معتدل الحر والبرد؛ فإنه يجلد، ولا يجرد، ولا يقيد، وقال أبو حنيفة: يجرد عن الثياب.
قال: دليلنا ما رُوي عن ابن مسعود أنه قال: ليس في هذه الأمة مدٌّ، ولا تجريد، ولا غل، ولا صفد. ولا مخالف له في الصحابة. اهـ
قلتُ: أثر ابن مسعود أخرجه عبدالرزاق (١٣٥٢٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/ ٣٢٦)، وفي إسناده: جويبر، وهو متروك.
• والقول بعدم التجريد هو مذهب الحنابلة أيضًا، ومذهب مالك التجريد؛ لأنَّ الأمر بجلده يقتضي مباشرة جسمه.
وأُجيب بأنَّ التجريد لم يأمر الله به، ولا رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا نُقل عن أحد من الصحابة ذلك، ومن جُلِدَ من فوق الثوب فقد جُلِد. (١)
وأما التقييد، والتمديد؛ فلا يُفعَل به ذلك.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٥٠٨): ولا نعلم عنهم في هذا خلافًا. اهـ
• وَيُفَرَّقُ الضرب على جميع الجسد؛ ليأخذ كل عضو منه حصته، ويُكثر منه في مواضع اللحم كالأليتين، والفخذين، ويُتَّقَى المقاتل كالرأس، والوجه، والذكر، والخصيتين، والفرج من المرأة. هذا مذهب الحنابلة، والشافعية.
стр. 5182
• وقال مالك: يُضرب الظهر وما يقاربه.
• وقال أبو يوسف، وبعض الشافعية: يُضرب الرأس أيضًا.
والصحيح ما تقدم؛ لقول علي ﵁: اضرب، واعط كل عضو حقَّه، واتق وجهه، ومذاكيره. أخرجه عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، والبيهقي، وفي إسناده: محمد بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ. وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ عند المذكورين أنه قال: اضرب، ولا يُرى إبطك، واعط كل عضو حقَّه.
وأما استثناء الرأس؛ فلأنه لا يؤمن أن يسري ذلك على حواسه، أو نفسه.
• ويضرب الرجل قائمًا في مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنَّ في قيامه وسيلة لإعطاء كل عضو حظَّه من الضرب.
• وقال مالك: يُضرب جالسًا. وحُكي عن أحمد؛ لأنَّ الله تعالى لم يأمر بالقيام.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأمر في هذا واسع، ويضربه على الحال التي هي أيسر عليه، وإن احتاج إلى ضرب المواضع التي لا تظهر إلا بالقيام؛ أقامه، والأقرب ضربه قائمًا، والله أعلم.
• وأمَّا المرأة؛ فإنها تجلد جالسة عند الجمهور.
• وخالف ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، فقالا: تجلد قائمةً كالرجل.
والصحيح قول الجمهور؛ لأنَّ ذلك أستر لها، وتشد على المرأة ثيابها؛ لئلا
стр. 5183
ينكشف بدنها.
ويُضرب بسوط بين سوطين، لا جديد؛ فيجرح، ولا يابس؛ فلا يؤلم، ويضرب ضربًا بين ضربين؛ فلا يرفع الجلاد يده حتى يُرى بياض أبطيه، ولا يضعها وضعًا يسيرًا، ولكن يرفع ذراعه ويضرب؛ لما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ عند عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، والبيهقي أنه أُتِي برجل يقيم عليه الحد، فأُتي بسوط فيه شدة، فقال: أريد ألين من هذا. ثم أُتي بسوط فيه لين، فقال: أريد أشد من هذا. فأُتي بسوط بين السوطين، فقال: اضرب، ولا يُرى إبطك، واعط كل عضوٍ حقَّه. ولا يُعلم له مخالف في ذلك. (١)
فائدة: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٥١١): أَشَدُّ الضَّرْبِ فِي الْحَدِّ ضَرْبُ الزَّانِي، ثُمَّ حَدُّ الْقَذْفِ، ثُمَّ حَدُّ الشُّرْبِ، ثُمَّ التَّعْزِيرُ. وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّهَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِجَلْدِ الزَّانِي وَالْقَاذِفِ أَمْرًا وَاحِدًا، وَمَقْصُودُ جَمِيعِهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الزَّجْرُ؛ فَيَجِبُ تَسَاوِيهَا فِي الصِّفَةِ.
قال: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: التَّعْزِيرُ أَشَدُّهَا، ثُمَّ حَدُّ الزَّانِي، ثُمَّ حَدُّ الشُّرْبِ، ثُمَّ حَدُّ الْقَذْفِ.
قال: وَلَنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّ الزَّانِيَ بِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢]، فَاقْتَضَى ذَلِكَ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ فِيهِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ،
стр. 5184
فَتَعَيَّنَ جَعْلُهُ فِي الصِّفَةِ؛ وَلِأَنَّ مَا دُونَهُ أَخَفُّ مِنْهُ عَدَدًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ فِي إيلَامِهِ وَوَجَعِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، أَوْ زِيَادَةِ الْقَلِيلِ عَلَى أَلَمِ الْكَثِيرِ. اهـ
ورجَّح الشوكاني ﵀ قول مالك كما في «السيل» (ص ٨٤٥)، وهو الأقرب، والله أعلم.
مسألة [٢]: إذا كان الزاني مريضًا ؟
• إذا كان المرض مرضًا يُرجى برؤه، ففيه قولان:
الأول: يُجلد الحد، ولا يؤخر. وهو قول إسحاق، وأبي ثور، وجماعة من الحنابلة؛ لأنه نُقل عن عمر ﵁ أنه أقام حد الشرب على قدامة بن مظعون وهو مريض؛ ولأنَّ الحدَّ واجبٌ؛ فلا يؤخر ما أوجبه الله بغير حجة.
الثاني: يؤخر الحد حتى يبرأ من مرضه. وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وجماعة من الحنابلة. واستدلوا بحديث علي ﵁ في «صحيح مسلم» (١٧٠٥) أنَّ أمةً لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: «أحسنت». ولأنَّ في تأخيره إقامة الحد على الكمال من غير إتلاف؛ فكان أولى.
وأما حديث عمر ﵁ في جلد قدامة؛ فإنه إن صح ذلك يحتمل أن يكون مرضًا خفيفًا لا يمنع من إقامة الحد على الكمال، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.
стр. 5185
وأما إذا كان المرض مرضًا لا يُرجَى برؤه:
• فمذهب الحنابلة، والشافعية أنه يُقام عليه الحد في الحال، ولا يؤخر، بسوط يؤمن معه التلف، كالقضيب الصغير، وشمراخ النخل؛ فإن خيف عليه من ذلك؛ جمع ضِغثٌ فيه مائة شمراخ، فيضرب به ضربة واحدة. واستدلوا بحديث الباب، وقالوا: هذا أولى من ترك الضرب.
• وأنكر مالك ذلك، فقال: هذه جلدة واحدة، وقد قال تعالى: ﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢].
وأُجيب بأنه تعذر الجلد مائة، ويجوز أن يُقام الجلد بالضغث، والعثكال في حال العذر مقام المائة، كما قال الله تعالى في حق أيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص:٤٤]، وكما في حديث الباب، وهذا أولى من تَرْكِ حَدِّهِ بالكلية، أو قتله بما لا يوجب القتل. (١)
مسألة [٣]: هل يحفر للمرجوم في حد الزنى ؟
في «صحيح مسلم» (١٦٩٥) عن بريدة ﵁، في قصة ماعز بن مالك ﵁، قال فيه: «فلما كان الرابعة -يعني الإقرار على نفسه- حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم». وهذه الرواية من طريق بشير بن المهاجر، وفي حفظه شيء، وقد أخرج مسلم حديث بريدة ﵁ من وجهٍ آخر أصح منه، وليس فيه ذكر الحفر.
стр. 5186
وجميع الأحاديث الأخرى التي فيها ذكر قصة ماعز بن مالك ﵁، لم يقع فيها أنه حفر له حفرة، بل في صحيح مسلم (١٦٩٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁، في هذه القصة، قال: «فما أوثقناه، ولا حفرنا له».
وفي صحيح مسلم (١٦٩٥) عن بريدة ﵁ في قصة الغامدية التي زنت، قال: «ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها».
وثبت عن علي ﵁ أنه رجم امرأة فحفر لها. أخرجه ابن المنذر من طريقين يحسن بهما.
وعلى ما تقدم ذكره من الأدلة فالصحيح في هذه المسألة قول من قال: إنه يحفر للمرأة، وأما الرجل فيرجم بدون حفر، وهو قول بعض الشافعية، والحنابلة. وليس معناه عدم مشروعية الحفر للرجل.
• وذهب بعض أهل العلم إلى عدم الحفر مطلقًا، وهو المشهور في مذهب الشافعي، وقال به أحمد، وأصحاب الرأي.
• وذهب بعض أهل العلم إلى الحفر للرجل والمرأة، وهو قول قتادة، وأبي ثور. (١)
стр. 5187
١٢١٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ، وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا البَهِيمَةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إلَّا أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: بيان معنى اللواط، وحَدِّه .
اللواط لغة: مصدر من لاط، والأصل في هذه المادة بمعنى الإلصاق. ويقال: لاط، ولاوط، أي: عَمِل عَمَلَ قوم لوط.
стр. 5188
وعند الفقهاء: هو إيلاج الرجل ذكره في دبر الرجل. وألحق بعضهم دبر المرأة.
وأما حدُّ اللواط: فعامة الفقهاء على أنَّ الفاعل والمفعول به كلاهما يُقتل.
قال ابن القيم ﵀: الصحابة ﵃ متفقون على قتل اللوطي، وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فظن بعض الناس أنهم متنازعون في قتله، ولا نزاع بينهم فيه؛ إلا في إلحاقه بالزاني، أو قتله مطلقًا.
وقال أيضًا: قال ابن القصار، وشيخنا: أجمعت الصحابة ﵃ على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله.
وقال أيضًا: أطبق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله، لم يختلف منهم رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أنَّ ذلك اختلاف منهم في قتله، فحكاها مسألةَ نزاع بين الصحابة ﵃، وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع. اهـ (١)
وقد اختلف الفقهاء في حد اللواط:
• فمنهم من جعل حدَّه القتل، محصنًا كان أم غير محصن، وهذا قول ربيعة، ومالك، وإسحاق، وأحمد في أصح الروايتين عنه، والشافعي في أحد قوليه، وهذا هو المنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم، ثبت ذلك عن ابن عباس، وعلي
стр. 5189
-﵃، ونُقل عن أبي بكر بسند منقطع.
واستدل هؤلاء بحديث الباب، وبِفُتيا الصحابة المذكورين، قالوا: ولا يعلم لهم مخالف.
• وذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى أنَّ عقوبته كعقوبة الزاني، إن كان محصنًا؛ فيُرجم، وإن كان غير محصنٍ؛ فالجلد والتغريب، وهذا قول سعيد بن المسيب، ومجاهد، والزهري، وعطاء، والحسن، والنخعي، وقتادة، والأوزاعي، وهو القول الثاني للشافعي، وهو الأشهر عنه، وقال به أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور.
واستدلوا على ذلك بحديث أبي موسى ﵁: «إذا أتى الرجلُ الرجلَ؛ فهما زانيان» أخرجه البيهقي، وفي إسناده: محمد بن عبدالرحمن القشيري، وهو كذاب، وله إسناد آخر عند الطيالسي وفي إسناده: بشر بن المفضل البجلي، وهو مجهول.
وقالوا: يُقاس حد اللواط على الزاني بجامع الإيلاج في فرج محرم، ونُقل هذا القول عن ابن الزبير، وفي إسناده: اليمان بن المغيرة، شديد الضعف.
• وذهب الحكم، وأبو حنيفة إلى أنه يُعزَّر ولا حدَّ عليه. قال الحنفية: إذا أكثر من اللواط؛ فللحاكم تعزيره بالقتل.
قال أبو عبد الله غفر الله له: ليس في المسألة إجماع للصحابة في قتله؛ لما علمت من ضعف الإسناد في ذلك عن أبي بكر، ولم يثبت في ذلك إلا فتيا عن ابن
стр. 5190
عباس في قتله، وإن كان بكرًا، وقضاء من علي في قتل لوطي، ولم ينقل أنه كان بكرًا، ولو كان في المسألة إجماع من الصحابة لما وسع التابعين ومن بعدهم من الأئمة خلاف في ذلك.
والذي يظهر لي أنَّ الصواب أن حكمه كحكم الزاني؛ فإن كان محصنًا رُجِم، وإن كان بكرًا جُلِد وغُرِّب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: الشهود على اللواط وغيره .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٧٥): وَكُلُّ زِنًى أَوْجَبَ الْحَدَّ؛ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا أَرْبَعَةُ شُهُودٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ لِتَنَاوُلِ النَّصِّ لَهُ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، وَيَدْخُلُ فِيهِ اللِّوَاطُ، وَوَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا؛ لِأَنَّهُ زِنًى، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ. اهـ
مسألة [٣]: السِّحاق .
ومعنى السِّحاق: إتيان المرأةِ المرأةَ بأن تستبطن كل واحدة منهما الأخرى، ويتدالكان.
وهذا العمل محرم عند أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥]، وفي «سنن البيهقي» (٨/ ٢٣٣) من حديث أبي موسى أنَّ
стр. 5191
رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وإذا أتت المرأة المرأةَ؛ فهما زانيتان» وهذا الحديث في إسناده محمد بن عبدالرحمن القشيري، وهو كذاب.
• والذي عليه أكثر أهل العلم أنَّ ذلك ليس فيه الحد، و للحاكم أن يعزر من فعل ذلك.
• ونُقل عن مالك أنه جعل في ذلك الحد: جلد مائة. وهذا غير صحيح؛ لأنها مباشرة لا إيلاج فيها، فذلك كما لو باشر رجلٌ امرأةً فيما دون الفرج. (١)
مسألة [٤]: من أتى بهيمةً ؟
يحرم إتيان البهيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧].
واختلف أهل العلم فيما يستحقه من فعل ذلك:
• فأكثر أهل العلم على أنه ليس فيه حدٌّ، وإنما فيه التعزير، وهو قول عطاء، والشعبي، والنخعي، والحكم، وأصحاب المذاهب الأربعة، والثوري وغيرهم، وثبت هذا القول عن ابن عباس ﵄ بإسناد حسن عند ابن أبي شيبة (١٠/ ٥).
• وقال بعضهم: يقتل. وهو قول أبي سلمة بن عبدالرحمن، وبعض الشافعية؛ لحديث الباب.
стр. 5192
• وعن أحمد: حكمه حكم اللائط.
• وقال الحسن: عليه حد الزنى.
والصحيح هو القول الأول؛ لضعف حديث الباب، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: هل تقتل البهيمة ؟
• مذهب الحنابلة، وجماعة من الشافعية أنها تقتل، وهو قول أبي سلمة بن عبدالرحمن؛ للحديث المتقدم.
قالوا: والعلة في ذلك: لئلا يقال: هذه، وهذه قد فُعِل بها؛ ولئلا تلد خلقًا مشوهًا.
• وذهب الطحاوي، وبعض الشافعية إلى أنها إن كانت مما يؤكل؛ تُذبح، وإن لم تكن مما يؤكل؛ لم تقتل.
• وذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أنها لا تقتل.
وهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على ذلك. (٢)
стр. 5193
١٢١٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، [وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ] (١) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ. (٢)
الحكم المستفاد من الحديث
يستفاد من هذا الحديث أن الزاني البكر يجمع في حقه الجلد والتغريب.
وقد تقدم ذكر هذه المسألة وبيان مذاهب العلماء في ذلك.
стр. 5194
١٢١٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالمُتَرَجِّلَات مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
أصل مادة (خنث) بمعنى: التلين، والتكسر. والمقصود بالمخنثين من الرجال، أي: الذي يتشبه بالنساء في حركاته، وكلامه، وغير ذلك من الأمور المختصة بالنساء.
والمقصود بالمترجلات من النساء، أي: المتشبهات منهن بالرجال.
ولعل الحافظ ﵀ أورد الحديث في النهي عن ذلك؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى الفاحشة، وإشارة منهم إلى أنَّ هؤلاء المخنثين يستحقون التعزير بإبعادهم عن مخالطة الناس، أو بغير ذلك، ومن كان منهم خِلْقة فيكتفى فيه بإبعاده عن المخالطة، والله أعلم.
стр. 5195
١٢١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ادْفَعُوا الحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١)
١٢١٩ - وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظِ: «ادْرَءُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ». وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. (٢)
١٢٢٠ - وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ: بِلَفْظِ: ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: درءُ الحدود بالشبهات .
قال ابن المنذر ﵀ في كتابه «الإجماع» رقم (٦٣٩): وأجمعوا على أنَّ درء الحد بالشبهات. اهـ
وقد صح عن ابن مسعود ﵁ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٩/ ٥٦٧) أنه
стр. 5196
قال: ادرؤوا القتل، والجلد عن المسلمين ما استطعتم.
وثبت عن عمر ﵁ من طرق أنه ترك بعض الحدود؛ لوجود شبهة.
قال الشوكاني ﵀ في «النيل» (٤/ ٦٥٤): فيصلح بعد ذلك للاحتجاج به على مشروعية درء الحدود بالشبهات المحتملة لا مطلق الشبهة. اهـ
стр. 5197
١٢٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اجْتَنِبُوا هَذِهِ القَاذُورَاتِ الَّتِي نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ تَعَالَى، وَلْيَتُبْ إلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ ». رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَهُوَ فِي المُوَطَّأِ مِنْ مَرَاسِيلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. (١)
الحكم المستفاد من هذا الحديث
يستفاد من هذا الحديث أنَّ من وقع في حدٍّ من حدود الله، فستره الله؛ فالأفضل له أن يستتر بستر الله، وأن يستغفر الله، ويتوب إليه؛ لهذا الحديث.
ويجوز له أن يقر على نفسه عند الحاكم لإقامة الحد؛ فإنَّ في الحد كفارة؛ لما جاء عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أصاب من ذلك شيئًا؛ فعوقب به في الدنيا؛ فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله؛ فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه»، أخرجه البخاري برقم (١٨)، ومسلم برقم (١٧٠٩).
стр. 5198
بَابُ حَدِّ القَذْفِ
القذف في اللغة: الرمي بالشيء.
وفي الشرع: الرمي بالزنى، أو اللواط.
وهو من كبائر الذنوب، ودلَّ على تحريمه الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣].
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اجتنبوا السبع الموبقات ... » وذكر منها: «وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» أخرجه البخاري برقم (٢٧٦٦)، ومسلم برقم (٨٩).
وأجمع المسلمون على تحريم ذلك، وأنه من كبائر الذنوب.
١٢٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَوْمَ القِيَامَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: شروط إقامة حد القذف .
اشترط أهل العلم في إقامة حد القذف شروطًا في القاذف، وشروطًا في المقذوف.
أما في القاذف، فاشترطوا أن يكون عاقلًا، بالغًا، غير مكره، ولا تخفى الأدلة على ذلك.
وأما الشروط التي في المقذوف، فكما يلي:
١) أن يكون المقذوف مسلمًا. فلا يُقام الحد على من قذف كافرًا، ونُقِل عن ابن المسيب، وابن أبي ليلى أنه يحد من قذف ذمية لها ولد مسلم، دون من ليس لها ولد.
وردَّ الجمهور ذلك بعدم وجود دليل على هذا التفصيل.
٢) أن يكون المقذوف يمكنه الجماع، فلو قذف صغيرًا لا يمكنه الجماع؛ لم يُقَم عليه الحد.
стр. 5201
٣) أن يكون المقذوف عاقلًا، فلو قذف مجنونًا؛ لم يقم عليه الحد؛ لأنَّ المجنون ليس عليه في ذلك نقصٌ.
• وخالف ابن حزم في المسألتين فأوجب فيهما الحد.
٤) أن يكون المقذوف عفيفًا عن الزنى، فلو قذف من عُلِمَ منه الزنى؛ فلا يُقام عليه الحد.
٥) أن يكون المقذوف حُرًّا، فلو قذف عبدًا؛ لم يُقم عليه الحد عند الجمهور.
• وخالف داود الظاهري، فقال: يقام عليه الحد إذا توفرت فيه الشروط السابقة؛ لأنه يشمله عموم الآية. ونصره ابن حزم.
وقول داود أرجح، ويدل عليه أيضًا آخر أحاديث الباب المتقدمة، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: هل يُشترط في المقذوف أن يكون بالغًا ؟
• اشترط بعضُ أهل العلم البلوغَ، فلا يُقام حد القذف عندهم على من رمى صبيًّا بالزنى، وإن كان يقدر عليه. وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي؛ لأنه ليس بمكلف، ولا يُقام عليه حدُّ الزنى؛ فهو كالمجنون.
• وقال بعضهم: لا يُشترط ذلك، بل يكفي أن يكون قادرًا على الزنى، وهذا
стр. 5202
قول إسحاق، وأحمد في رواية، ومالك؛ لأنه يشمله عموم الآية، وفارق المجنون بأنَّ المجنون لا نقص عليه في ذلك؛ لزوال عقله، بخلاف الصبي. (١)
مسألة [٣]: قاذف الخصي والمجبوب، والرتقاء، والقرناء، هل يقام عليه الحد ؟
• مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر أنه لا يُقام عليه الحد؛ لأنَّ العار منتفٍ عن المقذوف بدونه؛ للعلم بكذب القاذف، والحدُّ إنما يجب لنفي العار.
• ومذهب الحنابلة أنه يجب الحد عليه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، ولأنه قاذف لمحصن؛ فيلزمه الحد، كقاذف القادر على الوطء، ولأنَّ إمكان الوطء أمر خفي لا يعلمه كثير من الناس؛ فلا ينتفي العار عند من لم يعلمه بدون الحد؛ فيجب كقذف المريض. اهـ
وهو قول الظاهرية، وهو الصحيح. (٢)
مسألة [٤]: مقدار حد القذف .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٨٦): وَقَدْرُ الْحَدِّ ثَمَانُونَ، إذَا كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا؛ لِلْآيَةِ وَالْإِجْمَاعِ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مُكْرَهٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُشْتَرَطَةٌ لِكُلِّ حَدٍّ. اهـ
стр. 5203
مسألة [٥]: إذا كان القاذف عبدًا، فكم يجلد ؟
• عامة أهل العلم على أنه يجلد في القذف أربعين تنصيفًا له، كما نصف في حد الزاني.
واستدلوا على ذلك بأثر عبدالله بن عامر بن ربيعة الذي في الباب، وقالوا: هو إجماع من الصحابة، ولا يعلم لهم مخالف في ذلك.
• ومذهب الظاهرية أنه يجلد ثمانين كالحر، وهو قول الزهري، وعمر بن عبدالعزيز، وحُكي عن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه فعل ذلك، واستدلوا بعموم الآية.
وقد أنكر عبدالله بن عامر بن ربيعة على أبي بكر بن حزم ذلك، وقال: أدركت أبا بكر ... ، كما في الباب، وفيه زيادة، وما رأيت أحدًا ضرب المملوك المفتري على الحر ثمانين جلدة قبل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
ورجح الإمام ابن عثيمين ﵀ القول بأنه يجلد ثمانون. والعمل بما ورد عن الصحابة أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: إقامة الحد تكون بمطالبة المقذوف .
قال الشيخ صالح الفوزان عافاه الله كما في «الملخص الفقهي» (٢/ ٥٣٧): قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لا يحد القاذف إلا بالطلب إجماعًا. اهـ (٢)
стр. 5204
مسألة [٧]: إذا طالب المقذوف بالحد، ثم عفا عنه ؟
• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وآخرين أنه يسقط عنه الحد؛ لأنَّ إقامة الحد حق للمقذوف.
• وقال الحسن، وأصحاب الرأي: لا يسقط بعفوه؛ لأنه حد، فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود.
وأُجيب بالفارق؛ فإنه لا يعتبر في سائر الحدود في أقامتها الطلب باستيفائها. (١)
مسألة [٨]: هل يقام الحد على من قذف ولده ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٨٨): وَإِذَا قَذَفَ وَلَدَهُ، وَإِنْ نَزَلَ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاذِفُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهُ حَدٌّ، فَلَا تَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِهِ قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ، كَالزِّنَا.
قال: وَلَنَا أَنَّهُ عُقُوبَةٌ تَجِبُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ، فَلَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ، كَالْقِصَاصِ، أَوْ نَقُولُ: إنَّهُ حَقٌّ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِالْمُطَالَبَةِ بِاسْتِيفَائِهِ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ. وَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، فَلَا يَجِبُ لِلِابْنِ عَلَى أَبِيهِ كَالْقِصَاصِ؛
стр. 5205
وَلِأَنَّ الْأُبُوَّةَ مَعْنًى يُسْقِطُ الْقِصَاصَ، فَمَنَعَتْ الْحَدَّ، كَالرِّقِّ وَالْكُفْرِ، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِالسَّرِقَةِ؛ فَإِنَّ الْأَبَ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ ابْنِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَذْفِ وَالزِّنَا: أَنَّ حَدَّ الزِّنَا خَالِصٌ لِحَقِّ الله تَعَالَى، لَا حَقَّ لِلْآدَمِيِّ فِيهِ، وَحَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ. اهـ (١)
مسألة [٩]: من قذف شخصًا بعمل قوم لوط ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٣٨٩): مَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ، إمَّا فَاعِلًا وَإِمَّا مَفْعُولًا، فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا هُوَ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى. وَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ امْرَأَةً أَنَّهَا وُطِئَتْ فِي دُبُرِهَا، أَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِوَطْءِ امْرَأَةٍ فِي دُبُرِهَا؛ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَمَبْنَى الْخِلَافِ هَاهُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. اهـ
مسألة [١٠]: إذا قال لشخص: (يا لوطي) فهل يسمع قوله في تأويلها ؟
كأن يقول: (أردت أنك من قوم لوط) أو (دينه دين لوط) أو (أنك تحب الصبيان، وتقبلهم، وتنظر إليهم) دون الفاحشة.
• فجماعةٌ من أهل العلم على أنه يقام عليه الحد، ولا يسمع منه التأويل؛ لأنّ
стр. 5206
هذه الكلمة لا يفهم منها إلا القذف بعمل قوم لوط؛ فكانت صريحة فيه كقوله: (يا زاني) ولأنَّ قوم لوط لم يبق منهم أحد؛ فلا يحتمل أن ينسب إليهم، وهذا قول الزهري، ومالك، وأحمد في رواية.
• وقال الحسن، والنخعي: لا حدَّ عليه. وهو قول أحمد في رواية.
• وعن أحمد رواية ثالثة: إن كان في غضب؛ أُقيم عليه الحد، بخلاف حال الرضى.
قلتُ: إن ظهرت من حاله القرائن على أنه أراد قذفه بالفاحشة؛ فلا يقبل منه، وإن ظهرت من حاله القرائن على أنه لم يرد ذلك؛ قُبِل منه، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: التعريض بالقذف .
كأنْ يقول لمن يخاصمه: ما أنت بزان. وما يعرفك الناس بالزنى. أو يقول: ما أنا بزانٍ، ولا أمي بزانية.
• فذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه لا حدَّ عليه، وهو قول عطاء، وعمرو بن دينار، وقتادة، والثوري، والشافعي، وأحمد في رواية، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.
واستدلوا بالحديث: «إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود»، وقد فرَّق الله بين التصريح بالخطبة، والتعريض بها للمعتدة.
стр. 5207
• وعن أحمد رواية أنَّ عليه الحد، وهو قول إسحاق؛ لأنَّ عمر ﵁ أقام الحد على من قال لآخر: ما أبي بزانٍ، ولا أمي بزانية. وهو من طريق: عمرة، عنه، ولم تلق عمر ﵁.
وعند البيهقي (٨/ ٢٥٢) إسناد آخر ظاهره الصحة أنَّ عمر ﵁ كان يجلد في التعريض، وهو في «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٤٢١).
وهذا عند الحنابلة إنما هو مع القرينة التي تدل على أنه أراد ذلك، والله أعلم. واختار هذا القول ابن القيم ﵀، وعزاه أيضًا لعمر بن عبدالعزيز، والأوزاعي، وأهل المدينة، ورد على حديث الأعرابي بقوله: ليس فيه ما يدل على القذف لا صريحًا ولا كناية، وإنما أخبر بالواقع مستفتيًا عن حكم هذا الولد أيستلحقه مع مخالفة لونه للونه، أم ينفيه؟ فأفتاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقرب له الحكم بالشبه الذي ذكره؛ ليكون أذعن لقبوله، وانشراح صدره، ولا يقبله على إغماض، فأين في هذا ما يبطل حد القذف.
قال: وكما يقع الطلاق، والعتاق، والوقف وغيرهما بالكناية، فكذلك ههنا. (١)
مسألة [١٢]: إذا نفى رجلاً عن أبيه، فهل عليه حد القذف ؟
ذكر جماعةٌ من أهل العلم أنَّ عليه الحد، وهو قول النخعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأبي حنيفة، وحماد، ومالك، والشافعي وغيرهم من أهل العلم؛ لأنَّ في ذلك قذفًا لأمِّه بالزنى، ونقل ذلك عن ابن مسعود بسند ضعيف.
стр. 5208
قلتُ: هو ظاهر في القذف إذا أراده، ولكن إذا ادعى أنه لم يرد قذفه، وإنما أراد أنه يختلف عن أبيه في صفاته؛ فعيره بذلك، فليس فيه حد القذف، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣]: لو نفى رجلاً من قبيلته ؟
• مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية أنه لا يجب الحدُّ بذلك؛ لأنه يحتمل غير القذف احتمالًا كبيرًا، فلا يتعين صرفه إليه، وإذا فسَّر ذلك بالقذف؛ فهو قاذف.
• وعن أحمد رواية أنَّ عليه الحد كما لو نفاه عن أبيه. قال ابن قدامة: والأول أصح. وهو كذلك. (٢)
مسألة [١٤]: إذا أقرَّ إنسان أنه زنى بامرأة سماها، فأنكرت، فهل عليه حد القذف ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يلزمه الحد، وهو قول أبي ثور، والحنابلة، والشافعية، وابن المنذر؛ لأنه قذفها بالزنى.
• وقال أبو حنيفة: لا يلزمه حد القذف؛ لأنه يتصور منه الزنى بها من غير زناها؛ لاحتمال أن تكون مكرهة، أو موطوءة بشبهة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: في حديث سهل بن سعد عند أبي داود (٤٤٣٧)(٤٤٦٦)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جلد الرجل الحد وتركها، ولم ينقل أنه جمع عليه حدَّين
стр. 5209
حد القذف، وحد الزنى. (١)
مسألة [١٥]: من قذف رجلا بالزنى ولم يقم البينة على ذلك، فزنى المقذوف بعد ذلك ؟
• جماعة من أهل العلم يقولون: لا حدَّ عليه؛ لأنَّ وجود الزنى منه يقوي قول القاذف؛ ولأنه قد صار زانيًا، فانطبق عليه ما رمي به. وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ عليه الحد؛ لأنه قد وجب عليه، وهذا قول أحمد، والثوري، وأبي ثور، والمزني، وداود الظاهري.
قلتُ: القول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٦]: من قذف جماعةً بكلمات متفرقة ؟
• قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤٠٧): وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَاتٍ؛ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ حَمَّادٌ، وَمَالِكٌ: لَا يَجِبُ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ تُوجِبُ حَدًّا، فَإِذَا تَكَرَّرَتْ؛ كَفَى حَدٌّ وَاحِدٌ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ جَمَاعَةٍ، أَوْ زَنَى بِنِسَاءٍ، أَوْ شَرِبَ أَنْوَاعًا مِنْ الْمُسْكِرِ. وَلَنَا أَنَّهَا حُقُوقٌ لِآدَمِيِّينَ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ، كَالدُّيُونِ وَالْقِصَاصِ. وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ حَقٌّ لله تَعَالَى. اهـ (٣)
стр. 5210
مسألة [١٧]: من قذف جماعةً بكلمة واحدة ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ عليه حدًّا واحدًا، وهو قول طاوس، والشعبي، والزهري، والنخعي، وقتادة، وحماد، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة وصاحبيه، وأحمد في رواية، والشافعي في قولٍ، وإسحاق.
واستدلوا على ذلك بالآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، ولم يفرق بين قذف واحد، أو جماعة؛ ولأنَّ الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة؛ فلم يحدهم عمر إلا حدًّا واحدًا؛ ولأنه قذف واحد؛ فلم يجب إلا حد واحد.
• وذهب أحمد في رواية، والشافعي في قولٍ إلى أنَّ عليه لكل واحد منهم حدًّا، كما لو قذفهم بكلمات.
وأُجيب عن ذلك: بأنَّ الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه، وبحد واحد يظهرُ كذبُ هذا القاذف، وتزول المعرة؛ فوجب أن يُكتَفَى به، بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفًا مفردًا؛ فإنَّ كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في آخر، ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده للآخر. (١)
مسألة [١٨]: إذا قذف رجلاً واحدًا مرات ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤٠٧): وَإِنْ قَذَفَ رَجُلًا مَرَّاتٍ، فَلَمْ يُحَدَّ؛ فَحَدٌّ وَاحِدٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ قَذَفَهُ بِزِنًى وَاحِدٍ، أَوْ بِزَنْيَاتٍ. وَإِنْ قَذَفَهُ
стр. 5211
فَحُدَّ، ثُمَّ أَعَادَ قَذْفَهُ، نَظَرْت؛ فَإِنْ قَذَفَهُ بِذَلِكَ الزِّنَا الَّذِي حُدَّ مِنْ أَجْلِهِ؛ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ أَوْجَبَ حَدًّا ثَانِيًا. وَهَذَا يُخَالِفُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرَةَ لَمَّا حُدَّ بِقَذْفِ الْمُغِيْرَةِ أَعَادَ قَذْفَهَ فَلَمْ يَرَوْا عَلَيْهِ حَدًّا ثَانِيًا.
قال: فَأَمَّا إنْ حُدَّ لَهُ، ثُمَّ قَذَفَهُ بِزِنًى ثَانٍ، نَظَرْت؛ فَإِنْ قَذَفَهُ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ، فَحَدٌّ ثَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تَسْقُطُ حُرْمَةُ الْمَقْذُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَاذِفِ أَبَدًا، وَإِنْ قَذَفَهُ عَقِيبَ حَدِّهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. انتهى باختصار.
والصحيح أنه إن قذفه بعد الحد الأول؛ استحق أن يقام عليه الحد مرة أخرى، سواءٌ طال الفصل، أم لم يطل، والله أعلم.
مسألة [١٩]: إذا قال لامرأةٍ: زنيت وأنت مكرهة ؟
• ذكر أهل العلم أنه لا يكون قاذفًا للمرأة؛ لأنه رماها بوطء ليست بزانية فيه.
• وذكر بعض الشافعية أنه يعزر. وهذا قول قريب. (١)
مسألة [٢٠]: إن قذف جماعةً لا يحتمل صدقه في ذلك ؟
كأن يقول: القبيلة الفلانية كلهم زناة. أو مدينة بغداد. أو ما أشبه ذلك؛ فهذا ليس عليه حد القذف؛ لأنَّ القذف هو فيما احتمل الصدق، أو الكذب، وههنا يقطع بكذبه، ويعزر على الكذب لحق الله تعالى، ولأذية المسلمين. (٢)
стр. 5212
مسألة [٢١]: قذف الملاعنة .
ذكر أهل العلم أنَّ من قذف الملاعنة؛ أُقيم عليه الحد.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤٠١): نصَّ أحمد على هذا، وهو قول ابن عمر (١)، وابن عباس (٢)، والحسن، والشعبي، وطاوس، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وجمهور الفقهاء، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ
١٢٣١ - وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
تعريف السرقة:
السرقة لغة: أخذ الشيء على وجه الخُفية، والاستتار، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر:١٨].
وفي الشرع: أخذ مال الغير ظلمًا خفية من حرزِ مثله. (٢)
مسألة [١]: حد السرقة .
حد السرقة قطع اليد، دلَّ عليه الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] الآية.
وأما من السنة: فأحاديث الباب. وأجمع المسلمون على وجوب قطع يد السارق في الجملة. (٣)
стр. 5215
مسألة [٢]: نصاب المال الذي تقطع فيه يد السارق .
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ أقل ما تقطع فيه اليد ربع دينار من الذهب، أو ما يعادله من غيره. وهذا قول الشافعي وأصحابه، وأبي بكر بن حزم، وعمر بن عبدالعزيز، والأوزاعي، والليث، ورواية عن إسحاق، وعن داود، وهو قول عائشة ﵂، ونُقل عن عمر، وعثمان، وعلي ﵃، والأسانيد إليهم ضعيفة كما في «الفتح»، و «الأوسط» (١٢/ ٢٧٨)
واستدل هؤلاء بحديث عائشة ﵂ الذي في الباب، وهو صريح في ذلك.
• وذهب جماعةٌ إلى أنَّ النصاب ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما، وهذا قول مالك، وأحمد في رواية، وإسحاق.
واستدلوا على ذلك بحديث عائشة ﵂، وحديث ابن عمر ﵄، المذكورين في الباب.
• ونُقل عن أحمد رواية أنه يقطع في ثلاثة دراهم، ويقوم ما عداها بها، ولو كان ذهبًا، وحكاه الخطابي عن مالك، والمشهور عنه القول الذي قبله.
• تقطع اليد في ربع دينار، وفي ثلاثة دراهم، وما يبلغ قيمة أحدهما، وهو المشهور عن أحمد، ورواية عن إسحاق؛ لحديث عائشة، وابن عمر ﵃.
• تقطع في خمسة دراهم، قال بذلك ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، ونقل عن الحسن، وسليمان بن يسار، ونقله ابن المنذر (١٢/ ٢٧٨) عن عمر ﵁ بإسناد
стр. 5216
صحيح من طريق: سعيد بن المسيب عنه. وثبت عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قطع في مجن قيمته خمسة دراهم، ولا يفيد ذلك الحصر.
وجاء في ذلك حديث مرفوع أخرجه ابن أبي شيبة من طريق: عيسى بن أبي عزة، عن الشعبي، عن ابن مسعود، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قطع في خمسة دراهم. وهذا حديث ضعيف أنكر على عيسى بن أبي عزة، أنكره يحيى القطان كما في «الضعفاء» للعقيلي، والشعبي لم يسمع من ابن مسعود، والحديث ليس فيه دلالة على التحديد.
• وذهب الحنفية إلى تحديد القطع بعشرة دراهم، وما بلغ قيمتها من الذهب والعروض. وجاء ذلك عن ابن مسعود ﵁، من طريق القاسم بن عبد الرحمن، عنه. ولم يسمع منه.
واستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «لا قطع إلا في عشرة دراهم».
أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٤)، والدارقطني (٣/ ١٩٢)، من طريق: حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، به، وحجاج ضعيف، ومدلس، ولم يصرح بالتحديث.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يقطع في القليل والكثير، وهو قول داود الظاهري، ونُقل عن الحسن، وابن بنت الشافعي، وقال بذلك الخوارج؛
стр. 5217
لعموم الآية.
واستدل بعضهم بحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب: «لعن الله السارق يسرق البيضة ... ».
• ونُقِل عن النخعي أنَّ القطع يكون في أربعين درهمًا، وعنه: دينار، أو ما بلغ قيمته.
• قال ابن حزم: يقطع في ربع دينار فصاعدًا من الذهب؛ لحديث عائشة، وأما من غيره فيقطع في القليل والكثير.
• وعن عثمان البتي القطع في درهم فصاعدًا.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو القول الأول، وحديث المجن محمول على أنَّ الثلاثة الدراهم كانت تساوي ربع الدينار.
وأما حديث: «لعن الله السارق ... »، فأُجيب عنه بأنَّ المقصود بالبيضة ما يغطي به المقاتل رأسه، وبالحبل حبل السفينة. وقيل وهو أقوى من الذي قبله: ليس المراد بهذا الحديث القطع بسرقة البيضة والحبل، بل المراد الإخبار بتحقير شأن السارق، وخسارة ما ربحه من السرقة، وهو أنه إذا تعاطى هذه الأشياء الحقيرة؛ صار ذلك خلقًا له جرَّأه ذلك على سرقة ما هو أكثر من ذلك مما يبلغ قدره ما يقطع به.
وقد توسع الحافظ ابن حجر ﵀ في ذكر الأقوال في هذه المسألة، فبلغت
стр. 5218
عشرين قولًا، وأشهرها ما تقدم ذكره، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إذا سرق شيئًا فيه القطع، ثم نقصت قيمته قبل أن تقطع يده ؟
• مذهب مالك، وأحمد، والشافعي أنه يقطع؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾؛ ولأنه نقص حدث في العين؛ فلم يمنع القطع كما لو حدث باستعماله، والنصاب شرطٌ لوجوب القطع؛ فلا تعتبر استدامته كالحرز.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يقطع؛ لأنَّ النصاب شرط، فتعتبر استدامته.
وأُجيب عنه بأنه شرط لوجوب الحد لا لإقامة الحد، وقد حصل الشرط. (٢)
مسألة [٤]: النباش، هل تقطع يده بسرقة الكفن ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه إن سرق كفنًا يبلغ النصاب؛ قُطعت يده، وهو قول الحسن، وعمر بن عبدالعزيز، وقتادة، والشعبي، والنخعي، وحماد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر. وقالوا: هو سارق؛ فيشمله عموم الآية؛ لأنه أخذ ملك الميت.
• وذهب الثوري، وأبو حنيفة إلى أنه لا يقطع؛ لأنه لم يسرق من حرزٍ، فالقبر ليس بحرز، والحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ، والكفن لا يوضع في القبر لذلك؛ ولأنَّ الكفن لا مالك له.
стр. 5219
وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الزهري قال: أتى مروان بن الحكم بقوم يختفون القبور يعني ينبشون فضربهم، ونفاهم، وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون.
قلتُ: وهذا العمل أقرب، أعني أنهم يعزرون فقط، ولا يقام عليهم الحد. (١)
تنبيه: إذا وضع في القبر ذهب، أو مال غير الكفن، فأخذه النباش؛ فلا قطع عندهم جميعًا؛ لأنَّ هذا ليس بحرزمثله. (٢)
مسألة [٥]: هل يقطع في سرقة الْمُحَرَّم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤٥٧): لَا يُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ مُحَرَّمٍ؛ كَالْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَنَحْوِهَا، سَوَاءٌ سَرَقَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ سَارِقَ خَمْرِ الذِّمِّيِّ يُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُمْ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ دَرَاهِمَهُمْ.
قال: وَلَنَا أَنَّهَا عَيْنٌ مُحَرَّمَةٌ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهَا، كَالْخِنْزِيرِ؛ وَلِأَنَّ مَا لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ، لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ، كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِالْخِنْزِيرِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ؛ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ دُونَ أَحْكَامِهِمْ، وَهَكَذَا الْخِلَافُ مَعَهُ فِي الصَّلِيبِ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مَعَ تَأْلِيفِهِ نِصَابًا.