ذلك؛ فليس بحي. وهذا قول قوي، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: إذا سقط من المرأة أكثر من جنين ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٦٨): وَإِذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ، فَأَلْقَتْ أَجِنَّةً، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ غُرَّةٌ. وَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. قَالَ: وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ (٢)
مسألة [١١]: من يتحمل الغرة ؟
• مذهب أحمد ﵀ أنَّ الجناية إن كانت خطأ، وماتت الأم تحملت العاقلة الدية كاملة، ومعها الغرة، وإن لم تمت الأم فيتحمل ذلك القاتل؛ بناء على قوله: إنَّ العاقلة لا تتحمل إلا الثلث وما زاد. وإن كانت الجناية عمدًا؛ فيتحملها القاتل مطلقًا.
• ومذهب الشافعي ﵀ أنَّ العاقلة تتحمل الغرة مطلقًا؛ لأنه يرى أنَّ العاقلة تتحمل ما نقص من الثلث أيضًا، ويرى أن لا عمد في الجناية على الجنين؛ لأنه قد يموت الجنين، وقد لا يموت؛ ولأنه لا يتحقق وجود الجنين.
والصحيح ما ذهب إليه أحمد، إلا في تحمل العاقلة للغرة في الخطإ إذا لم تمت الأم؛ فالصحيح أنَّ الذي يتحمل الغرة هي العاقلة، والله أعلم. (٣)
стр. 5042
مسألة [١٢]: الجنين المملوك كم ديته ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ ديته عشر قيمة أمه، وهذا قول الحسن، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر وغيرهم، كما يجب في الجنين الحر عشر دية الأم.
• وقال زيد بن أسلم: يجب فيه نصف عشر غرة، وهو خمسة دنانير.
• وقال الثوري، والحنفية: يجب فيه نصف عشر قيمته إن كان ذكرًا، وعشر قيمته إن كان أنثى؛ لأنَّ الغرة الواجبة في جنين الحرة هي نصف عشر دية الرجل، وعشر دية الأنثى، وهذا متلف، فاعتباره بنفسه أولى من اعتباره بأمه.
والصحيح القول الأول.
وقد شذ ابن حزم، فقال: فيه الغرة كالحر؛ لعموم الحديث. (١)
مسألة [١٣]: إذا خرج الجنين حيًّا ثم مات ؟
نقل غير واحد الإجماع على أنَّ فيه الدية كاملة، منهم: النووي، وابن قدامة، وابن المنذر، وابن عبد البر وغيرهم، بشرط أن تعلم حياته بعد ولادته باستهلالٍ أو نحوه؛ لأنه مات من الجناية بعد ولادته في وقتٍ يعيش لمثله، فأشبه قتله بعد وضعه. (٢)
стр. 5043
مسألة [١٤]: إذا خرج في وقتٍ لا يعيش فيه كأن يخرج في خمسة أشهر ؟
• مذهب أحمد أنَّ فيه الغرة، وإن خرج حيًّا ثم مات؛ لأنه يشبه ما لو خرج ميتًا؛ لأنَّ حياته غير مستقرة، وهو قول بعض الشافعية، منهم المزني.
• ومذهب الشافعي أنَّ فيه الدية كاملة؛ لأنه قد خرج حيًّا فَعُلِمت حياته.
والقول الأول الأقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٥]: هل في قتل الجنين كفارة مع الغرة ؟
• أكثر أهل العلم على وجوب الكفارة، وهو قول الزهري، والنخعي، وعطاء وغيرهم من التابعين، وقال بذلك مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر وغيرهم، ونُقل ذلك عن عمر ﵁ بسند منقطع، وقال بذلك ابن حزم، لكن نبه على أنَّ الكفارة فيما إذا كان قد نُفِخ فيه الروح، ويظهر أنَّ هذا هو قول الجمهور؛ لأنهم استدلوا بعموم الآية: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢]، ومن كان دون الأربعة الأشهر لا يُطلق عليه (قُتِلَ).
• وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى عدم وجوب الكفارة؛ لعدم ورودها في الحديث.
وأجاب الجمهور بأنها لم تذكر للعلم بها كما لم تذكر في حق المرأة، والله أعلم. (٢)
стр. 5044
مسألة [١٦]: تعمد إسقاط الولد .
• أكثر أهل العلم على أنَّ على من أسقط الولد الدية، والكفارة، وإن كان قريبًا؛ لم يرث من الدية شيئًا.
• وذهب ابن حزم إلى أنَّ هذا قتل عمد فيه القود، أو الدية، أو المفاداة.
قلتُ: قول الجمهور هو الصواب، ولكنَّ الكفارة على من قتل خطأً، وأما من فعل ذلك عمدًا فعليه التوبة، ولا تنفعه الكفارة، وبهذا أفتى الإمام ابن باز، والإمام الفوزان، والإمام بكر أبو زيد ﵏ كما في «فتاوى اللجنة» (٢١/ ٢٤٨). (١)
مسألة [١٧]: هل يجوز إسقاط الجنين المشوه ؟
جاء في «فتاوى اللجنة» (٢١/ ٢٥١) ما نصُّهُ: لا يجوز إسقاط الحمل؛ لأن الغالب على أخبار الأطباء الظن، والأصل وجوب احترام الجنين وتحريم إسقاطه؛ ولأن الله قد يصلح الجنين في بقية المدة فيخرج سليمًا مما ذكره الأطباء إن صحَّ ما قالوه، فالواجب حسن الظن بالله، وسؤاله سبحانه أن يشفيه، وأن يكمل خلقته، وأن يخرجه سليمًا، وعلى والديه أن يتقيا الله سبحانه، ويسألاه أن يشفيه من كل سوء، وأن يقر أعينهما بولادته سليمًا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يقول الله عزوجل: أنا عند ظن عبدي بي»، وبالله التوفيق.
وكانت هذه الفتوى برئاسة الإمام ابن باز ﵀، ومعه صالح الفوزان، وبكر
стр. 5045
أبو زيد، وابن غديان، وعبدالعزيز آل الشيخ ﵏.
مسألة [١٨]: جنين البهيمة .
• منهم من قال: فيه عشر قيمة البهيمة. وهو قول مالك، والحسن بن حي؛ قياسًا على جنين الأمة.
• ومنهم من قال: يجتهد في تقديره الحاكم. وهو قول ربيعة، والزهري.
• ومنهم من قال: فيه ما نقصت البهيمة من ثمنها. وهو قول أبي الزناد، وأكثر أهل العلم، واختاره ابن حزم. وهو الأقرب، والله أعلم. (١)
стр. 5046
فَصْل فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلّقَةِ بتَضْمِينِ الْمُتَسبِبِ فِي الْقَتْلِ
مسألة [١]: إذا حفر إنسان بئرًا فسقط فيه إنسان، فمات، فهل عليه ضمان ؟
في هذه المسألة حالان:
الحال الأولى: أن يحفر في طريق مسلوكة، أو في ملك غيره بغير إذن؛ فعليه الضمان عند أهل العلم، وممن قال بذلك شريح، والنخعي، والشعبي، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم.
الحال الثانية: أن يحفر في ملكه؛ فإن دخل إنسان إلى أرضه، أو بستانه بغير إذنه، فوقع في ذلك البئر؛ فلا ضمان عليه، وإن دخل بإذنه فإما أن تكون البئر ظاهرة أو لا؛ فإن كان الأول فلا ضمان عليه، وإن كان الثاني؛ فعليه الضمان، وعلى ذلك أكثر أهل العلم، منهم: شُريح، والنخعي، والشعبي، وحماد، ومالك، وأحمد، ووجهٌ للشافعية، ولهم وجهٌ أنه لا يضمن.
والصحيح القول الأول. (١)
стр. 5047
مسألة [٢]: إذا حفر في أرض مشتركة بدون إذن شركائه ؟
• مذهب أحمد، والشافعي أنَّ عليه الضمان، ويضمن جميع الدية، وليس على شركائه شيء.
• ومذهب أبي حنيفة أنه يضمن بقدر حصص الشركاء؛ لأنه تعدى في نصيبهم، فلو كان له شريكان؛ ضمن ثلثي الدية، وهكذا.
• وقال أبو يوسف: يضمن النصف؛ لوجود جهتين: جهة له، وجهة لشركائه.
والقول الأول هو الصواب؛ لأنه متعدي في حفر البئر، وإن كان شريكًا؛ فلا يجوز له الحفر بغير إذن الشركاء، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إذا كان الحافر أجيرًا ؟
إن كان يحفر في أرض لا يملكها المستأجر بغير إذن صاحبها، أو في طريق مسلوكة؛ فعلى الحافر الضمان إن كان يعلم ذلك، وإن لم يكن يعلم ذلك؛ فالضمان على من استأجره. (٢)
مسألة [٤]: إذا مات الأجير أثناء حفره ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٩٣): وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لَهُ فِي مِلْكِهِ بِئْرًا، أَوْ لِيَبْنِيَ لَهُ فِيهَا بِنَاءً، فَتَلِفَ الْأَجِيرُ بِذَلِكَ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُسْتَأْجِرُ، وَبِهَذَا
стр. 5048
قَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الْبِئْرُ جُبَارٌ»؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهُ، وَإِنَّمَا فَعَلَ الْأَجِيرُ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ فِعْلًا أَفْضَى إلَى تَلَفِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ تَبَرُّعًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَجِيرُ عَبْدًا اسْتَأْجَرَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ صَبِيًّا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ، فَيَضْمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِاسْتِعْمَالِهِ، مُتَسَبِّبٌ إلَى إتْلَافِ حَقِّ غَيْرِهِ. اهـ
مسألة [٥]: سقط إنسان في بئر، فسقط عليه آخر فقتله بسقوطه عليه ؟
على الثاني الضمان عند أهل العلم؛ لأنه قتله فضمنه، كما لو رمى عليه حجرًا، ثم ينظر؛ فإن كان عِمِدَ رمي نفسه عليه، وهو مما يقتل غالبًا؛ فعليه القصاص، وإن كان مما لا يقتل غالبًا؛ فهو شبه عمد، وإن وقع خطأ؛ فالدية على عاقلته مخففة، وقد نُقِل نحو ذلك عن عمر ﵁، وسنده ضعيف، منقطع، أخرجه البيهقي (٨/ ١١٢)، وهذا قول شريح، والنخعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم.
مسألة [٦]: إذا بنى إنسانٌ في ملكه حائطًا مائلاً إلى الطريق، أو إلى ملك غيره ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٩٤): وَإِذَا بَنَى فِي مِلْكِهِ حَائِطًا مَائِلًا إلَى الطَّرِيقِ، أَوْ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ، أَوْ سَقَطَ عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ، ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْبِنَاءِ فِي هَوَاءِ مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ هَوَاءٍ مُشْتَرَكٍ؛ وَلِأَنَّهُ يُعَرِّضُهُ لِلْوُقُوعِ عَلَى غَيْرِهِ فِي مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَصَبَ فِيهِ مِنْجَلًا يَصِيدُ بِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ
стр. 5049
مسألة [٧]: إذا بنى في ملكه حائطًا مستويًا فمال إلى الطريق، أو إلى ملك غيره ؟
• إن كان لا يمكنه نقضه؛ فلا ضمان عليه، وإن كان يمكنه نقضه، ولم يطالب بذلك؛ فمن أهل العلم من قال: لا يضمن. وهو قول أحمد، وظاهر مذهب الشافعي، وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنه بناه في ملكه، والميل حادث بغير فعله، فأشبه ما لو وقع قبل ميله.
• وقال بعض أهل العلم: عليه الضمان. وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي ثور، وإسحاق، وبعض الحنابلة، وبعض الشافعية؛ لأنه مُتَعَدٍّ بتركه مائلًا، فضمن ما تلف به، وهذا القول أقرب، والله أعلم.
• وأما إن طُولِب بالنقض فلم يفعل؛ فالأكثر على الضمان، وهو قول مالك، والحنابلة، والحسن، والنخعي، والثوري؛ لأنه متعدٍّ بتركه مائلًا مع مطالبة الناس له بنقضه.
• وقال بعض الحنابلة، والحنفية: لا يضمن؛ لأنه لم يسقط بفعله، والقول الأول أقرب. (١)
مسألة [٨]: إذا أخرج من بيته جناحًا، أو ساباطًا إلى طريق نافذ فسقط على شيء فأتلفه ؟
• مذهب الحنابلة أن عليه الضمان؛ لأنه تلف بما أخرجه إلى هواء الطريق
стр. 5050
فضمنه؛ ولأنه تلف بعدوانه.
• ومذهب الشافعية: إن وقعت خشبة غير مركبة على حائطه؛ وجب ضمان من أتلفت، وإن كانت مركبة على حائطه؛ وجب نصف الضمان؛ لأنه تلف بما وضعه على ملكه وملك غيره. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: إن أخرج ميزابًا إلى الطريق، فسقط على شخص فأتلفه ؟
• مذهب أحمد، وأبي حنيفة أنه يضمنه؛ لأنه تلف بعدوانه بوضعه الميزاب على هواء مشترك.
• وحُكي عن مالك أنه لا يضمن، وليس بمتعدٍّ.
• وقال الشافعي: إن سقط كله؛ فعليه نصف الضمان، وإن انكسر فسقط منه ما خرج عن الحائط؛ ضمن جميع ما تلف به.
والقول الأول أقربها، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٠]: إن أخرج الميزاب إلى ملك غيره بغير إذنه ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٩٨): فَأَمَّا إنْ أَخْرَجَ إلَى مِلْكِ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ شَيْئًا مِنْ جَنَاحٍ، أَوْ سَابَاطٍ، أَوْ مِيزَابٍ، أَوْ غَيْرِهِ؛ فَهُوَ مُتَعَدٍّ، وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ
стр. 5051
مسألة [١١]: طلب رجلٌ رجلاً بسيف شاهر، فهرب منه، فتلف في هربه ؟
• كأن يقع من شاهق، أو انخسف به سقف، أو خرَّ في بئر، أو نحو ذلك، فمذهب الحنابلة أنَّ على ذلك الطالب الضمان؛ لأنه تسبب بقتله، سواء كان المطلوب صبيًّا، أو كبيرًا، أعمى أو بصيرًا، عاقلًا، أو مجنونًا.
• وقال الشافعي: لا يضمنُ البالغَ العاقلَ البصيرَ إلا أن ينخسف به سقف، ففيه وفي الأعمى، والصغير، والمجنون قولان. (١)
مسألة [١٢]: لو شهر سيفًا في وجهه، فمات من الخوف ؟
عليه الضمان، وإن ذهب عقله؛ فعليه ديته. (٢)
مسألة [١٣]: إن صاح بصبي، أو مجنون صيحة شديدة، فخرَّ من السقف ؟
على الصائح الدية تحملها العاقلة، ومثل ذلك لو كان بالغًا غافلًا، صاح به، فأصابه ذلك؛ فعليه الدية.
• وخالف الشافعي في الكبير دون الصغير. (٣)
مسألة [١٤]: إن شهد رجلان على آخر بما يوجب قتله، أو قطع يده، ثم رجعا بعد إقامة الحد عليه ؟
عليهما الضمان عند أهل العلم، وإن كانا متعمدين؛ فالقصاص. (٤)
стр. 5052
مسألة [١٥]: أفزع امرأة، فأسقطت جنينها .
• عليه ضمان دية الجنين، وهو مذهب أحمد، والشافعي وغيرهما. (١)
مسألة [١٦]: إذا أخفى عليه طعامه في مهلكة ؟
يضمن؛ لأنه متعدي تسبب بموت غيره بتعديه. (٢)
مسألة [١٧]: إذا اضطر إلى طعام، أو شراب، فوجده عند شخص، فمنعه منه حتى مات ؟
• يضمن المطلوب منه؛ لأنه تسبب إلى إهلاكه بمنعه ما يستحقه؛ فلزمه ضمانه كما لو أخذ طعامه وشرابه؛ فهلك بذلك. نُقِل تضمينه عن عمر ﵁، من طريق: الحسن عنه، وهو منقطع.
• وظاهر كلام أحمد أنَّ الدية في ماله؛ لأنه تعمد هذا الفعل الذي يقتل غالبًا، وهو اختيار ابن حزم، بل نصَّ على القصاص.
• وقال القاضي: تكون على العاقلة؛ لأنه لا يوجب القصاص؛ فيكون شبه العمد. وأما إذا لم يطالب بالطعام والشراب؛ لم يضمن؛ لأنه لم يمنعه، وقد أساء.
• وقال أبو الخطاب: يضمن. كالمسألة التي قبلها، ورجح ابن قدامة عدم الضمان. (٣)
стр. 5053
مسألة [١٨]: اصطدام باخرتين، ونحوهما .
له ثلاث أحوال:
الحال الأولى: أن يكون القَيِّمان مفرطين في الاصطدام، كأن يكون في إمكانهما ضبطهما، والانحراف؛ فلم يفعلا، فصارا جانيين؛ فإن كانت السفينتان لهما؛ وجب على كل واحد منهما للآخر نصف قيمة سفينة صاحبه، ونصف قيمة ما فيها، ويسقط النصف؛ لأنَّ سفينة كل واحد منهما تلفت بفعله، وفعل صاحبه؛ فسقط ما قابل فعله، ووجب ما قابل فعل صاحبه.
• وإن كانت السفينتان لغيرهما مع ما فيهما؛ وجب على كل واحد منهما نصف قيمة سفينته، ونصف قيمة ما فيها، ونصف قيمة سفينة صاحبه، ونصف قيمة ما فيها؛ لأنَّ كل واحدة منهما تلفت بفعلهما، هذا مذهب الشافعي، ومالك، وزفر.
• ومذهب أحمد أنَّ كل واحد منهما يضمن سفينة الآخر بما فيها من نفسٍ ومال، وهو قول إسحاق، وأبي حنيفة.
والقول الأول أقرب، والله أعلم.
الحال الثانية: أن لا يفرط القيمان، مثل أن تشتد الريح، وتضطرب الأمواج؛ فلا يمكنهما إمساك السفينتين، ولا تنحيتهما.
• ففيه وجهان للشافعية، ومذهب الحنابلة عدم الضمان، وهو الصحيح؛ لأنه لا يدخل في وسعه ضبطها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
стр. 5054
الحال الثالثة: أن يكون أحدهما مفرطًا، والآخر غير مفرط؛ فالضمان على المفرط منهما، ولا ضمان على الآخر. (١)
مسألة [١٩]: إذا اصطدم فارسان، فماتت الدابتان، ومات الفارسان .
• من أهل العلم من قال: يضمن كل واحد منهما دابة الآخر في ماله، وتضمن عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، وهذا قول أحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة وصاحبيه؛ لأنَّ كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه، وإنما هو قربها إلى محل الجناية؛ فلزم الآخر ضمانها.
• ومن أهل العلم من قال: يضمن كل واحد منهما نصف دابة الآخر، وتضمن عاقلة كل واحد منهما نصف الآخر. وهذا قول الشافعي، ومالك، وزفر؛ لأنَّ كل واحد منهما مات بفعل نفسه وفعل غيره، فسقط نصف ديته لفعل نفسه، ووجب النصف لفعل غيره كما لو شارك غيره في قتله.
وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
تنبيه: إن كان أحدهما واقفًا، فجاء الآخر فصدمه؛ فالضمان على الثاني، وإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر، فأدركه الثاني فصدمه؛ فالضمان على الثاني، وإن كان الواقف متعديًّا بوقوفه؛ فعليه الضمان. (٣)
стр. 5055
مسألة [٢٠]: اصطدام السيارات وحوادثها .
الذي قرره أهل العلم أن من تسبب في الحادث فعليه الضمان، فإذا حصل خطأ من السائق فهو ضامن، عليه الدية والكفارة، وإذا حصل اصطدام بين سيارتين فضمان الحادث على المخطئ منهما.
وإن حصل اشتراك في الخطإِ فكلٌّ عليه الكفارة، وكُلٌّ عليه من الدية بنسبة خطئه الذي يقرره المختصون من إدارة المرور، والله أعلم.
стр. 5056
فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِكَفَّارَةِ القَتْلِ
مسألة [١]: الكفارة على من قتل مؤمنًا خطأً .
أجمع العلماء على أنَّ من قتل مؤمنًا خطأ في دار الإسلام أنَّ عليه الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، سواءٌ قتل كبيرًا أو صغيرًا، ذكرًا أو أنثى. (١)
مسألة [٢]: إذا كان القتل بتسبب لا بمباشرة ؟
• الجمهور على أنَّ عليه الكفارة، وتشمله الآية السابقة.
• وخالف أبو حنيفة، فلم يوجب عليه الكفارة؛ لأنه ليس بقتل منه.
وأُجيب أنه تسبب بالقتل؛ فكان ضمانه عليه، فعليه أيضًا الكفارة، والصحيح قول الجمهور. (٢)
مسألة [٣]: هل تجب الكفارة بقتل العبد المسلم ؟
• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة وجوب ذلك؛ لعموم الآية السابقة.
стр. 5057
• وقال مالك: ليس فيه كفارة؛ لأنه مضمون بالقيمة أشبه البهيمة.
والصحيح القول الأول. (١)
مسألة [٤]: هل تجب الكفارة بقتل الذمي والمستأمن ؟
• مذهب أحمد، والشافعي أنَّ فيه الكفارة، وعزاه ابن قدامة لأكثر العلماء، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢].
• وقال الحسن، ومالك: لا كفارة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وسياق الآيات التي بعدها في قتل المؤمن. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٥]: إذا كان القاتل صبيًّا، أو مجنونًا، فهل عليه كفارة ؟
• مذهب أحمد، والشافعي أنَّ عليهما الكفارة في مالهما؛ لعموم الآية السابقة، ولأنَّ هذا متعلق بالمال، أعني تحرير الرقبة؛ فوجبت في مالهما كالزكاة، والديات.
• وقال أبو حنيفة: لا كفارة على واحد منهما؛ لأنها عبادة، وهما غير مكلفين.
وأُجيب بأنها عبادة متعلقة بالمال؛ فوجبت الكفارة كغيرها من الحقوق
стр. 5058
المالية، وإن كانت عبادات. (١)
مسألة [٦]: إن قتل مؤمنًا في دار الحرب .
• بأن يكون أسيرًا في صفهم، أو مقيمًا بينهم باختياره، ففيه الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية. (٢)
مسألة [٧]: من قتل نفسه خطأ، فهل في ماله الكفارة ؟
• الأشهر في مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ الكفارة واجبة في ماله؛ لعموم الآية.
• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى عدم وجوب الكفارة، ورجَّح ذلك ابن قدامة ﵀، واستدل على ذلك بقصة عامر بن الأكوع حين قتل نفسه خطأ، ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بكفارة.
قال ﵀: وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ إنَّمَا أُرِيدَ بِهَا إذَا قَتَلَ غَيْرَهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، وَقَاتِلُ نَفْسِهِ لَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ؛ بِدَلِيلِ قَتْلِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ (٣)
стр. 5059
مسألة [٨]: إذا تشارك قوم في قتل خطإٍ، فهل تتعدد الكفارات عليهم، أم يشتركون في كفارة واحدة ؟
• أكثر أهل العلم على تعدد الكفارات، فكل واحد تلزمه الكفارة، وهو قول الحسن، وعكرمة، والنخعي، والثوري، وأصحاب المذاهب الأربعة.
• ونُقِل عن أحمد رواية أنَّ عليهم كفارة واحدة، وهو قول أبي بكر، وحُكي عن الأوزاعي؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
وأُجيب بأنَّ الكفارة ههنا لاتتبعض؛ لأنها لم تجب بدلًا، وإنما وجبت لقتل آدمي، فكملت في حق كل واحد من المشتركين كالقصاص.
وقول الجمهور هو الصواب، والصوم كيف يحصل به الاشتراك، ففيه تخفيف على القاتلين مع أنهم أكثر من الواحد، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: هل تجب الكفارة بقتل العمد ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ الكفارة إنما تجب في قتل الخطإ، وأما قتل العمد فلا تنفع فيه الكفارة، وليس فيه كفارة؛ لأنَّ الله تعالى أوجب الكفارة في قتل الخطإ، ولم يوجبها في قتل العمد، وهذا قول مالك، وأحمد، وأبي ثور، والثوري، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.
• ومنهم من قال: فيه الكفارة. وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، وحُكي عن
стр. 5060
الزهري؛ لأنه إذا وجبت في حق المخطئ؛ فالمتعمد من باب أولى.
واستدلوا أيضًا بحديث واثلة بن الأسقع قال: أتينا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بصاحب لنا قد أُوجِب بالقتل، فقال: «اعتقوا عنه رقبة، يعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار» أخرجه أحمد (٣/ ٤٧١) وغيره، وهو حديث ضعيف، ضعفه الإمام الألباني ﵀ في «الضعيفة» (٩٠٧).
والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: هل تجب الكفارة بقتل شبه العمد ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية وجوب ذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في قصة المرأتين جعل الدية على العاقلة؛ فكانت فيها الكفارة كذلك.
• ومذهب الحنفية، والثوري، وربيعة أنه لا تجب الكفارة إلا في الخطإ؛ للآية السابقة.
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [١١]: كفارة القتل .
أوجب الله عزوجل في كفارة القتل عتق رقبة مؤمنة؛ فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
стр. 5061
واختلف الفقهاء فيما إذا لم يستطع الصوم، هل عليه الإطعام، أم لا؟ على قولين، وهما وجهان في مذهب أحمد، والشافعي:
• منهم من قال: عليه الإطعام كما في كفارة الظهار.
• ومنهم من قال: ليس عليه الإطعام؛ لأنَّ الله تعالى لم يذكر الإطعام، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٢]: إثبات القتل بالشهود .
• عامةُ أهل العلم على أنه لا يقبل في إثبات القتل أقل من شاهدين عدلين، فلا يقبل شهادة رجل وامرأتين، ولا شهادة رجل مع يمين الطالب؛ لأنَّ هذا الأمر فيه إباحة الدم، وهو أشد من الحقوق المالية.
• ونُقل عن أحمد رواية أنه اشترط أربعة شهداء في ذلك؛ قياسًا على رجم الزاني.
وأُجيب بأنَّ الأربعة الشهداء إنما اشتُرِطُوا؛ لكونه زنى، ولذلك فإنه يشترط فيه ذلك حتى في حق البكر مع أنه فيه الجلد لا الرجم، والله أعلم.
تنبيه: ما أوجب المال دون القصاص من الجنايات يُقبل فيه قول رجل وامرأتين، أو قول رجل ويمين الطالب في مذهب أحمد، والشافعي، والله أعلم. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
القسامة:
هي مصدر: أقَسَمَ قَسَمًا، وقَسَامَة، ومعناه: حَلَفَ حَلِفًا، والمراد به ههنا اسم للأيمان المكررة في دعوى القتل. هذا قول الفقهاء.
وقال بعض أهل اللغة: إنها اسم للقوم الذين يحلفون، سُمُّوا باسم المصدر، والأصل في القسامة حديث الباب. (١)
مسألة [١]: القضاء بالقسامة .
• ذهب أكثر العلماء إلى القضاء بالقسامة، حتى قال القاضي عياض ﵀: هذا الحديث أصلٌ من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركنٌ من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة، والتابعين، وعلماء الأمة، وفقهاء الأمصار من الحجازيين، والشاميين، والكوفيين، وإن اختلفوا في صورة الأخذ به.
وحجتهم في ذلك حديث الباب.
• وقال بعض أهل العلم: لا يعمل بالقسامة. وهو قول سالم، وأبي قلابة، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وسليمان بن يسار، وقتادة، وهو قول عمر بن عبدالعزيز الذي أخذ به بعد قوله بالقول الأول، وإليه يميل البخاري.
بِالدَّمِ، وَيُقَالُ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ. فَيَسْتَحْلِفُهُ بِاَلله مَا قَتَلَهُ وَيُخَلِّي سَبِيلَهُ، وَيُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى أَحْسَنِ الْأَحْكَامِ، وَأَعْدَلِهَا، وَأَلْصَقِهَا بِالْعُقُولِ وَالْفِطَرِ، الَّذِي لَوْ اتَّفَقَتْ الْعُقَلَاءُ لَمْ يَهْتَدُوا لِأَحْسَنَ مِنْهُ، بَلْ وَلَا لِمِثْلِهِ.
وَأَيْنَ مَا تَضَمَّنَهُ الْحُكْمُ بِالْقَسَامَةِ مِنْ حِفْظِ الدِّمَاءِ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ تَحْلِيفُ مَنْ لَا يُشَكُّ مَعَ الْقَرَائِنِ الَّتِي تُفِيدُ الْقَطْعَ أَنَّهُ الْجَانِي؟
قال: وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ» لَا يُعَارِضُ الْقَسَامَةَ بِوَجْهٍ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا نَفَى الْإِعْطَاءَ بِدَعْوَى مُجَرَّدَةٍ، وَقَوْلُهُ: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» هُوَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ، حَيْثُ لَا تَكُونُ مَعَ الْمُدَّعِي إلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى. اهـ
وقال ﵀ في «تهذيب السنن» (٦/ ٣٢٥) بعد أن ذكر حديث: «لو يُعطى الناس بدعواهم ... »: فهذا إنما يدل على أنه لا يُعطى أحد بمجرد دعواه دمَ رجلٍ ولا ماله، وأما في القسامة؛ فلم يعط الأولياء بمجرد دعواهم، بل بالبينة، وهي ظهور اللوث، وأيمان خمسين، لا بمجرد الدعوى، وظهور اللوث، وحلف خمسين؛ بينة بمنزلة الشهادة، وأقوى. اهـ (١)
تنبيه: اللوث هي قرائن تجعل الشخص يغلب على ظنه أنَّ ذلك حصل منه القتل، وربما قالوا: شبهة يغلب على الظن الحكم بها. (٢)
стр. 5066
مسألة [٢]: بعض الصور التي يحصل فيها اللوْث، والشبهة .
• منها: أن يقول المقتول عند موته: دمي عند فلان. قال بذلك مالك، والليث، وخالفهما الجمهور.
• ومنها: أن يشهد من لا يكمل النصاب بشهادته، كالواحد، والجماعة غير العدول. قال بذلك مالك، والليث، والشافعي، وأحمد في رواية.
• ومنها: أن تقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند الجمهور، وفي رواية عن مالك: تختص القسامة بالطائفة التي ليس هو منها إلا إن كان من غيرهما؛ فعلى الطائفتين.
• ومنها: أن يوجد المقتول مرميًّا في قرية، أو قبيلة. فإن كان بينهم عداوة، وحروب؛ ثبتت القسامة عند أهل العلم في ذلك، واختلفوا فيما إذا لم تكن عداوة، فالجمهور على عدم إثباتها، وأثبتها أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، واشترط الثوري، والأوزاعي أن يكون فيه جراح، ولم يشترطه الحنفية. والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٣]: الدعوى على محلة، أو قبيلة بدون تعيين أحد منهم .
• مذهب أحمد، الشافعي أنَّ الدعوى لا تسمع إلا في حق معين، وأما على الجمع فلا تسمع، واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تقسمون على رجل منهم؛ فيدفع إليكم برمته».
стр. 5067
• وقال أبو حنيفة: تسمع الدعوى، ويُستحلف خمسون منهم؛ لأنَّ الأنصار ادعوا القتل على يهود خيبر، ولم يعينوا القاتل، فسمع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دعواهم.
ويُجاب عن ذلك بأنه لم يمكنهم من الأيمان على التعميم، وإنما أمرهم أن يحلفوا على معين كما في الرواية المتقدمة؛ فالصحيح قول أحمد، والشافعي.
ويبقى أنَّ القاضي يصنع كما صنع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيبرئ القبيلة، أو القرية بخمسين يمينًا كما قال في الحديث: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا»؛ فإن حلفوا؛ برئوا، وإن لم يحلفوا ونكلوا؛ قُضي عليهم بالدية، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: إذا ادُّعِي على شخص القتل بدون لَوْث ؟
• إذا كانت الدعوى بدون لوْث؛ فليس لها حكم القسامة عند عامة أهل العلم، بل تكون من الدعاوى التي دل عليها حديث ابن عباس، ويحلف المدعى عليه إن لم توجد بينة على الصحيح. وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية.
• وعن أحمد رواية: لا يحلف المدعى عليه؛ لأنها دعوى فيما لا يجوز بذله، فلا حلف فيها كالحدود، ولأنها دعوى لا يقضى فيها بالنكول، فلا حلف فيها كالحدود.
والصحيح القول الأول؛ لحديث ابن عباس ﵄.
• وعليه في ذلك يمين واحدة على الصحيح في مذهب أحمد، وهو قول
стр. 5068
للشافعي.
• وعن أحمد رواية أنَّ فيه خمسين يمينًا، وهو قولٌ للشافعي.
والصحيح القول الأول. (١)
مسألة [٥]: إذا أبى المدَّعَى عليه أن يحلف ؟
• مذهب الحنابلة أنَّ النكول لا يوجب عليه الحد؛ لأنَّ القتل لم يثبت ببينة، ولا إقرار؛ ولم يعضده لوْث؛ فلم يجب القصاص كما لو لم ينكل، ولا يصح إلحاق الأيمان مع النكول ببينة، ولا إقرار؛ لأنها أضعف منها، بدليل أنه لا يشرع إلا عند عدمها؛ فيكون بدلًا عنهما، والبدل أضعف من المبدل.
• ومذهب الشافعية أنَّ اليمين تُرَدُّ عند النكول على المدعي، فيحلف خمسين يمينًا، ويستحق القصاص إن كان عمدًا، أو الدية إن كان خطأً؛ لأنَّ النكول مع حلف المدعي كالبينة، أو الإقرار.
وقول الحنابلة أقرب، والله أعلم، وهو قول الحنفية. (٢)
مسألة [٦]: هل يشترط في اللوْث أن يكون بالقتيل أثر القتل ؟
• مذهب أحمد، ومالك، والشافعي عدم اشتراط ذلك؛ لأنَّ القتل يحصل بما لا أثر له، كغم الوجه، والخنق، والعصر للخصيتين، وضربة الفؤاد؛ ولأنَّ ما به
стр. 5069
أثر قد يموت حتف أنفه؛ لسقطته، أو صرعه، أو يقتل نفسه.
• ومذهب أبي حنيفة، والثوري، وحماد، وأحمد في رواية أنه يشترط ذلك؛ لأنه إذا لم يكن به أثر فيحتمل أنه مات حتف أنفه.
والقول الأول أقوى، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: يشترط في القسامة اتفاق أولياء الدعوى .
يشترط في القسامة اتفاق أولياء الدعوى في تعيين القاتل، وعدم تكذيب أحدهما الآخر. (٢)
مسألة [٨]: إذا استحقت القسامة، فمن يبدأ بالأيمان ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ الأيمان يبدأ بها المدَّعون، فيحلفون خمسين يمينًا؛ فإن حلفوا؛ استحقوا، وإن لم يحلفوا؛ استحلف المدَّعَى عليهم خمسين يمينًا وبرئوا، وهو قول يحيى بن سعيد، وربيعة، والليث، ومالك، وأحمد، والشافعي وغيرهم، واستدلوا بحديث الباب.
• وقال الحسن: يبدأ المدَّعى عليهم. وجاءت رواية تدل على ذلك، وهي غير محفوظة.
• وقال الشعبي، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي: يستحلف خمسون
стр. 5070
رجلًا من أهل المحلة، ويغرمون الدية؛ لأنه نقل عن عمر ﵁ أنه قضى بذلك، والأثر عن عمر ﵁ ضعيفٌ لا يثبت.
والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: إذا حلف الأولياء، هل يستحقون القود إذا كانت الجناية عمدًا ؟
• جماعةٌ من أهل العلم على استحقاق القود بذلك، صحَّ ذلك عن ابن الزبير كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٩/ ٣٨٧)، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد، والشافعي في قول، وابن المنذر، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما.
واستدلوا على ذلك بحديث: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم؛ فيدفع إليكم برمته»، والرمة: الحبل الذي يربط به من عليه القود، وفي لفظ: «وتستحقون دم صاحبكم» أراد دم القاتل؛ لأنَّ دم القتيل ثابت لهم قبل الأيمان، والرواية الأولى في «مسلم» والثانية في «الصحيحين».
• ومنهم من قال: إنما يستحقون الدية فقط. نُقِل عن عمر، وابن عباس (٢)، ولم يثبت عنهما، وهو قول الحسن، وإسحاق، والشافعي في قولٍ؛ لحديث الباب: «إمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنُوا بِحَرْبٍ».
стр. 5071
والقول الأول أقرب إلى ظاهر الأحاديث، والله أعلم، واللفظ الذي ذكروا لا ينافي الألفاظ المتقدمة لمن تأمل، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: إذا أبى المدعون أن يحلفوا ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ الأيمان ترجع على المدَّعَى عليهم، فيحلفون خمسين يمينًا أنهم ما قتلوا، ولا علموا من قتل؛ فإن حلفوا؛ برئوا، وإن لم يحلفوا؛ تحملوا الدية، وهذا قول يحيى بن سعيد، وربيعة، وأبي الزناد، ومالك، والليث، والشافعي، وأبي ثور؛ لحديث الباب: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا».
• وذهب بعضهم إلى أنهم يحلفون، ويغرمون الدية، وهو قول أصحاب الرأي، ورواية عن أحمد، ونُقِل عن عمر ﵁ كما في «مصنف عبدالرزاق» (١٠/ ٣٥) بسند ضعيف.
والقول الأول أقرب والله أعلم، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما. (٢)
مسألة [١١]: إذا امتنع المدَّعَى عليهم من اليمين ؟
• عن أحمد رواية أنهم يحبسوا حتى يحلفوا، وهو قول أبي حنيفة.
• والأشهر في مذهب أحمد أنهم لا يحبسون، وأنَّ الإمام يلزمهم بالدية.
стр. 5072
وهذا هو الصحيح، وهو قول الجمهور كما تقدم. (١)
مسألة [١٢]: من هم الأولياء الذين يحلفون ؟
• منهم من قال: هم العصبة وارثًا، أو غير وارث. وهذا قول مالك، وأحمد في رواية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خاطب عبدالرحمن بن سهل، وبني عمِّه، وقال: «يحلف خمسون رجلًا منكم على رجل منهم ... »، قالوا: فإن لم يوجد خمسون من نسبه؛ رُدَّتِ الأيمان عليهم.
• ومنهم من قال: هم الورثة، عصبة أو غير عصبة. وهذا قول الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنهم هم الذين يستحقون الدية لو كانت دية، وهم الذين يعفون عن القود إلى الدية، وهذا ظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀، وهو الأقرب، والله أعلم.
قال ابن القيم ﵀: وإن وُجِد خمسون؛ فلابد من أن يحلف الخمسون. اهـ (٢)
مسألة [١٣]: هل يدخل الصبي في القسامة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢٠٨): أَمَّا الصِّبْيَانُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْم أَنَّهُمْ لَا يُقْسِمُونَ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ حُجَّةٌ لِلْحَالِفِ، وَالصَّبِيُّ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ حُجَّةٌ، وَلَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ؛ لَمْ يُقْبَلْ، فَلَأَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْلَى. اهـ
стр. 5073
مسألة [١٤]: هل يدخل النساء في القسامة ؟
أما إن كانت المرأة من المدَّعى عليهم القتل؛ فتشرع القسامة في حقها؛ لأنها لتبرئة نفسها.
• وأما إن كانت من المدعين؛ فجماعةٌ من أهل العلم على أنها لا تدخل في القسامة، وهو قول ربيعة، والثوري، والليث، والأوزاعي، وأحمد؛ لأنَّ شهادة النساء لا تقبل في القتل والحدود؛ فلا يؤخذ بيمينها.
• وذهب مالك إلى أنَّ المرأة تدخل في القسامة إن كان القتل المدَّعَى خطأً، ولا تدخل في العمد؛ لأنَّ الخطأ موجبه المال، والعمد يجب به القصاص.
• وقال الشافعي: تدخل النساء في القسامة؛ لأنها من الوارثين، ويدخل جميع الورثة البالغين.
واستدل أهل القول الأول -وهو الصحيح- بالحديث: «يقسم خمسون رجلًا منكم على رجل منهم». (١)
مسألة [١٥]: إن كان المقتول كافرًا ذِمِّيًّا ؟
• إن كان المدَّعى عليهم كفارًا أيضًا، ففيه القسامة عند أهل العلم، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم من الفقهاء.
وإن كان المدَّعى عليهم من المسلمين.
стр. 5074
• فمذهب مالك، والحنابلة أنه لا قسامة في ذلك؛ لأنهم لا يستحقون القَوَد، ولأنهم قومٌ كفار لا يؤمن منهم الكذب والحلف عليه.
• ومنهم من أجاز القسامة في ذلك، وهو قول الشافعي، وجماعة من الحنابلة؛ لأنهم يستحقون الدية إذ لم يكن قود. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٦]: إن كان المقتول عبدًا ؟
• إن كان المدَّعى عليه عبدًا مثله، ففيه القسامة عند الأكثر، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه يستحق به القود بلا خلاف.
• وذهب بعضهم إلى عدم القسامة؛ لأنَّ العبد مال؛ فحكمه كحكم البهيمة، وهذا قول الزهري، ومالك، والثوري، والأوزاعي.
وأُجيب عليهم بأنَّ البهيمة لا قصاص في قتلها، وليست معصومة الدم.
والصحيح القول الأول، والله أعلم. (٢)
• وإن كان المدَّعَى عليه حرًّا؛ فلا قسامة عند مالك، ومن ذكر معه في المسألة السابقة، وهو قول بعض الحنابلة؛ لأنه لا يُقاد به عندهم.
• وذهب بعضهم إلى أنَّ فيه القسامة، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي، وبعض الحنابلة؛ لأنه قَتْلُ آدَمِيٍّ يوجب الكفارة.
стр. 5075
قلتُ: وهو يوجب القصاص على الصحيح كما تقدم؛ فالصحيح ثبوت القسامة في ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [١٧]: هل تثبت القسامة على الجروح والأعضاء ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢١٧): وَلَا قَسَامَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْأَطْرَافِ وَالْجَوَارِحِ، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا، وَمِمَّنْ قَالَ: لَا قَسَامَةَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ تَثْبُتُ فِي النَّفْسِ لِحُرْمَتِهَا، فَاخْتَصَّتْ بِهَا دُونَ الْأَطْرَافِ، كَالْكَفَّارَةِ؛ وَلِأَنَّهَا تَثْبُتُ حَيْثُ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَتَعْيِينُ قَاتِلِهِ، وَمَنْ قُطِعَ طَرَفُهُ، يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، وَحُكْمُ الدَّعْوَى فِيهِ حُكْمُ الدَّعْوَى فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ يَمِينًا وَاحِدَةً؛ وَلِأَنَّهَا دَعْوَى لَا قَسَامَةَ فِيهَا، فَلَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ، كَالدَّعْوَى فِي الْمَالِ. اهـ
مسألة [١٨]: إذا ادُّعِي القتل على ثلاثة اشتركوا فيه ؟
• جماعةٌ من أهل العلم يقولون: لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد. وهو قول الزهري، ومالك، والحنابلة، وبعض الشافعية؛ للحديث: «يقسم خمسون رجلًا منكم على رجل منهم».
• وذهب أبو ثور، وجماعةٌ من الشافعية إلى أنه يستحق بها قتل الجماعة؛ لأنها موجبة للقود، فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
١١٩٦ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
تعريف البغي:
الْبَغْيُ: مصدر بَغَى يبغي بغيًا، وهو التعدي على الغير، والظلم، والعدول عن الحق، وله معان أخرى، والمقصود به هنا التعدي على حق إمام المسلمين في الخروج عن طاعته.
مسألة [١]: قتال البُغاة .
قتال البغاة مشروعٌ في الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩].
ومن السنة: أحاديث الباب. ونقل غيرُ واحد الإجماع على مشروعيته، وفعله من الصحابة أبو بكر، وعلي ﵄. (٢)
стр. 5078
مسألة [٢]: أقسام الخارجين عن الإمام .
الخارجون عن قبضة الإمام وطاعته أقسام:
القسم الاول: قومٌ امتنعوا من طاعته، وخرجوا عن قبضته بغير تأويل؛ فهؤلاء قُطَّاع الطريق، ساعون في الأرض بالفساد.
القسم الثاني: قومٌ لهم تأويل إلا أنهم نفرٌ يسير لا منعة لهم، كالواحد والاثنين، والعشرة ونحوهم، فهؤلاء يعتبرون قطاع طريق في مذهب أحمد، والشافعي، وليس لهم أحكام البغاة؛ ولذلك لما قتل عبدالرحمن بن ملجم علي بن أبي طالب ﵁؛ قُتِل به، ولأنه لو ثبت للعدد اليسير حكم البغاة في سقوط ضمان ما أتلفوه أفضى إلى إتلاف أموال الناس، وهو الصحيح.
القسم الثالث: الخوراج الذين يكفِرُّون بالذنب، ويكفرون الحكام، ويستحلون دماء المسلمين، وأموالهم، فأكثر الفقهاء على أنهم بغاة، عزاه لأكثر الفقهاء ابنُ قدامة في «المغني»، بينما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنما هو قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد وغيرهم.
ثم قال: وأما جمهور أهل العلم فيفرقون بين الخوارج المارقين، وبين أهل الجمل وصفين، ممن يُعدُّ من البغاة المتأولين، وهذا هو المعروف عن الصحابة، وعليه عامة أهل الحديث، والفقهاء، والمتكلمين، وعليه نصوص أكثر الأئمة، وأتباعهم من أصحاب مالك، وأحمد، والشافعي، وغيرهم.
стр. 5079
قال: وذلك أنه قد ثبت في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق» (١)، وهذا الحديث يتضمن ذكر الطوائف الثلاثة، يبين أنَّ المارقين نوع ثالث ليسوا من جنس أولئك.
ثم ذكر الأحاديث في الحث على قتال الخوارج.
ثم قال: فالنبي ﷺ أمر بقتال الخوارج قبل أن يقاتلوا، وأما (أهل البغي)؛ فإن الله تعالى قال فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية، فلم يأمر بقتال الباغية ابتداءً، فالاقتتال ابتداءً ليس مأمورًا به، ولكن إذا اقتتلوا أُمروا بالإصلاح بينهم، ثم إن بغت الواحدة؛ قُوتِلت، ولهذا قال من قال من الفقهاء: إنَّ البغاة لا يبتدئون بقتالهم حتى يقاتلوا، وأما الخوارج، فقد قال النبي ﷺ فيهم: «أينما لقيتموهم؛ فاقتلوهم؛ فإنَّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة» (٢)، وقال: «لئن أدركتهم؛ لأقتلنهم قتل ثمود» (٣). انتهى بتصرف.
قال شيخ الإسلام ﵀ (٢٨/ ٤٨٥ - ): ومعلوم قطعًا أن إيمان الخوارج بما جاء به محمد ﷺ أعظم من إيمانهم يعني الرافضة فإذا كان أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵁ قد قتلهم، ونهب عسكرُه عسكرَهم من الكراع، والسلاح، والأموال (٤)؛ فهؤلاء أولى أن يقاتلوا، وتؤخذ أموالهم كما أخذ علي بن أبي طالب
стр. 5080
أموال الخوارج.
قال: ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أن قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ كقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأهل الجمل وصفين؛ فهو غالط جاهل بحقيقة شريعة الإسلام.
قال: وكثير من الأئمة المصنفين في الشريعة لم يذكروا في مصنفاتهم قتال الخارجين عن أصول الشريعة الاعتقادية والعملية كمانعي الزكاة، والخوارج، ونحوهم؛ إلا من جنس قتال الخارجين عن الإمام، كأهل الجمل وصفين، وهذا غلط، بل الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة فرق بين الصنفين كما ذكر ذلك أكثر أئمة الفقه، والسنة، والحديث، والتصوف، والكلام، وغيرهم. اهـ (١)
ثم وجدت كلامًا لشيخ الإسلام ﵀ يذكر فيه أنَّ عليًّا ﵁ لم يَسْبِ منهم، ولم يغنم، وعاملهم معاملة البغاة.
قال ﵀ في «منهاج السنة» (٣/ ٦٠): ... ، ثم أرسل إليهم ابن عباس فناظرهم، فرجع نحو نصفهم، ثم قاتل الباقي وغلبهم، ومع هذا لم يسب لهم ذرية، ولا غنم لهم مالًا، ولا سار فيهم سيرة الصحابة في المرتدين ... .
وقال كما في «مجموع الفتاوى» (٣/ ٢٨٢): ولم يكفرهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم