَا كَانَ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ، فَفِيهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ،
стр. 5038
وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ جَنِينَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ مَضْمُونٌ بِعُشْرِ دِيَةِ أُمِّهِ، فَكَذَلِكَ جَنِينُ الْكَافِرَةِ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ يَرَوْنَ أَنَّ دِيَةَ الْكَافِرَةِ كَدِيَةِ الْمُسْلِمَةِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُمْ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ. اهـ
وقد خالف ابن حزم ﵀ فأوجب في ذلك الغرة أيضًا؛ لعموم الحديث؛ ولأنَّ القول المذكور مبني على تقدير الغرة بنصف عشر دية المسلم، أو عشر دية الأم، ولا دليل على التقدير. (١)
تنبيه: إذا كان أحد الأبوين مسلمًا؛ ففيه الغرة، وإن كانا كافرين؛ ففيه القيمة، وإن كان أحدهما أرفع ديةً من الآخر كالمجوسي والكتابية، والعكس؛ فيُعطَى نسبة القيمة من قيمة الأكثر. (٢)
مسألة [٤]: متى تجب الغرة ؟
ذكر أهل العلم أنَّ الغرة تجب بسقوط الجنين ميتًا من الضربة، ويُعلم ذلك بسقوطه عقيب الضرب، أو ببقائها متألمة إلى أن يسقط. (٣)
مسألة [٥]: إن قتل حاملاً ولم يسقط جنينها، أو ضرب من في جوفها حركة وانتفاخ، فأذهب ذلك ؟
• أكثر أهل العلم على عدم ضمان الجنين، وهو قول قتادة، والأوزاعي،
стр. 5039
ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ لأنه لا يثبت حكم الولد إلا بخروجه؛ ولذلك لا تصح له وصية ولا ميراث، ولأنَّ الحركة يجوز أن تكون لريح في البطن سكنت، ولا يجب الضمان بالشك.
• وقال الزهري: عليه غرة؛ لأنَّ الظاهر أنه قتل الجنين، فلزمته الغرة كما لو أسقطت، وعنه قول كالقول الأول، واختار ابن حزم وجوب الغرة؛ لأنَّ الجنين قد هلك؛ فوجب فيه ذلك كما لو أسقطته. قال: ولم يشترط النبي ﷺ في الحديث إلقاؤه. وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.
وأما الانتفاخ؛ فإنَّ النساء تميز انتفاخ الحمل وغيره، وكذلك في هذه الأيام يتميز ذلك بالأجهزة الحديثة، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: إذا ألقت الجنين بعد موتها ؟
• مذهب أحمد، والشافعي وجوب الغرة في ذلك، وهو الصحيح.
• ومذهب مالك عدم الوجوب، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنَّ سقوطها بعد موتها لا أثر له؛ لأنه يجري مجرى الأعضاء، وبموتها سقط حكم أعضائها، وهذا قياس مخالف لعموم النص السابق. (٢)
مسألة [٧]: إذا خرج بعض الجنين ؟
• تجب فيه الغرة كذلك، وهو الصحيح، وهو مذهب أحمد، والشافعي.
стр. 5040
• وخالف مالك، وابن المنذر؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما قضى فيمن ألقت الجنين، وهذه لم تُلِقِ شيئًا، ولا دليل لهما على اعتبار ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: هل يشترط في الجنين أن يكون قد نفخ فيه الروح ؟
لم أجد أحدًا من أهل العلم اشترط ذلك، بل نقل النووي الإجماع في «شرح مسلم» على أنها إذا ألقت جنينًا في حال كونه مضغة قد ظهرت فيه صورة الآدمي أنها تجب الغرة؛ لعموم الحديث.
وأما إن كان فيه صورة خفية شهدت النساء القوابل بأنه مبتدؤ خلق آدمي ففيه وجهان للحنابلة، والشافعية، والأقرب أن حكمه كحكم من ظهرت فيه الصورة. وأما إن لم تظهر فيه الصورة لا الخفية ولا الظاهرة، فذكروا أنه ليس فيه شيء. (٢)
مسألة [٩]: من يملك الغرة المدفوعة ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ الغرة موروثة، توزع على الوراثين بنسب ميراثهم، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم؛ لأنها دية آدمي حُرٍّ، فوجب أن تكون موروثة عنه، كما لو ولدته حيًّا ثم مات.
• وقال الليث: لا تُورث، بل تكون بدله لأمه؛ لأنه كعضو من أعضائها.
• وقال ابن حزم: إن كان بعد الأربعة الأشهر؛ فتورث، وإن كان قبل ذلك؛ فلا تورث، بل هي للأم؛ لأنَّ بعد الأربعة الأشهر أصبح حيًّا، فيورث، وأما قبل
стр. 5041
ذلك؛ فليس بحي. وهذا قول قوي، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: إذا سقط من المرأة أكثر من جنين ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٦٨): وَإِذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ، فَأَلْقَتْ أَجِنَّةً، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ غُرَّةٌ. وَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. قَالَ: وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ (٢)
مسألة [١١]: من يتحمل الغرة ؟
• مذهب أحمد ﵀ أنَّ الجناية إن كانت خطأ، وماتت الأم تحملت العاقلة الدية كاملة، ومعها الغرة، وإن لم تمت الأم فيتحمل ذلك القاتل؛ بناء على قوله: إنَّ العاقلة لا تتحمل إلا الثلث وما زاد. وإن كانت الجناية عمدًا؛ فيتحملها القاتل مطلقًا.
• ومذهب الشافعي ﵀ أنَّ العاقلة تتحمل الغرة مطلقًا؛ لأنه يرى أنَّ العاقلة تتحمل ما نقص من الثلث أيضًا، ويرى أن لا عمد في الجناية على الجنين؛ لأنه قد يموت الجنين، وقد لا يموت؛ ولأنه لا يتحقق وجود الجنين.
والصحيح ما ذهب إليه أحمد، إلا في تحمل العاقلة للغرة في الخطإ إذا لم تمت الأم؛ فالصحيح أنَّ الذي يتحمل الغرة هي العاقلة، والله أعلم. (٣)
стр. 5042
مسألة [١٢]: الجنين المملوك كم ديته ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ ديته عشر قيمة أمه، وهذا قول الحسن، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر وغيرهم، كما يجب في الجنين الحر عشر دية الأم.
• وقال زيد بن أسلم: يجب فيه نصف عشر غرة، وهو خمسة دنانير.
• وقال الثوري، والحنفية: يجب فيه نصف عشر قيمته إن كان ذكرًا، وعشر قيمته إن كان أنثى؛ لأنَّ الغرة الواجبة في جنين الحرة هي نصف عشر دية الرجل، وعشر دية الأنثى، وهذا متلف، فاعتباره بنفسه أولى من اعتباره بأمه.
والصحيح القول الأول.
وقد شذ ابن حزم، فقال: فيه الغرة كالحر؛ لعموم الحديث. (١)
مسألة [١٣]: إذا خرج الجنين حيًّا ثم مات ؟
نقل غير واحد الإجماع على أنَّ فيه الدية كاملة، منهم: النووي، وابن قدامة، وابن المنذر، وابن عبد البر وغيرهم، بشرط أن تعلم حياته بعد ولادته باستهلالٍ أو نحوه؛ لأنه مات من الجناية بعد ولادته في وقتٍ يعيش لمثله، فأشبه قتله بعد وضعه. (٢)
стр. 5043
مسألة [١٤]: إذا خرج في وقتٍ لا يعيش فيه كأن يخرج في خمسة أشهر ؟
• مذهب أحمد أنَّ فيه الغرة، وإن خرج حيًّا ثم مات؛ لأنه يشبه ما لو خرج ميتًا؛ لأنَّ حياته غير مستقرة، وهو قول بعض الشافعية، منهم المزني.
• ومذهب الشافعي أنَّ فيه الدية كاملة؛ لأنه قد خرج حيًّا فَعُلِمت حياته.
والقول الأول الأقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٥]: هل في قتل الجنين كفارة مع الغرة ؟
• أكثر أهل العلم على وجوب الكفارة، وهو قول الزهري، والنخعي، وعطاء وغيرهم من التابعين، وقال بذلك مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر وغيرهم، ونُقل ذلك عن عمر ﵁ بسند منقطع، وقال بذلك ابن حزم، لكن نبه على أنَّ الكفارة فيما إذا كان قد نُفِخ فيه الروح، ويظهر أنَّ هذا هو قول الجمهور؛ لأنهم استدلوا بعموم الآية: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢]، ومن كان دون الأربعة الأشهر لا يُطلق عليه (قُتِلَ).
• وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى عدم وجوب الكفارة؛ لعدم ورودها في الحديث.
وأجاب الجمهور بأنها لم تذكر للعلم بها كما لم تذكر في حق المرأة، والله أعلم. (٢)
стр. 5044
مسألة [١٦]: تعمد إسقاط الولد .
• أكثر أهل العلم على أنَّ على من أسقط الولد الدية، والكفارة، وإن كان قريبًا؛ لم يرث من الدية شيئًا.
• وذهب ابن حزم إلى أنَّ هذا قتل عمد فيه القود، أو الدية، أو المفاداة.
قلتُ: قول الجمهور هو الصواب، ولكنَّ الكفارة على من قتل خطأً، وأما من فعل ذلك عمدًا فعليه التوبة، ولا تنفعه الكفارة، وبهذا أفتى الإمام ابن باز، والإمام الفوزان، والإمام بكر أبو زيد ﵏ كما في «فتاوى اللجنة» (٢١/ ٢٤٨). (١)
مسألة [١٧]: هل يجوز إسقاط الجنين المشوه ؟
جاء في «فتاوى اللجنة» (٢١/ ٢٥١) ما نصُّهُ: لا يجوز إسقاط الحمل؛ لأن الغالب على أخبار الأطباء الظن، والأصل وجوب احترام الجنين وتحريم إسقاطه؛ ولأن الله قد يصلح الجنين في بقية المدة فيخرج سليمًا مما ذكره الأطباء إن صحَّ ما قالوه، فالواجب حسن الظن بالله، وسؤاله سبحانه أن يشفيه، وأن يكمل خلقته، وأن يخرجه سليمًا، وعلى والديه أن يتقيا الله سبحانه، ويسألاه أن يشفيه من كل سوء، وأن يقر أعينهما بولادته سليمًا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يقول الله عزوجل: أنا عند ظن عبدي بي»، وبالله التوفيق.
وكانت هذه الفتوى برئاسة الإمام ابن باز ﵀، ومعه صالح الفوزان، وبكر
стр. 5045
أبو زيد، وابن غديان، وعبدالعزيز آل الشيخ ﵏.
مسألة [١٨]: جنين البهيمة .
• منهم من قال: فيه عشر قيمة البهيمة. وهو قول مالك، والحسن بن حي؛ قياسًا على جنين الأمة.
• ومنهم من قال: يجتهد في تقديره الحاكم. وهو قول ربيعة، والزهري.
• ومنهم من قال: فيه ما نقصت البهيمة من ثمنها. وهو قول أبي الزناد، وأكثر أهل العلم، واختاره ابن حزم. وهو الأقرب، والله أعلم. (١)