← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

بالدعوة إلى الإسلام، وإلى سبيل الله، وكذلك الأحاديث الواردة في ذلك. • وذهب بعض الفقهاء إلى عدم الاستتابة، نُقل ذلك عن الحسن، وعبيد بن عمير، وقال به ابن حزم، وحمله ابن قدامة وغيره على عدم الوجوب لا أنها لا تشرع عندهم. والصحيح -والله أعلم- هو القول الأول، وهو مشروعية الاستتابة. واختلف الجمهور: هل ذلك على سبيل الوجوب، أم على سبيل الاستحباب؟ • فذهب جماعةٌ منهم إلى وجوب الاستتابة، وهذا قول عطاء، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بذلك أيضًا الشافعي في قول؛ للأدلة المتقدمة في ذلك. • وذهب أحمد في رواية، والشافعي في قول -ونقله صاحب «البيان» عن أبي حنيفة- إلى أنَّ ذلك مستحبٌّ، وليس بواجب؛ للحديث: «من بدل دينه؛ فاقتلوه»، ولم يذكر الاستتابة، ولحديث معاذ في الباب. وأجاب الجمهور بحمل الحديث على القتل بعد الاستتابة؛ لفعل الصحابة في ذلك، وقول الجمهور قوي، ومن فائدة الاستتابة أنه يحصل في أثنائها إزالة الشبهة لو وجدت، والله أعلم. (١)

стр. 5112

مسألة [٥]: المدة التي يستتاب فيها . • ذهب جماعة من أهل العلم إلى تحديد ثلاثة أيام، نُقل عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر ﵃، وفي أسانيدها ضعف، وأخذ بذلك مالك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وبعض الشافعية. وحجَّتُهم ما ورد في ذلك عن الصحابة؛ ولأنَّ الثلاثة حدٌّ بين القلة والكثرة. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يستتاب في الحال؛ فإن تاب وإلا قُتل، هذا قول الشافعي، وقال به ابن المنذر، وهو قول الزهري، والحسن، وعبيد بن عمير. واستدلوا بحديث ابن عباس، ومعاذ ﵃ الَّلذَيْنِ في الباب، وهذا القول هو الصحيح، ولا دليل على التحديد. • وقد صحَّ عن علي ﵁ أنه استتاب إنسانًا، فأبى، فقتله. كما في «مصنف عبدالرزاق». • وقد ذهب النخعي، والثوري إلى أنه يستتاب أبدًا. وقال الزهري: يكرر له الأمر بالتوبة ثلاث مرات. • ونُقل عن علي ﵁ أنه استتاب رجلًا شهرًا. أخرجه عبدالرزاق، وهو ضعيف. • وعن أبي موسى أنه استتاب اليهودي شهرين. أخرجه ابن أبي شيبة،

стр. 5113

وهو ضعيف. والصحيح عدم التحديد، وللحاكم تأخير القتل إذا رجا عودة الرجل للإسلام للثلاثة الأيام ونحوها، والله أعلم. (١) تنبيه: إذا ارتد الصبي، فاستتابته التي ينبني عليها حكم القتل تكون بعد بلوغه؛ فإن أصر على الكفر؛ قُتل حينئذٍ. (٢) مسألة [٦]: توبة الزنديق الذي يستسر بالكفر . • مذهب الشافعي قبول توبته، وهو قول العنبري، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة في رواية؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]. • ومذهب مالك، والليث، وإسحاق، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة في رواية أنه لا تقبل توبته؛ لأنَّ الزنديق لا تظهر منه علامة تبين صدقه وتوبته؛ لأنه كان مُظْهِرًا للإسلام، مُسِرًّا للكفر، فإذا وقف على ذلك، فأظهر التوبة؛ لم يزد على ما كان منه قبلها، وهو إظهار الإسلام. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢٦٩ - ٢٧١): وَفِي الْجُمْلَةِ: فَالْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ فِي الظَّاهِرِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا. مِنْ تَرْكِ قَتْلِهِمْ،

стр. 5114

وَثُبُوتِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِمْ، وَأَمَّا قَبُولُ الله تَعَالَى لَهَا فِي الْبَاطِنِ، وَغُفْرَانُهُ لِمَنْ تَابَ وَأَقْلَعَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَلَا خِلَافَ فِيهِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْمُنَافِقِينَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٦].اهـ مسألة [٧]: مال المرتد . • أكثر أهل العلم على أنَّ مال المرتد يوقف حتى يُقتل أو يموت، ثم اختلفوا بعد ذلك: هل يكون فيئًا لبيت المال، أو يكون لورثته المسلمين؟ وقد تقدم ذكر هذه المسألة في باب الفرائض. والذي يظهر أنه يكون فيئًا لبيت المال، وورثة المرتد إن كانوا محتاجين؛ فهم أولى بالميراث من غيرهم، والله أعلم. وحقوق المسلمين تؤخذ من مال المرتد أعني الحقوق التي على المرتد قبل أن يأخذه بيت المال. وأما تصرفات المرتد أثناء وقف المال في ماله؛ فلا تنفذ، بل تكون موقوفة، إن رجع إلى الإسلام؛ نفذت، وإن لم يرجع؛ فهي باطلة. وهذا عليه الأكثر؛ لأنَّ المال لا يخرج من الملك بمجرد الردة، نقل ابنُ المنذر الإجماعَ على ذلك. (١)

стр. 5115

مسألة [٨]: زواج المرتد وتزويجه . لا يصح عند أهل العلم؛ لأنه كافر. (١) مسألة [٩]: من يتولى قتل المرتد ؟ • عامة أهل العلم على أنَّ الذي يتولى قتل المرتد هو الإمام، حرًّا كان أو عبدًا. • وعند الشافعية وجهٌ أنَّ للسيد قتل عبده إذا ارتد؛ لحديث: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» (٢)؛ ولأنَّ حفصة قتلت جارية سحرتها. أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٤١٦)، والبيهقي (٨/ ١٣٦) بإسناد صحيح. وأجاب الجمهور عن ذلك بأنَّ هذا قتل لحق الله تعالى؛ فكان ذلك إلى الإمام، كرجم الزاني، وقتل الحر. وأما قوله: «أقيموا الحدود ... »؛ فلا يتناول القتل للردة؛ فإنه قَتْلٌ لكفره لا حدًّا في حقه، وأما خبر حفصة؛ فإنَّ عثمان تغيظ عليها كما في الأثر السابق، وشق عليه قتلها بدون أمره. (٣) مسألة [١٠]: من ترك شيئًا من أركان الإسلام غير الشهادتين ؟ من ترك الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج جحودًا؛ كفر، إلا لعذرٍ من جهلٍ، أو من حديث عهد بإسلام، وأما من ترك الصلاة تكاسلًا فتقدم في كتاب

стр. 5116

الصلاة أنَّ الجمهور على استتابته حتى يصلي، أو يقتل لمدة ثلاثة أيام. وخالفهم بعض الفقهاء. واستدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وبحديث: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ... » الحديث. ومثله لو ترك الزكاة بُخلًا، أو ترك الصيام تكاسلًا، وأما الحج؛ فلا يُقتل؛ لأن العلماء اختلفوا في وجوبه هل هو على الفور أم على التراخي، والله أعلم. (١) مسألة [١١]: من اعتقد حِلَّ شيءٍ معلوم تحريمه في الدين ضرورة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢٧٦): وَمَنْ اعْتَقَدَ حِلَّ شَيْءٍ أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَظَهَرَ حُكْمُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَزَالَتْ الشُّبْهَةُ فِيهِ؛ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالزِّنَى، وَأَشْبَاهِ هَذَا، مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، كُفِّرَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ. اهـ مسألة [١٢]: ذبيحة المرتد . • أكثر أهل العلم على عدم حل ذبيحته، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وإن ارتد إلى دين أهل الكتاب؛ لأنَّ المرتد لا تثبت له أحكام الكافر الأصلي؛ فهو لا يُقر على دينه، ولو دفع الجزية، ولا يُسْتَرَقُّ، وإن كانت امرأة؛ لم يحل

стр. 5117

نكاحها، وكذلك ذبيحته؛ فإنها لا تحل كالوثني. • وذهب إسحاق إلى أنه إن تدين بدين أهل الكتاب؛ حلَّت ذبيحته، وحكي ذلك عن الأوزاعي. والصحيح القول الأول. (١) مسألة [١٣]: حكم أولاد المرتدين . أما من وُلِد قبل الردة؛ فإنهم محكوم بإسلامهم تبعًا لآبائهم، ولا يتبعونهم في الردة؛ لأنَّ الإسلام يعلو، وقد تبعوهم فيه، فلا يتبعونهم في الكفر، فلا يجوز استرقاقهم صغارًا؛ لأنهم مسلمون، ولا كبارًا؛ لأنهم إن ثبتوا على إسلامهم فهم مسلمون، وإن كفروا؛ فهم مرتدون، حكمهم حكم آبائهم في الاستتابة، وتحريم الاسترقاق. • وأما من وُلِد بعد الردة؛ فهو محكوم بكفره؛ لأنه وُلِد بين أبوين كافرين، ويجوز استرقاقه؛ لأنه ليس بمرتد، هذا مذهب أحمد. • ومذهب الشافعي أنه لا يجوز استرقاقهم تبعًا لآبائهم. • وقال أبو حنيفة: إن وُلِدوا في دار الإسلام؛ لم يجز استرقاقهم، وإن وُلِدوا في دار الحرب؛ جاز استرقاقهم. والصحيح قول أحمد، والله أعلم. (٢)

стр. 5118

مسألة [١٤]: إذا ارتد أهل بلد، فهل تُسبى ذريتهم، وتُغنم أموالهم ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢٨٣): وَمَتَى ارْتَدَّ أَهْلُ بَلَدٍ، وَجَرَتْ فِيهِ أَحْكَامُهُمْ؛ صَارُوا دَارَ حَرْبٍ فِي اغْتِنَامِ أَمْوَالِهِمْ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ الْحَادِثِينَ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَعَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُمْ. ثم استدل على ذلك بفعل أبي بكر الصديق ﵁. ثم قال: وَإِذَا قَاتَلَهُمْ؛ قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَيَتْبَعُ مُدْبِرَهُمْ، وَيُجْهِزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَتُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. اهـ مسألة [١٥]: هل تثبت الردة بالشهادة ؟ • أثبت أهل العلم الردة بالشهادة، وعامتهم على ثبوتها بشهادة عدلين. • ونُقل عن الحسن أنه خالف، فقال: لا يقبل في القتل إلا أربعة؛ لأنه يوجب القتل، فأشبه الزنى. وأُجيب بأنَّ الزنى وجب فيه أربعة شهداء؛ لأنه زنى، لا لكونه يوجب القتل، بدليل زنى البكر. وعليه: فيُقام عليه حد الردة، وهو القتل، إلا أنْ يأتي بالشهادتين مع إنكاره، أو يقر بما جحده أو نُسب إليه إنكاره. (١) مسألة [١٦]: إن صلى الكافر هل يحكم له بالإسلام ؟ • مذهب أحمد أنه يُحكم له بالإسلام، سواء صلى في دار الحرب، أو دار الإسلام، أو صلَّى جماعةً أو إفرادًا.

стр. 5119

• وقال الشافعي: إن صلى في دار الحرب؛ حكم بإسلامه، وإن صلى في دار الإسلام؛ لم يحكم بإسلامه؛ لاحتمال أنه صلى تُقيةً ورياءً. وأجاب الحنابلة بأنَّ ما كان إسلامًا في دار الحرب؛ كان إسلامًا في دار الإسلام، كالشهادتين، وبأنَّ الصلاة ركنٌ يختص به الإسلام؛ فحكم بإسلامه كالشهادتين، واحتمال التقية والرياء يبطل بالشهادتين. وأما سائر الأحكام فلا يُحكم بإسلامه بها. (١) مسألة [١٧]: إذا أُكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن ؟ • إذا أسلم على ذلك؛ لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعًا، مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه؛ فإن مات قبل ذلك؛ فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفر؛ لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام، هذا مذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية وغيرهم. • وقال محمد بن الحسن: يصير مسلمًا في الظاهر، وتجري عليه الأحكام حسب ظاهر حاله. والقول الأول هو الصحيح؛ لعدم اعتبار قول المكره. (٢) مسألة [١٨]: من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر ؟ • مذهب الجمهور أنه معذور بالإكراه، ولا يصير كافرًا بذلك، بل يبقى مسلمًا، وله أحكام المسلم، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة؛ لقوله تعالى:

стр. 5120

﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] الآية. • وقال محمد بن الحسن: هو كافر في الظاهر، تجري عليه أحكام الكفار، وهو مسلم فيما بينه وبين الله. وهذا قول باطل. (١) مسألة [١٩]: من ارتد وهو سكران ؟ • إن كان السكر قد غلب على صاحبه، فأفقده عقله؛ فحكمه حكم المجنون على الصحيح، وهو قول من تقدم ذكرهم في كتاب الطلاق. أعني الذين لم يعتبروا طلاقه. • وذهب بعض الفقهاء إلى اعتبار الردة منه، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وآخرين. (٢) مسألة [٢٠]: من أصاب حدًّا ثم ارتد، ثم أسلم، هل يُقام عليه الحد ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعية أنه يُقام عليه الحد، سواء لحق بدار الحرب في ردته، أو لم يلحق؛ لأنه حق عليه؛ فلم يسقط بردته. • وقال قتادة، والثوري، وأبو حنيفة: يسقط بردته إلا حقوق الناس؛ لأنَّ الردة تحبط العمل؛ فتسقط ما عليه من حقوق الله تعالى. واستدلوا بحديث: «الإسلام يجب ما قبله»، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٣)

стр. 5121

مسألة [٢١]: من أصاب جناية في حال ردته . قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٢٩٨): وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ كَوْنِهِ فِي جَمَاعَةٍ مُمْتَنِعَةٍ، لَا يَضْمَنُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَمَا فَعَلَهُ قَبْلَ هَذَا، أُخِذَ بِهِ، إذَا كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ؛ لِأَنَّهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَزِمَهُ حُكْمُ جِنَايَتِهِ، كَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ. وَأَمَّا إنْ ارْتَكَبَ حَدًّا خَالِصًا لله تَعَالَى، كَالزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةِ؛ فَإِنَّهُ إنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ؛ سَقَطَ مَا سِوَى الْقَتْلِ مِنْ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ مَعَ الْقَتْلِ حَدٌّ، اُكْتُفِيَ بِالْقَتْلِ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ، أُخِذَ بِحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأُخِذَ بِهِمَا، كَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ. قال: وَأَمَّا حَدُّ الْخَمْرِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ، فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْخَمْرِ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ رِدَّتِهِ، وَهَذَا مِنْ أَحْكَامِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِجَحْدِهِ بَعْدَهُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ مسألة [٢٢]: من انتقل من دين غير الإسلام إلى دين آخر غير الإسلام . أما إن انتقل الكتابي إلى دين غير أهل الكتاب؛ فلا يقر عليه بلا خلاف، كعبادة الأوثان وغيرها؛ وذلك لأنَّ الأصلي منهم لا يقر عليه، فالمنتقل إليه أولى. ومثله الانتقال إلى المجوسية؛ لأنها ملة أنقص من ملة أهل الكتاب.

стр. 5122

• فأما إن انتقل اليهودي إلى النصرانية والعكس، فمنهم من قال: يقر عليه. وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، وقول للشافعي؛ لأنَّ كلها أديان كفر. • ومنهم من قال: لا يقر عليه. وهو قول أحمد في رواية، والشافعي في قول؛ لأنه انتقل إلى دين يعتقد بطلانه، ويشمله الحديث: «من بدل دينه؛ فاقتلوه» أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵁، وعلى هذا القول فهل يُقتل، أم يضرب ويحبس؟ فيه روايتان عن أحمد. وأما المجوسي إذا انتقل إلى دين لا يقر أهله عليه؛ فلا يُقَرُّ عليه كأهل ذلك الدين، وإن انتقل إلى دين أهل الكتاب؛ فَيُخَرَّج على القولين السابقين. تنبيه: مذهب أحمد في رواية أنَّ المرتد منهم لا يقبل منه بعد ذلك إلا الإسلام، وهو قول للشافعي، وعن أحمد رواية: الإسلام، أو الدين الذي كان عليه. وعن أحمد رواية ثالثة: الإسلام، أو الدين الذي كان عليه، أو دين يقر أهله عليه إن كان انتقل إلى غير دين أهل الكتاب. قلتُ: هذه المسألة مبنية على القول بأنه لا يقر على الجزية إلا أهل الكتاب، والصحيح عدم الخصوصية بذلك لهم، بل يقر على الجزية أيضًا المجوس، وأهل الشرك على الصحيح كما سيأتي معنا في باب الجزية. (١)

стр. 5123

١٢٠٣ - وَعَنْهُ أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَخَذَ المِغْوَلَ (١)، فَجَعَلَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «أَلَا اشْهَدُوا؛ فَإِنَّ دَمَهَا هَدَرٌ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم سب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. أما إن كان الذي سبَّه مسلمًا فعامة أهل العلم على أنه مرتد، ويُقتل، نقل الإجماع إسحاق بن راهويه، وابن المنذر، وأبو بكر الفارسي الشافعي، والقاضي عياض، والخطابي، وابن سحنون وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [براءة:٦٥ - ٦٦]. واستدلوا على قتله بحديث الباب، وبحديث قتل كعب بن الأشرف، وبحديث قتل أبي رافع، وبإباحة قتل القينتين اللتين كانتا لابن خطل يغنيان بهجاء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وبإباحته قتل عبدالله بن سعد بن أبي السرح عند أن جاء ليبايع على

стр. 5124

الإسلام، فأمسك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن مبايعته حتى يقتله بعض الصحابة. وكذلك استدلوا بحديث: «من بدل دينه؛ فاقتلوه»، فقد أصبح مرتدًا بذلك. • وأما إن كان الذي سبَّه من أهل الذمة: فجمهور العلماء على أنه يُقتل أيضًا؛ لما تقدم من الأدلة، فحديث الباب: كانت أم ولد من أهل الكتاب. وكذا حديث قتل كعب بن الأشرف، وأبي رافع وغيرهما. • وذهب أبو حنيفة إلى عدم قتله بحجة أنَّ ما عندهم من الشرك أعظم، وقد أُقِرُّوا عليه. وأجاب الجمهور بأنهم أُقِرُّوا على دينهم؛ مالم ينقضوا العهد، وما داموا أذلة، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [براءة:١٢ - ١٤]، وبقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [براءة:٢٩]، وأين الصَّغار فيمن يسب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. واستدل بعضهم لمذهب أبي حنيفة بقول اليهود للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند السلام: السام عليكم.

стр. 5125

وأُجيب عن ذلك بأجوبة منها: • أنهم يستخفون بها، ولا يقرون بها؛ فلم يقض فيهم بعلمه. • وقيل: ترك القضاء عليهم للتأليف. ويحتمل الأمرين، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: استتابة المسلم الساب، وقبول توبته . أما توبته من الكفر فتُقبل عند أهل العلم، واختلفوا هل يسقط عنه القتل بالتوبة؟ • فذهب الجمهور إلى أنَّ القتل لا يسقط، عزاه للجمهور القاضي عياض، وهو الأشهر في مذهب مالك، وأحمد، وقال به الليث، وبعض الشافعية. وحجتهم في ذلك أنَّ هذا حق للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فليس لأحدٍ أن يعفوَ، والذين قتلوا لم يقتلوا للكفر، وإنما قتلوا لسبهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في المرأة التي كانت تسبه، وتقع فيه: «اشهدوا أنَّ دمها هدر»؛ وذلك بسبب السب، وإلا فإنَّ المرأة الحربية لا تقتل، وإنما تُسْتَرَقُّ، وكذلك كعب بن الأشرف إنما قُتِل لِسَبِّه، لا لكونه صار من أهل الحرب؛ فإنَّ الحربي لا يؤمن ولا يستأمن، وقد حصل بين كعب والصحابة أمان، ثم قتلوه، وكان الأمان من كعب، وأما الصحابة فأظهروا له ذلك دون أن يصرحوا له. واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ

стр. 5126

وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * ... يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * ... لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٥٧ - ٦١]. واستدلوا بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقتل القينتين اللتين كانتا لابن خطل يغنيان بهجاء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومعلوم أنَّ النساء لا يُقتلن بالحرب، بل عفا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن كفار قريش إلا نفرًا يسيرًا. واستدلوا بقصة عبدالله بن سعد بن السرح عند أن أراد أن يبايع على الإسلام، فأمسك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن مبايعته؛ ليقتله بعض الصحابة. فاستدل الجمهور بهذه الأدلة على أنَّ القتل لا يسقط بالتوبة، وإن كان يعامل معاملة المسلم من حيث الصلاة عليه، وتغسيله، ودفنه، وميراثه، وغير ذلك. • وذهب بعض الفقهاء إلى أنَّ توبته تُسقِطُ القتلَ، وهذا قول الحنفية، والأشهر عند الشافعية، وحُكي عن أحمد روايةً، وعن مالك كذلك، وهو خلاف المشهور عنهما. وحجة أصحاب هذا القول أنه يُقتل لكونه مرتدًا؛ فإنْ تاب سقط عنه ذلك.

стр. 5127

والصحيح قول الجمهور؛ لما تقدم من الأدلة وهو ترجيح شيخ الإسلام ﵀. (١) مسألة [٣]: إذا أسلم الذمي السابُّ، أو عاد إلى عهده، فهل يسقط عنه القتل ؟ • المشهور في مذهب أحمد، ومالك، وهو قول بعض الشافعية أنه يقتل وإن أسلم؛ لما تقدم من الأدلة، وهو اختيار شيخ الإسلام. (٢) • وعن مالك رواية، وكذا عن أحمد أنه لا يقتل؛ لأنه قد أسلم، والإسلام يَجُبُّ ما قبله، وهو قول الشافعي، وزاد أنه لا يقتل إذا تاب ورجع إلى عهده. وأجاب أصحاب القول الأول أنَّ هذا حقٌّ للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فلا يسقط إلا بعفوه، وقد تعذر؛ لكونه ميتًا، فيقام عليه الحد. وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (٣) مسألة [٤]: هل يسقط عنه القتل إذا تاب قبل القدرة عليه ؟ • جمهور الفقهاء على عدم سقوط القتل عنه كسائر حقوق الآدميين، كما لا يسقط القتل قودًا عن قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه. • والمشهور في مذهب أحمد، والشافعي سقوط القتل، وهذا القول أحوط، والله أعلم. (٤)

стр. 5128

مسألة [٥]: ضابط السب . قال شيخ الإسلام ﵀ في «الصارم المسلول» (ص ٥٣٤): يجب أن يرجع في حد الأذى، والشتم، والسب إلى العُرف، فما عَدَّه أهل العرف سبًّا، أو انتقاصًا، أو عيبًا، أو طعنًا ونحو ذلك؛ فهو من السب، وما لم يكن كذلك وهو كفر به؛ فيكون كفرًا ليس بسب، حكم صاحبه حكم المرتد، إن كان مُظهرًا له، وإلا فهو زندقة، والمعتبر أن يكون سبًّا وأذى للنبي ﷺ ، وإن لم يكن سبًّا وأذى لغيره؛ فعلى هذا كل ما لو قيل لغير النبي ﷺ أوجب تعزيرًا، أو حدًّا بوجه من الوجوه؛ فإنه من باب سب النبي ﷺ ، كالقذف، واللعن وغيرهما من الصور. قال: وأما ما يختص بالقدح في النبوة؛ فإنْ لم يتضمن إلا مجرد عدم التصديق بنبوته؛ فهو كفرٌ محضٌ، وإن كان فيه استخفاف واستهانة مع عدم التصديق؛ فهو من السب، وهنا مسائل اجتهادية يتردد الفقهاء هل هي من السب أومن الردة المحضة. انتهى المراد. مسألة [٦]: حكم سب الله تعالى، وحكم من فعل ذلك . سب الله تعالى كفرٌ بإجماع الأمة، ومن فعل ذلك؛ فهو كافر بلا خلاف، قال تعال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [براءة:٦٥ - ٦٦]. واختلف العلماء إذا تاب السَّابُّ هل يسقط عنه القتل أم لا؟

стр. 5129

• فمنهم من قال: لا يسقط عنه القتل. وهو قول مالك في رواية، وأحمد في رواية، وبعض الشافعية؛ لأنَّ سب الله تعالى أعظم من سب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. • وذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى أنه يسقط عنه القتل، وهو قول الشافعي، ومالك في رواية، وأحمد في رواية، وهو قول الحنفية؛ لأنه يقتل ردة لا حدًّا؛ فإن تاب؛ قُبِلت توبته، وصح إسلامه؛ فلا يُقتل. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: حكم سب سائر الأنبياء . من سبَّ نبيًّا من الأنبياء؛ فالحكم فيه كالحكم فيمن سب نبينا محمدًا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]. (٢) مسألة [٨]: من سبَّ نساء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. أما قذفهن بالزنى؛ فهو كفر، وصاحبه كافر بالإجماع في عائشة ﵂، وعلى الأصح في سائر أزواج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وأما سبهن بغير ذلك؛ فحكمها كحكم سب سائر الصحابة. (٣) مسألة [٩]: من سب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؟ قال شيخ الإسلام ﵀ في «الصارم المسلول» (ص ٥٩١) في كلامه على

стр. 5130

الرافضة والشيعة: أما من اقترن بسبه دعوى أن عليًّا إله أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبريل في الرسالة فهذا لاشك في كفره بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره، وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية، ومنهم التناسخية وهؤلاء لا خلاف في كفرهم. وأما من سبهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم، ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد ونحو ذلك؛ فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا يحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من العلماء. وأما من لعن وقبح مطلقًا؛ فهذا محل الخلاف فيهم؛ لتردد الأمر بين لعن الغيظ، ولعن الاعتقاد. وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم؛ فهذا لا ريب أيضا في كفره؛ فإنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم، والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين؛ فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق، وأن هذه الأمة التي هي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وخيرها هو القرن الأول كان عامتهم كفارًا، أو فساقًا، ومضمونها أن هذه الامة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الاسلام. انتهى المراد.

стр. 5131

مسألة [١٠]: تعريف السحر، وحكمه، وحكم فاعله . السحر في اللغة: كل ما لَطُفَ وخَفِي سببه، ومنه سُمِّي السَّحَرُ سَحَرًا في آخر الليل؛ لأنه خفيٌّ، ومنه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن من البيان لسحرًا» البيان معناه: الكلام البليغ؛ لأنه يستميل النفوس، ويؤثر فيها بلطف. وأما في الشرع: فهو عُقَدٌ، ورُقى غير شرعية، يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد به من ضرر المسحور، ولا يحصل ذلك إلا بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]. وقد ذكر عامة العلماء نوعًا من السحر يكون بالخداع والتخييل، وبالأدوية والعقاقير لا باستخدام الشياطين؛ فهذا فسقٌ، وظلمٌ، وعدوان، والله أعلم. (١) • والسحر له حقيقة، وهو مذهب أحمد، والشافعي وغيرهما، ومعناه أنَّ له تأثيرًا في بدن المسحور حقيقةً كما حصل ذلك للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأثر فيه السحر حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيءَ ولا يفعله، وكذلك الواقع يدل على ذلك؛ فإنَّ مما يحصل: القتل، والمرض، والبغض الشديد مع ضيق الصدر، والتفريق بين الزوج وزوجه. • وذهب أبو حنيفة، وبعض الشافعية إلى أنه مجرد خيال ولا تأثير له على البدن، وهذا قول غير صحيح، وأما استدلالهم بالآية: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ

стр. 5132

أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، فهي دليل للقول الأول، وذلك لأن السحر أثَّر في أعين الناس تأثيرًا حقيقيًا حتى رأوا الشيء على خلاف حقيقته. (١) وتعلم السحر وتعليمه محرَّمٌ بلا خلاف عند عامة أهل العلم، بل هو كفر، ونقل خلاف شاذ ذكره الحافظ ابن كثير في «تفسيره». والدليل على تحريمه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]. (٢) • والساحر الذي يستخدم الشياطين كافر عند الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]؛ ولأنه قد صح عن جمع من الصحابة قتلهم. • وقال الشافعي: يستوصف السحر؛ فإن وصفه بما يقتضي الكفر؛ فهو كافر، وإلا فلا. والصحيح قول الجمهور. (٣) مسألة [١١]: وهل يُقتل لردته فقط فيستتاب، أم يقتل حدًّا لفساده وإفساده ؟ • ذهب الشافعي، وابن المنذر، وأحمد في رواية إلى أنه يستتاب؛ لأنه يقتل لردته؛ فإنْ تاب وإلا قُتل.

стр. 5133

• وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بدون استتابة، وصح ذلك عن عمر، وعثمان، وجندب، وحفصة، وابن عمر وغيرهم، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم؛ فإنْ كان لم يظهر منه فساد، فيُستتاب، والله أعلم. (١) مسألة [١٢]: ساحر أهل الكتاب . • مذهب أحمد أنه لا يقتل؛ إلا أن يقتل بسحره؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يقتل لبيد بن الأعصم. • ومذهب أبي حنيفة أنه يُقتل؛ لعموم الأدلة. والذي يظهر أنه يجوز قتله إذا آذى المسلمين، والله أعلم. (٢) فائدة: الساحر، والكاهن، والمنجم، والعرَّاف كلهم كفار عند أهل العلم، ومن صدقهم؛ فهو كافر أيضًا. وانظر شروح «كتاب التوحيد» لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ﵀. تم بحمد الله كتاب الجنايات يوم الثلاثاء الموافق (١٢/شعبان/١٤٢٧) من هجرة المصطفى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-

стр. 5134

كِتابُ الْحُدودِ الحدود: جمعُ حَدٍّ، وهو في اللغة: المنع، والفصل، والحاجز بين الشيئين، وحدُّ الشيء منتهاه. وشرعًا: هو عقوبةٌ مقدرةٌ شرعًا في معصية لتمنع من وقوع مثلها، وتكفر عن صاحبها. ويُطلق في الشرع أيضًا على نفس الجناية، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧]. (١)

стр. 5135

بَابُ حَدِّ الزَّانِي ١٢٠٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵄ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْشُدُك اللهَ إلَّا قَضَيْت لِي بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ الآخَرُ -وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ- نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ: «قُلْ» قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا (١) عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْت أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْك، وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (٢) ١٢٠٥ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣) ١٢٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ -فَنَادَاهُ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ

стр. 5136

مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْت؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ١٢٠٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَهُ: «لَعَلَّك قَبَّلْت، أَوْ غَمَزْت، أَوْ نَظَرْت؟» قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٢) ١٢٠٨ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: عَلَى مَنْ زَنَى، إذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مع ذكر مسائل أخرى ملحقة مسألة [١]: تحريم الزنى . تحريم الزنى أمرٌ مقطوع به، وهو معلومٌ في دين الإسلام بالاضطرار، بل هو

стр. 5137

من كبائر الذنوب وعظامها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]. وعن ابن مسعود ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك». قلت: ثم أيُّ؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك». قلت: ثم أيُّ؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك»، أخرجه البخاري برقم (٤٤٧٧)، ومسلم برقم (٨٦). وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، أخرجه البخاري برقم (٥٥٧٨)، ومسلم برقم (٥٧). فائدة: كان حدُّ الزنى في أول الإسلام الحبس للمرأة، والأذية للمرأة والرجل؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٥ - ١٦]. ثم نسخ الله ذلك كما في حديث عبادة بن الصامت الذي في الباب، وقد بيَّنت ذلك في كتابي «فتح المنان فيما صح من منسوخ القرآن». مسألة [٢]: حقيقة الزنى . الزنى: هو وطءُ المرأة من غير عقد شرعي، أو عقد شبهة، أو شبهة وطءٍ، أو

стр. 5138

ملك يمين، أو شبهة ملك، ويحصل الزنى عند أهل العلم بتغييب الحشفة، أو قدرها من الذكر في فرج المرأة. مسألة [٣]: حدُّ الزاني المحصن . عامةُ أهل العلم أنَّ الزاني المحصن حدُّه الرجم حتى يموت رجلًا كان أو امرأة، واستدلوا بأحاديث الباب. قال ابن قدامة ﵀: وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الْخَوَارِجَ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْجَلْدُ لِلْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢].اهـ وهو قول باطلٌ؛ لأنَّ السنة متواترة في إثبات الرجم، وبالله التوفيق، ولا عبرة بخلاف كلاب النار. واختلف العلماء هل يجمع على المحصن مع الرجم الجلدَ، أم لا؟ على ثلاثة أقوال: • فمذهب الجمهور أنه يرجم، ولا يُجلد، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية. واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رجم ماعزًا، والغامدية، واليهوديين، ولم يجلدهم.

стр. 5139

وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ كما في «سنن البيهقي» (٨/ ٢١٥) أنه أمر برجم امرأة زنت ولم يأمر بجلدها. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الزاني المحصن يُجلد مائة، ثم يُرجم، وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وداود الظاهري، واختاره ابن المنذر. واستدلوا على ذلك بحديث عبادة بن الصامت الذي في الباب، وقالوا: قضى بذلك علي بن أبي طالب ﵁ -وهو ثابت عنه- وهو قول أبي بن كعب، ونُقل عن عمر، وأبي ذرٍّ ﵄ بسندين ضعيفين. والصحيح هو قول الجمهور. وأجابوا عن حديث عبادة ﵁ بأنَّ الجلد منسوخ بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ إذ لم يرد عنه الجمع، وهذا اختيار ابن القيم ﵀، ونُقل عن أحمد أنه رجع إلى هذا القول، والله أعلم. (١) فائدة: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣١٠): مَعْنَى الرَّجْمِ: أَنْ يُرْمَى بِالْحِجَارَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى يُقْتَلَ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ المَرْجُومَ يُدَامُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ. وَلِأَنَّ إطْلَاقَ الرَّجْمِ يَقْتَضِي الْقَتْلَ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء:١١٦]، وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا، وَمَاعِزًا، وَالْغَامِدِيَّةَ حَتَّى مَاتُوا. اهـ

стр. 5140

مسألة [٤]: اشتراط الإحصان، وبماذا يحصل الإحصان ؟ الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم؛ لما جاء في حديث عمر ﵁ في الباب: «إن الرجم حقٌّ على من زنى، وقد أحصن»، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، وذكر منها: «أو زنًى بعد إحصان»، ولحديث الباب: «هل أحصنت؟». وقد اشترط أهلُ العلم للإحصان شروطا: الأول: الوطء في القُبُل. ولا خلاف في اشتراطه؛ للحديث: «الثيب بالثيب»، والثيابة تحصل بالوطء في القبل؛ فوجب اعتباره، ولا خلاف في أنَّ عقد النكاح الخالي عن الوطء لا يحصل به إحصان. ويُشترط أن يكون وطئًا حصل به تغييب الحشفة؛ لأنَّ ذلك حد الوطء الذي يتعلق به أحكام الوطء. الثاني: أن يكون الوطء في نكاح. لأنَّ النكاح يسمى إحصانًا، بدليل قول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤] يعني: المتزوجات. قال ابن قدامة ﵀: وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ التَّسَرِّيَ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِنِكَاحٍ، وَلَا تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ. اهـ

стр. 5141

الثالث: أن يكون النكاح صحيحًا. • اشترط جمهور العلماء في الإحصان أن يكون النكاح صحيحًا، وهو قول عطاء، وقتادة، وقال به أصحاب المذاهب الأربعة. • وقال أبو ثور: يحصل الإحصان بالوطء في نكاح فاسد، وحُكي ذلك عن الليث، والأوزاعي، وبعض الشافعية؛ لأنَّ الصحيح والفاسد سواء في أكثر الأحكام مثل وجوب المهر، والعدة، وتحريم الربيبة، وأم المرأة، ولحاق الولد. واختاره الشوكاني. وأُجيب بأنه وطءٌ في غير ملك؛ فلم يحصل به الإحصان كوَطءِ الشبهة، ولا يسلم ما ذكروه من أن الأحكام تعلقت به لكونه نكاح شبهة، وإنما تثبت بالوطء فيه، وهذه ثبتت في كل وطءٍ، وليست مختصة بالنكاح؛ إلا أنَّ النكاح ههنا صار شبهة، فصار فيه كوطء الشبهة. الرابع: الحرية. قال ابن قدامة ﵀: وَهِيَ شَرْطٌ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ كُلِّهِمْ، إلَّا أَبَا ثَوْرٍ: قَالَ الْعَبْدُ، وَالْأَمَةُ هُمَا مُحْصَنَانِ، يُرْجَمَانِ إذَا زَنَيَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ إجْمَاعٌ يُخَالِفُ ذَلِكَ. وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فِي الْعَبْدِ تَحْتَهُ حُرَّةٌ: هُوَ مُحْصَنٌ يُرْجَمُ إذَا زَنَى، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ؛ لَمْ يُرْجَمْ. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ تُخَالِفُ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ

стр. 5142

بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥].اهـ والرجم لا يتنصف، وإيجابه كله يخالف النص مع مخالفة الإجماع المنعقد قبله، وقد وافق الأوزاعي على أنَّ العبد إذا وطئ الأمة، ثم عتق لم يصيرا محصنين، وهو قول الجمهور. الخامس والسادس: البلوغ والعقل. فلو وطئ وهو صبي، أو مجنون، ثم بلغ، أو عقل؛ لم يكن محصنًا. هذا قول أكثر أهل العلم، وهو مذهب الشافعي، ونُقل عن بعض أصحابه أنه قال: يصير محصنًا، وكذلك العبد إذا وطِئَ في رِقِّه ثم عَتَقَ يصير محصنًا؛ لأنه وطء يحصل به الإحلال للمطلق ثلاثًا؛ فيحصل به الإحصان أيضًا. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣١٤ - ٣١٦): وَلَنَا قَوْلُهُ ﵇: «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ»، فَاعْتَبَرَ الثُّيُوبَةَ خَاصَّةً، وَلَوْ كَانَتْ تَحْصُلُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَعَقْلِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَيُفَارِقُ الْإِحْصَانُ الْإِحْلَالَ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْوَطْءِ فِي حَقِّ الْمُطَلِّقِ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لَهُ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَطَأَهَا غَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَأْبَاهُ الطِّبَاعُ وَيَشُقُّ عَلَى النُّفُوسِ، فَاعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ زَجْرًا عَنْ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا، وَهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الْعَاقِلُ وَالْمَجْنُونُ، بِخِلَافِ الْإِحْصَانِ؛ فَإِنَّهُ اُعْتُبِرَ لِكَمَالِ النِّعْمَةِ فِي حَقِّهِ؛ فَإِنْ مَنْ كَمَلَتْ النِّعْمَةُ فِي حَقِّهِ، كَانَتْ جِنَايَتُهُ أَفْحَشَ وَأَحَقَّ بِزِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ، وَالنِّعْمَةُ فِي الْعَاقِلِ الْبَالِغِ أَكْمَلُ. اهـ (١)

стр. 5143

مسألة [٥]: إذا كان الرجل أو المرأة لم تتوفر فيه الشروط السابقة، فهل يحصن الآخر الذي توفرت فيه الشروط ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى اشتراط توفر الشروط في كل من الرجل والمرأة، فإذا نقصت من أحدهما؛ لم يحصل الإحصان لأحدهما، وهذا قول الحنابلة، والحنفية، وقول للشافعي. • وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملًا؛ صار محصنًا. وهو قول ابن المنذر؛ لأنه حرٌّ، بالغ، عاقل وطئ في نكاح صحيح؛ فصار محصنًا، كما لو كان الآخر مثله، وحُكي ذلك عن الأوزاعي. وهذا قول للشافعي؛ إلا أنَّ مالكًا والأوزاعي استثنوا الصبي إذا وطئ الكبيرة؛ فإنه لا يحصنها. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه إذا توفرت الشروط في أحدهما صار محصنًا، وهو ترجيح الشوكاني ﵀؛ لأنه جماعٌ في نكاح صحيح؛ فصار محصنًا، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: هل يشترط الإسلام في الإحصان ؟ • من أهل العلم من قال: ليس ذلك بشرط. وهو قول الزهري، والشافعي، وأحمد في رواية، وعليه فالذمي يحصن الذمية، والمسلم يحصن الذمية ويصير محصنًا. واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين» أنه رجم

стр. 5144

اليهوديين اللذين زنيا. (١) • وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الإسلام شرط في الإحصان؛ فلا يكون الكافر محصنًا، ولا تحصن الذمية مسلمًا، وهو قول عطاء، والنخعي، ومجاهد، والثوري، وأحمد في رواية، ومالك؛ إلا أنَّ مالكًا قال: (الذمية تحصن المسلم)؛ بناء على أصله في أنه لا يعتبر الكمال في الزوجين. واستدل أصحاب هذا القول بحديث: «من أشرك بالله؛ فليس بمحصن» أخرجه الدارقطني (٣/ ١٤٧)، وهو معَلٌّ بالوقف على ابن عمر ﵄. والصحيح القول الأول، وهو اختيار ابن القيم ﵀. (٢) فائدة: إذا ارتد المحصن لم يبطل إحصانه عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة. (٣) مسألة [٧]: حدُّ الحر البكر . والمقصود به هنا من لم يحصن، وإن كان ثيِّبًا. ويُجلد الزاني غير المحصن مائة جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي في الباب،

стр. 5145

وحديث العسيف أيضًا. • ويجب مع الجلد تغريب عام عند الجمهور، وصح ذلك عن أبي بكر، وعمر ﵄، (١) وعن غيرهم من الصحابة، وهو قول عطاء، وطاوس، والثوري، وابن أبي ليلى، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور. واستدلوا بحديث عبادة بن الصامت ﵁، وبفعل الخلفاء الراشدين. • وقال مالك، والأوزاعي: يُغَرَّبُ الرجل دون المرأة؛ لأنَّ المرأة تحتاج إلى حفظٍ، وصيانة، وتغريبها ومعها محرمها تغريب لمن ليس له ذنب، وتغريبها بدون محرم لا يجوز. • وقال أبو حنيفة، وحماد، ومحمد بن الحسن: لا يجب التغريب؛ لعدم ذكره في القرآن؛ فهو على سبيل التعزير، إن رآه الإمام؛ فعل، وإلا ترك. وصحح ابن قدامة قول مالك، والله أعلم. (٢) مسألة [٨]: ضابط النفي والتغريب . • منهم من قال: أقلُّه مسافة القصر. وهو قول في مذهب أحمد، ومذهب الشافعي، ومذهب مالك. • وقال أبو ثور، وابن المنذر: لو نفي إلى قرية أخرى بينهما ميل، أو أقل؛ جاز.

стр. 5146

• وقال إسحاق: يجوز أن يُنْفَى من مصر إلى مصر. ونحوه قال ابن أبي ليلى، وعن أحمد ما يدل عليه. وهذا قولٌ ليس ببعيد عن القول الأول، والله أعلم. (١) تنبيه: لا يحبس الزاني في البلد الذي ينفى إليه عند الجمهور خلافًا لمالك؛ لعدم وجود دليل على ذلك. (٢) مسألة [٩]: إقامة الحد بمحضر طائفة من المؤمنين . يجب على الإمام أن يقيم الحد بمحضر طائفة من المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]. واختلف العلماء في تحديد الطائفة: • فمنهم من يقول: الواحد فأكثر طائفة، فأقل الطائفة واحد. وهو قول مجاهد، ورُوي عن ابن عباس ﵄ بسند فيه ضعف، وهو قول أحمد وأصحابه، وابن جرير. • وقال بعضهم: أقلهم اثنان. وهو قول عطاء، وإسحاق. • وقال بعضهم: أقلهم ثلاثة. وهو قول الزهري، والشافعي في قول. • وقال بعضهم: أقلهم أربعة. وهو قول مالك، والشافعي في قول.

стр. 5147

• وقال ربيعة: خمسة. • وقال الحسن: عشرة. • وقال قتادة: نفرٌ من المسلمين. والقول الأول أقرب الأقوال؛ لأنَّ الطائفة في لغة العرب تطلق على الواحد، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، ثم قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]، وقيل في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٦٦]: إنه مخشي بن حُمَيِّر وحده. (١) مسألة [١٠]: هل يجب حضور الإمام والشهود . • أكثر أهل العلم على عدم وجوب حضورهم؛ لعدم وجود دليل يوجب ذلك. وقد أمر النبي ﷺ برجم ماعز بن مالك ﵁، ولم يحضر رجمه، وأقام عثمان بن عفان حد الشرب على الوليد بن عقبة، ولم يحضر إقامة الحد. • وأوجب أبو حنيفة على الإمام الحضور إن ثبت الحد بالإقرار، وأوجب على الشهود الحضور إن ثبت الحد بالبينة، ولا دليل على ذلك. (٢) مسألة [١١]: إذا وطئ امرأة أجنبية في دبرها؛ فهل يكون زنى ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٤٠): وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ مِثْلُهُ فِي

стр. 5148

كَوْنِهِ زِنًى؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ؛ فَكَانَ زِنًى، كَالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ؛ وَلِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:١٥]، وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ فَاحِشَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قَوْمِ لُوطٍ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف:٨٠ /النمل:٥٤]، يَعْنِي الْوَطْءَ فِي أَدْبَارِ الرِّجَالِ. اهـ • وللشافعية في ذلك قولان كما في «البيان» (١٢/ ٣٦٨)، فمنهم من قال بقول الحنابلة، ومنهم من قال: هو كما لو وطئ رجلًا في دبره، بمعنى أنه لواط. (١) مسألة [١٢]: إذا زنى بامرأة ميتة، هل يُقام عليه الحد ؟ • من أهل العلم من قال: عليه الحد. وهو قول الأوزاعي، وأحمد في رواية، وعليه جماعة من أصحابه؛ لأنه وطئ في فرج آدمية؛ فأشبه وطءَ الحية؛ ولأنه أعظم ذنبًا، وأكثر إثمًا؛ لأنه انضم إلى فاحشته هتك حرمة الميتة. • ومن أهل العلم من قال: لا حدَّ عليه. وهو قول الحسن، وبعض الحنابلة؛ لأنها لا يُشتهى مثلها، وتعافها النفس. وهذا قولٌ غير صحيح، والصحيح القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (٢) مسألة [١٣]: من وطئ صغيرة أجنبية لم تبلغ التاسعة ؟ • جاء عن بعض الحنابلة أنهم قالوا: لا حد عليه؛ لأنها لا يُشتهى مثلها، فأشبه

стр. 5149

ما لو أدخل أصبعه في فرجها. قالوا: وكذلك المرأة لو استدخلت ذكر صبي لم يبلغ عشرًا؛ لا حدَّ عليها. وهو قول باطل. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٤١): وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَتَى وَطِئَ مَنْ أَمْكَنَ وَطْؤُهَا، وَأَمْكَنْت الْمَرْأَةُ مَنْ أَمْكَنَهُ الْوَطْءُ، فَوَطِئَهَا، أَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْهُمَا، وَلَا يَجُوزُ تَحْدِيدُ ذَلِكَ بِتِسْعٍ وَلَا عَشْرٍ؛ لِأَنَّ التَّحْدِيدَ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّوْقِيفِ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذَا، وَكَوْنُ التِّسْعِ وَقْتًا لِإِمْكَانِ الِاسْتِمْتَاعِ غَالِبًا لَا يَمْنَعُ وُجُودَهُ قَبْلَهُ، كَمَا أَنَّ الْبُلُوغَ يُوجَدُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا غَالِبًا، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ وُجُودِهِ قَبْلَهُ. اهـ مسألة [١٤]: من زنى بامرأة ذات حرمة منه ؟ • من أهل العلم من قال: حدُّه القتل مطلقًا، أحصن أم لم يحصن. وهذا قول جابر بن زيد، وإسحاق، وابن أبي خيثمة، وأحمد في رواية. واستدلوا على ذلك بحديث البراء بن عازب ﵄ عند أحمد (٤/ ٢٩٠)، والترمذي (١٣٦٢)، وغيرهما قال: لقيت عمي ومعه الراية، فقلت: إلى أين تريد؟ فقال: «بعثني رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه، وآخذ ماله»، وهو حديث ضعيف ومضطرب. وعلى القول بتحسينه فالمراد به على الصحيح في حق من استحل النكاح بامرأة أبيه. ويلتحق به من استحل الزواج بذات حرمة منه. واستدلوا بحديث ابن عباس عند ابن ماجه (٢٥٦٤) وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-

стр. 5150

قال: «من وقع على ذات محرم فاقتلوه»، وهو حديث ضعيف منكر، من طريق: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وإبراهيم بن إسماعيل شديد الضعف، وداود بن الحصين ضعيف الرواية عن عكرمة. وقال أبو حاتم كما في «العلل» (١/ ٤٥٥): حديث منكر، لم يروه غير ابن أبي حبيبة. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن حكمه كحكم من زنى بغير ذات محرم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية؛ لعموم الآية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ولعموم حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي في الباب. وهذا القول هو الصحيح؛ لضعف الأدلة الواردة في قتله مطلقًا، ثم إنَّ ظاهر حديث البراء أنه حكم بقتله، واستحلال ماله؛ دلَّ ذلك على الحكم عليه بالرِّدَّة، فحمله بعض أهل العلم كالبيهقي وغيره على أنه استحل ذلك. وقد رجَّح ابن القيم ﵀ القول الأول. (١) تنبيه: الحكم فيما لو تزوجها، ثم دخل بها كالحكم السابق على حسب الخلاف المتقدم؛ لأنَّ الزواج باطلٌ بالإجماع، إلا أنَّ أبا حنيفة يقول: لا حدَّ عليه؛
следующие страницы →