١١٩٦ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
تعريف البغي:
الْبَغْيُ: مصدر بَغَى يبغي بغيًا، وهو التعدي على الغير، والظلم، والعدول عن الحق، وله معان أخرى، والمقصود به هنا التعدي على حق إمام المسلمين في الخروج عن طاعته.
مسألة [١]: قتال البُغاة .
قتال البغاة مشروعٌ في الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩].
ومن السنة: أحاديث الباب. ونقل غيرُ واحد الإجماع على مشروعيته، وفعله من الصحابة أبو بكر، وعلي ﵄. (٢)
стр. 5078
مسألة [٢]: أقسام الخارجين عن الإمام .
الخارجون عن قبضة الإمام وطاعته أقسام:
القسم الاول: قومٌ امتنعوا من طاعته، وخرجوا عن قبضته بغير تأويل؛ فهؤلاء قُطَّاع الطريق، ساعون في الأرض بالفساد.
القسم الثاني: قومٌ لهم تأويل إلا أنهم نفرٌ يسير لا منعة لهم، كالواحد والاثنين، والعشرة ونحوهم، فهؤلاء يعتبرون قطاع طريق في مذهب أحمد، والشافعي، وليس لهم أحكام البغاة؛ ولذلك لما قتل عبدالرحمن بن ملجم علي بن أبي طالب ﵁؛ قُتِل به، ولأنه لو ثبت للعدد اليسير حكم البغاة في سقوط ضمان ما أتلفوه أفضى إلى إتلاف أموال الناس، وهو الصحيح.
القسم الثالث: الخوراج الذين يكفِرُّون بالذنب، ويكفرون الحكام، ويستحلون دماء المسلمين، وأموالهم، فأكثر الفقهاء على أنهم بغاة، عزاه لأكثر الفقهاء ابنُ قدامة في «المغني»، بينما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنما هو قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد وغيرهم.
ثم قال: وأما جمهور أهل العلم فيفرقون بين الخوارج المارقين، وبين أهل الجمل وصفين، ممن يُعدُّ من البغاة المتأولين، وهذا هو المعروف عن الصحابة، وعليه عامة أهل الحديث، والفقهاء، والمتكلمين، وعليه نصوص أكثر الأئمة، وأتباعهم من أصحاب مالك، وأحمد، والشافعي، وغيرهم.
стр. 5079
قال: وذلك أنه قد ثبت في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق» (١)، وهذا الحديث يتضمن ذكر الطوائف الثلاثة، يبين أنَّ المارقين نوع ثالث ليسوا من جنس أولئك.
ثم ذكر الأحاديث في الحث على قتال الخوارج.
ثم قال: فالنبي ﷺ أمر بقتال الخوارج قبل أن يقاتلوا، وأما (أهل البغي)؛ فإن الله تعالى قال فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية، فلم يأمر بقتال الباغية ابتداءً، فالاقتتال ابتداءً ليس مأمورًا به، ولكن إذا اقتتلوا أُمروا بالإصلاح بينهم، ثم إن بغت الواحدة؛ قُوتِلت، ولهذا قال من قال من الفقهاء: إنَّ البغاة لا يبتدئون بقتالهم حتى يقاتلوا، وأما الخوارج، فقد قال النبي ﷺ فيهم: «أينما لقيتموهم؛ فاقتلوهم؛ فإنَّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة» (٢)، وقال: «لئن أدركتهم؛ لأقتلنهم قتل ثمود» (٣). انتهى بتصرف.
قال شيخ الإسلام ﵀ (٢٨/ ٤٨٥ - ): ومعلوم قطعًا أن إيمان الخوارج بما جاء به محمد ﷺ أعظم من إيمانهم يعني الرافضة فإذا كان أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵁ قد قتلهم، ونهب عسكرُه عسكرَهم من الكراع، والسلاح، والأموال (٤)؛ فهؤلاء أولى أن يقاتلوا، وتؤخذ أموالهم كما أخذ علي بن أبي طالب
стр. 5080
أموال الخوارج.
قال: ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أن قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ كقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأهل الجمل وصفين؛ فهو غالط جاهل بحقيقة شريعة الإسلام.
قال: وكثير من الأئمة المصنفين في الشريعة لم يذكروا في مصنفاتهم قتال الخارجين عن أصول الشريعة الاعتقادية والعملية كمانعي الزكاة، والخوارج، ونحوهم؛ إلا من جنس قتال الخارجين عن الإمام، كأهل الجمل وصفين، وهذا غلط، بل الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة فرق بين الصنفين كما ذكر ذلك أكثر أئمة الفقه، والسنة، والحديث، والتصوف، والكلام، وغيرهم. اهـ (١)
ثم وجدت كلامًا لشيخ الإسلام ﵀ يذكر فيه أنَّ عليًّا ﵁ لم يَسْبِ منهم، ولم يغنم، وعاملهم معاملة البغاة.
قال ﵀ في «منهاج السنة» (٣/ ٦٠): ... ، ثم أرسل إليهم ابن عباس فناظرهم، فرجع نحو نصفهم، ثم قاتل الباقي وغلبهم، ومع هذا لم يسب لهم ذرية، ولا غنم لهم مالًا، ولا سار فيهم سيرة الصحابة في المرتدين ... .
وقال كما في «مجموع الفتاوى» (٣/ ٢٨٢): ولم يكفرهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم
стр. 5081
يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم، وبغيهم لا لأنهم كفار؛ ولهذا لم يسبِ حريمهم، ولم يغنم أموالهم. اهـ
قلتُ: ويؤيد هذا ما أخرجه المروزي في «تعظيم الصلاة» برقم (٥٩١) بإسناد صحيح عن علي ﵁ أنه سئل عنهم: أمشركون هم؟ قال: هم من الشرك فرُّوا. فقيل: منافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلًا. قيل: فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا، فقاتلناهم.
قال ابن قدامة ﵀: والصحيح إن شاء الله أن الخوارج يجوز قتلهم ابتداءً، والإجازة على جريحهم؛ لأمر النبي ﷺ بقتلهم ووعده بالثواب من قتلهم، فإن عليا، ﵁، قال: لولا أن ينظروا، لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ ؛ ولأن بدعتهم، وسوء فعلهم، يقتضي حل دمائهم؛ بدليل ما أخبر به النبي ﷺ من عظم ذنبهم، وأنهم شر الخلق والخليقة، وأنهم يمرقون من الدين، وأنهم كلاب النار، وحثه على قتلهم، وإخباره بأنه لو أدركهم لقتلهم قتل عاد، فلا يجوز إلحاقهم بمن أمر النبي ﷺ بالكف عنهم، وتورع كثير من أصحاب رسول الله ﷺ عن قتالهم، ولا بدعة فيهم. اهـ
• وذهب مالك إلى استتابتهم، ثم قتلهم على الفساد.
• وذهب جماعة من المحدثين والفقهاء إلى تكفيرهم.
القسم الرابع: قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون
стр. 5082
خلعه؛ لتأويل سائغ، وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش، فهؤلاء البغاة الذي يُذكر في هذا الباب حكمهم، وواجب على الناس معونة إمامهم في قتال البغاة؛ لأنه لو تركوا معونته لقهره أهل البغي، وظهر الفساد في الأرض. (١)
مسألة [٣]: قتال البغاة الذين يخرجون بتأويل سائغ .
ذكر أهل العلم أنَّ من خرج على من ثبتت إمامته بأحد هذه الوجوه باغيًا؛ وجب قتاله، ولا يجوز قتالهم حتى يبعث إليهم من يسألهم، ويكشف لهم الصواب، ويزيل لهم ما يذكرونه من المظالم، ويزيح حججهم؛ فإن لجوا قاتلهم حينئذٍ؛ لأن الله تعالى بدأ بالأمر بالإصلاح قبل القتال، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]؛ فإن أبوا الرجوع وعظهم، وخوفهم القتال قبل أن يقاتلهم.
مسألة [٤]: إن حضر معهم شخصٌ لا يقاتل ؟
• مذهب الحنابلة أنه لا يقتل، ولا يجوز قتله، وهو قول بعض الشافعية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] الآية، وكذا الأخبار الواردة في تحريم قتل المؤمن، وخُصَّ من ذلك ما حصل
стр. 5083
ضرورة دفع الباغي والصائل، ففيما عداه يبقى على العموم والتحريم.
• وقال بعض الشافعية: يجوز قتله. لما نُقل من أنَّ محمد بن طلحة السجاد قتله أصحاب علي، ولم يكن يقاتل إنما كان يحمل راية أبيه، والقصة في «مستدرك الحاكم» (٣/ ٣٧٥)، وفي إسنادها ضعف، ومع ذلك فلم ينقل أنَّ عليًّا ﵁ أقرَّ ذلك.
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: قتل النساء، والصبيان، والعبيد .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢٤٦): وَإِذَا قَاتَلَ مَعَهُمْ عَبِيدٌ، وَنِسَاءٌ، وَصِبْيَانٌ؛ فَهُمْ كَالرَّجُلِ الْبَالِغِ الْحُرِّ، يُقَاتَلُونَ مُقْبِلِينَ، وَيُتْرَكُونَ مُدْبِرِينَ؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ، وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ قَتْلَ إنْسَانٍ؛ جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ، وَإِنْ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا كَانَ مَعَهُمْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يُقَاتِلُونَ؛ قُوتِلُوا، وَقُتِلُوا. اهـ
مسألة [٦]: لا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢٤٧): وَلَا يُقَاتَلُ الْبُغَاةُ بِمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ، كَالنَّارِ، وَالْمَنْجَنِيقِ، وَالتَّغْرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ مَنْ لَا يُقَاتِلُ، وَمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ يَقَعُ عَلَى مَنْ يُقَاتِلُ وَمَنْ لَا يُقَاتِلُ؛ فَإِنْ دَعَتْ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، مِثْلُ أَنْ يَحْتَاطَ بِهِمْ الْبُغَاةُ، وَلَا يُمْكِنَهُمْ التَّخَلُّصُ إلَّا بِرَمْيِهِمْ بِمَا يَعُمُّ
стр. 5084
إتْلَافُهُ؛ جَازَ ذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا تَحَصَّنَ الْخَوَارِجُ، فَاحْتَاجَ الْإِمَامُ إلَى رَمْيِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ؛ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ، مَا كَانَ لَهُمْ عَسْكَرٌ، وَمَا لَمْ يَنْهَزِمُوا، وَإِنْ رَمَاهُمْ الْبُغَاةُ بِالْمَنْجَنِيقِ وَالنَّارِ؛ جَازَ رَمْيُهُمْ بِمِثْلِهِ. اهـ
مسألة [٧]: هل للإمام أن يستعين على البغاة بالكفار ؟
• ذهب الحنفية إلى أنَّ له أن يستعين بأهل الذمة، والمستأمنين إذا كان أهل العدل هم الظاهرين على من يستعينون به.
• ومذهب الحنابلة، والشافعية عدم الاستعانة بهم؛ لأنَّ الكفار همهم قتل المسلمين، فربما قتلوا الجريح والهارب؛ ولأنَّ في ذلك تسليطًا للكافر على المؤمن؛ ولأنَّ القصد هو كفهم وردهم إلى الطاعة دون قتلهم، وإن دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم؛ فإن كان يقدر على كفهم؛ استعان بهم، وإن لم يقدر؛ لم يجز.
قال أبو عبد الله غفر الله له: لا يستعان بهم إلا عند الضرورة، أو الحاجة الشديدة، وهي فتوى الإمام ابن باز، والعثيمين، والألباني والوادعي رحمة الله عليهم، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: إذا أظهر قومٌ رأي الخوارج، ولم يخرجوا عن قبضة الإمام ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢٤٧): وَإِذَا أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ، مِثْلُ تَكْفِيرِ مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وَتَرْكِ الْجَمَاعَةِ، وَاسْتِحْلَالِ دِمَاءِ
стр. 5085
الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَسْفِكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، فَحَكَى الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بِذَلِكَ قَتْلُهُمْ وَلَا قِتَالُهُمْ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْفِقْهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ فَعَلَى هَذَا حُكْمُهُمْ فِي ضَمَانِ النَّفْسِ وَالْمَالِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ.
قال: وَإِنْ سَبُّوا الْإِمَامَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ؛ عُزِّرُوا؛ لِأَنَّهُمْ ارْتَكَبُوا مُحَرَّمًا لَا حَدَّ فِيهِ. وَإِنْ عَرَّضُوا بِالسَّبِّ، فَهَلْ يُعَزَّرُونَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْإِبَاضِيَّةِ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ: يُسْتَتَابُونَ؛ فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ. قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: رَأَى مَالِكٌ قَتْلَ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْقَدَرِ مِنْ أَجْلِ الْفَسَادِ الدَّاخِلِ فِي الدِّينِ، كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ. اهـ
قال: وَأَمَّا مَنْ رَأَى تَكْفِيرَهُمْ، فَمُقْتَضَى قَوْلِهِ أَنَّهُمْ يُسْتَتَابُونَ؛ فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا قُتِلُوا؛ لِكُفْرِهِمْ، كَمَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ، وَاحْتُجَّ لَهم بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَتْلِهِم وَالْحَثِ عَلَى ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِفِعْلِ عَلِيٍّ ﵁: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ: لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ الله أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ الله تَعَالَى، وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ. اهـ بتصرف يسير.
وهذا الأثر الذي ذكره ضعيفٌ كما في «الإرواء» (٢٤٦٧)، لكن ثبت عن علي ﵁ بسند حسن كما في «مسند أحمد» (١/ ٨٦ - )، و «مستدرك الحاكم» (٢/ ١٥٢ - )، أنه قال: بيننا وبينكم أن نقيكم رماحنا؛ مالم تقطعوا سبيلًا، وتطلبون دمًا؛ فإنكم إن فعلتم ذلك؛ فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء، إن الله لا يحب
стр. 5086
الخائنين. وصححه الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (٢٤٥٩).
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢٤٧ - ٢٤٩): وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْمَدِينَةِ؛ فَلَأَنْ لَا يُتَعَرَّضَ لِغَيْرِهِمْ أَوْلَى، وَقَدْ رُوِيَ فِي خَبَرِ الْخَارِجِيِّ الَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَنَّ خَالِدًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: «لَا، لَعَلَّهُ يُصَلِّي»، قَالَ: رُبَّ مُصَلٍّ لَا خَيْرَ فِيهِ. قَالَ: «إنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ». (١) اهـ
مسألة [٩]: ضمان من قُتِل من أهل البغي، وأهل العدل .
إن كان في حال الحرب؛ فلا ضمان على أهل العدل؛ لأنَّ الله أباح لهم قتالهم، سواء كان في الأنفس، أم الأموال، وأما إن كان في غير الحرب؛ فيضمن.
وأما أهل البغي فيضمنون ما أتلفوه في غير الحرب، وهل يضمنون ما أتلفوه في الحرب من الأنفس والأموال؟
• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة وغيرهم أنهم لا يضمنون؛ لأنهم متأولون، ولم ينقل تضمين ما أتلفه معاوية ﵁، ومن معه على عسكر علي ﵁.
• وذهب الشافعي في قولٍ إلى أنه يضمن، واستدل على ذلك بقول أبي بكر لأهل الردة: تَدُونَ قتلانا، ولا ندي قتلاكم. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٦٤)، والبيهقي (٨/ ١٨٣،٣٣٥)، وهو أثر ضعيف، وفي الأثر أنَّ عمر ﵁ عارضه في قوله هذا.
стр. 5087
والصحيح القول الأول، والله أعلم.
ومن قُتِل من أهل العدل؛ فيُرجى له الشهادة، وبالله التوفيق. (١)
تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢٥٢): فَأَمَّا الْخَوَارِجُ، فَالصَّحِيحُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا: إبَاحَةُ قَتْلِهِمْ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ. اهـ
مسألة [١٠]: إذا ترك أهل البغي القتال لعجزٍ ؟
• مذهب أحمد، والشافعي أنَّ أهل البغي إذا تركوا القتال، إما بالرجوع إلى الطاعة، وإما بإلقاء السلاح، وإما بالهزيمة إلى فئة، أو إلى غير فئة، وإما بالعجز؛ لجراح، أو مرض، أو أسر؛ فإنه يحرم قتلهم وَاتِّبَاع مدبرهم؛ للأثر الوارد عن علي ﵁ بذلك.
• وقال أبو حنيفة، وبعض الشافعية: إذا هزموا، وكان لهم فئة؛ قُتِلوا وإن كانوا مدبرين، ويقتل أسيرهم، ويجهز على جريحهم، وإن لم يكن لهم فئة؛ ضُرِبُوا وَحُبِسُوا.
والصحيح القول الأول. (٢)
تنبيه: إن قتل من ترك القتل منهم لما ذكر؛ ضمن، وفي القصاص وجهان. (٣)
стр. 5088
مسألة [١١]: غنيمة الأموال، وسبي النساء .
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢٥٤): فَأَمَّا غَنِيمَةُ أَمْوَالِهِمْ، وَسَبْيُ نِسَائِهِم؛ فَلَا نَعْلَمُ فِي تَحْرِيمِهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ مِنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مَا حَصَلَ مِنْ ضَرُورَةِ دَفْعِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ. انتهى بتصرف يسير، ثم ذكر عن علي ﵁ ما يوافق ذلك.
مسألة [١٢]: هل يجوز الانتفاع بأسلحتهم في حال الحرب ؟
• أجاز ذلك الحنابلة، والحنفية؛ لأنَّه في حال الحرب يجوز إتلاف نفوسهم، وحبس سلاحهم، وكراعهم؛ فيجوز الانتفاع بها كسلاح أهل الحرب.
• وقال الشافعي: لا يجوز ذلك إلا من ضرورة إليه؛ لأنه مال مسلم؛ فلا يجوز الانتفاع به بغير إذنه، كغيره من أموالهم. والصحيح قول الحنابلة، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣]: من قتل من أهل البغي، فهل يغسل ويصلى عليه ؟
• مذهب الجمهور أنهم يغسلون، ويُصلَّى عليهم، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي؛ لأنهم تشملهم الأدلة العامة في ذلك.
• وقال الحنفية: إن لم يكن لهم فئة؛ صُلِّي عليهم، وإن كان لهم فئة؛ لم يُصَلَّ
стр. 5089
عليهم. وهو قول ضعيف. (١)
تنبيه: وكذلك الخوارج عند الجمهور، وعن أحمد: لا يصلى عليهم، يعني من باب الزجر؛ لكونهم مبتدعة، وهو قول مالك. (٢)
مسألة [١٤]: هل يُفَسَّقُ البغاة ؟
• مذهب أحمد، والشافعي أنهم لا يُفَسَّقون، وتُقبَل شهادتهم؛ لأنهم متأولون بتأويل سائغ، قال ابن قدامة: ولا أعلم خلافًا.
• وأما الخوارج: فمذهب الحنابلة، والشافعية تفسيقهم، ورد شهادتهم. (٣)
مسألة [١٥]: إن ارتكب البغاة ما يوجب عليهم الحد، فهل يقادون به بعد التمكن منهم ؟
• مذهب الجمهور أنهم يقادون به، وهو قول الشافعي، وأحمد، ومالك، وابن المنذر، وهو الصحيح.
• وشذَّ أبو حنيفة، فقال: إذا امتنعوا بدارٍ؛ لم يجب الحد. وهو قول ضعيف. (٤)
مسألة [١٦]: إذا أعان البغاةَ الكفارُ ؟
يُقتلون معهم، وإن كانوا أهل عهد؛ لأنَّ إعانتهم للبغاة نقض للعهد. (٥)
стр. 5090
مسألة [١٧]: إذا ارتد قوم فأتلفوا أموالاً، وأنفسًا للمسلمين، فهل عليهم الضمان ؟
الحكم فيهم كالحكم في أهل البغي إن كان ذلك في غير الحرب ضمنوا، وإن كان ذلك في حال الحرب لم يضمنوا كأهل الحرب. (١)
стр. 5091
فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِالإِمَامَةِ
مسألة [١]: وجوب نصب إمام للمسلمين .
أجمع أهل العلم على وجوب نصب إمام للمسلمين؛ لإقامة الحدود، ودفع الفساد، وإقامة الجهاد، وفصل الخصومات، ورد المظالم وغير ذلك.
وقال شيخ الإسلام ﵀: ذلك من أعظم واجبات الدين. اهـ
وقال بعض أهل الكلام: لو تكاف الناس عن الظلم؛ لم يجب ذلك. وهو قولٌ باطل. (١)
مسألة [٢]: كيفية تعيين الإمام .
هناك ثلاث طرق شرعية لتعيين الإمام.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٨٢٣): أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَة إِذَا حَضَرَتْهُ مُقَدِّمَات الْمَوْت، وَقَبْل ذَلِكَ يَجُوز لَهُ الِاسْتِخْلَاف، وَيَجُوز لَهُ تَرْكه؛ فَإِنْ تَرَكَهُ فَقَدْ اِقْتَدَى بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا، وَإِلَّا فَقَدْ اِقْتَدَى بِأَبِي بَكْر، وَأَجْمَعُوا عَلَى اِنْعِقَاد الْخِلَافَة بِالِاسْتِخْلَافِ، وَعَلَى اِنْعِقَادهَا بِعَقْدِ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد لِإِنْسَانٍ إِذَا لَمْ يَسْتَخْلِف الْخَلِيفَة، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز جَعْل الْخَلِيفَة الْأَمْر
стр. 5092
شُورَى بَيْن جَمَاعَة، كَمَا فَعَلَ عُمَر بِالسِّتَّةِ. اهـ
وهناك طريقة تصح بها الإمامة، وإن لم تكن شرعية: وهي التوثب عليها، وأخذها بالقهر؛ فإن فعل ذلك أحدٌ، واستتب له الأمر؛ وجبت الطاعة له، وحرم الخروج عليه، كما فعل عبدالملك بن مروان؛ فإنه خرج على ابن الزبير، وقتله، واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعًا وكرها، فصار إمامًا يحرم الخروج عليه؛ وذلك لما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين، وإراقة دمائهم، وذهاب أموالهم.
وقد أشار النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى ذلك بقوله: «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي» أخرجه البخاري (٦٩٣) عن أنس ﵁، وقال أبو ذرٍّ ﵁: أوصاني خليلي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا مجدع الأطراف. أخرجه مسلم برقم (٦٤٨). (١)
مسألة [٣]: شروط الإمام الشرعي .
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير سورة البقرة [آية:٣٠]: ويجب أن يكون ذكرًا، حُرًّا، بالغًا، عاقلًا، مسلمًا، عدلًا، مجتهدًا، بصيرًا، سليم الأعضاء، خبيرًا بالحروب، والآراء، قُرشيًّا على الصحيح، ولا يُشترط الهاشمي، ولا المعصوم من الخطإِ، خلافًا للغلاة من الروافض. اهـ (٢)
стр. 5093
مسألة [٤]: نصب إمامين، أو أكثر .
لا يجوز عند أهل العلم نصب أكثر من إمام، ولا يبايع إلا لإمام واحد، ولا يبايع بعده لغيره؛ فإن جاء آخر ينازعه؛ استحق القتال؛ لحديث عرفجة بن شريح الذي في الباب.
قال النووي ﵀ (١٨٤٢): إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَةٍ بَعْد خَلِيفَة، فَبَيْعَة الْأَوَّل صَحِيحَة يَجِب الْوَفَاء بِهَا، وَبَيْعَة الثَّانِي بَاطِلَة يَحْرُم الْوَفَاء بِهَا، وَيَحْرُم عَلَيْهِ طَلَبهَا، وَسَوَاء عَقَدُوا لِلثَّانِي عَالِمِينَ بِعَقْدِ الْأَوَّل أَوْ جَاهِلِينَ، وَسَوَاء كَانَا فِي بَلَدَيْنِ أَوْ بَلَد، أَوْ أَحَدهمَا فِي بَلَد الْإِمَام الْمُنْفَصِل وَالْآخَر فِي غَيْره، هَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابنَا وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَقِيلَ: تَكُون لِمَنْ عُقِدَتْ لَهُ فِي بَلَد الْإِمَام. وَقِيلَ: يُقْرَع بَيْنهمْ. وَهَذَانِ فَاسِدَانِ.
قال: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُعْقَد لِخَلِيفَتَيْنِ فِي عَصْر وَاحِد، سَوَاء اِتَّسَعَتْ دَار الْإِسْلَام أَمْ لَا، وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه «الْإِرْشَاد»: قَالَ أَصْحَابنَا: لَا يَجُوز عَقْدهَا لِشَخْصَيْنِ، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوز عَقْدهَا لِاثْنَيْنِ فِي صُقْع وَاحِد، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ. قَالَ: فَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ، وَتَخَلَّلَتْ بَيْنهمَا شُسُوع؛ فَلِلِاحْتِمَالِ فِيهِ مَجَال، قَالَ: وَهُوَ خَارِج مِنْ الْقَوَاطِع، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ هَذَا الْقَوْل عَنْ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْل الْأُصُولِ، وَأَرَادَ بِهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَهُوَ قَوْل فَاسِد مُخَالِف لِمَا عَلَيْهِ السَّلَف وَالْخَلَف، وَلِظَوَاهِر إِطْلَاق الْأَحَادِيث. وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ (١)
стр. 5094
مسألة [٥]: هل للإمام أن يخلع نفسه من الإمامة ؟
قال ابن كثير ﵀: وهل له أن يعزل نفسه؟ فيه خلاف، وقد عزل الحسن ابن علي ﵁ نفسه (١)، وسلم الأمر إلى معاوية، لكن هذا لعذر، وقد مُدِح على ذلك. اهـ
قلتُ: وكذلك إن رأى من نفسه عجزًا؛ فله ذلك، وعليه أن يعينها لإنسان كُفءٍ لها، والله أعلم. (٢)
مسألة [٦]: خلع الإمام؛ لكفره وفسقه .
جاء في حديث عبادة بن الصامت ﵁ في «الصحيحين» (٣)، قال: بَايَعْنَا رَسُولَ الله ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ؛ إِلَّا أَنْ تَرَوا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُم فِيْهِ مِنَ اللهِ بُرْهَانٌ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي الله لَوْمَةَ لَائِمٍ».
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» [كتاب الإمارة: ٤١]: وَمَعْنَى الْحَدِيث: لَا تُنَازِعُوا وُلَاة الْأُمُور فِي وِلَايَتهمْ، وَلَا تَعْتَرِضُوا عَلَيْهِمْ؛ إِلَّا أَنْ تَرَوْا مِنْهُمْ مُنْكَرًا مُحَقَّقًا تَعْلَمُونَهُ مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ؛ فَأَنْكِرُوهُ عَلَيْهِمْ، وَقُولُوا بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنْتُمْ، وَأَمَّا الْخُرُوج عَلَيْهِمْ وَقِتَالهمْ؛ فَحَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ،
وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضهمْ هَذَا بِقِيَامِ الْحَسَن، وَابْن الزُّبَيْر، وَأَهْل الْمَدِينَة عَلَى بَنِي أُمَيَّة، وَبِقِيَامِ جَمَاعَة عَظيمة مِنْ التَّابِعِينَ، وَالصَّدْر الْأَوَّل عَلَى الْحَجَّاج مَعَ اِبْن الْأَشْعَث، وَتَأَوَّلَ هَذَا الْقَائِل قَوْله: «أَلَّا نُنَازِع الْأَمْر أَهْله» فِي أَئِمَّة الْعَدْل، وَحُجَّة الْجُمْهُور: أَنَّ قِيَامهمْ عَلَى الْحَجَّاج لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الْفِسْق، بَلْ لَمَّا غَيَّرَ مِنْ الشَّرْع، وَظَاهَرَ مِنْ الْكُفْر، قَالَ الْقَاضِي: وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْخِلَاف كَانَ أَوَّلًا، ثُمَّ حَصَلَ الْإِجْمَاع عَلَى مَنْع الْخُرُوج عَلَيْهِمْ. وَاَللَّه أَعْلَم. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: وكذلك لو كفر الإمام؛ فلا خروج عليه إلا مع القدرة على ذلك، كما ذكر أهل العلم، وأما الخروج بدون قدرة فمحرَّمٌ؛ لما فيه من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، واستباحة الأموال بدون تحقيق نفعٍ، وبالله التوفيق.
الْقِيَام عَلَيْهِ. وَفَرَّقَ الْأَوْزَاعِيّ بَيْنَ الْحَالِ الَّتِي لِلنَّاسِ فِيهَا جَمَاعَة وَإِمَام، فَحَمَلَ الْحَدِيث عَلَيْهَا، وَأَمَّا فِي حَال الِاخْتِلَاف وَالْفُرْقَة؛ فَلْيَسْتَسْلِمْ وَلَا يُقَاتِلْ أَحَدًا.
وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم بِلَفْظ: أَرَأَيْت إِنْ جَاءَ رَجُل يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلَا تُعْطِهِ» قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «فَاقْتُلْهُ»، قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيد»، قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «فَهُوَ فِي النَّارِ». (١) اهـ.
قلتُ: الصحيح قول الجمهور، وسواء كان المعتدي يريد المال، أو النفس، أو الأهل، وقد تقدم في كلام الشافعي، وابن المنذر الجزم بانَّ الحكم واحد.
وقد دلَّ على ذلك حديث سعيد بن زيد في «السنن» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من قُتِل دون ماله؛ فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه؛ فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله أو دمه؛ فهو شهيد» (٢)، وهو حديث صحيح.
تنبيه: لا يجب على الرجل المدافعة عن نفسه، أو ماله بقتل الآخر، ولكنه جائز، واستدل العلماء على ذلك بحديث: «اجلس في بيتك؛ فإن خشيت أن يروعك شعاع السيف، فغطِّ وجهك، يبوء بإثمه، وإثمك» (٣)، وبحديث: «تكون فتن؛ فكن عبدالله المقتول، ولا تكن عبدالله القاتل» (٤)، وأما المرأة؛ فلا يجوز لها
стр. 5099
التمكين بدون مدافعة، وكذا وليها.
قال النووي ﵀: وأما المدافعة عن الحريم؛ فواجبة بلا خلاف. اهـ (١)
مسألة [٢]: إذا دفعت المرأة عن نفسها الرجلَ بالقتل ؟
أخرج ابن أبي شيبة ﵀ في «مصنفه» (٩/ ٣٧٢)، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن القاسم، عن عبيد بن عمير، أنَّ رجلًا أضاف إنسانًا من هذيل، فذهبت جارية منهم تحتطب، فأرادها على نفسها، فرمته بفهر هي حجر ملء الكف فقتلته، فرفع إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: ذلك قتيل الله، لا يودى أبدًا.
مسألة [٣]: إذا وجد الرجل على امرأته رجلاً فقتله ؟
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٣/ ٩٥): بعد أن أسند عن علي ﵁، بإسناد صحيح أنه قال: إن لم يأت بأربعة شهداء؛ فليعط برمته.
قال: وكان الشافعي يقول بعد أن ذكر حديث علي ﵁: وبهذا نأخذ. اهـ
ولا أحفظ عن أحد قبلنا من أهل العلم مخالفًا، غير أن الشافعي قال: ويسعه فيما بينه وبين الله تعالى قتل الرجل وامرأته إذا كانا ثيبين، وعلم أنه قد نال منها ما يوجب الغسل، ولا يسقط بقوله فيما يبطل عنه القود قال: وهكذا لو وجد يتلوط بابنه، أو يزني بجاريته. وقال أبو ثور كما قال الشافعي: إذا نال منها ما يوجب الغسل، وكان ثيبًا، ويحكم عليه بالقود في الحكم. اهـ
стр. 5100
وقد ثبت أيضًا عن عمر ﵁ أنه قضى على رجل بالدية، بعد أن قتل امرأته وجد معها رجلًا؛ فعفا أحد إخوتها عن القصاص. أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٣١٧)، وابن المنذر (١٣/ ٩٧) بإسناد صحيح.
وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٦٨٤٦): قال الجمهور: عليه القود. وقال أحمد، وإسحاق: إن أقام بينة أنه وجده مع امرأته؛ هدر دمه. وقال الشافعي: يسعه فيما بينه وبين الله قتل الرجل إن كان ثيبًا، وعلم أنه نال منها ما يوجب الغسل، ولكن لا يسقط عنه القود في ظاهر الحكم. اهـ
قلتُ: وبقول الشافعي نقول، والأثر المذكور عن علي ﵁: أخرجه أيضًا مالك (٢/ ٥٦٦)، وعبد الرزاق (١٧٩١٥)، والبيهقي (٨/ ٣٣٧).
وأما ابن قدامة ﵀ فقال: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَلَهُ أَنْ يَجْذِبَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَرْكُ يَدِهِ فِي فَمِ الْعَاضِّ حَتَّى يَتَحَيَّلَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ. اهـ وقد ثبت القضاء بذلك عن أبي بكر الصديق ﵁ كما في البخاري برقم (٢٢٦٦).
• وذهب مالك في الرواية الأشهر عنه إلى الضمان مطلقًا، وهو قول ابن أبي ليلى؛ لحديث: «في السن خمس من الإبل».
وأجابوا عن حديث الباب أنَّ سقوط السن سببه شدة العض لا النزع؛ فيكون سقوط السن حصل بفعل نفسه.
وهذا القول غير صحيح، وهو خلاف ظاهر الحديث، واعتذر جماعةٌ عن مالك بأنه لم يبلغه الحديث، والله أعلم. (١)
تنبيه: إن كان العض مباحًا، كأن يكون قصاصًا، فنزع ثنيته؛ ضمن. (٢)
стр. 5103
١١٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُوالقَاسِمِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ امْرَءًا اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنٍ، فَحَذَفْته بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْت عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاحٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: «فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَلَا قِصَاصٍ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: من اطلع في بيت غيره، فهل يُباح لصاحب البيت فقؤ عينه، وهل عليه الضمان ؟
• ذهب الجمهور إلى الأخذ بظاهر الحديث، وقالوا: يُباح فقؤ عين من اطلع في بيت غيره من صاحب ذلك البيت في حال الاطلاع، وليس له دية، ولا قصاص. وقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ الفتوى بما جاء به الحديث كما في «الأوسط» (١٣/ ١٣٣ - )، ولكنه من طريق الحسن عن عمر، ولم يدركه؛ فهو منقطع.
• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه يضمن، بل صرح المالكية بالقصاص، وعللوا ذلك بأنَّ المعصية لا تدفع بالمعصية، وعلل الحنفية المنع بأنه لو دخل المنزل ونظر فيه، أو نال من امرأته ما دون الفرج؛ لم يجز قلع عينه؛ فالنظر أولى.
وهذه حجج مخالفة للنص؛ فلا تعويل عليها، وقد أباح الشرع ذلك، فكيف
стр. 5104
يقال: معصية.
وفي «الصحيحين» عن سهل بن سعد أنَّ رجلًا اطلع في جحرٍ في باب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مدرى يحك بها رأسه، فلما رآه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لو أعلم أنك تنظرني؛ لطعنت به في عينك». أخرجه البخاري برقم (٥٩٢٤)، ومسلم برقم (٢١٥٦).
وفيهما عن أنس ﵁ أنَّ رجلًا اطلع في بعض حجر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقام إليه بمشقص، وجعل يختل ليطعنه. أخرجه البخاري برقم (٦٢٤٢)، ومسلم برقم (٢١٥٧). (١)
تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٥٤٠ - ): وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيُ النَّاظِرِ بِمَا يَقْتُلُهُ ابْتِدَاءً؛ فَإِنْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ يَقْتُلُهُ، أَوْ حَدِيدَةٍ ثَقِيلَةٍ، ضَمِنَهُ بِالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُ مَا يَقْلَعُ بِهِ الْعَيْنَ الْمُبْصِرَةَ الَّتِي حَصَلَ الْأَذَى مِنْهَا، دُونَ مَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا؛ فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ الْمُطَّلِعُ بِرَمْيِهِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ؛ جَازَ رَمْيُهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ النَّاظِرُ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ مِلْكِ نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. اهـ
стр. 5105
١٢٠٠ - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنَّ حِفْظَ الحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ المَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ المَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَفِي إسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: ضمان ما أتلفته البهيمة من الزرع .
في هذه المسألة حالان:
الحال الأولى: أن لا تكون يد صاحبها عليها، ففيه أقوال:
القول الأول: أنَّ صاحبها يضمن ما أفسدته بالليل دون النهار. وهذا قول أحمد، ومالك، والشافعي، وجماعة آخرين، واستدلوا على ذلك بحديث الباب،
стр. 5106
وعزاه الحافظ للجمهور.
القول الثاني: يضمن صاحبها مطلقًا بأقل الأمرين من قيمتها، أو قدر ما أتلفت. وهو قول الليث، وبعض المالكية.
القول الثالث: لا ضمان عليه. وهو قول الظاهرية، والحنفية؛ لحديث: «العجماء جرحها جبار»، وسواء كان ذلك ليلًا، أو نهارًا.
الحال الثانية: أن تكون يد صاحبها عليها، ففيه أقوال:
القول الأول: عليه ضمان ما أتلفت من مال، أو زرع، أو نفس، أو غيره. وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، وقال به شريح؛ لأنها تحت يده، فكان ذلك بتفريطه.
القول الثاني: لا ضمان عليه؛ لحديث: «العجماء جرحها جبار»، وهو مذهب مالك، وقال به الظاهرية، واستثنوا ما إذا كان الفعل منسوبًا إليه بأن حملها على ذلك الفعل، كأن يلوي عنانها، أو يطعنها، أو يسوقها، أو يقودها، وما أشبه ذلك.
والذي يظهر أنه في الحالين يضمن إذا حصل منه تفريطٌ، أو تعدي مع مراعاة العرف في ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: إذا جنت الدابة برجلها وصاحبها عليها، أو معها ؟
• ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يضمن، وهو قول الحنفية، وجماعة من
стр. 5107
الحنابلة؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «والرجل جبار» أخرجه أبو داود (٤٥٩٢)، والبيهقي (٨/ ٣٤٣) من حديث أبي هريرة ﵁، وهو حديث ضعيف، من طريق: سفيان بن الحسين عن الزهري، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب الزهري، فلم يذكروا هذه اللفظة، بل ذكروا قوله: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار»، ولم يذكروا اللفظ المذكور، وقد ضعفه الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» رقم (١٥٢٦).
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ عليه الضمان؛ لأنه قائدها، وسائقها؛ فقد حصل منه التفريط، وهذا قول شريح، والشافعي، وبعض الحنابلة، وهو أقرب، والله أعلم. (١)
стр. 5108
١٢٠١ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: وَكَانَ قَدِ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ. (٢)
١٢٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
تعريف المرتد:
لغة: الراجع. وفي اصطلاح الفقهاء: الذي يكفر بعد إسلامه طوعًا.
مسألة [١]: قتل المرتد .
أجمع العلماء على أنَّ المرتد يجب قتله، وإن كانوا جماعة وجب قتالهم، وقد صح فعل ذلك عن أبي بكر، وعلي ﵄، وغيرهما من الصحابة، ويدل عليه حديث
стр. 5109
الباب، وهذا الحكم يشمل الرجال والنساء عند عامة أهل العلم، ونُقل عن الحسن، وقتادة أنها تُسْتَرَقُّ ولا تُقتل، وقال به أبو حنيفة إذا لحقت بدار حرب، وهذا قول ضعيف ليس عليه دليل صحيح. وحجة الجمهور عموم الحديث السابق. (١)
مسألة [٢]: اعتبار الردة ممن له عقل .
لا خلاف بين أهل العلم أنَّ الردة تعتبر من العاقل؛ فلا تصح الردة من المجنون، والطفل الذي لا يعقل، والمغمى عليه، والنائم. (٢)
مسألة [٣]: إسلام الصبي وارتداده .
• إسلام الصبي معتبر عند الجمهور، ويصح؛ لحديث: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» أخرجه البخاري برقم (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁؛ ولأنه يقبل منه الصلاة، والصيام؛ فالإسلام من باب أولى.
• وقال الشافعي، وزُفر: لا يصح إسلامه حتى يبلغ؛ لحديث: «رُفع القلم عن الصبي حتى يبلغ».
والصحيح القول الأول، ومعنى «رفع القلم»، أي: رُفعت عنه المؤاخذة على الذنوب كما قرر ذلك شيخ الإسلام وغيره.
стр. 5110
ويُشترط عند الجمهور في صحة إسلام الصبي أن يعقل معناه، واشترط بعضهم أن يكون في العاشرة، ولم يشترطه الأكثر كما ذكر ذلك ابن قدامة.
• وأما ارتداد الصبي: فعند الشافعي لا تصح منه الردة كما لا يصح منه الإسلام حتى يبلغ، ووافقه في ذلك أحمد في رواية، وبعض المالكية؛ لحديث: «رُفع القلم عن الصبي حتى يبلغ».
• وذهب مالك في الأظهر من مذهبه، والحنفية، وأحمد في رواية إلى أنَّ الردة تصح منه.
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: استتابة المرتد قبل قتله .
• أكثر أهل العلم على أنَّ المرتد لا يُقتل حتى يؤمر بالتوبة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وكما يُدْعَى الكافر الأصلي إلى الإسلام قبل قتله؛ فكذلك المرتد. ونُقل ذلك عن جماعة من الصحابة، نُقل عن أبي بكر، وابن عمر ﵃ بسندين ضعيفين، وثبت ذلك عن عمر ﵁ كما في «سنن البيهقي» و «مصنف عبدالرزاق»، وثبت عن علي، وعن عثمان ﵄ بأسانيد يتقوى بعضها ببعض.
واستدل الجمهور أيضًا على وجوب الاستتابة بالآيات التي فيها الأمر
стр. 5111
بالدعوة إلى الإسلام، وإلى سبيل الله، وكذلك الأحاديث الواردة في ذلك.
• وذهب بعض الفقهاء إلى عدم الاستتابة، نُقل ذلك عن الحسن، وعبيد بن عمير، وقال به ابن حزم، وحمله ابن قدامة وغيره على عدم الوجوب لا أنها لا تشرع عندهم.
والصحيح -والله أعلم- هو القول الأول، وهو مشروعية الاستتابة.
واختلف الجمهور: هل ذلك على سبيل الوجوب، أم على سبيل الاستحباب؟
• فذهب جماعةٌ منهم إلى وجوب الاستتابة، وهذا قول عطاء، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بذلك أيضًا الشافعي في قول؛ للأدلة المتقدمة في ذلك.
• وذهب أحمد في رواية، والشافعي في قول -ونقله صاحب «البيان» عن أبي حنيفة- إلى أنَّ ذلك مستحبٌّ، وليس بواجب؛ للحديث: «من بدل دينه؛ فاقتلوه»، ولم يذكر الاستتابة، ولحديث معاذ في الباب.
وأجاب الجمهور بحمل الحديث على القتل بعد الاستتابة؛ لفعل الصحابة في ذلك، وقول الجمهور قوي، ومن فائدة الاستتابة أنه يحصل في أثنائها إزالة الشبهة لو وجدت، والله أعلم. (١)
стр. 5112
مسألة [٥]: المدة التي يستتاب فيها .
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى تحديد ثلاثة أيام، نُقل عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر ﵃، وفي أسانيدها ضعف، وأخذ بذلك مالك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وبعض الشافعية.
وحجَّتُهم ما ورد في ذلك عن الصحابة؛ ولأنَّ الثلاثة حدٌّ بين القلة والكثرة.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يستتاب في الحال؛ فإن تاب وإلا قُتل، هذا قول الشافعي، وقال به ابن المنذر، وهو قول الزهري، والحسن، وعبيد بن عمير.
واستدلوا بحديث ابن عباس، ومعاذ ﵃ الَّلذَيْنِ في الباب، وهذا القول هو الصحيح، ولا دليل على التحديد.
• وقد صحَّ عن علي ﵁ أنه استتاب إنسانًا، فأبى، فقتله. كما في «مصنف عبدالرزاق».
• وقد ذهب النخعي، والثوري إلى أنه يستتاب أبدًا. وقال الزهري: يكرر له الأمر بالتوبة ثلاث مرات.
• ونُقل عن علي ﵁ أنه استتاب رجلًا شهرًا. أخرجه عبدالرزاق، وهو ضعيف.
• وعن أبي موسى أنه استتاب اليهودي شهرين. أخرجه ابن أبي شيبة،
стр. 5113
وهو ضعيف.
والصحيح عدم التحديد، وللحاكم تأخير القتل إذا رجا عودة الرجل للإسلام للثلاثة الأيام ونحوها، والله أعلم. (١)
تنبيه: إذا ارتد الصبي، فاستتابته التي ينبني عليها حكم القتل تكون بعد بلوغه؛ فإن أصر على الكفر؛ قُتل حينئذٍ. (٢)
مسألة [٦]: توبة الزنديق الذي يستسر بالكفر .
• مذهب الشافعي قبول توبته، وهو قول العنبري، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة في رواية؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨].
• ومذهب مالك، والليث، وإسحاق، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة في رواية أنه لا تقبل توبته؛ لأنَّ الزنديق لا تظهر منه علامة تبين صدقه وتوبته؛ لأنه كان مُظْهِرًا للإسلام، مُسِرًّا للكفر، فإذا وقف على ذلك، فأظهر التوبة؛ لم يزد على ما كان منه قبلها، وهو إظهار الإسلام.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢٦٩ - ٢٧١): وَفِي الْجُمْلَةِ: فَالْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ فِي الظَّاهِرِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا. مِنْ تَرْكِ قَتْلِهِمْ،
стр. 5114
وَثُبُوتِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِمْ، وَأَمَّا قَبُولُ الله تَعَالَى لَهَا فِي الْبَاطِنِ، وَغُفْرَانُهُ لِمَنْ تَابَ وَأَقْلَعَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَلَا خِلَافَ فِيهِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْمُنَافِقِينَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٦].اهـ
مسألة [٧]: مال المرتد .
• أكثر أهل العلم على أنَّ مال المرتد يوقف حتى يُقتل أو يموت، ثم اختلفوا بعد ذلك: هل يكون فيئًا لبيت المال، أو يكون لورثته المسلمين؟ وقد تقدم ذكر هذه المسألة في باب الفرائض.
والذي يظهر أنه يكون فيئًا لبيت المال، وورثة المرتد إن كانوا محتاجين؛ فهم أولى بالميراث من غيرهم، والله أعلم.
وحقوق المسلمين تؤخذ من مال المرتد أعني الحقوق التي على المرتد قبل أن يأخذه بيت المال.
وأما تصرفات المرتد أثناء وقف المال في ماله؛ فلا تنفذ، بل تكون موقوفة، إن رجع إلى الإسلام؛ نفذت، وإن لم يرجع؛ فهي باطلة.
وهذا عليه الأكثر؛ لأنَّ المال لا يخرج من الملك بمجرد الردة، نقل ابنُ المنذر الإجماعَ على ذلك. (١)
стр. 5115
مسألة [٨]: زواج المرتد وتزويجه .
لا يصح عند أهل العلم؛ لأنه كافر. (١)
مسألة [٩]: من يتولى قتل المرتد ؟
• عامة أهل العلم على أنَّ الذي يتولى قتل المرتد هو الإمام، حرًّا كان أو عبدًا.
• وعند الشافعية وجهٌ أنَّ للسيد قتل عبده إذا ارتد؛ لحديث: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» (٢)؛ ولأنَّ حفصة قتلت جارية سحرتها. أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٤١٦)، والبيهقي (٨/ ١٣٦) بإسناد صحيح.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأنَّ هذا قتل لحق الله تعالى؛ فكان ذلك إلى الإمام، كرجم الزاني، وقتل الحر.
وأما قوله: «أقيموا الحدود ... »؛ فلا يتناول القتل للردة؛ فإنه قَتْلٌ لكفره لا حدًّا في حقه، وأما خبر حفصة؛ فإنَّ عثمان تغيظ عليها كما في الأثر السابق، وشق عليه قتلها بدون أمره. (٣)
مسألة [١٠]: من ترك شيئًا من أركان الإسلام غير الشهادتين ؟
من ترك الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج جحودًا؛ كفر، إلا لعذرٍ من جهلٍ، أو من حديث عهد بإسلام، وأما من ترك الصلاة تكاسلًا فتقدم في كتاب