• وقال إسحاق: يجوز أن يُنْفَى من مصر إلى مصر. ونحوه قال ابن أبي ليلى، وعن أحمد ما يدل عليه.
وهذا قولٌ ليس ببعيد عن القول الأول، والله أعلم. (١)
تنبيه: لا يحبس الزاني في البلد الذي ينفى إليه عند الجمهور خلافًا لمالك؛ لعدم وجود دليل على ذلك. (٢)
مسألة [٩]: إقامة الحد بمحضر طائفة من المؤمنين .
يجب على الإمام أن يقيم الحد بمحضر طائفة من المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢].
واختلف العلماء في تحديد الطائفة:
• فمنهم من يقول: الواحد فأكثر طائفة، فأقل الطائفة واحد. وهو قول مجاهد، ورُوي عن ابن عباس ﵄ بسند فيه ضعف، وهو قول أحمد وأصحابه، وابن جرير.
• وقال بعضهم: أقلهم اثنان. وهو قول عطاء، وإسحاق.
• وقال بعضهم: أقلهم ثلاثة. وهو قول الزهري، والشافعي في قول.
• وقال بعضهم: أقلهم أربعة. وهو قول مالك، والشافعي في قول.
стр. 5147
• وقال ربيعة: خمسة.
• وقال الحسن: عشرة.
• وقال قتادة: نفرٌ من المسلمين.
والقول الأول أقرب الأقوال؛ لأنَّ الطائفة في لغة العرب تطلق على الواحد، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، ثم قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]، وقيل في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٦٦]: إنه مخشي بن حُمَيِّر وحده. (١)
مسألة [١٠]: هل يجب حضور الإمام والشهود .
• أكثر أهل العلم على عدم وجوب حضورهم؛ لعدم وجود دليل يوجب ذلك. وقد أمر النبي ﷺ برجم ماعز بن مالك ﵁، ولم يحضر رجمه، وأقام عثمان بن عفان حد الشرب على الوليد بن عقبة، ولم يحضر إقامة الحد.
• وأوجب أبو حنيفة على الإمام الحضور إن ثبت الحد بالإقرار، وأوجب على الشهود الحضور إن ثبت الحد بالبينة، ولا دليل على ذلك. (٢)
مسألة [١١]: إذا وطئ امرأة أجنبية في دبرها؛ فهل يكون زنى ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٤٠): وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ مِثْلُهُ فِي
стр. 5148
كَوْنِهِ زِنًى؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ؛ فَكَانَ زِنًى، كَالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ؛ وَلِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:١٥]، وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ فَاحِشَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قَوْمِ لُوطٍ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف:٨٠ /النمل:٥٤]، يَعْنِي الْوَطْءَ فِي أَدْبَارِ الرِّجَالِ. اهـ
• وللشافعية في ذلك قولان كما في «البيان» (١٢/ ٣٦٨)، فمنهم من قال بقول الحنابلة، ومنهم من قال: هو كما لو وطئ رجلًا في دبره، بمعنى أنه لواط. (١)
مسألة [١٢]: إذا زنى بامرأة ميتة، هل يُقام عليه الحد ؟
• من أهل العلم من قال: عليه الحد. وهو قول الأوزاعي، وأحمد في رواية، وعليه جماعة من أصحابه؛ لأنه وطئ في فرج آدمية؛ فأشبه وطءَ الحية؛ ولأنه أعظم ذنبًا، وأكثر إثمًا؛ لأنه انضم إلى فاحشته هتك حرمة الميتة.
• ومن أهل العلم من قال: لا حدَّ عليه. وهو قول الحسن، وبعض الحنابلة؛ لأنها لا يُشتهى مثلها، وتعافها النفس. وهذا قولٌ غير صحيح، والصحيح القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (٢)
مسألة [١٣]: من وطئ صغيرة أجنبية لم تبلغ التاسعة ؟
• جاء عن بعض الحنابلة أنهم قالوا: لا حد عليه؛ لأنها لا يُشتهى مثلها، فأشبه
стр. 5149
ما لو أدخل أصبعه في فرجها. قالوا: وكذلك المرأة لو استدخلت ذكر صبي لم يبلغ عشرًا؛ لا حدَّ عليها. وهو قول باطل.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٤١): وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَتَى وَطِئَ مَنْ أَمْكَنَ وَطْؤُهَا، وَأَمْكَنْت الْمَرْأَةُ مَنْ أَمْكَنَهُ الْوَطْءُ، فَوَطِئَهَا، أَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْهُمَا، وَلَا يَجُوزُ تَحْدِيدُ ذَلِكَ بِتِسْعٍ وَلَا عَشْرٍ؛ لِأَنَّ التَّحْدِيدَ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّوْقِيفِ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذَا، وَكَوْنُ التِّسْعِ وَقْتًا لِإِمْكَانِ الِاسْتِمْتَاعِ غَالِبًا لَا يَمْنَعُ وُجُودَهُ قَبْلَهُ، كَمَا أَنَّ الْبُلُوغَ يُوجَدُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا غَالِبًا، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ وُجُودِهِ قَبْلَهُ. اهـ
مسألة [١٤]: من زنى بامرأة ذات حرمة منه ؟
• من أهل العلم من قال: حدُّه القتل مطلقًا، أحصن أم لم يحصن. وهذا قول جابر بن زيد، وإسحاق، وابن أبي خيثمة، وأحمد في رواية.
واستدلوا على ذلك بحديث البراء بن عازب ﵄ عند أحمد (٤/ ٢٩٠)، والترمذي (١٣٦٢)، وغيرهما قال: لقيت عمي ومعه الراية، فقلت: إلى أين تريد؟ فقال: «بعثني رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه، وآخذ ماله»، وهو حديث ضعيف ومضطرب. وعلى القول بتحسينه فالمراد به على الصحيح في حق من استحل النكاح بامرأة أبيه. ويلتحق به من استحل الزواج بذات حرمة منه.
واستدلوا بحديث ابن عباس عند ابن ماجه (٢٥٦٤) وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-
стр. 5150
قال: «من وقع على ذات محرم فاقتلوه»، وهو حديث ضعيف منكر، من طريق: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس به.
وإبراهيم بن إسماعيل شديد الضعف، وداود بن الحصين ضعيف الرواية عن عكرمة. وقال أبو حاتم كما في «العلل» (١/ ٤٥٥): حديث منكر، لم يروه غير ابن أبي حبيبة.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن حكمه كحكم من زنى بغير ذات محرم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية؛ لعموم الآية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ولعموم حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي في الباب.
وهذا القول هو الصحيح؛ لضعف الأدلة الواردة في قتله مطلقًا، ثم إنَّ ظاهر حديث البراء أنه حكم بقتله، واستحلال ماله؛ دلَّ ذلك على الحكم عليه بالرِّدَّة، فحمله بعض أهل العلم كالبيهقي وغيره على أنه استحل ذلك.
وقد رجَّح ابن القيم ﵀ القول الأول. (١)
تنبيه: الحكم فيما لو تزوجها، ثم دخل بها كالحكم السابق على حسب الخلاف المتقدم؛ لأنَّ الزواج باطلٌ بالإجماع، إلا أنَّ أبا حنيفة يقول: لا حدَّ عليه؛
стр. 5151
لشبهة العقد. وهو قول باطل. (١)
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٤٣): وَكُلُّ نِكَاحٍ أُجْمِعَ عَلَى بُطْلَانِهِ، كَنِكَاحِ خَامِسَةٍ، أَوْ مُتَزَوِّجَةٍ، أَوْ مُعْتَدَّةٍ، أَوْ نِكَاحِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، إذَا وَطِئَ فِيهِ عَالَمًا بِالتَّحْرِيمِ؛ فَهُوَ زِنًى مُوجِبٌ لِلْحَدِّ الْمَشْرُوعِ فِيهِ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: لَا حَدَّ فِيهِ؛ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ. اهـ
قلتُ: وهذا قول باطل لا دليل عليه.
مسألة [١٥]: من وطئ في نكاح مختلف في صحته ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٤٣): وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَالشِّغَارِ، وَالتَّحْلِيلِ، وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، وَلَا شُهُودٍ، وَنِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا الْبَائِنِ، وَنِكَاحِ الْخَامِسَةِ فِي عِدَّةِ الرَّابِعَةِ الْبَائِنِ، وَنِكَاحِ الْمَجُوسِيَّةِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبَهِ. اهـ
مسألة [١٦]: إذا وطئ جارية يشترك فيها بالملك مع غيره ؟
قال ابن قدامة ﵀ (١٢/ ٣٤٤): وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوَطْءِ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يَجِبُ. وَلَنَا أَنَّهُ فَرْجٌ لَهُ مِلْكٌ، فَلَا يُحَدُّ بِوَطْئِهِ، كَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمَرْهُونَةِ. اهـ
стр. 5152
مسألة [١٧]: إن اشترى أمه أو أخته من الرضاعة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٤٤): وَإِنْ اشْتَرَى أُمَّهُ، أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَنَحْوَهُمَا، وَوَطِئَهُمَا، فَذَكَرَ الْقَاضِي عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ فَرْجٌ لَا يُسْتَبَاحُ بِحَالٍ؛ فَوَجَبَ الْحَدُّ بِالْوَطْءِ، كَفَرْجِ الْغُلَامِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا حَدَّ فِيهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ مَمْلُوكٍ لَهُ، يَمْلِكُ الْمُعَاوَضَةَ عَنْهُ، وَأَخْذَ صَدَاقِهِ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْحَدُّ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ. فَأَمَّا إنْ اشْتَرَى ذَاتَ مَحْرَمِهِ مِنْ النَّسَبِ، مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَوَطِئَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ فِيهَا، فَلَمْ تُوجَدْ الشُّبْهَةُ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر -والله أعلم- أنه يقام عليه الحد في المسألة الأولى أيضًا إذا علم بالتحريم.
مسألة [١٨]: هل يحد من لم يعلم تحريم الزنى ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٤٥): وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ الزِّنَى. قَالَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ: لَا حَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ. (١) وَبِهَذَا قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَإِنْ ادَّعَى الزَّانِي الْجَهْلَ بِالتَّحْرِيمِ، وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَجْهَلَهُ؛ قُبِلَ
стр. 5153
مِنْهُ؛ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لَمْ يُقْبَلْ. انتهى باختصار.
مسألة [١٩]: من وطئ جارية غيره ؟
ذكر أهل العلم أنَّ من وطئ جارية غيره؛ فهو زانٍ وعليه الحد، سواء أذن له، أو لم يأذن؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣]. (١)
مسألة [٢٠]: إذا وطئ الأب جارية ولده ؟
• أكثر أهل العلم على أنه لا حدَّ عليه، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم؛ لأنه وطءٌ تمكنت الشبهة منه؛ فلا يجب الحد كوطء الجارية المشتركة، والدليل على تمكن الشبهة قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أنت ومالك لأبيك».
• وقال أبو ثور، وابن المنذر: عليه الحد؛ إلا أنْ يمنع منه إجماع؛ لأنه وطءٌ في غير ملك أشبه وطء جارية أبيه.
وأُجيب عنهم بما تقدم من وجود الشبهة ههنا، وليست موجودة في جارية الأب. (٢)
مسألة [٢١]: إذا وطئ الرجل جارية أبيه ؟
• عامة أهل العلم على أنه يُقام عليه الحد؛ لأنه لا ملك للولد فيها، ولا شبهة ملك.
• وذكر ابن أبي موسى الحنبلي قولًا في وطء جارية الأب والأم أنه لا يحد؛
стр. 5154
لأنه لا يقطع بسرقة ماله.
قال ابن قدامة ﵀: والأول أصح. اهـ (١)
مسألة [٢٢]: إذا وطئ الرجل جاريةَ امرأته ؟
• في هذه المسألة أقوال لأهل العلم:
القول الأول: إن كانت أذنت له؛ فيجلد مائة جلدة، أحصن أو لم يحصن، ولا رجم ولا تغريب. وهذا قول الحنابلة، واختاره ابن القيم.
واستدلوا على ذلك بحديث النعمان بن بشير ﵄ عند أبي داود (٤٤٥٨)، وأحمد (٤/ ٢٧٧)، وغيرهما أنه رفع إليه وهوأمير على الكوفة رجل وقع على جارية امرأته، فقال: لأقضينَّ فيك بقضية رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، إن كانت أحلتها لك؛ جلدناك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك؛ رجمناك بالحجارة؛ فوجدها أحلتها له، فجلده مائة. وهو حديث ضعيف؛ لأنه من طريق: قتادة عن حبيب بن سالم، ولم يسمعه منه، إنما سمعه من خالد بن عرفطة، وهو مجهول، وقد ضعفه البخاري، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم، وابن عدي، وفي الحديث اضطراب أيضًا. (٢)
القول الثاني: أنه يُعزَّر، ولا حدَّ عليه. وهو قول النخعي؛ لأنه يملك امرأته؛ فله شبهة في مملوكتها.
القول الثالث: أنه كوطء الأجنبية، أحلتها له أم لم تحلها له. وهو قول عطاء،
стр. 5155
وقتادة، والشافعي، ومالك؛ لأنه لا شبهة له فيها، فأشبه وطء جارية أخته، ولأنه إباحة لوطءِ محرَّمة عليه؛ فلم يكن شبهة كإباحة سائر الأملاك، وجاء هذا القول عن عمر وعلي ﵄ كما في «المصنفين» من طرقٍ ضعيفة لا بأس بتحسينهما بمجموعهما.
القول الرابع: إن كان يظن الحِلَّ؛ لم يحد، وإن لم يظن الحِلَّ؛ حُدَّ. وهو قول الحنفية، والذي يظهر أنَّ أصحاب المذهب الذي قبله لا يقولون بالحد في مثل هذه الصورة، والله أعلم.
القول الخامس: إن كان استكرهها؛ فعليه غرم مثلها، وتعتق، وإن كانت مطاوعة؛ فعليه غرم مثلها ويملكها. وهذا قول الحسن، وثبت عن ابن مسعود كما في «مصنف عبدالرزاق».
وجاء في ذلك حديثٌ مرفوعٌ، أخرجه أحمد (٥/ ٦) (٣/ ٤٧٦)، وأبوداود (٤٤٦٠)(٤٤٦١)، والنسائي (٦/ ١٢٥) وغيرهم، من حديث سلمة بن المحبق ﵁ أنَّ رسول الله قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها؛ فهي حرَّة، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كان طاوعته؛ فهي له وعليه لسيدتها مثلها.
وهو حديث ضعيف، في إسناده: قبيصة بن حريث، وهو مجهول، وقد ضعفه أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي، وابن المنذر، والخطابي، وغيرهم.
стр. 5156
والصحيح من هذه الأقوال هو القول الثالث، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٣]: من وطئ جارية عمته أو خالته أو أخته .
قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٢/ ٥٠١): حرم الله الزنا في كتابه، فالواطئ جارية عمته، أو خالته، أو أخته، أو جارية ذي محرم منه زانٍ عليه الحد. وهذا قول مالك بن أنس، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
قال: وقد كان اللازم لأصحاب الرأي أن يقولوا: لا حد على من وطئ جارية ذي رحم محرم منه؛ لأنهم زعموا أن لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم منه. وقد أوجب الله في كتابه جلد الزاني، وقطع السارق، والمفرق بينهما قائل بأنه تارك للقول بأخرى؛ لأن الله أوجب قطع السارق، وليس معه حجة في إسقاط القطع عنه إذا سرق من ذي رحم محرم منه. اهـ
مسألة [٢٤]: ما حكم من نكح خامسة على أربع في عصمته ؟
• قال جماعة من أهل العلم: يرجم إذا كان عالمًا بالتحريم، وهو قول الزهري، وأحمد، والشافعي، وابن المنذر.
• وقال أبو حنيفة، وأبو ثور: يدرأ الحد بشبهة النكاح. وقال الثوري: يعزر.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أرجح، والله أعلم. (٢)
стр. 5157
مسألة [٢٥]: هل يقام الحد على المكرهة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٤٧): وَلَا حَدَّ عَلَى مُكْرَهَةٍ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. اهـ
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فإذا كان الإكراه مانعًا من الكفر، فمن حد الزنى من باب أولى، وثبت عن عمر ﵁ أنه جلد رجلًا، ولم يجلد المرأة المستكرهة على ذلك. علقه البخاري في «صحيحه» (٦٩٤٩)، ووصله البغوي كما في «الفتح» و «التغليق».
مسألة [٢٦]: إذا أكره الرجل على الزنى، فزنى ؟
• من أهل العلم من قال: عليه الحد. وهو المشهور عند الحنابلة، وقال به محمد بن الحسن، وأبو ثور؛ وذلك لأنَّ الوطءَ لا يكون إلا بالانتشار، والإكراه ينافيه، فإذا وُجد الانتشار؛ انتفى الإكراه.
• وقال أبو حنيفة: إن أكرهه السلطان؛ فلا حد عليه، وإن أكرهه غيرُه؛ حُدَّ استحسانًا.
• وقال الشافعي، وابن المنذر: لا حدَّ عليه؛ لعموم الخبر، ولأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، والإكراه شبهة.
قال ابن قدامة ﵀: وَيُحَقِّقُهُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ إذَا كَانَ بِالتَّخْوِيفِ، أَوْ بِمَنْعِ مَا تَفُوتُ
стр. 5158
حَيَاتُهُ بِمَنْعِهِ، كَانَ الرَّجُلُ فِيهِ كَالْمَرْأَةِ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُمْ: (إنَّ التَّخْوِيفَ يُنَافِي الِانْتِشَارَ) لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ التَّخْوِيفَ بِتَرْكِ الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ لَا يُخَافُ مِنْهُ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. اهـ
ورجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [٢٧]: بِمَ يثبت الزنى ؟
ذكر أهل العلم أنَّ الزنى يثبت بأمرين:
أحدهما: إقرار الرجل، أو المرأة بذلك. الثاني: شهادة أربعة رجال عدول.
واختلفوا في أمرٍ ثالث، وهو: الحمل.
مسألة [٢٨]: هل يُشترط في إقرار المرء على نفسه بالزنى تكرار الإقرار ؟
• من أهل العلم من اشترط في الإقرار أن يقر على نفسه أربع مرات بذلك، وهو قول الحكم، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي، وأحمد وأصحابه.
واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وبحديث نعيم ابن هزال عند أبي داود (٤٣٧٧)، وفيه: حتى قالها أربع مرات، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنك قد قلتها أربع مرات، فبمن؟ ... » الحديث، وفي إسناده: هشام بن سعد، وفيه ضعف.
• وذكر جماعةٌ من أهل العلم أنه لا يشترط تكرارها، بل لو أقر على نفسه مرة
стр. 5159
واحدة؛ كفى ذلك.
واستدلوا بحديث العسيف: «واغدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها»، ورجم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الجهنية، وإنما أقرت مرة واحدة.
واستدلوا بحديث عمر ﵁ الذي في الباب: « ... ، أو كان الحبل، أو الاعتراف»، وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، والحسن، وحماد، وابن المنذر. وهذا القول هو الصحيح، وتكراره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لماعز بن مالك التقرير على سبيل التثبت لا على سبيل الاشتراط؛ جمعًا بين الأدلة والله أعلم. وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
تنبيه: يُشترط في صحة الإقرار أن يذكر حقيقة الفعل؛ لتزول الشبهة؛ لأنَّ الزنى يُعبِّرُ عمَّا ليس بموجب للحد، والدليل على ذلك حديث ابن عباس ﵄ الذي في الباب: «لعلك قبَّلت، أو غمزت، أو نظرت؟» قال: لا. قال: «أفنكتها؟» لا يكني. قال: نعم. فعند ذلك أمر برجمه. رواه البخاري. (٢)
مسألة [٢٩]: إذا أقر الرجل أنه زنى بامرأة، فأنكرت المرأة ذلك ؟
• مذهب أحمد، والشافعي أنه يُقام عليه الحد، ولا يُقام على المرأة؛ لأنَّ الرجل ثبت عليه باعترافه، ولم يثبت ذلك على المرأة بإقرارٍ، ولا بينة، وقد روى أبو داود (٤٤٣٧)(٤٤٦٦) عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أنَّ رجلًا أتاه، فأقر عنده
стр. 5160
أنه زنى بامرأة سماها له، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت، فجلده الحدَّ وتركها. وإسناده صحيح.
• وقال أبو حنيفة: لا يُقام على أحدهما الحد؛ لأنَّ المرأة صُدِّقت في إنكارها، فيحكم بكذبه.
وأُجيب عنه بأنه لم يحكم بصدقها، ولكن لا يُقام عليها الحد؛ لعدم ثبوته بإقرارٍ، أو بينة. (١)
مسألة [٣٠]: هل يُشترط في الإقرار أن يكون من معتبر قولُه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٥٧): أَمَّا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ فَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِهِمَا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَصِحَّةِ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ قَدْ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْهُمَا، وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِمَا.
ثم استدل بحديث: «رُفع القلم عن ثلاثة ... »، وبحديث الباب: «أبك جنون؟» قال: لا.
قال ﵀ (١٢/ ٣٥٨): فَإِنْ كَانَ يُجَنُّ مَرَّةً وَيُفِيقُ أُخْرَى، فَأَقَرَّ فِي إفَاقَتِهِ أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُفِيقٌ، أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ زَنَى فِي إفَاقَتِهِ؛ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. اهـ
قال: وَالنَّائِمُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ، فَلَوْ زَنَى بِنَائِمَةٍ، أَوْ اسْتَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ نَائِمٍ،
стр. 5161
أَوْ وُجِدَ مِنْهُ الزِّنَى حَالَ نَوْمِهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ. وَلَوْ أَقَرَّ فِي حَالِ نَوْمِهِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ وَلَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَدْلُولِهِ. اهـ
تنبيه: السكران إذا زنى ففيه خلاف تقدمت الإشارة إليه في طلاق السكران.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٥٩): وَأَمَّا الْأَخْرَسُ؛ فَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ إقْرَارٌ، وَإِنْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ إقْرَارُهُ بِغَيْرِ الزِّنَى صَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ كَالنَّاطِقِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُحَدُّ بِإِقْرَارٍ وَلَا بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَحْتَمِلُ مَا فُهِمَ مِنْهَا وَغَيْرُهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ؛ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا يَجِبُ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ لَا يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا وَلَا يُعْرَفُ كَوْنُهَا شُبْهَةً. اهـ
والصحيح القول الأول، والله أعلم.
مسألة [٣١]: هل يصح الإقرار ممن أُكرِهَ عليه ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٦٠): وَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ مِنْ الْمُكْرَهِ، فَلَوْ ضُرِبَ الرَّجُلُ لِيُقِرَّ بِالزِّنَا؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ الزِّنَا، وَلَا نَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ إقْرَارَ الْمُكْرَهِ لَا يَجِبُ بِهِ حَدٌّ. اهـ
стр. 5162
مسألة [٣٢]: إذا رجع عن إقراره قبل تمام الحد عليه ؟
• أكثر أهل العلم على أنه يصح رجوعه عن الإقرار، ويجب الكف عنه، وهو قول عطاء، ويحيى بن يعمر، والزهري، وحماد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة، وأبي يوسف وغيرهم.
واستدلوا على ذلك بأنه ثبت من طرقٍ أنَّ ماعزًا هَرَب، وقال: ردوني إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. فقتلوه. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هلا تركتموه وجئتموني به».
• وذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنه يُقام عليه الحد ولا يترك، وهو قول الحسن، وابن أبي ليلى، ومالك في رواية، وسعيد بن جبير.
واستدلوا بالحديث السابق، وقالوا: لو قُبِلَ رجوعُه؛ للزمتهم الدية، ولأنه حق وجب بإقراره؛ فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق، وهذا قول الظاهرية، واختاره ابن عثيمين.
وأجاب أصحاب القول الأول بأنَّ رجوعه أقل ما فيه أنه شبهة، والحدود تُدرأ بالشبهات؛ ولأنَّ الإقرار إحدى بينتي الحد، فيسقط بالرجوع عنه، كالبينة إذا رجعت قبل إقامة الحد، وفارق سائر الحقوق؛ فإنها لا تُدرأ بالشبهات.
قالوا: وإنما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هربه؛ لأنه ليس بصريح في الرجوع، وهذا القول فيما يظهر لي أقرب، والله أعلم.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٦٢): إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ إذَا هَرَبَ لَمْ
стр. 5163
يُتْبَعْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ»، وَإِنْ لَمْ يُتْرَكْ وَقُتِلَ، لَمْ يُضْمَنْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُضَمِّنْ مَاعِزًا مَنْ قَتَلَهُ؛ وَلِأَنَّ هَرَبَهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي رُجُوعِهِ. وَإِنْ قَالَ: رُدُّونِي إلَى الْحَاكِمِ. وَجَبَ رَدُّهُ، وَلَمْ يَجُزْ إتْمَامُ الْحَدِّ؛ فَإِنْ أُتِمَّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَتَمَّهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي هَرَبِهِ. وَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ، وَقَالَ: كَذَبْت فِي إقْرَارِي. أَوْ: رَجَعْت عَنْهُ. أَوْ: لَمْ أَفْعَلْ مَا أَقْرَرْت بِهِ. وَجَبَ تَرْكُهُ؛ فَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَجَبَ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ إقْرَارُهُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ، فَصَارَ كَمَنْ لَمْ يُقِرَّ، وَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلِهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ رُجُوعِهِ، فَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ مِمَّا يَخْفَى، فَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ. اهـ
فائدة: يستحب للإمام أن يراجع المعترف على اعترافه وإقراره كما فعل ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وصح عن عمر بن الخطاب ﵁ ذلك أيضًا كما في «موطإِ مالك» (٢/ ٨٢٣)، وثبت عن أبي هريرة ﵁ أنه راجع من أقرَّ على نفسه بالسرقة كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١٠/ ٢٣ - ٢٤).
الأمر الثاني مما يثبت به الزنى: شهادة أربعة رجال عدول.
شهادة الزنى لها شروط عند أهل العلم:
• الشرط الأول: أن يكونوا أربعة.
وهذا إجماع لا خلاف فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
стр. 5164
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، وقال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣]، ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء:١٥].
• الشرط الثاني: أن يكونوا رجالًا كلهم. ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال.
قال ابن قدامة ﵀: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا شَيْئًا يُرْوَى عَنْ عَطَاءٍ، وَحَمَّادٍ، أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَانِ. وَهُوَ شُذُوذٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْأَرْبَعَةِ اسْمٌ لِعَدَدِ الْمُذَكَّرِينَ، وَيَقْتَضِي أَنْ يُكْتَفَى فِيهِ بِأَرْبَعَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَرْبَعَةَ إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ نِسَاءً لَا يُكْتَفَى بِهِمْ، وَإِنَّ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ خَمْسَةٌ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ. اهـ
• الشرط الثالث: العدالة. ولا خلاف في اشتراطها؛ فلا تقبل شهادة الفاسق، ولا مستور الحال.
• الشرط الرابع: أن يكون الشهداء مسلمين.
فلا تقبل شهادة أهل الذمة، ولو على أنفسهم؛ لعدم تحقق العدالة فيهم.
• الشرط الخامس: أن يصفوا حقيقة الزنى، وصريحه.
وممن نصَّ على ذلك الزهري، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي وغيرهم. ولا خلاف في ذلك.
• الشرط السادس: العقل، والبلوغ. فلا يجوز شهادة مجنون، ولا صبي بلا خلاف.
стр. 5165
• الشرط السابع: أن لا يكون في أحدهم مانع من الشهادة، كالعمى ونحوه.
• الشرط الثامن: أن يشهد الأربعة على زنى واحد، بأن يكون وقته واحدًا. (١)
مسألة [٣٣]: هل يُشترط في الشاهد أن يكون حرًّا ؟
• اشترط الجمهور ذلك؛ لأن العبد مختلف في شهادته في سائر الحقوق، فيكون ذلك شبهة تمنع من قبول شهادته في الحد؛ لأنه يندرئ بالشبهات.
• وذهب أبو ثور، وأحمد في رواية إلى عدم اشتراط ذلك؛ لعموم النصوص فيه، ولأنه عدل، ذكر، مسلم، فتُقبل شهادته، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣٤]: هل يشترط في الشهود أن يأتوا الحاكم في مجلس واحد ؟
• اشترط ذلك جماعةٌ من أهل العلم، فلو شهد بعضهم في هذا المجلس، وجاء الآخرون بعد أن قام من مجلسه؛ لم تصح الشهادة، وكانوا قذفة. وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد.
واستدلوا على ذلك بأنَّ عمر ﵁ أقام حد القذف على ثلاثةٍ شهدوا على المغيرة بالزنى، ولو كان يُجزئ اختلاف المجالس؛ لانتظر تكملة الأربعة في مجالس أخرى.
• وذهب الشافعي، وعثمان البتي، وابن المنذر إلى عدم اشتراط ذلك؛ لعدم
стр. 5166
وجود دليل يدل عليه.
وهذا القول هو الصحيح، وفعل عمر لا يدل على اشتراط ذلك لمن تأمل، وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀.
تنبيه: الحنفية يشترطون أيضًا حضورهم جميعًا وقت الشهادة، ولا دليل على ذلك، وهو مذهب مالك أيضًا. (١)
مسألة [٣٥]: إذا شهد أقل من أربعة، ولم يوجد من يكمل العدد ؟
• أكثر أهل العلم على أنهم يجلدون حدَّ القذف.
• وحُكي عن أحمد رواية، وعن الشافعي قولٌ أنهم لا يجلدون؛ لأنهم شهود.
والصحيح ما تقدم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] وهذا يوجب الجلد على كل رامٍ لم يشهد بم قال أربعة وقد فعل ذلك عمر ولم ينكر ذلك عليه أحدٌ. (٢)
مسألة [٣٦]: إذا اختلف وقت الزنى، أو مكانه من الشهود ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٦٩): وَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ، أَوْ شَهِدَ كُلُّ اثْنَيْنِ عَلَيْهِ بِالزِّنَا فِي بَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي شَهِدَ بِهِ صَاحِبَاهُمَا، أَوْ اخْتَلَفُوا فِي الْيَوْمِ؛ فَالْجَمِيعُ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمْ
стр. 5167
الْحَدُّ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ من الحنابلة أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَلُوا أَرْبَعَةً. وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ أَرْبَعَةٌ عَلَى زِنًا وَاحِدٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِالشَّهَادَةِ اثْنَانِ وَحْدَهُمَا، فَأَمَّا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ؛ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
قال: وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَحَكَى قَوْلًا لِأَحْمَدَ؛ وَهَذَا بَعِيدٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ زِنى وَاحِدٍ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ؛ وَلِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْبَيِّنَةُ، يُعْتَبَرُ كَمَالُهَا فِي حَقِّ وَاحِدٍ. اهـ.
مسألة [٣٧]: إذا اختلف الشهود في بعض الأوصاف ؟
كأن يقول اثنان: كان عليه قميص أحمر.
وقال الآخران: عليه ثوب أبيض.
• فمذهب الشافعي عدم قبول الشهادة.
• ومذهب الحنابلة قبولها؛ لاحتمال أن يكون عليه قميصان، أو يكون عليه أحدهما، وعلى المرأة الآخر.
وكأن يقول اثنان منهما: كان الزنى في الزاوية اليمنى من البيت.
وقال الآخران: في الزاوية اليسرى من البيت.
• فمذهب الشافعي عدم قبول الشهادة.
• ومذهب الحنابلة، والحنفية قبول الشهادة إذا تقاربت الزاويتان، وعدم
стр. 5168
قبولها إذا تباعدت الزاويتان. (١)
مسألة [٣٨]: إن شهد الشهداء بزنى قديم ؟
• مذهب الجمهور أنه يجب الحد، وإن كان الزنى قديمًا، وهو قول مالك، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، ومثله الإقرار.
• وقال أبو حنيفة: لا أقبل بينة على زنى قديم، وأحده بالإقرار به. وحُكي قولًا عن أحمد؛ لما رُوي عن عمر أنه قال: أيما شهود شهدوا بحدٍّ لم يشهدوا بحضرته، فإنما هم شهود ضغن (٢). ولأنَّ تأخيره تهمة.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣): وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ، وَأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ عَلَى الْفَوْرِ، فَيَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. وَالْحَدِيثُ -لعله يعني الأثر- رَوَاهُ الْحَسَنُ مُرْسَلًا، وَمَرَاسِيلُ الْحَسَنِ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ، وَالتَّأْخِيرُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ أَوَغَيْبَةً، وَالْحَدُّ لَا يَسْقُطُ بِمُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ سَقَطَ بِكُلِّ احْتِمَالٍ لَمْ يَجِبْ حَدٌّ أَصْلًا. اهـ «الأوسط» (١٢/ ٢٩٠).
مسألة [٣٩]: إن شهد أربعة بالزنى، وشهد نساء ثقات بوجود البكارة ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ المرأة لا تحد؛ لوجود البكارة التي وجودها يمنع من وجود الزنى ظاهرًا، وقالوا: لا يحد الشهود أيضًا؛ لكمال عدتهم مع احتمال صدقهم؛ فإنه يحتمل أن يكون وَطِئها ولم تذهب بكارتها، فيوجد من النساء من
стр. 5169
لا تذهب بكارتها مع الجماع. وهذا قول الشعبي، والثوري، وأحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
• وقال مالك: عليها الحد؛ لأنَّ شهادة النساء لا مدخل لها في الحدود.
وأُجيب عنه بأن شهادتهن ههنا على وجود البكارة، وذلك يثبت بشهادة النساء؛ فإنه مما لا يطلع عليه الرجال. (١)
مسألة [٤٠]: إذا كان الرجل المشهود عليه بالزنى مجبوبًا ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٧٥): وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الرَّجُلَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مَجْبُوبٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُ يُتَيَقَّنُ كَذِبُهُمْ فِي شَهَادَتِهِمْ بِأَمْرٍ لَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ. اهـ
مسألة [٤١]: هل للإمام أن يقيم الحد بعلمه ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ الإمام ليس له أن يقيم الحد بعلمه، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي في قول، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الأدلة جاءت بأنه لا يثبت إلا بالإقرار، أو أربعة شهداء، أو وجود الحمل عند بعض أهل العلم.
• وذهب أبو ثور، والشافعي في قولٍ إلى أنَّ له ذلك؛ لأنَّ إقامته بالبينة موضع ظن، وهذا موضع علم؛ لأنه قد رأى بنفسه.
والصحيح القول الأول، والله أعلم. (٢)
стр. 5170
الأمر الثالث مما يثبت به الزنى: الحمل.
اختلف أهل العلم في المرأة توجد حاملًا لا زوج لها، ولا سيد، هل يلزمها الحد بذلك؟
• فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يلزمها الحد إلا أن تعترف؛ لاحتمال أنها أكرهت، أو وطئت بشبهة، أو دبَّ ماءٌ إلى فرجها بفعلها، أو فعل غيرها. وهذا قول الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة.
• وذهب مالك ﵀ إلى ثبوت الزنى به؛ مالم تَدَّعِ المرأة أمرًا ممكنًا من الإكراه، أو شبهة، أو ما أشبه ذلك.
وهو قول عمر بن الخطاب ﵁، وهذا قولٌ في مذهب أحمد، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٣٤): وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة، وهو مذهب أهل المدينة؛ فإنَّ الاحتمالات النادرة لا يُلتفت إليها، كاحتمال كذبها، وكذب الشهود. اهـ
قلتُ: ما رجحه هذان الإمامان هو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [٤٢]: المرأة العفيفة تحمل من غير زوج .
في «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٤٠٩) عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: بلغ عمر أن امرأة متعبدة حملت. فقال عمر: أراها قامت
стр. 5171
من الليل تصلي فخشعت، فسجدت، فأتاها غاوٍ من الغواة فتجشمها. فأتته فحدثته بذلك سواء، فخلَّى سبيلها. إسناده صحيح.
ويستفاد من هذا الأثر أن الحبل لا يثبت به الزنا إذا ادَّعت المرأة فيه أمرًا محتملًا.
مسألة [٤٣]: إذا وجد الرجل مع المرأة تحت لحاف واحد، فهل يثبت بذلك الزنا ؟
• ثبت عن علي بن أبي طالب ﵁ بإسناد صحيح كما في «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٤٠١) أنه عزَّر من صنع ذلك، وروي عن عمر، وابن مسعود ﵄، عنده بإسناد منقطع. وهذا قول عطاء، والثوري، ومالك، وأحمد.
• وقال إسحاق: يضربا مائة مائة. وجاء ذلك عن علي، وعمر ﵄، كما في «مصنف عبدالرزاق» بإسنادين منقطعين، ولا يثبت عنهما.
قلتُ: الصحيح أنَّ في ذلك التعزير. (١)
مسألة [٤٤]: من زنى مرارًا فكم يُحد ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٨١): مَا يُوجِبُ الْحَدَّ مِنْ الزِّنَى، وَالسَّرِقَةِ، وَالْقَذْفِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، إذَا تَكَرَّرَ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ؛ أَجْزَأَ حَدٌّ وَاحِدٌ. بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ
١٢٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. (١)
١٢١٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد. وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حد الزاني من العبيد والإماء .
• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أنَّ حدَّهما خمسون جلدة، ذكرًا أو أنثى، محصنًا أو غير محصنٍ، وهذا قول الجمهور، منهم: الحسن، والنخعي، ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]، والرجم لا ينصف؛ فَعُلِم أنَّ المقصود
стр. 5174
الجلد، وإذا كان هذا في المحصنة، فغير المحصنة أولى، وقاسوا العبد عليها بجامع الرق، وقد جاء هذا القول عن عمر، وعلي ﵄، وفي إسناد كل واحد من الأثرين مجهول الحال، وجاء عن ابن مسعود أيضًا من طريق ولده: عبيدة، ولم يسمع منه.
القول الثاني: إن كانا مزوجين؛ فعليهما نصف الحد، ولا حدَّ على غير المزوجين، صحَّ هذا القول عن ابن عباس ﵄، وقال به طاوس، وأبو عبيد.
وأُجيب عن هذا القول بحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب: «إذا زنت أمة أحدكم ... »؛ فإنه عامٌّ يشمل المتزوجة وغير المتزوجة.
القول الثالث: على الأمة المزوجة نصف الحد، وعلى العبد الحدُّ كاملًا مائة جلدة، وفي غير المزوجة قولان:
أحدهما: لا حد عليها.
والثاني: جلد مائة. وهذا قول داود الظاهري.
القول الرابع: قال أبو ثور: إذا لم يحصنا بالتزويج؛ فعليهما نصف الحد، وإن أحصنا؛ فعليهما الرجم.
وهذا قول مخالف للآية: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية.
وأقرب هذه الأقوال هو القول الأول، والله أعلم. (١)
стр. 5175
مسألة [٢]: تغريب العبيد والإماء .
• أكثر الفقهاء على عدم تغريبهم، وهو قول الحسن، وحماد، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في قول.
واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم؛ فإنه ذكر الجلد، ولم يذكر التغريب، و حديث عبادة ظاهره في الأحرار؛ لقوله: «جلد مائة»، ولأنَّ في تغريبه إضرارًا بالسيد.
• وذهب الثوري، وأبو ثور، والشافعي في قول إلى أنه يغرَّب نصف عام؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]، وثبت النفي بدون تحديد عن عمر، وابن عمر، وابن مسعود ﵃، واستدلوا على ذلك بعموم حديث عبادة، وبفعل الصحابة المذكورين. والذي يظهر لي أنَّ القول الأول أقرب؛ لما ذكرناه، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إقامة السيد على عبده، أو أمته الحد ؟
• عامة أهل العلم على أنَّ للسيد أن يقيم الحد على مملوكه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وكذا أثر علي ﵁.
• وخالف الحنفية، فقالوا: إنما ذلك للسلطان.
والصحيح قول الجمهور، واشترط الجمهور أن يكون السيد عنده معرفة بكيفية
стр. 5176
إثبات الزنى، وبكيفية إقامة الحد، وأن يكون عاقلًا، بالغًا، غير مشترك في العبد مع غيره. (١)
مسألة [٤]: هل للسيد أن يعفوَ عن الحد ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٣٤): وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنْ عَبْدِهِ؛ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا الْحَسَنَ، قَالَ: يَصِحُّ عَفْوُهُ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لله تَعَالَى، فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ سَيِّدِهِ، كَالْعِبَادَاتِ، وَكَالْحُرِّ إذَا عَفَا عَنْهُ الْإِمَامُ. اهـ
١٢١٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ قَالَ: رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، وَرَجُلًا مِنَ اليَهُودِ وَامْرَأَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
١٢١٣ - وَقِصَّةُ [رَجْمِ] اليَهُودِيَّيْنِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. (٢)
الحكم المستفاد من الحديثين
يستفاد من الحديثين أن حدَّ المحصن هو الرجم، وأن المحصن يكتفى فيه بالرجم، ولا يجمع في حقه الجلد مع الرجم، وأن هذا الحكم يشمل أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه المسائل، وذكر مذاهب العلماء في ذلك.
معتدل الحر والبرد؛ فإنه يجلد، ولا يجرد، ولا يقيد، وقال أبو حنيفة: يجرد عن الثياب.
قال: دليلنا ما رُوي عن ابن مسعود أنه قال: ليس في هذه الأمة مدٌّ، ولا تجريد، ولا غل، ولا صفد. ولا مخالف له في الصحابة. اهـ
قلتُ: أثر ابن مسعود أخرجه عبدالرزاق (١٣٥٢٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/ ٣٢٦)، وفي إسناده: جويبر، وهو متروك.
• والقول بعدم التجريد هو مذهب الحنابلة أيضًا، ومذهب مالك التجريد؛ لأنَّ الأمر بجلده يقتضي مباشرة جسمه.
وأُجيب بأنَّ التجريد لم يأمر الله به، ولا رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا نُقل عن أحد من الصحابة ذلك، ومن جُلِدَ من فوق الثوب فقد جُلِد. (١)
وأما التقييد، والتمديد؛ فلا يُفعَل به ذلك.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٥٠٨): ولا نعلم عنهم في هذا خلافًا. اهـ
• وَيُفَرَّقُ الضرب على جميع الجسد؛ ليأخذ كل عضو منه حصته، ويُكثر منه في مواضع اللحم كالأليتين، والفخذين، ويُتَّقَى المقاتل كالرأس، والوجه، والذكر، والخصيتين، والفرج من المرأة. هذا مذهب الحنابلة، والشافعية.
стр. 5182
• وقال مالك: يُضرب الظهر وما يقاربه.
• وقال أبو يوسف، وبعض الشافعية: يُضرب الرأس أيضًا.
والصحيح ما تقدم؛ لقول علي ﵁: اضرب، واعط كل عضو حقَّه، واتق وجهه، ومذاكيره. أخرجه عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، والبيهقي، وفي إسناده: محمد بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ. وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ عند المذكورين أنه قال: اضرب، ولا يُرى إبطك، واعط كل عضو حقَّه.
وأما استثناء الرأس؛ فلأنه لا يؤمن أن يسري ذلك على حواسه، أو نفسه.
• ويضرب الرجل قائمًا في مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنَّ في قيامه وسيلة لإعطاء كل عضو حظَّه من الضرب.
• وقال مالك: يُضرب جالسًا. وحُكي عن أحمد؛ لأنَّ الله تعالى لم يأمر بالقيام.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأمر في هذا واسع، ويضربه على الحال التي هي أيسر عليه، وإن احتاج إلى ضرب المواضع التي لا تظهر إلا بالقيام؛ أقامه، والأقرب ضربه قائمًا، والله أعلم.
• وأمَّا المرأة؛ فإنها تجلد جالسة عند الجمهور.
• وخالف ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، فقالا: تجلد قائمةً كالرجل.
والصحيح قول الجمهور؛ لأنَّ ذلك أستر لها، وتشد على المرأة ثيابها؛ لئلا
стр. 5183
ينكشف بدنها.
ويُضرب بسوط بين سوطين، لا جديد؛ فيجرح، ولا يابس؛ فلا يؤلم، ويضرب ضربًا بين ضربين؛ فلا يرفع الجلاد يده حتى يُرى بياض أبطيه، ولا يضعها وضعًا يسيرًا، ولكن يرفع ذراعه ويضرب؛ لما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ عند عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، والبيهقي أنه أُتِي برجل يقيم عليه الحد، فأُتي بسوط فيه شدة، فقال: أريد ألين من هذا. ثم أُتي بسوط فيه لين، فقال: أريد أشد من هذا. فأُتي بسوط بين السوطين، فقال: اضرب، ولا يُرى إبطك، واعط كل عضوٍ حقَّه. ولا يُعلم له مخالف في ذلك. (١)
فائدة: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٥١١): أَشَدُّ الضَّرْبِ فِي الْحَدِّ ضَرْبُ الزَّانِي، ثُمَّ حَدُّ الْقَذْفِ، ثُمَّ حَدُّ الشُّرْبِ، ثُمَّ التَّعْزِيرُ. وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّهَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِجَلْدِ الزَّانِي وَالْقَاذِفِ أَمْرًا وَاحِدًا، وَمَقْصُودُ جَمِيعِهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الزَّجْرُ؛ فَيَجِبُ تَسَاوِيهَا فِي الصِّفَةِ.
قال: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: التَّعْزِيرُ أَشَدُّهَا، ثُمَّ حَدُّ الزَّانِي، ثُمَّ حَدُّ الشُّرْبِ، ثُمَّ حَدُّ الْقَذْفِ.
قال: وَلَنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّ الزَّانِيَ بِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢]، فَاقْتَضَى ذَلِكَ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ فِيهِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ،
стр. 5184
فَتَعَيَّنَ جَعْلُهُ فِي الصِّفَةِ؛ وَلِأَنَّ مَا دُونَهُ أَخَفُّ مِنْهُ عَدَدًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ فِي إيلَامِهِ وَوَجَعِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، أَوْ زِيَادَةِ الْقَلِيلِ عَلَى أَلَمِ الْكَثِيرِ. اهـ
ورجَّح الشوكاني ﵀ قول مالك كما في «السيل» (ص ٨٤٥)، وهو الأقرب، والله أعلم.
مسألة [٢]: إذا كان الزاني مريضًا ؟
• إذا كان المرض مرضًا يُرجى برؤه، ففيه قولان:
الأول: يُجلد الحد، ولا يؤخر. وهو قول إسحاق، وأبي ثور، وجماعة من الحنابلة؛ لأنه نُقل عن عمر ﵁ أنه أقام حد الشرب على قدامة بن مظعون وهو مريض؛ ولأنَّ الحدَّ واجبٌ؛ فلا يؤخر ما أوجبه الله بغير حجة.
الثاني: يؤخر الحد حتى يبرأ من مرضه. وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وجماعة من الحنابلة. واستدلوا بحديث علي ﵁ في «صحيح مسلم» (١٧٠٥) أنَّ أمةً لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: «أحسنت». ولأنَّ في تأخيره إقامة الحد على الكمال من غير إتلاف؛ فكان أولى.
وأما حديث عمر ﵁ في جلد قدامة؛ فإنه إن صح ذلك يحتمل أن يكون مرضًا خفيفًا لا يمنع من إقامة الحد على الكمال، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.
стр. 5185
وأما إذا كان المرض مرضًا لا يُرجَى برؤه:
• فمذهب الحنابلة، والشافعية أنه يُقام عليه الحد في الحال، ولا يؤخر، بسوط يؤمن معه التلف، كالقضيب الصغير، وشمراخ النخل؛ فإن خيف عليه من ذلك؛ جمع ضِغثٌ فيه مائة شمراخ، فيضرب به ضربة واحدة. واستدلوا بحديث الباب، وقالوا: هذا أولى من ترك الضرب.
• وأنكر مالك ذلك، فقال: هذه جلدة واحدة، وقد قال تعالى: ﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢].
وأُجيب بأنه تعذر الجلد مائة، ويجوز أن يُقام الجلد بالضغث، والعثكال في حال العذر مقام المائة، كما قال الله تعالى في حق أيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص:٤٤]، وكما في حديث الباب، وهذا أولى من تَرْكِ حَدِّهِ بالكلية، أو قتله بما لا يوجب القتل. (١)
مسألة [٣]: هل يحفر للمرجوم في حد الزنى ؟
في «صحيح مسلم» (١٦٩٥) عن بريدة ﵁، في قصة ماعز بن مالك ﵁، قال فيه: «فلما كان الرابعة -يعني الإقرار على نفسه- حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم». وهذه الرواية من طريق بشير بن المهاجر، وفي حفظه شيء، وقد أخرج مسلم حديث بريدة ﵁ من وجهٍ آخر أصح منه، وليس فيه ذكر الحفر.